من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

«أنشودة المطر» بين لمعان ولميعة

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
TT

من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟
«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.
ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟
كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.
قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».
كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».
كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».
فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».
في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».
هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.
أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».
وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».
في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».
وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».
من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».
الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟



«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان
TT

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر. يتبدى هذا الولع في النبش الدائم والتوغل في دهاليز الشعر، والتعامل معه كأنه الحبيب العاشق، تخاصمه وتصالحه، وتفتش في جيوبه السرية عن معنى الوجود وحقيقة الحياة، وتعيشه كتوأمة للروح والموسيقى، وباسمه تهدي ديوانها إلى جبال مدينتها طرطوس وساحلها العظيم؛ فالشعر هو قوس البداية والنهاية، في ظلالهما يجدد القدرة على العطاء والحلم؛ لذلك تخاطبه الشاعرة دائماً باعتبار المخلِّص، وفي نص حمل الاسم نفسه «المخلِّص» تقول فيه:

«أكتب الشعر

لأني أولد

أكتب الشعر

لأني أموت»

لا تكتفي الشاعرة بهذه الصرخة الشديدة، المشرّبة بنوازع الميلاد والموت، بل تفتح النص نفسه على أفق دلالي يبدو أكثر رحابة، في تكثيف المعنى والإحساس بالفكرة، وما وراءها، فلا شيء سوى الشعر يمكن أن يلملم حياة ممزقة، ويردها إلى طبيعتها الإنسانية وفطرتها الأولى، ويعيد لها نوعاً من التوازن المفتقد، والذي أصبح بمنزلة جرح، مفتوح على جراح أكبر يتردد صداها بقوة في تداعيات الواقع والوجود:

«أيها الشعر التحفني

غيمة تعانق قمراً

لتداري حزنه...

أيها الشعر ارسمني

عشبة تعلو...

يعيدها المطلق

إلى التراب

أيها الشعر نادني باسمي

لتزهر كلماتٌ في غابات لساني

لمَّني

من بين إحالات العدم

بعثرني

بين تأويلات الوجود»

هذا التراوح بين الوجود والعدم تنعكس ظلاله على معمارية الديوان الصادر أخيراً عن دار النهضة ببيروت ويتشكل في 90 صفحة، وعبر 6 عناوين رئيسية تنضوي تحت كل عنوان منها 5 قصائد، وهو ما يضعنا أمام خماسيات شعرية تتلاقح فيما بينها من نص إلى آخر، كما تتفاوت في القصر والطول، بحسب الحالة الشعورية للذات الشاعرة. إذن ثمة وعي بالشعر، لكنه وعي مربك غير مطمئن لشيء، محاصر دائماً بالخوف والعبث والرتابة، والملل من حياة تكرر نفسها كل يوم، بحسب تداعيات الإرث والتقاليد، في هذا المناخ الجهم، كيف تكتسب القصيدة حيواتها: بالتجريب والمغامرة وكسر رتابة الشائع والمألوف، أم تظل معلقة في رقبة الشك والخوف، في انتظار معجزة، تناثرت شظاياها ما بين الأرض والسماء، ما بين الماضي والحاضر... ربما لذلك، يبدو الحل في التحايل على الحياة، واللعب على مساحات الوضوح والغموض، أو الأبيض والأسود، في الداخل والخارج معاً، لكنه تحايل زائف، يفتقد إرادة التشبث بالحياة، حيث يتحول الشعر إلى قناع لها، أو في أحسن الأحوال مرثية شجية لرحيلها المفاجئ... يتراءى ذلك في نص بعنوان «حيوات القصيدة - صفحة 13»... تقول فيه الشاعرة:

«لحظة ولادتها

تموت القصيدة

بعدما عاشت فكرة

سيرتها الأولى

تعود روحها

تحيا نشأة ثانية

أحياناً تتقمص حياة النسيان

تُهمل على رف ِّمكتبة

في انتظار أن يعاد لها النبض

بعضها يحظى بحياة مبتذلة

غزل بنات يذوب بسرعة

تاركاً دبقاً

يحدث أن

تعيش توأمة للموسيقى

تتوسد دفاتر العاشقين

تصاحب ليالي الأرق

ترافق الدروب».

وعلى المنوال نفسه، وفي محاولة للإمساك بسيكولوجيا الشعر، وتجلياته المباغتة تقول في نص بعنوان «إرباك - ص 17»:

«تربكني

مخاوف القصيدة

أحيطها بحرز يحميها

أدثرهما بما استطعت من الشعور

ثم أتركها تتجسد

غزالة معنى»

تتبدى فكرة القناع هنا في اللعب على وتر النقيض الضد «تقمص حياة النسيان»، بينما يبدو الشعر كأنه حالة من الإرباك، وصراع خفي بين الفكرة وولادتها، وأن القصيدة تحتاج إلى «حرز» ليصونها من كل هذا التداعي.

