«أصيلة» المغربية تراهن على الفن والأمل للتغلب على «كورونا»

مدينة مرسومة باليد قبل أكثر من أربعة عقود

أطفال أصيلة
أطفال أصيلة
TT

«أصيلة» المغربية تراهن على الفن والأمل للتغلب على «كورونا»

أطفال أصيلة
أطفال أصيلة

رغم الظروف الاستثنائية التي رافقت جائحة كورونا، حرصت مؤسسة منتدى أصيلة في المغرب على رسم طريق التخلص من الآثار النفسية للحجر الصحي، مستندة إلى الفن لزرع الأمل في نفوس سكان مدينة الفنون.
ولم تخلف المدينة العتيقة لأصيلة هذه السنة موعدها مع الجداريات، التي دأبت مؤسسة منتدى أصيلة، منذ عام 1978 على تنظيمها واستدعاء فنانين مغاربة وأجانب لإنجازها لتصبح مدينة مرسومة باليد بامتياز منذ أزيد من أربعة عقود.
لكن جداريات هذا العام كانت في جلها من إبداع فنانين زيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) مخضرمين، وثلّة من اليافعين والأطفال المبدعين، غمسوا ريشاتهم في ألوان الأمل لتزيين طريق الخلاص من التبعات النفسية للجائحة.
ويلخّص مشهد في أحد أزقة المدينة العتيقة القصة، حيث تتراءى لزائرها مجموعة من الفتيان والفتيات وقد بدت على محياهم ابتسامات ملائكية وهم يرافقون مؤطرتهم وهي تواكبهم في خطواتهم الأولى في سفر فني متعدد الوجهات، في حين يحمل فنانون تشكيليون من المدينة نفسها في أيديهم ريشاتهم وأدوات صباغة وهم منغمسون برسم الجداريات والسباحة في ألوان الحياة.
في هذه المدينة ترعرعوا، وأمضوا طفولتهم بين أزقتها، وعاينوا أسلافهم الفنانين يرسمون هذه الجداريات الضخمة فساروا على نهجهم. لكل واحد من هؤلاء نمط يتبناه وفلسفة يتّبعها، غير أنهم أجمعوا على «تجديد حلّة مدينتهم» وبعث الأمل والسرور في هذه اللحظات العصيبة التي يعيشها العالم بسبب الجائحة.
في سياق ذلك، قال الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى، في تصريح صحافي، إنه عقب اتخاذ قرار تأجيل الدورة الـ42 من موسم أصيلة الثقافي الدولي بسبب تداعيات جائحة «كوفيد – 19»، «ارتأينا تنظيم معرض فني بغية الخروج من أجواء الضيق والحزن التي تخيّم على حاضرة دأبت على الظهور في أبهى صورها، ولا سيما إبان فترة الصيف».
وأبرز بن عيسى أن فناني أصيلة اتفقوا على الإبقاء على فقرة الجداريات، وهي جزء من فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي، باعتبارها لا تتطلب تجمهر الناس، وكذا بالنظر إلى أنها كانت أول ما تبدأ به جميع الفعاليات الثقافية بالمدينة منذ سنة 1978. وأضاف أن «هذا لم يمنع مع ذلك من الترحيب بالزوار، ليس بعدد كبير كما كان معتاداً في السابق، الذي يأتون من مدن طنجة وتطوان والعرائش بالخصوص، ما خلق دينامية تجارية نوعاً ما».
وأشار بن عيسى إلى أن هذا النشاط يهدف إلى بعث طمأنينة وارتياح وأمل سكان مدينة أصيلة بعد حالة اتسمت بنوع من «الاكتئاب»، وذلك من خلال منح فرصة للجمهور للتأمل في جداريات جميلة رسمت بألوان زاهية.
من جانبه، أشار الفنان التشكيلي محمد العنزاوي، والمشرف على ورشة الجداريات والصباغة بمؤسسة منتدى أصيلة، إلى أن دورة هذا العام «استثنائية»؛ لأن الجائحة فرضت على العالم والمغرب بطبيعة الحال، وقف كل الاحتفاليات والمهرجانات، مبرزاً أن المؤسسة قرّرت الخروج من ضائقة الجائحة بنشاط يشرف عليه فنانون محليون بغية الترويح عن الناس ومنحهم جو البهجة والسرور.
الجدارية التي رسمتها ريشة التشكيلي العنزاوي مستوحاة من اللوحة الشهيرة لبابلو بيكاسو المناهضة للحرب بعنوان «غيرنيكا»، مع تغيير بعض ملامح شخوصها وإلباسهم أقنعة واقية لتتماشى والتهديد الذي تشكله الجائحة على العالم.
بدورها، تحاول الفنانة اليافعة هبة الفخاري، وهي تضع اللمسات الأخيرة على جدارية شاركت فيها برسم حمامة سلام تحلّق في سماء مدينة ذات معمار مغربي أصيل، تجسيد شعار هذه الدورة «كورونا... المواجهة والأمل»، موضحة أنها تقول للناس عبر الرسم، إن «الأمل هو أفضل وسيلة للتغلب على الفيروس، والفن يبقى طريقة فضلى للتعبير عن المعاناة بعد الجائحة، وهذه الدورة المصغّرة من موسم أصيلة الثقافي تبقى مناسبة للتخفيف عن الإحساس بالفقد الذي انتابنا خلال الحجر المنزلي».
