مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

قلدها الرئيس الأميركي باراك أوباما قلادة العلوم الإنسانية الوطنية تقديرا «لجمال وذكاء أسلوبها في الكتابة»

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون
TT

مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون

عندما نشرت مارلين روبنسون روايتها الأولى «تدبير منزلي»، في 1980 ومن بعدها قدمت أطروحتها للدكتوراه عن «شكسبير» في جامعة واشنطن، لم تكن معروفة لدى الوسط الأدبي. لكن عرض روايتها في «نيويورك تايمز» أطلق شهرتها، وأثار الانتباه إليها. وسرعان ما أصبحت روايتها من كلاسيكيات الأدب. وأخذت مكانتها باعتبارها إحدى أهم الروائيات في الأدب الأميركي. وبعدها صمتت نحو ربع قرن لتكتب روايتها الثانية «جلعاد» في 2004، ثم أعقبتها بنشر رواية ثالثة «البيت» في 2008.
وتُصنف مارلين روبنسون على أنها تتمتع بالشجاعة الأخلاقية وجماليات الكتابة، حيث نجحت أعمالها في اقتفاء أثر الروابط الأخلاقية التي تجمع البشر بالآخرين، إضافة إلى استكشاف العالم والتعريف بالحقائق الكونية عن الإنسان. وربما قلة إنتاجها الروائي تعود إلى أنها تعمل في التدريس الجامعي وورش الكتابة، وتأليفها كتبا غير روائية، مثل كتابها «موت آدم: مقالات حول الفكر الحديث»، حيث كتبت عن شارل داروين، جون كالفن، وفردريك نيتشه، بجانب كتب أخرى.
التقينا الكاتبة الأميركية مارلين روبنسون في «مقهى كتّاب» في دبي يوم 14 يناير (كانون الثاني)، حيث التقت بعدد من الكتاب العرب والإماراتيين في جلسة حميمية، وأجرينا معها هذا الحوار:

* ما الذي يدفع كاتبة روائية إلى زيارة مدينة مثل دبي؟
- أعتبر زيارة دبي تجربة عظيمة، إذ لم أزر هذه المنطقة من قبل، فهي تعلمني الكثير، خاصة ما يتعلق بتجاور التقاليد العربية الإسلامية القديمة مع الثقافة الحديثة، وهو شيء ساحر في نظري، وقدرة هائلة على التكيّف مع متطلبات العصر. كما أنني سعيدة بأن يستضيفني عدد من المؤسسات هنا: مثل مؤسسة «العويس»، ومقهى «كتّاب»، والجامعة الأميركية.
* هل تعتقدين أن تدريس الأدب كما تفعلين الآن يعوق عملك الإبداعي؟
- لا أعتقد ذلك، لأنني على صلة بالحياة مع الآخرين، وهنا أقصد الطلبة، الذين جاءوا ليدرسوا الأدب ويريدوا أن يصبحوا كتّابا.
* هل واجهت صعوبة في نشر رواياتك الأولى؟
- أعتقد عندما يكون المرء شابا يفكر بالطريقة التي يمكن أن ينشر بها كتابه.
* هل تتذكرين كيف ألفت كتابك الأول؟
- لم أكن أفكر في النشر أبدا، كنت أكتب لنفسي نوعا ما، لأن فكرتي عن الكتاب تنطوي على البراءة والأمل. شيء غريب. كان عندي هذا الكتاب، وقال لي صديق قرأ الرواية إنه سيرسلها إلى الوكالة الأدبية. هكذا بدأت الدخول إلى عالم النشر. ثم بدأت أدرس الأدب.
* ما هي الشخصيات التي تثيرك انتباهك فتكتبين عنها؟
- مما لا شك فيه أن تطور الشخصيات الروائية، وتحولاتها النفسية والاجتماعية، هو ما يثير انتباهي، لأنها تحتوي على قدر كبير من الإثارة العاطفية، إضافة إلى أن الشخصيات التي تطرح التساؤلات الوجودية تصبح مركز اهتماماتي. ففي اللحظة التي نفكر فيها في ظروف هذه الشخصيات وتشابكاتها مع الواقع والعصر، تصبح شخصيات غامضة على الفور، ومن هنا تبدأ الرواية باعتبارها الفن الأشمل القادر على فك ألغازها وأسرارها وإلقاء الضوء على تعقيداتها.
* في روايتك الثانية «جلعاد» ثمة شخصية القس أو الراهب.. هل تشعرين بأن هذا العالم يثيرك في الكتابة؟
- في الواقع، لا تعني الكتابة عن قس أو راهب أو أي موضوع ديني آخر أن هذا الكاتب أو ذاك تحول إلى كاتب ديني أو ما أشبه. الموضوعات الدينية هي جزء من حياتنا الواقعية التي يجب التعامل معها على أنها موضوعات حياتية صرفة، لأن الأديان مرتبطة باللغة والأسئلة والخيال والتعبير، وأهم من ذلك أنها تؤثر في حياة البشر، وتوسّع من مداركهم. يُضاف إلى ذلك، وأنت تعلم هذا، أن الفنون الجميلة الرفيعة ارتبطت بالدين لفترة طويلة، بل إنها تطورت من خلال الأديان.
* تدور أحداث روايتيك «البيت» و«جلعاد» المترجمتين للعربية في ذات المكان والزمان، هل يعني ذلك نوعا من العودة إلى كتابة الرواية ذاتها بتنويعات مختلفة لاستدراك حقائق أخرى؟
- عندما أكتب رواية ما أو لنقل قصة ما، أشعر بأنني أفتقد شخصياتها التي عشت معها ردحا من الزمن، لذلك كنت مرتبطة برواية «جلعاد»، وقلت في نفسي: لماذا لا أعود إلى الكتابة عن الشخصيات التي تعيش في ذهني بقوة خارقة؟ أحيانا أشعر بأنني لم أحط بتلك الشخصيات بصورة كافية، لذلك أعود إليها، وذلك لا يعني أنني غير قادرة على خلق شخصيات أخرى.
* كتبت روايتك الأولى «تدبير منزل» في 1980، والثانية «جلعاد» في 2004، والثالثة «البيت» في 2008.. كيف أمكن الصمت نحو 24 عاما لكتابة رواية أخرى؟
- نعم، صمت طويلا بين روايتي الأولى والثانية، لكنني كنت منشغلة بتأليف كتب أخرى، وفي الوقت نفسه أفكر في كتابة رواية أخرى. لا يمكن افتعال الكتابة، ثمة ظروف هي تخلق أجواء كتابة الرواية، تختلف عن أي كتابة أخرى.
* هل تضعين عقدة وموضوعات رواياتك قبل البدء بالكتابة أم أنها تأتي أثناء عملية الكتابة؟
- لا أعتقد أنني أضع العقد والموضوعات قبل الكتابة، لأن سلوك الشخصيات وأفعالها يأتيان أثناء كتابة الرواية، خاصة إذا ما كانت تتميز بالتعقيد والعمق، وتتطلب التأمل واستشراف آفاق تطورها المستقبلي.
* بودي أن أسألك، هل لديك عادات وطقوس للكتابة؟
- هناك عدد من الكتّاب لهم طقوسهم وعاداتهم في الكتابة، لكنني لست من هذا النوع، لأنني أنسى نفسي في الرواية، وأكون طبيعية للغاية من دون أي تصنع. لكن يمكن القول إنني أكتب في مكتبي بصورة عامة، لكنه من المستحسن على الكاتب أن ينتقل من مكان إلى آخر حسب ما تمليه ظروف الكتابة. لا توجد لي طقوس وعادات معينة، لكنني أكتب في بيتي في أغلب الأوقات. ولا أكتب خارج البيت، خشية أن أنسى الآخرين في خضم الكتابة.
* هل هناك أوقات معينة للكتابة؟
- لا توجد عندي ضوابط معينة في الكتابة، أكتب عندما يثيرني موضوع ما. تأتيني حالة الكتابة مثل نوع من الإيحاء والتأمل، فأقوم بالكتابة.
* هل تقرئين الروايات المعاصرة؟
- لا أقرأ كثيرا الرواية المعاصرة بسبب أزمة الوقت. ما زلت أتحمس لقراءة شكسبير واللغة الإنجليزية القديمة، لكنني في الوقت نفسه أقوم بتدريس روايات كل من جيمس جويس وويليام فوكر وإرنست همنغواي وولس ستيفن، وغيرهم ضمن برامج التدريس.
* إنك روائية، لكنك أكثر الوقت تكتبين المقالات والكتب غير الروائية؟
