مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

قلدها الرئيس الأميركي باراك أوباما قلادة العلوم الإنسانية الوطنية تقديرا «لجمال وذكاء أسلوبها في الكتابة»

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون
TT

مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون

عندما نشرت مارلين روبنسون روايتها الأولى «تدبير منزلي»، في 1980 ومن بعدها قدمت أطروحتها للدكتوراه عن «شكسبير» في جامعة واشنطن، لم تكن معروفة لدى الوسط الأدبي. لكن عرض روايتها في «نيويورك تايمز» أطلق شهرتها، وأثار الانتباه إليها. وسرعان ما أصبحت روايتها من كلاسيكيات الأدب. وأخذت مكانتها باعتبارها إحدى أهم الروائيات في الأدب الأميركي. وبعدها صمتت نحو ربع قرن لتكتب روايتها الثانية «جلعاد» في 2004، ثم أعقبتها بنشر رواية ثالثة «البيت» في 2008.
وتُصنف مارلين روبنسون على أنها تتمتع بالشجاعة الأخلاقية وجماليات الكتابة، حيث نجحت أعمالها في اقتفاء أثر الروابط الأخلاقية التي تجمع البشر بالآخرين، إضافة إلى استكشاف العالم والتعريف بالحقائق الكونية عن الإنسان. وربما قلة إنتاجها الروائي تعود إلى أنها تعمل في التدريس الجامعي وورش الكتابة، وتأليفها كتبا غير روائية، مثل كتابها «موت آدم: مقالات حول الفكر الحديث»، حيث كتبت عن شارل داروين، جون كالفن، وفردريك نيتشه، بجانب كتب أخرى.
التقينا الكاتبة الأميركية مارلين روبنسون في «مقهى كتّاب» في دبي يوم 14 يناير (كانون الثاني)، حيث التقت بعدد من الكتاب العرب والإماراتيين في جلسة حميمية، وأجرينا معها هذا الحوار:

* ما الذي يدفع كاتبة روائية إلى زيارة مدينة مثل دبي؟
- أعتبر زيارة دبي تجربة عظيمة، إذ لم أزر هذه المنطقة من قبل، فهي تعلمني الكثير، خاصة ما يتعلق بتجاور التقاليد العربية الإسلامية القديمة مع الثقافة الحديثة، وهو شيء ساحر في نظري، وقدرة هائلة على التكيّف مع متطلبات العصر. كما أنني سعيدة بأن يستضيفني عدد من المؤسسات هنا: مثل مؤسسة «العويس»، ومقهى «كتّاب»، والجامعة الأميركية.
* هل تعتقدين أن تدريس الأدب كما تفعلين الآن يعوق عملك الإبداعي؟
- لا أعتقد ذلك، لأنني على صلة بالحياة مع الآخرين، وهنا أقصد الطلبة، الذين جاءوا ليدرسوا الأدب ويريدوا أن يصبحوا كتّابا.
* هل واجهت صعوبة في نشر رواياتك الأولى؟
- أعتقد عندما يكون المرء شابا يفكر بالطريقة التي يمكن أن ينشر بها كتابه.
* هل تتذكرين كيف ألفت كتابك الأول؟
- لم أكن أفكر في النشر أبدا، كنت أكتب لنفسي نوعا ما، لأن فكرتي عن الكتاب تنطوي على البراءة والأمل. شيء غريب. كان عندي هذا الكتاب، وقال لي صديق قرأ الرواية إنه سيرسلها إلى الوكالة الأدبية. هكذا بدأت الدخول إلى عالم النشر. ثم بدأت أدرس الأدب.
* ما هي الشخصيات التي تثيرك انتباهك فتكتبين عنها؟
- مما لا شك فيه أن تطور الشخصيات الروائية، وتحولاتها النفسية والاجتماعية، هو ما يثير انتباهي، لأنها تحتوي على قدر كبير من الإثارة العاطفية، إضافة إلى أن الشخصيات التي تطرح التساؤلات الوجودية تصبح مركز اهتماماتي. ففي اللحظة التي نفكر فيها في ظروف هذه الشخصيات وتشابكاتها مع الواقع والعصر، تصبح شخصيات غامضة على الفور، ومن هنا تبدأ الرواية باعتبارها الفن الأشمل القادر على فك ألغازها وأسرارها وإلقاء الضوء على تعقيداتها.