بدوره، اختار الفنان التشكيلي حكيم غيلان المشاركة في جداريات أصيلة عبر تيمة «القطط اللعوب» على خلفية بلون أصفر طاغ على العين، معتبراً أن الغرض تمرير رسالة واضحة للحفاظ على جذوة الأمل متقدة وإبقاء روح المرح في إطار الجائحة، مضيفاً «لقد اخترت القطط لأنها حيوانات معروفة بروحها المرحة، وقدرتها على إدخال الفرح والسرور على الإنسان».
القطط التي رسمها هذا الفنان ستتجاوز حدود هذه الجدارية لتتجوّل بين أسوار المدينة العتيقة، حيث يخفي غيلان مفاجأة لسكان المدينة الأطلسية وزوارها، تتمثل في رسم 70 قطاً بمختلف الأزقة، وإطلاق مسابقة مفتوحة أمام الجميع لإيجاد أكبر عدد من القطط ومشاركة الصور على منصات التواصل الاجتماعي للفوز بلوحة فنية أصلية.
بينما يجسد الفنان المغربي المتخصص في الجداريات، عبد القادر الأعرج إحساسه بالانتماء إلى هذه المدينة وتفاعله مع عمرانها وناسها وألوانها وأشكالها، وهو الذي دأب منذ أكثر من 40 سنة على القدوم إليها من الدار البيضاء، وإبداع جداريات تزين أسوارها على مدى العام، موضحاً أن موضوع الجدارية هو «مدينة أصيلة ذاتها، المدينة الفنية بعمرانها وأقواسها وأزقتها، فأنا لا أختار الألوان والأشكال، بل فقط أرسم ما أحس وأنا فيها، أصيلة في حد ذاتها لوحة فنية».
من جهتها، قالت الفنانة التشكيلية، بدرية الحساني، إن هذا النشاط يشكل فرصة لها للعودة إلى مسقط رأسها، معبرة عن سعادتها بمبادرة مؤسسة منتدى أصيلة على تنظيم «النسخة المحلية» من الموسم الثقافي الدولي لمدينة أصيلة. وأوضحت أنه «فيما يتعلق بالموضوعات التي اشتغلت عليها، فقد اخترت أن أكون متفائلة من خلال اختيار ألوان مشرقة»، مضيفة أنه على الرغم من كل ما يقال عن الحجر الصحي فإنه سمح للطبيعة أن تتنفس، وللأشخاص بأن يثمنوا البساطة المستوحاة من المناظر الطبيعية، كمنظر الفراشة، والخضرة، والأشجار.
من جانبه، اختار الرسام أنس البوعناني لوحة جدارية على شكل رسالة أطلق عليها اسم «رسالة إلى بلدي». وأشار إلى أن كلمة «بلد» استخدمت هنا بالمعنى الأكثر شمولية للكلمة، موضحاً أنها قد تحيلك على «بلدنا المغرب»، كما يمكن أن تحيل على مدينة «أصيلة»، أو على «العالم» بشكل عام.
وتابع البوعناني، وهو أستاذ الفنون التشكيلية، قائلاً «إنها أيضاً رسالة عرفان لبلدنا المغرب على الدعم الذي ما فتئ يقدمه لنا، خاصة في هذه الأوقات الصعبة لـ(كوفيد – 19)».
أمّا بالنسبة للفنان معاذ الجباري، فإن الأمر يتعلق بتجربة «مختلفة قليلاً»، خاصة مع توظيف إكسسوار جديد هو «الكمامة».
ويقول الجباري «من جهتي، اخترت إعادة رسم (الموناليزا) للرسام الإيطالي ليوناردو دا فينشي بطريقتي الخاصة، بحيث أضفت كمامة على وجهها»، مشيراً إلى أن هذا يعكس الوضع الحالي الذي يعيشه العالم، وفي إيطاليا التي تضرّرت كثيراً من هذا الوباء.
وتبقى أصيلة، مدينة مفعمة بالفن والثقافة، والجداريات أحد محاور الأنشطة التي سطرتها مؤسسة منتدى أصيلة لمساعدة الناس على تجاوز الجائحة، إلى جانب المعارض ووضع منحوتة فنية كبرى بأهم مدارات مدينة أصيلة، وفق ما قاله توفيق لوزاري، النائب الثاني للأمين العام للمؤسسة، مشدداً على أن كل الأنشطة تتم وفق التدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية كلبس الكمامة والتعقيم والتباعد الجسدي.
ويبدو من هذا الاهتمام الشعبي بالفنون ومشاركة الفنانين والأهالي في أنشطة الجداريات، أن المؤسسة ربحت رهان مواجهة الفيروس بالفن، فهدف هذه الأنشطة – التي تمتد من 15 إلى 30 يوليو (تموز)، حسب لوزاري، يكمن في التخفيف من وطأة الحجر عن سكان المدينة وزوارها، وخلق البهجة في نفوس الأطفال والشباب، وإشراك الفنانين المحليين، المخضرمين واليافعين، في تزيين وتجميل المدينة وخلق جو من السرور والبهجة لتجاوز الجائحة.
وإذا كانت الجائحة قد منعت، على غير العادة، توافد الفنانين والمثقفين من مختلف بقاع المعمورة على موسم أصيلة الثقافي الدولي، فإن أبناء المدينة كانوا في الموعد للحفاظ على تقليد سنوي شكّل منبع صيت لمدينتهم على امتداد العقود الماضية، تقليد الجداريات الذي ساهمت من خلاله مؤسسة منتدى أصيلة في دمقرطة الفن التشكيلي وإخراجه من إطار النخبوية وتقريبه من عموم الناس.



بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
TT

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

أقرَّ وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس (آذار) من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

وجاء الاعتماد، خلال اجتماع للوزراء في المنامة، الخميس؛ بناءً على مقترح تقدَّمت به السعودية ممثلةً بمجلس شؤون الأسرة، انطلاقاً من مبادرة كويتية لتخصيص يوم للمرأة الخليجية، وحظي بتوافق أعضاء اللجنة الدائمة لشؤون المرأة بدول الخليج.

ويستند اختيار 4 مارس إلى الدلالة التي تحملها المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون، وما تجسده من أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، بما يعكس دور المرأة بصفتها شريكاً فاعلاً في مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويكتسب التاريخ بُعداً إعلامياً لوقوعه في مستهل الشهر الذي يشهد اهتماماً عالمياً بقضايا المرأة، بما يتيح مساحة خليجية للاحتفاء بها وإبراز إسهاماتها، قبيل يومها الدولي في 8 مارس.

ناقش المجتمعون استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة (مجلس التعاون)

ويُمثِّل اعتماد يوم المرأة الخليجية مناسبة سنوية لإبراز إسهاماتها وحضورها في مختلف المجالات، وتقديم تجربة تعكس خصوصية دول مجلس التعاون وهويتها المشتركة.

كما تُعزِّز هذه المناسبة السنوية حضور المرأة في مسارات العمل الخليجي المشترك، بما يجسد روح التكامل والتعاون بين دول المجلس.