- هذا صحيح، وذلك من أجل التغيير، والاشتباك مع قواميس أخرى أو إيجاد أرضية أخرى لنفسي. ربما أنها طريقة للاستراحة وطريقة للخروج من عالم الرواية على عوالم أخرى. أقرأ اللاهوت والعلوم وغيرهما، وأحاول من خلال مقالاتي وكتبي غير الروائية أن أعالج الظواهر الثقافية، وما يكمن وراءها من أشياء غامضة، على سبيل المثال المشكلات النفسية. قرأت الكثير عن الاقتصاد السياسي، وماركس وإنجلز، وما يهمني هو دراسة الأفكار والتعليق على نشوئها وتطورها، وفي المدن الكبرى تختلط كل العلوم والآداب والاقتصاد، وهذا هو حالنا في الولايات المتحدة. وفي الحقيقة أنني أكتب الرواية عندما تكون لدي فكرة خطيرة. إنني أقرأ وأنكب على تأليف كتب غير روائية، لأن صوتا ما يناديني. أكتب من دون ضغوطات وبلا آمال كبيرة. أنتظر الرواية أن تأتي إلي في الوقت الذي تشاء.
* في الحقيقة، يمكن القول بأنك مفكرة أكثر من أنك روائية.. ما رأيك؟
- أعتقد جازمة أنه يوجد في كل فكر قدر كبير من التأمل ومساحة شاسعة للحياة التي تزود الكاتب بكل معطيات الإبداع. أنت تصفني بالمفكرة لأنني أخوض في جميع القضايا المهمة التي تواجه عصرنا مثل الدارونية والماركسية وتاريخ الأفكار بصورة عامة، لكنني في نهاية المطاف أؤمن بأن الرواية قادرة على القبض على معنى الحقيقة بكل أبعادها، لأنها تتسع للخيال أكثر من أي مجال آخر، كما أنني أؤمن بالحوار الإنساني، الذي هو شرط وجودنا، ولذلك تجد رواياتي مليئة بالحوارات، لأنني بكل بساطة لا أستطيع أن أوقف الشخصيات عن الكلام لأنها تتدفق بما يغلي في أعماقها من أفكار وتأملات.
* باعتبارك أستاذة جامعية وتدرسين أيضا في ورش الكتّاب ضمن برامج الكتابة، ما هو الشيء الأكثر أهمية الذي تدرسينه لطلبتك؟
- أحاول أن أوضح لهم عناصر القوة في كتاباتهم التجريبية. عادة ما تهيمن على أذهاننا صورة ما أو لحظة ما أثناء كتابة الرواية، وهذا العنصر يكون الأقوى في قصة الرواية، لذلك أسعى إلى تعليم طلبتي كيف يستغلون هذا العنصر القوي أو هذه النقطة في تنمية رواياتهم وإعطائها العمق اللازم، وهذا العنصر القوي هو القدرة على بناء رواية ملائمة وجديدة. بينما أهمل تدريس تقنية الرواية لأنها، كما أرى، تظهر وتتطور أثناء عملية كتابة الرواية. ولا بد لي من التركيز على نقطة مهمة أخرى في ما يتعلق بسؤالك، هي شرح علاقة هؤلاء الطلبة نفسيا وروحيا بما يكتبونه أو يضعونه على الورق، أي علاقتهم مع كتاباتهم، وهذه العلاقة هي التي تطلق اللغة والخيال، وهذا هو سر الكتابة الحقيقية، أي أن يشعر الكاتب بأنه مرتبط بها ارتباطا روحيا. في تجربتي مع طلبتي وجدت أن 15 في المائة منهم ينشرون أعمالهم في دور النشر.
* هل يمكن تدريس الأدب في نظرك؟
- هناك الموهبة وهناك صقل هذه الموهبة، لدي 25 طالبا، أعمل معهم في ورشة كتابة كما أخبرتك قبل قليل، لكن الشرط الأساسي هو أن يكون هؤلاء الطلبة يتمتعون بحساسية عالية من أجل الانطلاق في عالم الكتابة، كما أن تدريس الأدب يهتم باللغة بالدرجة الأولى. إنها ليست مدرسة عادية، بل مدرسة إبداعية، وهذا هو الأهم. ومن الممتع أن أخبرك بأن هؤلاء الطلبة ينتمون إلى ثقافات متعددة جاءوا إلى أميركا، منهم كاريبيون وأفارقة وهنود وإيرانيون، وهذا ما يفرض علينا الانفتاح على الثقافات الأخرى. وحتى هناك ورش كتابة للسجناء، ومنهم من نشر روايات وكتبا. أنا أتعامل مع أناس لم يكتبوا أبدا. نحن لسنا في سباق مع الكتب الرديئة، بل نسعى إلى إيجاد كتب عميقة قادرة على الاستمرار.
* هل توجد وصفة جاهزة للرواية الجيدة؟
- يحاول العقل البشري أن يجيب عن كل تعقيدات الحياة، وكل فرد يحاول أن يستخدم مصادره في صالح كتابة الرواية. نحن ندرس ونكتب من أجل تطوير الذهنية والفكرية واللغوية.
* ما هي أوضاع الرواية في الولايات المتحدة؟
- نسمع الكثير مما يُقال عن موت المؤلف، وموت الرواية، وموت الأدب، لكن النشر مستمر، حيث يصدر في الولايات المتحدة نحو 200 ألف كتاب في السنة. هذه الكتب تصدر لأن هناك طلبات عليها، وبعض الكتب تصدر على حساب مؤلفيها، وهكذا.. لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الكتب تستجيب لرغبات القراء أينما كانوا.
* من خلال سيرتك الذاتية عرفنا بأنك نشرت قصة واحدة وهي «كوني برونسون»، التي صدرت بعد روايتك «تدبير منزلي»..
- كتبت هذه القصة في الجامعة. وعندما طلبت مني مجلة «باريس ريفيو» نشر شيء ما من أعمالي، أرسلت لهم هذه القصة، لكنني لم أشعر بميل حقيقي نحو كتابة القصة القصيرة، على الرغم من أنها شكل مغر ومثير للكتابة.
* كيف حال الشعر في الولايات المتحدة؟
- هناك من يسخر قائلا: الفرق بين الروائيين والشعراء هو أن الروائيين عندما يجتمعون يتحدثون عن العقود والأموال بينما عندما يجتمع الشعراء يتحدثون عن الطعام.
* هل قرأت الأدب العربي، قديما وحديثا؟
- كانت أمي تقرأ لي صفحات من «ألف ليلة وليلة» في صباي، وهذا ما أثر على مخيلتي، وظل حاضرا أمامي، على مر السنوات. كانت نسخة مبسطة من «ألف ليلة وليلة».