* في روايتك الثانية «جلعاد» ثمة شخصية القس أو الراهب.. هل تشعرين بأن هذا العالم يثيرك في الكتابة؟
- في الواقع، لا تعني الكتابة عن قس أو راهب أو أي موضوع ديني آخر أن هذا الكاتب أو ذاك تحول إلى كاتب ديني أو ما أشبه. الموضوعات الدينية هي جزء من حياتنا الواقعية التي يجب التعامل معها على أنها موضوعات حياتية صرفة، لأن الأديان مرتبطة باللغة والأسئلة والخيال والتعبير، وأهم من ذلك أنها تؤثر في حياة البشر، وتوسّع من مداركهم. يُضاف إلى ذلك، وأنت تعلم هذا، أن الفنون الجميلة الرفيعة ارتبطت بالدين لفترة طويلة، بل إنها تطورت من خلال الأديان.
* تدور أحداث روايتيك «البيت» و«جلعاد» المترجمتين للعربية في ذات المكان والزمان، هل يعني ذلك نوعا من العودة إلى كتابة الرواية ذاتها بتنويعات مختلفة لاستدراك حقائق أخرى؟
- عندما أكتب رواية ما أو لنقل قصة ما، أشعر بأنني أفتقد شخصياتها التي عشت معها ردحا من الزمن، لذلك كنت مرتبطة برواية «جلعاد»، وقلت في نفسي: لماذا لا أعود إلى الكتابة عن الشخصيات التي تعيش في ذهني بقوة خارقة؟ أحيانا أشعر بأنني لم أحط بتلك الشخصيات بصورة كافية، لذلك أعود إليها، وذلك لا يعني أنني غير قادرة على خلق شخصيات أخرى.
* كتبت روايتك الأولى «تدبير منزل» في 1980، والثانية «جلعاد» في 2004، والثالثة «البيت» في 2008.. كيف أمكن الصمت نحو 24 عاما لكتابة رواية أخرى؟
- نعم، صمت طويلا بين روايتي الأولى والثانية، لكنني كنت منشغلة بتأليف كتب أخرى، وفي الوقت نفسه أفكر في كتابة رواية أخرى. لا يمكن افتعال الكتابة، ثمة ظروف هي تخلق أجواء كتابة الرواية، تختلف عن أي كتابة أخرى.
* هل تضعين عقدة وموضوعات رواياتك قبل البدء بالكتابة أم أنها تأتي أثناء عملية الكتابة؟
- لا أعتقد أنني أضع العقد والموضوعات قبل الكتابة، لأن سلوك الشخصيات وأفعالها يأتيان أثناء كتابة الرواية، خاصة إذا ما كانت تتميز بالتعقيد والعمق، وتتطلب التأمل واستشراف آفاق تطورها المستقبلي.
* بودي أن أسألك، هل لديك عادات وطقوس للكتابة؟
- هناك عدد من الكتّاب لهم طقوسهم وعاداتهم في الكتابة، لكنني لست من هذا النوع، لأنني أنسى نفسي في الرواية، وأكون طبيعية للغاية من دون أي تصنع. لكن يمكن القول إنني أكتب في مكتبي بصورة عامة، لكنه من المستحسن على الكاتب أن ينتقل من مكان إلى آخر حسب ما تمليه ظروف الكتابة. لا توجد لي طقوس وعادات معينة، لكنني أكتب في بيتي في أغلب الأوقات. ولا أكتب خارج البيت، خشية أن أنسى الآخرين في خضم الكتابة.
* هل هناك أوقات معينة للكتابة؟
- لا توجد عندي ضوابط معينة في الكتابة، أكتب عندما يثيرني موضوع ما. تأتيني حالة الكتابة مثل نوع من الإيحاء والتأمل، فأقوم بالكتابة.
* هل تقرئين الروايات المعاصرة؟
- لا أقرأ كثيرا الرواية المعاصرة بسبب أزمة الوقت. ما زلت أتحمس لقراءة شكسبير واللغة الإنجليزية القديمة، لكنني في الوقت نفسه أقوم بتدريس روايات كل من جيمس جويس وويليام فوكر وإرنست همنغواي وولس ستيفن، وغيرهم ضمن برامج التدريس.
