الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

صار واحداً من مثقفي الأضواء الإعلامية في فرنسا

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
TT

الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»

يعد محمد سيفاوي واحداً من أشهر الصحافيين الجزائريين المقيمين في فرنسا إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. وهو من مواليد الجزائر عام 1967: أي لم يتجاوز الخمسين إلا قليلاً. وقد نشر عدة كتب أمّنت له شهرة واسعة. لكنّ شهرته لا تعود إلى نشر الكتب فقط وإنما إلى كونه أحد الوجوه التلفزيونية المعروفة. إنه مثقف الأضواء الإعلامية من أمثال برنارد هنري ليفي أو ميشيل أونفري أو حتى إريك زمور، عدوّه اللدود. وعندما تراه على الشاشة في هذا البرنامج السياسي أو ذاك يدهشك برجاحة عقله وصواب منطقه وقدرته الكبيرة على الإقناع. والواقع أنه يتمتع بشخصية متوازنة جداً وواثقة من نفسها تماما. بل إنه يبدو بحجمه الضخم نسبياً وقوة عضلاته وعرض منكبيه كأنه مصارع تلفزيوني من الدرجة الأولى! فهو جريء جداً ولا يتوانى عن الاقتحام والمخاطرة بنفسه إذا ما استدعت الضرورة ذلك. إنه واحد من أكبر مصارعي عصرنا الراهن لـ«الإخوان» المسلمين ولليمين الشعبوي المتطرف الفرنسي الذي يكره العرب والمسلمين. وهذا يعني أنه مصارع على جبهتين اثنتين لا جبهة واحدة: جبهة التطرف الفرنسي، وجبهة التطرف العربي.
سوف نتوقف هنا عند آخر كتابين ضخمين أصدرهما مؤخراً في العاصمة الفرنسية ألا وهما: «حل واحد: التمرد والعصيان»، والثاني هو «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». فهما من أهم ما كتب.
في الكتاب الأول يروي لنا محمد سيفاوي قصة حياته الفكرية والسياسية في آن معاً. إنه عبارة عن سيرة ذاتية تبتدئ بالجزائر وتنتهي بفرنسا التي وصل إليها وهو في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلاً. وهو كتاب سلس ممتع كمعظم كتب السيرة الذاتية الحميمية. ونفهم من كلامه أن معركته الأساسية كانت منذ الأساس مع الأصولية الظلامية التي دمّرت بلاده والتي توشك أن تدمر فرنسا ذاتها بل والعالم كله. يقول ما معناه: «صحيح أني جزائري وأعتز بجزائريتي ولكن عندما يتصرف شخص جزائري بشكل خاطئ فإني أوبّخه. صحيح أني مسلم أباً عن جد وأفتخر بإسلامي ولكن عندما يتصرف مسلم ما بشكل متعصب وطائفي وعدواني على الآخرين فإني أُدينه وأتبرأ منه. قناعاتي الفلسفية تنويرية: أي مع التسامح وضد التعصب من أي جهة جاء. فأنا أُدين اليمين المتطرف الفرنسي مثلما أُدين اليمين المتطرف الأصولي الإسلاموي سواء بسواء. إني أدافع عن القيم التنويرية الكونية التي تنطبق على جميع البشر وجميع الشعوب دون استثناء. فالناس الطيبون الأخيار موجودون في كل الشعوب والأديان وكذلك الناس الأشرار. وبالتالي فلا مبرر للطائفية ولا للعنصرية. فقد يكون الإنسان الأبيض من أحقر الناس والإنسان الأسود من أشرف الناس، والعكس صحيح أيضاً. وهذا يعني أنه ينبغي احترام الكرامة الإنسانية لأي شخص طيب ومستقيم بغضّ النظر عن أصله وفصله أو طائفته وعرقه ومذهبه».
ثم يعترف المؤلف بأن هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز الأربعمائة صفحة من القطع الكبير كان قد كلفه جهداً وعرقاً بل واستغرقت عملية كتابته سنة ونصف السنة. وهو كتاب ذاتي، جواني، داخلي. لماذا نقول ذلك؟ لأنه يروي الكثير من التفاصيل عن حياته الشخصية ويكشف الكثير من أسراره الذاتية. من هنا سر جاذبيته وإمتاعه. ولكنه كتاب موضوعي أيضاً لأنه يعالج القضية الأساسية التي تشغل عصرنا: أي الأصولية الجهادية المتطرفة. والواقع أن الكتاب يحتوي على معلومات هائلة وتحليلات تنويرية مضيئة عن قضايا أساسية: كالحرب الأهلية الجزائرية أو ما تدعى بالعشرية السوداء الرهيبة. كما يتحدث الكتاب أيضاً عن جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وعن تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وعن حرب أفغانستان وكيفية تشكل التيار الجهادي هناك، إلخ... ولا ينسى المؤلف قضايا الشرق الأوسط الحساسة، وكذلك قضايا العالم العربي. كما يعطي رأيه في أشخاص من نوعية طارق رمضان، وإريك زمور، والروائي ميشيل ويلبيك، والعديد من المثقفين الفرنسيين الآخرين. وبالتالي فشيء ممتع ومشوق أن نعرف رأيه في كل هؤلاء ولماذا ينتقدهم أو يهاجمهم أحياناً... ونفهم من كلامه أنه مسلم علماني لا مسلم إخواني أو أصولي. وهذه بدهية. لماذا؟ لأن العلمانية في رأيه هي الحرية والتسامح ومعاداة الطائفية والتعصب. فالدولة العلمانية المتسامحة لا تفرق بين المتدين وغير المتدين ولا تفرق بين المسلم وغير المسلم سواء أكان مسيحياً أم يهودياً أم بوذياً، إلخ... فكلهم مواطنون من الدرجة الأولى وعلى ذات المستوى ولا يوجد أحد أفضل من أحد إلا إذا كان يخدم المجتمع والمصلحة العامة بشكل أفضل. على أي حال فإن المؤلف من أتباع الفلسفة التنويرية الإنسانية الكونية: أي فلسفة فولتير وروسو وكانط وبقية العباقرة. وبما أن العدو الأول لهذه القيم هم الإخوان المسلمون والجهاديون الدمويون فإنه يحاربهم ويتبرأ منهم ويعدّهم خطراً ماحقاً على العالم الإسلامي قبل العالم الغربي.
- استراتيجية الإخوان الظلامية
بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة دعونا نتحدث عن رأيه في الإخوان المسلمين الذين كرّس لهم كتابه الأخير الصادر قبل بضعة أشهر في العاصمة الفرنسية تحت عنوان: «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». ونفهم منه أنه أكبر مصارع لهم ليس فقط في الجزائر وإنما في فرنسا أيضاً. إنه يلاحقهم ويلاحقونه على مدار حياته وتقلباته في الأوطان والبلدان. لا مفر منهم أو من مواجهتهم لأنهم يشكلون آخر آيديولوجيا توتاليتارية عدوانية في العالم. إنهم يريدون تنميط المجتمع فكراً وسلوكاً من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه. وهم يفعلون ذلك من خلال فرض عقيدتهم الدوغمائية المتحجرة على الجميع، رجالاً ونساءً، شباناً وشيباً. ومن يحيد عنها قيد شعرة يعدّونه معادياً للإسلام. والأنكى من ذلك أنهم يعتقدون أن تفسيرهم الضيّق والمبتسر للإسلام هو الإسلام ذاته! ولا يخطر على بالهم أن الدين حمّال أوجه وأن تفسيرهم الخاص ليس إلا نقطة صغيرة في بحر الإسلام. فهناك لحسن الحظ تفسير آخر ممكن لتراث الإسلام العظيم غير تفسير الإخوان المسلمين. وهو تفسير أفضل وأعظم بما لا يقاس. وبالتالي فنحن أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما إسلام الأنوار وإما إسلام الإخوان. ولكم الخيار.
لماذا وضع محمد سيفاوي كلمة «تقية» العربية على عنوان كتابه؟ وهي كلمة لا يفهمها القارئ الفرنسي الذي لا يعرف العربية. لأنها تلخص تماماً الطريقة الماكرة لـ«الإخوان» المسلمين في التغلغل داخل مجتمع معين. فهم يقدمون أنفسهم في البداية على أساس أنهم وسطيون، معتدلون، محترمون، لا علاقة لهم بالحركات الجهادية المتطرفة. ولكن كل هذا تلبيس وتدليس ولبس لقبعات الإخفاء كما يقول المؤلف. إنهم يُظهرون وجهاً ناعماً أمام الشعب الفرنسي ويخفون وجههم الحقيقي الكالح لكي يستطيعوا التغلغل أكثر فأكثر داخل هذا المجتمع. هكذا نلاحظ أن شعارهم في الداخل والخارج كان ولا يزال هو هو: اتبعوا مذهب التقية. لا تُظهروا وجهكم الحقيقي فوراً لكيلا يرتعب الناس منكم. وإنما تمسكنوا قبل أن تتمكنوا! ولكن على عكس ما يظن بعض المثقفين الفرنسيين فإنهم لا يسعون إلى القفز على السلطة في فرنسا، فهذا شيء مستحيل ويتجاوز إمكانياتهم. ولكنهم يسعون إلى السيطرة على الجاليات العربية والإسلامية الضخمة العائشة داخل فرنسا. وهي تعد بالملايين. ولهذا السبب فإنهم يوزعون شخصياتهم على المناطق الفرنسية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. على هذا النحو شكّل الإخوان المسلمون شبكة أخطبوطية طويلة عريضة تشمل الأراضي الفرنسية كلها تقريباً.
أخيراً نقول ما يلي: لا ينبغي ترك جالياتنا العربية الإسلامية فريسة لجماعات قطر وتركيا وتيار الإخوان المسلمين. وإنما ينبغي أن تستلمها تيارات التنوير العربي المتسامح التي جسدتها مشاريع مثل «وثيقة مكة المكرمة» التي أقامت المصالحة التاريخية بين الإسلام وبقية الأديان من جهة، ثم بين الإسلام والحداثة من جهة أخرى، و«وثيقة الأخوة الإنسانية» التي لقيت أصداء واسعة وأصبحت منهجاً رائعاً للتعاون والتعايش بين المسلمين وغير المسلمين في شتى أنحاء العالم، والدعوات إلى إصلاح فهم الدين ومصالحته مع العصر، عصر العلم والفلسفة التنويرية. زعماء الاعتدال والانفتاح والتنوير العرب هم الذين سيقصمون ظهر المشروع «الإخواني» الظلامي برمته.


مقالات ذات صلة

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).