يعزز ذلك أن الرمز وحقوله الدلالية في الديوان ليس وسيطاً لشيء، إنما هو علامة، تكاد تكون مكتفية بذاتها، إلى حد الارتعاش والخوف من أن يظل الأمل معلقاً على جدار النسيان، بلا ذاكرة أو أثر يدل عليه؛ لذلك تسعى الذات إلى الماضي لاستحضار التاريخ ومعايشته من جديد، تاريخ سوريا القديم ومدنها التراثية وأساطيرها الخالدة، في تقاطع مع الواقع الراهن، وما آلت إليه البلاد من تردي الأوضاع على شتى الأصعدة... تقول في نص بعنوان «اقتلاع» ص 31:

«في حياة سابقة

حين كانت الأشياء

تتجسد في هيئتها الأولى

الصخور مليئة بالنبض

الينابيع تشدو

الهواء يحمل الأحلام

بحر فينيقيا عصي عن الخراب

السفن محملة بالزجاج الأول

بذور أبجدية أوغاريت أينعت

مسرح أمريت رحم الحضارة

أنوال تحيك البهجة

نساء تلوِّن المدى

ضفائرهن تراقص الريح»

يعتمد النص على بنية توصيفية تحيل إلى ما كان، ومن رحمه تستشرف ما قد يكون؛ لذلك تبرز المراودة وأنسنة الأشياء كركيزتين أساسيتين في الديوان، كما تتخفف النصوص من العلاقة التعليلية، التي تحبس الصورة الشعرية بين قوسي العلة والمعلول، من قبيل: «لتداري حزنه»، «لتزهر الكلمات في غابات لساني»، في المقابل تتكئ الذات الشاعرة على نفسها، تراود الشعر بتلقائية ومحبة، تفتح له كل النوافذ والأبواب، تعانقه جسداً وروحاً، وترجوه ألا يتأخر، حتى لا تغضب، والشعر بدوره يبادلها المشاعر نفسها، ويرجوها أن تتخفف قليلاً من القلق والإحساس الثقيل بوطأة الزمن، وتأخذ زينتها كاملة، حين تشرع في الكتابة، يتراءى هذا في نص بعنوان «صحبة صامتة - ص57» تقول فيه:

«أعيش في صحبة الأشياء

حرة من التعلق والجدال

حضوري خفيف أمام ثقل الكلام

منحتني الوحدة دلالها

أينعت وداعةً

من حقيبتي

يكاد المفتاح يثب

الخطى تعجِّل الطريق

البيت بأشيائه

ينتظر العناق

يطمئن بوصولي

يعشوشب المكان

تتسع العتبةُ

ينساب الماء نسيماً على جسدي

تتنفس المنشفة مسامي

تنسدل ملابسي هائمة

أزداد رقة

الثلاجة تناديني

تشدو الملاعقُ والصحون

تحتضن الألفة تعبي

دفتر يومياتي يتوق

ليطأ القلمُ أرضه

محملاً بتفاصيلي

أجلس أمام مكتبي

نظرات الكتب مزهرة على الرفوف

اقتباسات مبعثرة تبتسم

أنفاس الأوراق المطوية

لوحة المفاتيح تضاء

أثر أصابعي في روحهم

أصغي إلى الصمت

أتذوق اللذة

في أُنس الأشياء»

في الختام، يضعنا الديوان أمام ما يمكن تسميته «شعرية النمط» أو «الإطار»، لكن تبقى من السمات الفنية اللافت فيه التركيز على تفاصيل الحياة اليومية، وتصويرها ككائنات صديقة، وعلامة، توقظ الذاكرة وتفتحها على تداعيات الأمكنة والبشر، يبرز هذا على نحو خاص في فصل «تمارين على الحب»، فالشجرة والمقهى والظل والمجاز علامات لافتة على أن الحبَّ مرَّ من هنا.


«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي
TT

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي. وتأتي الغرابة من أن الفرنسيين من أشد الرافضين للتدخل الآلي في الإبداع البشري، فما بالك بتتويجه!

ويأتي هذا الإعلان بعد جدال طويل أثاره وصول رواية الهايتي- الكندي ثيلسون أوريليان، صاحب رواية «كان هذا أو الموت» الصادرة عن «دار غراسيه للنشر» إلى نهائيات جائزة «غونكور» لتُتَّهم بعد ذلك بأن غالبيتها كُتبت رقمياً، وتُستبعد كلياً، وسط صدمة وارتباك في الأوساط الأدبية.