* إنك روائية، لكنك أكثر الوقت تكتبين المقالات والكتب غير الروائية؟
- هذا صحيح، وذلك من أجل التغيير، والاشتباك مع قواميس أخرى أو إيجاد أرضية أخرى لنفسي. ربما أنها طريقة للاستراحة وطريقة للخروج من عالم الرواية على عوالم أخرى. أقرأ اللاهوت والعلوم وغيرهما، وأحاول من خلال مقالاتي وكتبي غير الروائية أن أعالج الظواهر الثقافية، وما يكمن وراءها من أشياء غامضة، على سبيل المثال المشكلات النفسية. قرأت الكثير عن الاقتصاد السياسي، وماركس وإنجلز، وما يهمني هو دراسة الأفكار والتعليق على نشوئها وتطورها، وفي المدن الكبرى تختلط كل العلوم والآداب والاقتصاد، وهذا هو حالنا في الولايات المتحدة. وفي الحقيقة أنني أكتب الرواية عندما تكون لدي فكرة خطيرة. إنني أقرأ وأنكب على تأليف كتب غير روائية، لأن صوتا ما يناديني. أكتب من دون ضغوطات وبلا آمال كبيرة. أنتظر الرواية أن تأتي إلي في الوقت الذي تشاء.
* في الحقيقة، يمكن القول بأنك مفكرة أكثر من أنك روائية.. ما رأيك؟
- أعتقد جازمة أنه يوجد في كل فكر قدر كبير من التأمل ومساحة شاسعة للحياة التي تزود الكاتب بكل معطيات الإبداع. أنت تصفني بالمفكرة لأنني أخوض في جميع القضايا المهمة التي تواجه عصرنا مثل الدارونية والماركسية وتاريخ الأفكار بصورة عامة، لكنني في نهاية المطاف أؤمن بأن الرواية قادرة على القبض على معنى الحقيقة بكل أبعادها، لأنها تتسع للخيال أكثر من أي مجال آخر، كما أنني أؤمن بالحوار الإنساني، الذي هو شرط وجودنا، ولذلك تجد رواياتي مليئة بالحوارات، لأنني بكل بساطة لا أستطيع أن أوقف الشخصيات عن الكلام لأنها تتدفق بما يغلي في أعماقها من أفكار وتأملات.
* باعتبارك أستاذة جامعية وتدرسين أيضا في ورش الكتّاب ضمن برامج الكتابة، ما هو الشيء الأكثر أهمية الذي تدرسينه لطلبتك؟
- أحاول أن أوضح لهم عناصر القوة في كتاباتهم التجريبية. عادة ما تهيمن على أذهاننا صورة ما أو لحظة ما أثناء كتابة الرواية، وهذا العنصر يكون الأقوى في قصة الرواية، لذلك أسعى إلى تعليم طلبتي كيف يستغلون هذا العنصر القوي أو هذه النقطة في تنمية رواياتهم وإعطائها العمق اللازم، وهذا العنصر القوي هو القدرة على بناء رواية ملائمة وجديدة. بينما أهمل تدريس تقنية الرواية لأنها، كما أرى، تظهر وتتطور أثناء عملية كتابة الرواية. ولا بد لي من التركيز على نقطة مهمة أخرى في ما يتعلق بسؤالك، هي شرح علاقة هؤلاء الطلبة نفسيا وروحيا بما يكتبونه أو يضعونه على الورق، أي علاقتهم مع كتاباتهم، وهذه العلاقة هي التي تطلق اللغة والخيال، وهذا هو سر الكتابة الحقيقية، أي أن يشعر الكاتب بأنه مرتبط بها ارتباطا روحيا. في تجربتي مع طلبتي وجدت أن 15 في المائة منهم ينشرون أعمالهم في دور النشر.
* هل يمكن تدريس الأدب في نظرك؟
- هناك الموهبة وهناك صقل هذه الموهبة، لدي 25 طالبا، أعمل معهم في ورشة كتابة كما أخبرتك قبل قليل، لكن الشرط الأساسي هو أن يكون هؤلاء الطلبة يتمتعون بحساسية عالية من أجل الانطلاق في عالم الكتابة، كما أن تدريس الأدب يهتم باللغة بالدرجة الأولى. إنها ليست مدرسة عادية، بل مدرسة إبداعية، وهذا هو الأهم. ومن الممتع أن أخبرك بأن هؤلاء الطلبة ينتمون إلى ثقافات متعددة جاءوا إلى أميركا، منهم كاريبيون وأفارقة وهنود وإيرانيون، وهذا ما يفرض علينا الانفتاح على الثقافات الأخرى. وحتى هناك ورش كتابة للسجناء، ومنهم من نشر روايات وكتبا. أنا أتعامل مع أناس لم يكتبوا أبدا. نحن لسنا في سباق مع الكتب الرديئة، بل نسعى إلى إيجاد كتب عميقة قادرة على الاستمرار.
