شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

هل هي «ردة» عن الحداثة أم «استرداد» لدور مغيَّب؟

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة
TT

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

لطالما كان الشعر فناً ملتبساً مثيراً للجدل عصياً على التعريف. ولأنه كذلك، فقد انبنت حوله -وما تزال- عشرات المذاهب والمدارس والمقاربات المختلفة التي تناولته بالدراسة والتأويل والتحليل النقدي. لكن تلك المقاربات، على وجاهتها، لم تكن لتظفر منه إلا ببعض وجوهه وتمظهراته وأنساقه التعبيرية، دون أن يقبض أي منها على ناصيته وجوهره ومعدنه المشع. ولعل ذلك ما يفسر الازدهار المؤقت للمدارس الشعرية والنقدية التي ولدت على ضفافه، بدءاً من الكلاسيكية والرومانسية والواقعية، وصولاً إلى الرمزية والسوريالية، ومن ثم تراجعها وخفوتها بعد حين من الزمن، ليظل الشعر وحده دائم التوهج مغضياً على طبيعته الملغزة. إن من الظلم وقصر النظر، تبعاً لذلك، أن نحدد للشعر أطراً محددة وقوالب جاهزة، أو أن نحكم عليه من خلال أشكاله وأوزانه، دون النفاذ إلى ما يتجاوز ذلك من قوة التخييل وعمق الرؤية وسعة الكشف، وهو ما حاول بعضهم أن يفعلوه على امتداد قرون من الزمن. ولأن الشعر الحقيقي أبعد من شكله وأوزانه وألفاظه المفردة، فقد آلت محاولات طمسه وتهميشه إلى نسيان محقق، فيما ظلت نصوصه الأكثر علواً تلمع كالبروق الخاطفة في الظلام الدامس لليل العالم.
ولما كان الشعر ينبع من المكان نفسه الذي تنبع منه الحرية، فإن أي محاولة لتقييده وتدجينه ووضعه في شكل نهائي لن يكتب لها النجاح. فالأشكال الشعرية لا تخضع لمنطق الآيات التي ينسخ بعضها بعضاً، ولا لمنطق الآيديولوجيا الوثوقية التي تفرض رؤيتها بشكل أحادي على البشر، كما على التاريخ. وما الفرق في هذه الحالة بين الذين يذهبون جازمين إلى القول إن هذا النمط الأسلوبي أو ذاك هو مسك ختام الشعر ومآله النهائي الوحيد، وبين تأكيد العقيدة الماركسية أن العصر الشيوعي هو وحده الذي يرث العصور كلها، أو ذهاب فوكوياما إلى القول -على العكس من ذلك- إن الرأسمالية في طورها الحالي هي التي تشكل نهاية التاريخ؟ ثم ما الفرق -تبعاً لذلك- بين المتعصبين لقصيدة النثر والمتعصبين لقصيدة التفعيلة أو لأوزان الخليل، ما دام الجميع يدخل في منطق التحزب، والإصرار على امتلاك الحقيقة الإبداعية، ونبذ الآخر المختلف؟

