الشاعرات السعوديات... من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب

أسماء عطا جاد الله ترصد ملامح من قصائدهن

الشاعرات السعوديات... من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب
TT

الشاعرات السعوديات... من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب

الشاعرات السعوديات... من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب

مقاربة نقدية لعطاء المرأة السعودية في الشعر، وتحولاته ما بين الماضي والحاضر وما ينطوي عليه من هموم وملامح خاصة. تقدمها الباحثة أسماء عطا جاد الله في كتابها «الانفلات النصي - دراسة تفكيكية في القصيدة النسوية السعودية المعاصرة»، الصادر حديثاً عن دار أروقة للنشر بالقاهرة في نحو 300 صفحة من القطع الكبير.
ترى المؤلفة في الجزء النظري من الكتاب أن مفهوم «الانفلات النصي في الكتابة الشعرية» يتماس مع عملية أشمل تختص بانفتاح حواء على قضايا المجتمع وتفاعلها مع محيطها، كما يعكس بحثها عن كينونتها الخاصة، لافتة إلى أن هذا الانفلات «يأخذ أشكالاً مختلفة على المستويات الأدبية والنقدية والشعرية لتخرج المبدعة عن القواعد القديمة وتعتنق أنماطاً مغايرة نابعة من الذات المتحررة والمستقلة، بشكل يساهم في تغيير النظرة الدونية تجاهها باعتبارها كماً مهملاً لا مكان له خارج جدران المنزل».
والقصيدة النسوية السعودية، كما تضيف، تحاول دائماً هضم تراثها الأدبي، ومحاورته تمهيداً لتمثله عبر وعي جديد يخرجها من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب، من رتابة القناعات المسبقة إلى قلق السؤال.
ويأتي فضاء التطبيق في الكتاب كاختبار لمجمل الأفكار النظرية، وذلك بالتركيز على مختارات من نصوص الشاعرات، فتستشهد على سبيل المثال بقصيدة «استباحات السكون» للشاعرة «فوزية العريض»، وترى أنها تعبر من خلالها عن معاناتها الروحية، وأشواقها إلى عالم يحنو فيه البشر على البشر، وكما تقول:
«كيف لي أن أعبر
وضباب الصمت إذ يملأ عيني
كيف أبقى مبصرة
عندما أصغي لأصدائي
وصمتي يعتريني»
وأيضاً تستشهد بما ذهب إليه د. سعد البازعي في كتابه «ثقافة الصحراء» من أن العملية الإبداعية في جوهرها لا تعرف التفرقة بين رجل وامرأة، والتاريخ لا ينحاز إلا للأكثر صدقاً وبهاءً وتجديداً بصرف النظر عن النوع أو الهوية.
ولا ينفصل مفهوم «النسوية» الذي تتخذه الباحثة عتبة للدرس النقدي عن تداعياته كمذهب نقدي جديد ظهر في ستينيات القرن العشرين قبل أن يتبلور كخطاب منظم في أوائل السبعينيات، مستهدفاً إثبات حضور المرأة والتعبير عن تجاربها وطاقاتها في الثقافات المختلفة؛ مؤكدة أن المرأة لعبت دوراً مهماً في إثراء الحركة الأدبية والشعرية في السعودية، وبدأ عطاؤها يساير مثيلاتها بالدول الأخرى، كما بدأ ينتشر لها خارج الحدود. وتشير هنا إلى أن «الكتابة الإبداعية أصبحت وجهة نظر تتكون من تفاعل الذات والذوات المحيطة بها، فهي ذات تحاول المواجهة لتحقيق التوازن النفسي من خلال فعل الكتابة»، وهو ما تجسده الشاعرة «هدى الدغفق»، حيث ترى الباحثة أن قصيدتها تجسد محنة الاغتراب في محاولة للتكيف مع الوجود، عبر مساحات من الهدوء والظل والسكينة، وكما تقول:
«أنهل رماد أحلامي
لا تألفني غرفتي الصغيرة
إلى أي غربة أرحل
يدي ذابلة»
وعن الشاعرة بديعة كشغري، ترى أنها تدلف إلى منطقة جديدة تماماً، حيث الولع والمغامرة والنبش في الماضي، مثلما تقول في قصيدة لها:
«أحمل جرحي من ألف عام
أفتش عنك في جنة الله والأرض
في كل مكان
في كل آن بلقيس باسم الحضارات
ألقاك هنا»
وبحسب الباحثة تجسد القصيدة سؤال الهوية النسوية عبر التاريخ، حيث تفتش الشاعرة عن أدلة ثابتة تؤدي بها إلى الجدة بلقيس التي أسست حضارة الماضي لتكمل دورها بالحياة.
ومن خلال النبش ورفع الأغطية السوداء عن أشواق المرأة المشروعة للخير والحق والجمال، تنطلق الكتابة الشعرية إلى آفاق جديدة كما هو الحال عند الشاعرة «لطيفة قاري»:
«حين أصوغ قصائد مثقلة بالرحيق
تضع سنابل روحي
ويجتاحني ظمأ ليس يُروى
فكيف أغادر دنيا أسكنها كالغريب
وكيف تغادرني حين أغفل عنها»
وتعتبر الباحثة الشاعرة «فوزية أبو خالد» نموذجاً فريداً من نوعه في الشعر السعودي، مشيرة إلى أنها اقتحمت الساحة الأدبية واعتنقت قصيدة النثر كجنس أدبي جديد ومخالف لكل ما كان سائداً... تقول في قصيدة لها:
«أركض الآن بين الصور
بين وكالات الأنباء الزرقاء
العسلية الخضراء
أتلمس وجه البلاد
أستحيل من خجلي
إلى شيء يشبه الانحناء
انحناء النخل بباب الوظيفة
أو بباب مدينة الرماد»
وتتحدث المؤلفة عن الفترة بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي أحدثت نقلة كبيرة عبر كوكبة من شعراء الحداثة، ترى أنهم أحدثوا تغيير كبيراً في شكل القصيدة السعودية. وظهور أسماء شعرية جديدة تستمد إلهامها من مصادر ومؤثرات مختلفة كالثبيتي، عبد الله الصيخان، ثريا العريض، لطيفة قاري، وغيرهم، مؤكدة أن الشاعرات السعوديات كسرن الأفق الضيق للمحلية، وانطلقن صوب العالمية، فترجمت بعض أعمالهن للغات أساسية كالفرنسية مثل هدى الدغفق التي تعتبر امتداداً لتجربتي فوزية أبو خالد، وأيضاً ثريا أبو عريض التي يلقبها د. غازي القصيبي بـ«زرقاء الظهران»، والتي ترجمت بعض أعمالها إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية.
وترصد الباحثة أن التحول من الشعر العمودي التقليدي إلى قصيدة النثر مروراً بشعر «التفعيلة» يعد نموذجاً دالاً على التمرد الإبداعي لدى جيل جديد من الشاعرات السعوديات، جعلن النص الجديد قادراً على تمثل كل ما في الوجود من انفعالات متضاربة بالتوافق مع كسر القافية والإيقاع الذي يعوق حركة الشاعرة داخل النص دون خوف أو تقييد.
هذا الكتاب عموماً محاولة جادة ورصينة لتقديم أصوات مختلفة، حاولت مؤلفته رصد التحولات التي طرأت على المشهد الشعري النسوي السعودي، كانعكاس لثورة التحرر النسائية في المشهد العالمي، لكن الاستغراق في الطابع الأكاديمي جعل مصطلح «الانفلات» يبدو - أحياناً - أكثر التباساً للقارئ.



«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.