* سيرة ذاتية
* ولدت الروائية والكاتبة مارلين روبنسون في عام 1943 في بلدة ساندبوينت بولاية أيداهو الأميركية في أقصى الشمال الغربي المحاذي لكندا. درست في كلية بمبروك التي كانت مخصصة للنساء في جامعة براون ونالت البكالوريوس عام 1966 وشهادة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية عام 1977 من جامعة واشنطن. وهي إضافة إلى كتاباتها النقدية والأدبية تمارس تدريس الأدب في عدد من الجامعات الأميركية، كما تعلّم في «محترف أيوا للكتاب».
حازت روايتها «التدبير المنزلي» 1980 على جائزة «بين» الأدبية من مؤسسة «همنغواي» كرواية أولى. وفازت روايتها الثانية «جلعاد» 2004 بجائزة «بوليتزر» في الأدب القصصي وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية «إن بي سي سي»، وجائزة «امباسادور» للكتاب. روايتها الثالثة «البيت» 2008 حازت إحدى جوائز جريدة «لوس أنجليس تايمز» للكتاب في 2008 إضافة لجائزة «أورانج» للآداب في 2009. وكانت من أبرز المرشحين النهائيين لنيل جائزة الكتاب القومي في أميركا.
قامت بإلقاء مجموعة من محاضرات تيري في جامعة ييل، شملت سلسلة من النقاشات تحت عنوان «غياب العقل: من باطن تبديد أسطورة الحديث عن الذات»، تم اختيارها واحدا من ضمن أهم مائة كتاب لعام 2008 من قبل صحيفة «نيويورك تايمز»، واختيارها ضمن أهم عشرة كتب مفضلة لدى ناقد الكتب في صحيفة «نيويوركر جيمس وود» لعام 2008.