وكأي جائزة أدبية، ستعمل لجنة تحكيم متخصصة، تكون هذه المرة مؤلفة من خمسة أشخاص، بينهم نقاد صحافيون وكتاب، على قراءة الأعمال، المولدة آلياً وبشرياً، وتحديد الفائز. أما أولوية اللجنة، فهي «تقييم الجودة الجمالية والسردية والأسلوبية للمخطوطات، بشكل مستقل تماماً».

وتُقدَّم نسخة الرواية التي يُشترط ألا تكون صادرة سابقاً عن دار نشر، مع استثناء النشر الذاتي على منصات كـ«أمازون»، من خلال الموقع الإلكتروني، ويحدد صاحبها بشفافية تامة اسم البرنامج الذكي الذي استخدمه كي يتمكن من كتابة نصه. وحسب الإعلان فإن كل النماذج الذكية مسموح بها، ولا يوجد تقييد على الكُتَّاب. كما أن النص يُشترط أن يكون أدبياً، ولكن ليس من الضروري أن ينتمي إلى الجنس الروائي. فقد يكون سيرة ذاتية أو نصاً مفتوحاً؛ بل تُشجَّع بشكل خاص الأعمال غير الروائية، كالسير الذاتية، والمذكرات، وحتى المقالات الطويلة.

وليس من الواضح إن كانت مشاركة الكاتب للذكاء الاصطناعي في الكتابة، يفترض أن تقتصر على طرح الأسئلة على الآلة، وتوجيه النص، أم أن يعمل على الصياغة، وتوليد الأفكار، وإعادة توليف النص.

ولم يخبرنا بيان الجائزة من يملك مهارة كشف مدى تدخل الآلة، وما هو الجهد البشري المبذول في النص؟ فكل هذا لا يزال ضبابياً، ويُنتظر أن يسيل كثير من الحبر في مقبل الأيام.

ثمة اعتراف بأن مهمة لجان الجائزة لن تكون سهلة؛ لأنها في مواجهة تقنيات تتطور كل يوم، وهذا بحد ذاته يحتاج متابعة وفهماً حثيثين.

تم الإعلان عن الجائزة يوم 21 من الشهر الحالي، وبدأ موعد تسليم الروايات للدورة الأولى، وينتهي في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكما في الجوائز التقليدية، يتم اختيار قائمة أولية تضم عشرة مرشحين، قبل الإعلان عن الفائز في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، الذي ستهتم الجائزة بنشر عمله وتأمين تغطية إعلامية واسعة النطاق له، بالتزامن مع حفل توزيع الجوائز. كما تُنشر الفكرة الأولية للعمل الفائز بموافقة المؤلف، لإثراء النقاش حول الكتابة المشتركة.

شارك في تأسيس الجائزة كل من فيليب رودريغيز وألبين سيرفيان وجيل مينتري، وهم رواد أعمال في مجال التكنولوجيا. رودريغيز هو شريك مؤسس في شركة الاستشارات الخاصة بعمليات الاندماج والاستحواذ «أفولتا»، ويعتبر شخصية بارزة في صناعة العملات المشفرة وتقنية «البلوك تشين»، وسيرفيان هو الرئيس السابق لمجلة «تيتو» ورائد أعمال في مجال الإعلام الرقمي، أما مينتري فهو يدرِّس في جامعة هارفارد وجامعة باريس 1 بانتيون- سوربون، ولكنه -وهذا الأهم- شارك في تأسيس منصة «إليكتيس» للتصويت الإلكتروني.

ومعرفة هوية المؤسسين ومهنهم البعيدة عن الأدب قد تفسر جرأتهم في خوض واحد من المجالات الحساسة بالنسبة للفرنسيين، أي الكتابة والإبداع، وخلط كل ذلك بالذكاء الاصطناعي، وأيضاً الجوائز الأدبية التي حظيت باستمرار بمكانة واحترام كبيرين. فما هو مطروح الآن معاكس تماماً للمزاج الفرنسي، وللرؤية الفرنسية للأدب بشكل خاص.

نقرأ على موقع الجائزة شرح مسهب: «فهي تعطَى لنص كُتب بالفرنسية، بصرف النظر عن جنسية كاتبه أو مكان إقامته»، بمعنى أنها فرنكوفونية، والنص الأدبي يتراوح طوله بين عشرة آلاف وخمسين ألف كلمة.