الحداثة والوزن
ليست قصيدة النثر من هذه الزاوية سوى خيار إضافي ونمط جديد يضاف إلى خيارات الشعر العربي وأساليبه. وإذا كان من حق كتابها أن يجدوا مواطئ لأقلامهم ومخيلاتهم على أرض الشعر، فليس من حق بعضهم أن يتنكر لكل الخيارات الأخرى، لأنه يبدو بذلك وكأنه يقع في الخطأ ذاته الذي نهى الآخرين عن ارتكابه، فاستبدل نمطاً أحادياً بنمط مشابه، ويقيناً موزوناً بيقين غير موزون. وإذا كان أحد من كتاب قصيدة النثر لا يشك بدور أنسي الحاج الريادي في كتابتها، والدعوة إليها، فإن كثيرين من هؤلاء يتجاهلون، عن عمد أو غير عمد، قول صاحب «لن»، في حوار معه نشرته مجلة «الآداب» في مطلع الألفية الثالثة: «لعله من المفيد القول إني لم أرد لقصيدة النثر أن تحل محل الأوزان المعروفة؛ فقط أردت لها أن تأخذ مكانها إلى جانب الأشكال الأخرى للتعبير. ومع ذلك، فقد ووجهت وأصدقاء لي بأسوأ مما ووجه به المجددون العرب في العصور القديمة، لا لشيء إلا لأنني أضفت نوعاً جديداً إلى الشعر العربي».
وللمفارقة، فإن أدونيس يتبنى رأياً مماثلاً لرأي أنسي، في حوار آخر نشرته المجلة في العدد ذاته، إذ يقول: «إن قصيدة النثر، كما تبنيناها، لم تكن ضداً لقصيدة الوزن، ولم تكن إلغاءً أو نفياً لها، وإنما كانت تجريباً جديداً في حقل اللغة، إلى جانب الوزن. والدليل هو أنني، فيما كنا ننشر نصوصاً نثرية، كنت أعد كتابي (ديوان الشعر العربي)، وكنا ننشر مختارات منه في المجلة».
وما يؤكد هذين الرأيين أن «شعر»، رغم حماسها المفرط لحركة التجديد، لم تربط الحداثة بالوزن أو عدمه، بل باللغة المغايرة والمغامرة التعبيرية والرؤيوية، وهي التي فتحت صفحاتها لقصائد بدوي الجبل وعمر أبو ريشة وأحمد الصافي النجفي، وغيرهم من شعراء الوزن الخليلي في عصور العرب المختلفة. أما مجلة «الآداب»، فغني عن القول أن حماسها لقصيدة الشعر الحر لم يمنعها من إفراد مساحات واسعة للقصيدة الخليلية، خاصة أن الفروق الإيقاعية بين المدرستين تنحصر في طبيعة التشكيل الموسيقي المعتمد لبناء القصيدة، لا في اعتماد الأوزان بحد ذاتها.
ولو كان الصراع بين القديم والجديد يقتصر على الأشكال وحدها، لما كان لأبي تمام أن يتهم بالخروج على «عمود الشعر العربي»، في حين أنه لم يخرج أبداً على بحور الخليل، وظل ملتزماً بنظام الشطرين. وهو ما ينسحب على شعراء آخرين، من مثل أبي نواس وبشار بن برد وابن الرومي والمتنبي وغيرهم، ممن لم تمنعهم بحور الخليل من خلق علاقات جديدة غير مألوفة بين الدال والمدلول، ومن اختراق مفهوم الاستعارة والمجازات القديم، وابتكار تصور مختلف للوجود واللغة والأشياء. ولو كان وجود الوزن أو انعدامه هما المعياران الأبرز لحداثة النصوص أو قِدمها، فكيف نحكم في هذه الحالة على الشعراء الذين لم تقتصر نصوصهم على نمط إيقاعي واحد، بل توزعت على الأنماط الثلاثة: النثري والتفعيلي والخليلي؟ وهو ما نجده عند كثير من شعراء الحداثة المعاصرين، بل إن أنسي الحاج الذي كان أحد أكثر أبناء جيله نزوعاً إلى التمرد على الشعرية السائدة، لم يتوانَ في أحد حواراته الصحافية عن الإعلان أن عدم كتابته لقصيدة الوزن لم يكن بدافع العداء المسبق لها، بل لجهله التام بالأوزان. ويضيف الحاج بأنه لو امتلك موهبة الوزن، لتغير مسار كتابته بالكامل.
إلا أن كل ما تقدم لم يحل دون التقهقر المتواصل لقصيدة الخليل، في حين كان الشكلان الآخران يحتلان باطراد واجهة المشهد الشعري العربي. ولم يكن الأمر ناجماً عن غياب العمالقة الكبار من شعراء الوزن الخليلي فحسب، بل لأن موجة الحداثة الثانية التي بدأت في ستينيات القرن المنصرم ما لبثت أن تصاعدت وتيرتها في السبعينيات وما بعدها، لتتحول إلى نوع من الحمى الجمعية التي تعصف بالمجتمعات، وتدفعها إلى الهوس الطقوسي بكل ما هو غريب وجديد ومغاير. واللافت في الأمر أن المجلات الأدبية المتخصصة بدت أكثر تساهلاً إزاء قصيدة الخليل من الملاحق الأسبوعية للصحف، أو من صفحاتها الثقافية اليومية، إذ قل أن سمح المسؤولون عن هذه الملاحق والصفحات، إلا فيما ندر، بنشر نصوص عمودية، حتى لو كانت رفيعة المستوى، بدعوى أن هذا النموذج الشعري لم يعد قادراً على التعبير عن روح العصر وأسئلته المعقدة، كما لم يعد يتلاءم مع ذائقة القارئ الجديد المتطلب. ولسنوات قليلة خلت، وعلى الأخص بعد رحيل الكلاسيكيين الكبار، من أمثال الجواهري والبردوني وعمر أبو ريشة وسعيد عقل، بدا أن قصيدة الشطرين تسير إلى انقراض محقق، قبل أن يتغير كل شيء، وينقلب المشهد رأساً على عقب، وتعود إلى الواجهة أرتال لا حصر لها من مبايعي الخليل بن أحمد، والممسكين بناصية الوزن التقليدي. فما الذي حدث على وجه التحديد؟ وهل هو انقلاب غير معلن على الحداثة الشعرية، ومؤشر على فشلها ونكوصها؟