وناقش الاجتماع عدداً من الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون، بينها استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة، التي تتناول محاور عدة، من أبرزها، مهارات سوق العمل، ومكافحة العمل الجبري والاتجار بالأشخاص، وتعزيز التوازن وتكافؤ الفرص في السوق.

وبحث الوزراء مواصلة إعداد الإطار الاسترشادي الخليجي للوظائف الخضراء، وآخر لتنظيم وتوحيد جهود استقدام عمال الخدمة المنزلية في دول المجلس، ومشروع لتنظيم بيئة العمل في اقتصاد المنصات، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وجاهزية أسواق العمل.


بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
TT

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

في عام 2006، أثار فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا - بأسلوبه الخيالي وألوانه الزاهية التي تشبه الحلوى - انقساماً في الآراء بين الجمهور، وذلك بسبب تفاصيل حديثة مثل أحذية للمصمم مانولو بلانيك، والموسيقى التصويرية المعاصرة. ومع ذلك، تحوَّل الفيلم بمرور الوقت إلى عمل كلاسيكي، ويحتفي «قصر فرساي» بالذكرى الـ20 لصدوره من خلال معرض يُقام في «بيتيت تريانون (Petit Trianon)»؛ وهو القصر الصغير الواقع ضمن المجمع الملكي والذي خُصِّص للملكة لاستخدامها الخاص في سبعينات القرن الـ18، حيث صُوِّرت أجزاء من فيلم «ماري أنطوانيت».

يُقام المعرض تحت إشراف هيلين ديلاليكس ولوران سالومي ويستمر حتى 24 يناير (كانون الثاني)، حيث يعرض من جديد الأزياء التي صمَّمتها ميلينا كانونيرو (والتي نالت عنها جائزة الأوسكار) إلى جانب مجموعة من الدعائم السينمائية والرسومات التخطيطية والصور الفوتوغرافية. وفي الغرف الخاصة بماري أنطوانيت، تُستخدَم تماثيل عرض الملابس (ألمانيكان) لإعادة تجسيد بعض المشاهد واللقطات من الفيلم.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

كما تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور، التي صوَّرت نحو 100 ساعة من اللقطات خلف الكواليس بهدف إنجاز فيلم وثائقي. ورغم رحيل إليانور كوبولا في عام 2024 دون إتمام المشروع، فإن ابنتها أكملته نيابة عنها. ومن المقرر طرح الفيلم الوثائقي «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)» - الذي يُعدُّ بمثابة كبسولة زمنية توثِّق الفيلم الأصلي ومسيرة مخرجة شابة كانت تشق طريقها في عالم السينما - في دور العرض الأميركية بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول).

في مقابلة حديثة، تحدثت كوبولا (55 عاماً) عن عودتها إلى قصر فرساي، ونضالها من أجل إبراز المنظور النسائي في الفيلم، ومشاهدتها لمقاطع فيديو معدلة بأسلوب «الهيب هوب» لفيلم «ماري أنطوانيت» على منصة «تيك توك».

فيما يلي مقتطفات محرَّرة من تلك المحادثة.

* هل شعرتِ بالمفاجأة عندما تواصل معكِ مسؤولو «قصر فرساي» بخصوص هذا المعرض؟

- نعم، لقد فوجئت حقاً؛ كان شعوراً سريالياً أن أُوجد هناك مجدداً، في المقر الحقيقي لماري أنطوانيت، ومعي الأزياء التي استُخدِمت في نسختنا من الفيلم. لقد أعجبني اهتمام القائمين على المعرض بمواد التحضير والأبحاث، لذا تحمَّست لفتح الصناديق التي كنت أحتفظ بها في مخزن بمنزل عائلتي في «نابا فالي». كما احتفظت آن سيبيل، مديرة العمل الفني، بكثير من الأشياء، وقامت مُصمِّمة الأزياء الرائعة لدينا، ميلينا كانونيرو، بتتبع قطع مختلفة وتجميع الإكسسوارات لإعادة تشكيل المشهد بالكامل، حتى إننا أعدنا تهيئة بعض أنظمة الإضاءة التي استُخدمت في الفيلم.