يذكِّرنا المنظمون على موقعهم الإلكتروني بأن «(جائزة باسكال) ليس هدفها قياس ما إذا كانت الآلة ستتفوق على الكاتب»؛ بل تهدف إلى تسليط الضوء على خمسة أهداف: توسيع آفاق التقدم البشري، وتطبيق الذكاء الاصطناعي، ودمج التقاليد الفرنسية للجوائز الأدبية مع صناعة الذكاء الاصطناعي، والشمولية الثقافية من خلال الذكاء الاصطناعي، وقياس قدرات الذكاء الاصطناعي في الأدب.

أما العمل الأدبي فلا بد من أن يكون مفيداً، أو يهدف إلى التنبيه بشأن أحد التحديات البيئية أو الاجتماعية أو الأخلاقية المعاصرة، أو المساعدة في حله «بطريقة مبتكرة».

تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت جزءاً من ورش الكتابة، والعمل على المخطوطات، والتأليف بشكل غير مباشر. لذا فإن «جائزة باسكال» تطرح السؤال بصوت عالٍ: «كيف يمكن أن يصبح العمل الفني عندما يتعاون المؤلف مع الآلة؟» وما يريدونه أيضاً هو مراكمة التجربة، ورؤية تطور المؤلفات من سنة إلى أخرى، وبالتالي قياس ما تتيحه الآلة من تحولات في بناء النص الأدبي.

وحسب ما تسرب فإن جاك أتالي، المستشار السابق للرئيس الراحل فرنسوا ميتران، سيكون ضمن لجنة هذه الدورة. وهو أمر لم يؤكد بعد. ولكن ما أُعلن عنه أن الجائزة لا تشترط وجود ناشر، وأنها تتولى بنفسها نشر النصوص التي تختارها بعد فوزها.

ويستفيد أصحاب المشروع من غياب قانون فرنسي ينظِّم هذا النوع من النشاطات الأدبية. وبالتالي حتى لو لم تكن الفكرة لها ما يكفي من المؤيدين وسط النخبة، فلا يوجد ما يمنع طرح مثل هذه الجائزة؛ خصوصاً أنها لا تشترط في المتقدمين أن يكونوا كتاباً محترفين. هذا يعني أن المشاركين سيكونون على الأرجح مجهولين من قبل القراء، وربما من التكنولوجيين المهرة، أكثر مما هم من عشاق اللغة وجهابذتها.

وتأتي هذه الجائزة في وقت يدين فيه المبدعون استخدام الذكاء الاصطناعي، ويطالبون بتطبيق قواعد وضوابط صارمة. ووصفت منصة «ليفر إبدو» الفرنسية التي تعنى بالكتب والنشر الجائزة بأنها أحد تداعيات «زلزال أوريليان». وللتذكير فقط، فالحديث هو عن كاتب رواية «كان هذا أو الموت» الذي فاز بجائزة «فناك» ثم وصل إلى أعتاب أهم جائزة أدبية فرنسية هي الـ«غونكور» في سبتمبر (أيلول)، وبدأ اتهامه بأن غالبية روايته كُتبت بالذكاء الاصطناعي. أثار الخبر ما يشبه الفضيحة؛ إذ كيف فات هذا الأمر ناشره الكندي، ومن ثم «غراسيه» واحده من أعرق دور النشر الفرنسية. وبسبب نكران الكاتب المستمر، بقيت قضيته موضع تجاذب، ودخلت فيها اتهامات بالعنصرية كونه ملوناً، إلى أن قررت لجنة الجائزة استبعاده نهائياً. وحارت المكتبات بين أن تواصل عرض روايته أو تسحبها من واجهاتها. ولم يضع حد للبلبلة سوى تأكيد ناشره مؤخراً بأن الكتاب ليس صناعة بشرية خالصة. وتأتي «جائزة باسكال» بعد هذه الجلبة، وكأنها رد غير مباشر على الأصوات القوية الرافضة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أما لماذا أُطلق اسم عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال على الجائزة، فلأنه المفكر الغربي الوحيد الذي كان رائداً في مجال الأجهزة الميكانيكية، ومتقناً للغة في وقت واحد. ويستعير أصحاب المشروع أقوالاً لكاتبهم، منها: «كلما ازدادت فطنتك عثرتَ على أشخاص أكثر تميزاً».

لا تُمنح هذه الجائزة لمجرد كتاب جديد: «بل تُكرَّم الأعمال التي تُضيف مختلفاً، ولا تُعيد إنتاج صيغة سبق إنتاجها. وتسعى (باسكال) إلى استكشاف ما تُتيحه الآلات الذكية من إمكانات في مجال الإنتاج الفكري المفيد والفعَّال الذي يُسهم في الحفاظ على البشرية وبيئتها»، هذا على الأقل ما يعدنا به أصحاب المشروع.


الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.