من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

«أنشودة المطر» بين لمعان ولميعة

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
TT

من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟
«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.
ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟
كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.
قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».
كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».
كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».
فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».
في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».
هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.
أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».
وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».
في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».
وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».
من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».
الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.