* ما الذي تتذكرينه عن مشاعركِ في العمل على الفيلم؟

- كان الأمر مرهقاً ومربكاً للغاية، لأنني لم يسبق لي أن توليت مشروعاً بهذا الحجم من قبل. تطلب إنجاز العمل وجود عدد هائل من الأشخاص، بمَن في ذلك الممثلون الثانويون (الكومبارس) وطاقم العمل. أعتقد أنني كنت أتمتع بنوع من السذاجة التي تميِّز مرحلة الشباب؛ فلا أظن أنني سأقدم على خطوة مثل هذه الآن.

لكنني كنت أمتلك رؤيةً واضحةً للغاية في مخيلتي، وكنت أسعى حقاً لتقديم نوع مختلف من الأفلام التاريخية. فالأفلام التي نشأتُ عليها كانت تعتمد على مشاهد بصرية ضخمة تشبه اللوحات الفنية؛ إذ كان ينتابني دائماً شعور بأنك تنظر إلى التاريخ من بعيد، بينما أردتُ لهذا الفيلم أن يمنح المشاهد شعوراً بالانتقال الفعلي عبر الزمن والعيش جنباً إلى جنب مع الشخصيات، وعندما زرتُ الغرف الخاصة الحقيقية لماري أنطوانيت، أدهشني أن الأقمشة كانت تتميَّز بلون فيروزي زاهٍ؛ وهو أمر لم يكن مألوفاً في الأفلام التاريخية آنذاك، حيث كانت الألوان السائدة دائماً هي درجات الألوان الترابية الهادئة والباهتة.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* هل فاجأكِ الجدل الذي أُثير حول المفارقات الزمنية (استخدام عناصر حديثة في سياق تاريخي) في الفيلم عند صدوره؟

- كان أمراً محبطاً أن يشعر البعض بالإساءة الشديدة بسبب ذلك. بالنسبة لي، يصعب عليّ استيعاب فكرة أن الموسيقى الحديثة قد تكون مسيئة للناس إلى هذا الحد، خصوصاً أن هذا الأسلوب أصبح شائعاً جداً الآن. كنت أدرك أن قيام مخرجة أميركية بتقديم هذه القصة قد يُنظَر إليه بوصفه أمراً مستفزاً أو متمرداً بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أبداً التنبؤ مسبقاً بكيفية تلقي الجمهور للأعمال الفنية.

* يبدو أن سمعة الفيلم قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ طرحه. هل تشعرين بذلك؟

- بالتأكيد. أشعر بأن الفيلم اكتسب جمهوراً جديداً تماماً من الشباب؛ فابنتاي تريانني مقاطع فيديو معدلة للفيلم على أنغام موسيقى الهيب هوب عبر تطبيق «تيك توك»، وهو أمر أحبه كثيراً. لقد كانت مفاجأة سارة وممتعة، لأن الأفلام عادةً لا تحظى بالحديث عنها أو الاهتمام بها بعد فترة من عرضها.

* سيصدر الفيلم الوثائقي الذي قمتِ بمونتاجه استناداً إلى اللقطات التي صوّرتها والدتك، «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)»، في الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر. لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى تلك المادة؟

- لم يُستخدَم سوى جزء صغير جداً منها كمادة إضافية لإصدار الـ«DVD» في ذلك الوقت، ثم مضينا قدماً في حياتنا؛ فقد كنت منشغلة بإنجاب وتربية أطفالي ونسيت الأمر تماماً. ولكن خلال الجائحة، اجتمعت العائلة بأكملها في منزلنا في «نابا». أخرجت أمي اللقطات لمشاهدتها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراها فيها. لقد كان أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن أرى كل التفاصيل التي التقطتها عدستها، وكل جوانب الحرفية والإتقان: الأزياء، والشعر المستعار، والزهور. كانت لديها رغبة حقيقية في تقديم عمل فني باستخدام تلك اللقطات. لقد رحلت عن عالمنا قبل عامين، لكن في أواخر حياتها، كان إنجاز هذا الفيلم أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لها، وقد وعدتها بأنني سأفعل ذلك. لقد عملت كثيراً خلال العام الماضي مع مونتير وصديق لوالدتي، محاولةً استشراف الطريقة التي كانت تود أن يُصاغ بها الفيلم، رغم صعوبة تكوين رؤية موضوعية للأمر؛ نظراً لأنني أظهر فيه، ولأن رؤية نفسي في تلك المرحلة العمرية المبكرة تسبب لي نوعاً من الحرج.