* هل توجد وصفة جاهزة للرواية الجيدة؟
- يحاول العقل البشري أن يجيب عن كل تعقيدات الحياة، وكل فرد يحاول أن يستخدم مصادره في صالح كتابة الرواية. نحن ندرس ونكتب من أجل تطوير الذهنية والفكرية واللغوية.
* ما هي أوضاع الرواية في الولايات المتحدة؟
- نسمع الكثير مما يُقال عن موت المؤلف، وموت الرواية، وموت الأدب، لكن النشر مستمر، حيث يصدر في الولايات المتحدة نحو 200 ألف كتاب في السنة. هذه الكتب تصدر لأن هناك طلبات عليها، وبعض الكتب تصدر على حساب مؤلفيها، وهكذا.. لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الكتب تستجيب لرغبات القراء أينما كانوا.
* من خلال سيرتك الذاتية عرفنا بأنك نشرت قصة واحدة وهي «كوني برونسون»، التي صدرت بعد روايتك «تدبير منزلي»..
- كتبت هذه القصة في الجامعة. وعندما طلبت مني مجلة «باريس ريفيو» نشر شيء ما من أعمالي، أرسلت لهم هذه القصة، لكنني لم أشعر بميل حقيقي نحو كتابة القصة القصيرة، على الرغم من أنها شكل مغر ومثير للكتابة.
* كيف حال الشعر في الولايات المتحدة؟
- هناك من يسخر قائلا: الفرق بين الروائيين والشعراء هو أن الروائيين عندما يجتمعون يتحدثون عن العقود والأموال بينما عندما يجتمع الشعراء يتحدثون عن الطعام.
* هل قرأت الأدب العربي، قديما وحديثا؟
- كانت أمي تقرأ لي صفحات من «ألف ليلة وليلة» في صباي، وهذا ما أثر على مخيلتي، وظل حاضرا أمامي، على مر السنوات. كانت نسخة مبسطة من «ألف ليلة وليلة».

* سيرة ذاتية
* ولدت الروائية والكاتبة مارلين روبنسون في عام 1943 في بلدة ساندبوينت بولاية أيداهو الأميركية في أقصى الشمال الغربي المحاذي لكندا. درست في كلية بمبروك التي كانت مخصصة للنساء في جامعة براون ونالت البكالوريوس عام 1966 وشهادة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية عام 1977 من جامعة واشنطن. وهي إضافة إلى كتاباتها النقدية والأدبية تمارس تدريس الأدب في عدد من الجامعات الأميركية، كما تعلّم في «محترف أيوا للكتاب».
حازت روايتها «التدبير المنزلي» 1980 على جائزة «بين» الأدبية من مؤسسة «همنغواي» كرواية أولى. وفازت روايتها الثانية «جلعاد» 2004 بجائزة «بوليتزر» في الأدب القصصي وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية «إن بي سي سي»، وجائزة «امباسادور» للكتاب. روايتها الثالثة «البيت» 2008 حازت إحدى جوائز جريدة «لوس أنجليس تايمز» للكتاب في 2008 إضافة لجائزة «أورانج» للآداب في 2009. وكانت من أبرز المرشحين النهائيين لنيل جائزة الكتاب القومي في أميركا.
قامت بإلقاء مجموعة من محاضرات تيري في جامعة ييل، شملت سلسلة من النقاشات تحت عنوان «غياب العقل: من باطن تبديد أسطورة الحديث عن الذات»، تم اختيارها واحدا من ضمن أهم مائة كتاب لعام 2008 من قبل صحيفة «نيويورك تايمز»، واختيارها ضمن أهم عشرة كتب مفضلة لدى ناقد الكتب في صحيفة «نيويوركر جيمس وود» لعام 2008.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.