في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»
TT

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيراً هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: «الفيلسوف العصامي». ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: «ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظاً من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث».

وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيباً للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولاً إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذاً الرياضة والزهد سبيلاً إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال «فكان أشد غوصاً في الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى».

يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولاً عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلباً للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقيناً بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلاً رمزياً للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثراً العزلة والعبادة والتأمل الروحي.

يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصوراً متكاملاً لتطور الإنسان معرفيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً، ويبني تسلسلاً هرميّاً لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.

اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً؛ إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معاً. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلاً تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.

إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بـ(فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشأوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيّاً، بل بنية اجتماعية - بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.

وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصول الثقافية للإدراك البشري» (The Cultural Origins of Human Cognition) و«أصول التواصل البشري» (Origins of Human Communication)، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)؛ أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور، فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّاً عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجاً تاريخيّاً - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.

وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله «أثر مفهوم الثقافة على مفهوم الإنسان» (The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man)، أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.

وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟

غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه

ومن خلال إعادة قراءة نموذج «حي بن يقظان»، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيراً عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافياً ولغوياً، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.

أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجاً في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتداداً لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.

لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.

إنَّ «حي بن يقظان» ممكن سرديّاً وتخيليّاً، لكنَّه مستحيل أنطولوجيّاً وتكوينيّاً.

* باحث سوري


كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية
TT

كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب جديد بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الفونولوجيا، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة والتداولية. ويعرض المؤلف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعاً علمياً لدراسة اللغة الكردية.

ورغم صعوبة الخوض في مجال اللغويات بسبب وجود كمية كبيرة من المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الست، والتي تتطلب تقديم مصطلح كردي بصفته مقابلاً وبديلاً وصادقاً مع المفهوم والتعريف اللساني، إلا أن إلمام الكاتب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الطويلة في الكتابة بالكردية ساعداه في التغلب على الصعوبات الاصطلاحية. ومن الطبيعي القول إنه قد بذل جهوداً حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية.

ويعتمد الكتاب التحليل اللغوي إطاراً هرمياً، فيُقسمه إلى وحدات أصغر مترابطة. بدءاً من أصغر الأصوات الفيزيائية وصولاً إلى المحادثات الاجتماعية الأوسع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية:

المستوى الأول: علم الصوتيات أو الفونوتيك والفونولوجيا، وهما فرعان رئيسيان من فروع علم اللغة، يُعنى كل منهما بدراسة أصوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الوثيق، فإنهما يحللان الأصوات من منظورين مختلفين: المنظور الفيزيائي والمنظور الإدراكي. فالفونتيك يتناول الخصائص الفيزيائية الفعلية لأصوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصوات ونقلها وإدراكها، بغض النظر عما إذا كانت تُشكّل لغةً مُحددة أم لا. وينقسم إلى ثلاثة فروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنتاج الجهاز الصوتي (الشفتان واللسان والحلق والأحبال الصوتية) لأصوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والدماغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها.

أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الذهني المجرَّد للأصوات داخل لغة مُحددة أو عبر لغات مُختلفة. ويدرس كيفية عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق.

ويتناول المستوى الثالث الصرف (المورفولوجيا) وهو دراسة كيفية تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً داخل اللغة نحوياً. تبحث معظم مناهج علم الصرف في بنية الكلمات من حيث المورفيمات، وهي أصغر الوحدات في اللغة ذات معنى مستقل أو وظيفة نحوية. تتضمن المورفيمات جذوراً يمكن أن توجد ككلمات بحد ذاتها، ولكنها تتضمن أيضاً فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضاً كيفية تصرف الكلمات كأجزاء من الكلام، وكيف يمكن تصريفها للتعبير عن الفئات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضاً بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة.

أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سليمة وذات معنى في اللغة. وهو يحدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجزاء الكلام المختلفة. وغير ذلك من فصول الكتاب.


كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.