جيسون شوارتزمان وكيرستن دانست في مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* لماذا؟

- لأنني لم أكن أتمتع حينها بتلك الثقة في فرض رأيي أو إثبات ذاتي؛ كنت لا أزال أشق طريقي بوصفي مخرجةً شابةً. وفكرتُ أن هذا قد يكون مثيراً لاهتمام الشباب الآخرين الشغوفين بالسينما، ليروا كيف تتطور رحلة الإنسان بوصفه شخصاً مبدعاً. كما أن الأمر يتيح لي الرؤية من خلال عيني والدتي، وهي تراقب ابنتها في أثناء العمل. لقد كان العمل على هذا الفيلم تجربة عاطفية للغاية، وشعرتُ بأنه بمثابة هدية تركتها لي.


بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
TT

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

حين اندلعت حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، لم تكن المعركة مقصورة على خنادق الجبهة وخطوط النار الأمامية فحسب، بل امتدت لتشمل كل فئات المجتمع المصري في ملحمة تاريخية غير مسبوقة.

وفي عمق هذا المشهد الاستثنائي، اختارت أربع من أبرز نجمات الفن والسينما المصرية الكلاسيكية سياقاً مغايراً تماماً لأضواء الشهرة والنجومية؛ فقد خلعن فساتين الفن الأنيقة، وارتدين ملابس التمريض البيضاء كمتطوعات في جمعية الهلال الأحمر المصري، ليمضين شهوراً طويلة داخل ردهات المستشفيات العسكرية يقدمن الرعاية الطبية، والنفسية، والإنسانية، للجرحى ومصابي العمليات الحربية في مستشفيات «قصر العيني» و«المعادي العسكري».

ولم يكن هذا الوجود مجرد لقطة عابرة لالتقاط الصور أو أداء واجب بروتوكولي، بل كان عملاً ميدانياً شاقاً ووفاءً وطنياً خالصاً حُفر في ذاكرة حرب التحرير.

قدمت كل من فاتن حمامة، ونادية لطفي، وتحية كاريوكا، وهالة فاخر، نموذجاً حياً للمثقف والفنان الذي ينحاز لوطنه في لحظات المصير، وهو الإرث الإنساني الذي عاد ليتصدر المشهد الرقمي بقوة مؤخراً مع تداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي لصور النجمات الأربع بالرداء الأبيض بجوار أسرّة المصابين، وسط إشادة واسعة واحتفاء لافت من المغردين والجمهور المصري ببسالتهن وتجردهن من بريق النجومية لصالح الواجب.

فاتن حمامة... «سيدة الشاشة» تقود جهود الإغاثة في «الهلال الأحمر»

عندما نشبت الحرب كانت النجمة فاتن حمامة (التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 42 عاماً وتعمل ممثلة سينمائية ومؤلفة تتربع على عرش النجومية كسيدة للشاشة العربية) من أوائل المتطوعات اللاتي لَبّين نداء الواجب عبر جمعية الهلال الأحمر.

ولم تكتفِ النجمة الكبيرة بالدعم المعنوي، بل انخرطت بشكل كامل كممرضة متطوعة، تتنقل بانتظام بين غرف الجرحى ومصابي الحرب داخل المستشفيات.

وعُرفت فاتن حمامة بلمستها الإنسانية الحانية خلف الكواليس؛ إذ كانت تزور أبطال المعارك في المستشفيات المختلفة بصورة شبه يومية لتطمئن على جودة الرعاية الطبية ونوعية الطعام المقدم لهم.

وتذكر السجلات التاريخية للجمعية أنها كانت تقضي ساعات طوالاً مع أسر الشهداء والمصابين لتقديم الدعم النفسي لهم، بل إنها اصطحبت معها في كثير من الأحيان زميلاتها من الوسط الفني لتوزيع الحلوى وتلبية الاحتياجات الشخصية للمقاتلين الذين بُترت أطرافهم أو أصيبوا بجروح بالغة.