بلبلة وخلط أوراق
لا أعتقد، من جهتي، أن ما يحدث على هذا الصعيد هو من الخطورة بما يكفي لتقويض الحداثة الشعرية العربية، والعودة عما راكمته من إنجازات رائدة خلال العقود السبعة المنصرمة من الزمن. فالحداثة لم تكن وليدة الصدفة المجردة، لتقودها صدفة مماثلة إلى حتفها النهائي، بل هي ثمرة تحولات دراماتيكية عدة على مستويات الاجتماع والفكر ونظام القيم، وهي بالتالي حقيقة واقعة كرسها عشرات المبدعين والشعراء والمفكرين العرب، ورسخ حضورها في الأذهان عدد لا يحصى من الأعمال الإبداعية والدراسات النقدية والبحوث المتخصصة. والتجارب الشعرية الحديثة لم تعد مجرد جملة اعتراضية داخل النص الشعري التقليدي، ولا فصلاً مهمشاً من ديوان العرب، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من المتن الشعري، وواقعة في صلبه تماماً. ومع ذلك، فلا سبيل إلى إنكار أن فشل المشروع العربي النهضوي، وهزيمة النخب المثقفة، وتعطيل دورها الريادي، عن طريق الاضطهاد والتهميش أو التدجين، إضافة إلى المآل المأساوي للربيع العربي، واستشراء قوى التكفير والردة الظلامية، ما لبث أن أدى إلى نوع من البلبلة والفوضى، وخلط الأوراق على مستويات الفكر والثقافة والإبداع. والأدل على ذلك هو المستوى الهابط السطحي لمعظم الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية شعراء الثورة والانتفاضات الشعبية والميادين المفتوحة، ليتحولوا فيما بعد إلى مهرجين وجباة للأموال. ولا سبيل إلى إنكار -من جهة ثانية- أن أزمة الصحافة المكتوبة، وما رافقها من غياب للصفحات الثقافية اليومية، فضلاً عن احتجاب معظم المجلات والدوريات الثقافية، فتح الباب واسعاً أمام الآلاف من النظامين عديمي الموهبة الذين رأوا في غياب النقد وانكفائه فرصتهم الثمينة للانتشار وإثبات الوجود، والتعويض عما خسروه في السنين الماضية. ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتزيل بشكل غير مسبوق الفوارق الفاصلة بين الحقيقي والزائف في مجال الإبداع، ولتمنح الأسماء الغفل من المهمشين وذوي المواهب الشحيحة الفرصة الملائمة للانتقام من «الاستعلاء» التاريخي للنخب المثقفة. كما نستطيع أن نضيف إلى كل ذلك دخول بعض الجوائز الشعرية والأدبية التي تُمنح في الغالب لأسباب غير إبداعية، على خط الانتصار للقصيدة العمودية، وإعادتها إلى صدارة المشهد الشعري. وإذا كانت المسابقات الشعرية المتلفزة قد أسهمت في كشف النقاب عن بعض المواهب العالية والاستثنائية على الصعيد الشعري، فإن كثيراً من هؤلاء، وبتأثير من الشهرة المبكرة، فقدوا قدرتهم على التطور، وتحولوا إلى «وجهاء» شعريين، وإلى جوقات متنقلة بين مهرجانات الحماس والتطريب الجماهيري.
ومع ذلك، فإنه من الظلم بمكان أن نضع العائدين على صهوة بحور الخليل في خانة واحدة. فإذا كان بعض النظامين من ذوي الثقافة الضحلة والمواهب البائسة يخوضون من خلال بحور الخليل نوعاً من «حروب الردة» ضد الحداثة المهيمنة، فإن ما يخوضه شعراء آخرون، ممن يرفدون قصيدة الشطرين برؤى مبتكرة وأفق لغوي ودلالي حداثي، ليس حرباً مع الحداثة، بقدر ما هو محاولة مضنية لاسترداد حقهم في الوجود، عبر اختيار الشكل الوحيد الذي يبرعون عن طريقه في التعبير عن مكابداتهم ومكنونات أعماقهم. مع الإشارة إلى أن بعض هؤلاء، ممن لن أذكرهم بالاسم مخافة أن أغفل أحداً منهم، يكتبون قصيدة الشعر الحر بالمستوى نفسه لقصيدة الوزن التقليدي، إن لم يكن بمستوى أفضل وأكثر حيوية وتلقائية.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».