فاتن حمامة في زيارة الجنود من مُصابي الحرب (أسبوع القاهرة للصورة)

نادية لطفي... «أركان حرب الفن» في خنادق مستشفى المعادي

امتلكت الفنانة نادية لطفي (كانت تبلغ في ذلك الوقت 36 عاماً وتعمل ممثلة سينمائية رائدة) تجربة فريدة اعتُبرت الأكثر ثراءً وتوثيقاً في تلك الفترة. ونقلت نادية لطفي نشاطها وحياتها بالكامل تقريباً إلى داخل مستشفى المعادي العسكري ومستشفى قصر العيني، لتنخرط في أعمال التمريض الشاقة التي شملت تنظيف غرف الجرحى، والمساعدة في تضميد الإصابات الحرجة.

وتجاوز دورها حدود الرعاية الصحية إلى أبعاد إنسانية وتوثيقية أعمق؛ إذ كانت تجلس ساعات طوالاً بجوار الجنود المصابين حاملة الأوراق والأقلام، لتكتب رسائلهم التي يملونها عليها لإرسالها إلى أمهاتهم وزوجاتهم في القرى والمحافظات لطمأنتهم بأنهم على قيد الحياة.

الفنانة نادية لطفي (صورة متدولة على وسائل الإعلام المصرية من أرشيف الهلال الأحمر المصري)

وبسبب هذه البسالة والجهد الميداني الذي شمل أيضاً مرافقة المخرج شادي عبد السلام لتصوير الفيلم التسجيلي الشهير «جيوش الشمس» لتوثيق شهادات الأبطال، أطلق عليها الكاتب الكبير يوسف إدريس لقب «أركان حرب الفن».

تحية كاريوكا... «كبيرة الممرضات» وعنبر رقم «21»

جسّدت النجمة تحية كاريوكا (كانت تبلغ حينها 58 عاماً وتعمل ممثلة وراقصة استعراضية ومناضلة سياسية معروفة بتاريخها الوطني) روح التضحية في أبهى صورها؛ إذ تطوعت بشكل رسمي في «الهلال الأحمر»، وحصلت على رتبة وُصفت في أرشيفات المجلس القومي للمرأة بـ«كبيرة الممرضات المتطوعات».

النجمة تحية كاريوكا (صورة متدولة على وسائل الإعلام المصرية من أرشيف الهلال الأحمر المصري)

ولم يكن عملها عابراً، بل أقامت كاريوكا بشكل شبه كامل لعدة أشهر داخل العنبر رقم «21» في مستشفى قصر العيني لخدمة جرحى ومصابي الحرب. وتولت بنفسها المهام التمريضية الأساسية والإشراف على تقديم الأدوية، إلى جانب قيادة حملات موسعة لجمع التبرعات المالية والعينية لصالح المجهود الحربي وتأمين المستلزمات الطبية للمستشفيات، مكملةً بذلك مسيرة طويلة من النضال الوطني الذي بدأته منذ العدوان الثلاثي وحرب 1967.

هالة فاخر... جيل الشباب يشارك في رعاية أسر الأبطال

مثّلت الفنانة الشابة آنذاك هالة فاخر (كانت تبلغ من العمر وقت الحرب 27 عاماً وتعمل ممثلة مسرحية وسينمائية صاعدة من عائلة فنية عريقة) جيل الشباب الذي أصر على ترك بصمته في معركة الكرامة.

وانضمت هالة فاخر إلى زميلاتها الكبار كممرضة متطوعة في «الهلال الأحمر»، مرتديةً الزي الرسمي الأبيض لتأدية واجبها الإنساني.

وتركز دور هالة فاخر بشكل مكثف على الجوانب اللوجستية والدعم الميداني والنفسي للجنود؛ إذ لم يقتصر نشاطها على رعاية الجرحى داخل العنابر الطبية فحسب، بل امتد ليشمل تنظيم زيارات ميدانية لبيوت ومنازل أسر الشهداء والمصابين في مختلف الأحياء.

وساهمت بجهد وافر في تقديم الدعم الاجتماعي المباشر لتلك الأسر، معبرةً عن وعي جيل من الفنانين الشباب بمسؤوليتهم المجتمعية والوطنية في مساندة الدولة خلال أصعب فتراتها التاريخية.