النازحون من كوباني.. الألغام من خلفهم و«داعش» من أمامهم

أعداد كبيرة من المدنيين الفارين من المدينة عالقون في شريط ملغم بممر تل شعير

علي بشيريه (90 عاما) عالق منذ 81 يوما بالقرب من الحدود مع «سروج» ويعيش مع أسرته في العراء («الشرق الأوسط»)
علي بشيريه (90 عاما) عالق منذ 81 يوما بالقرب من الحدود مع «سروج» ويعيش مع أسرته في العراء («الشرق الأوسط»)
TT

النازحون من كوباني.. الألغام من خلفهم و«داعش» من أمامهم

علي بشيريه (90 عاما) عالق منذ 81 يوما بالقرب من الحدود مع «سروج» ويعيش مع أسرته في العراء («الشرق الأوسط»)
علي بشيريه (90 عاما) عالق منذ 81 يوما بالقرب من الحدود مع «سروج» ويعيش مع أسرته في العراء («الشرق الأوسط»)

انفجر لغم أرضي، أول من أمس، بأحد النازحين على الحدود قرب قرية تل شعير غربي كوباني؛ مما أدى إلى بتر إحدى ساقيه وإصابة مواطنين آخرين بجروح بليغة نقلوا على إثرها إلى مشفى داخل مدينة كوباني. وقال مصدر طبي لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللغم انفجر أثناء محاولة أحد النازحين إيقاد النار للتدفئة، أفقده ساقه وأصاب 4 مدنيين بجروح خطيرة، وتم نقلهم على الفور إلى المركز الطبي في كوباني لتلقي العلاج، بعد أن تم استهداف المستشفى الميداني من قبل (داعش) بسيارة مفخخة».
وأضاف المصدر أن «عشرات النازحين فقدوا حياتهم، نتيجة انفجار الألغام الأرضية، وأن المركز الطبي لا يمكنه استيعاب كل الجرحى جراء الحروب والتفجيرات الإرهابية وجرحى الألغام نتيجة افتقارهم للكادر الطبي والدواء».
الناشط الإعلامي الكردي باران مسكو من عند نقطة «مرسميله» من الجهة الشرقية الملتهبة التي عادة يشن «داعش» هجماته منها كشف في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن «الألغام الأرضية تسببت في قتل ما يزيد على 30 مدنيا حتى الآن»، مشيرا إلى «عدم وجود أي لوحات توعوية للاجئين بمخاطر الألغام الأرضية، أو لوحات تحذر من الاقتراب بسبب وجود الألغام».
وأضاف مسكو الذي عمل مع منظمة دولية حول الألغام المزروعة على الحدود التركية مع كوباني، أن «أعداد كبيرة من المدنيين الفارين من كوباني عالقون في شريط من حزام الألغام يعرف بممر تل شعير، إلى الشمال الغربي من كوباني؛ حيث يتعرضون لخطر الألغام الأرضية»، مشيرا إلى أن «المدنين عالقون في حزام الألغام داخل الحدود التركية، لأن تركيا كانت ترفض دخول السيارات أو المواشي، ولم يكونوا يريدون ترك أمتعتهم خلفهم، إضافة إلى بقاء أعداد من النازحين في حزام الألغام قرب قريتي مرت إسماعيل، وجناكلي التركيتين، على بعد أقل من 9 كيلومترات شرقي كوباني».
وكشف عن أن «منطقة ممر تل شعير تعرضت لما لا يقل عن 76 انفجارا حتى الآن، وإن لغما أرضيا ينفجر في تل شعير كل يومين أو 3 جراء مرور المدنيين الفارين أو مواشيهم»، مشيرا إلى تقرير «هيومن راتيس وتش» التي كان ضمن فريق العمل في إعداد التقرير، ذكرت أن «اللاجئين الفارين عبر المنطقة أحضروا ما لا يقل عن 6 ألغام أرضية غير منفجرة كانوا قد رفعوها بأنفسهم إلى الجنود الأتراك».
ويقول أحد المتضررين من انفجار لغم أرضي لدى محاولته الفرار مع الآلاف من أهالي عين العرب - كوباني في سبتمبر (أيلول) 2014. بعد هجوم تنظيم داعش على المدينة، الذي أودى بحياة أحد أبناء أخيه وفقد آخر لساقيه، يستذكر محمود شيخو لحظات الألم، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «انفجار لغم أفقده أحد أبناء أخيه (18سنة) وتسبب في إعاقة الآخر عند نقطة (مرسميله) على الحدود التركية من الجهة الشرقية لمدينة كوباني»، كاشفا أن «حرس الحدود الأتراك رفض إسعافهم إلى أحد المشتشفيات في سروج، وأنه بعد انتظار دام لأكثر من ساعتين ونصف الساعة وبعد محاولاته التوسل لحرس الحدود الأتراك السماح له لإسعاف ابني أخيه الجريحين نتيجة انفجار اللغم ووساطة أحد السائقين المدنيين من الداخل التركي سمح له بالدخول، إلا أن ابن أخيه الأكبر فقد على إثر ذلك حياته، أما الآخر قد فقد ساقيه».
وأكد شيخو أن «ضحايا الألغام الأرضية على الحدود التركية يعدون بالعشرات»، مضيفا أنه «ما زال مئات النازحين عالقين عند نقطة (مرسميله) من الجهة الشرقية، فيما يوجد أضعاف مضاعفة في الجهة الغربية وعند نقطة تل شعير، يواجهون، إضافة إلى الظروف القاسية، خطر الألغام».
ولا يزال أعداد كبيرة من النازحين العالقين على الحدود، يواجهون مخاطر قذائف الهاون التي تسقط عليهم بين الحين والآخر، والألغام، وعدد منهم فضل البقاء في انتظار العودة.
العم «علي بشيريه» (90 سنة)، لم يستطع ترك قريته وأرضه وهو منذ 81 يوما يعيش في العراء بالقرب من الحدود مع سروج.
وأكد العم علي لـ«الشرق الأوسط» أنه رغم علمه بأن الأرض مليئة بالألغام، فإنه وعائلته باقون إلى أن ينتصر ويتحقق النصر ويطرد الداعشيين منها»، مشددا «إننا باقون إلى أن يكتب لي العودة مجددا إلى قريتي التي قضيت فيها حياتي».
وفي غضون ذلك أفاد تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» صدر بداية ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أن «ألغاما أرضية زرعها الجيش التركي منذ عقود في منطقة محظورة على الحدود مع سوريا تهدد حياة الآلاف من اللاجئين السوريين»، مضيفا أن «جميع الحوادث التي وثقتها (هيومن رايتس ووتش) وقعت داخل ممر تل شعير، الذي يحاذي الجانب التركي من الحدود مباشرة إلى الشمال الغربي من كوباني. ويمتد الممر شرقا بعرض يتراوح بين 300 و400 متر، متتبعا خطا حديديا مهجورا يقوم بمثابة علامة حدودية بين تركيا وسوريا، ويحد الممر شمالا سور من السلك الشائك يعمل على تقييد أي توغل إضافي داخل تركيا».
وطالب التقرير الحكومة التركية «القيام بجهود فورية لإعادة التسكين الآمن لما يزيد على الألفين من اللاجئين السوريين الباقين في حقل الألغام، وأنه على تركيا تطهير جميع المناطق الملغومة داخل أراضيها، بدءا بمناطقها الحدودية مع سوريا التي يمكن أن يعبرها لاجئون، ولكي يتسنى لأفراد رفع الألغام العمل بأمان».
وبحسب التقرير فإن «القوات التركية قامت بين 1957 و1998 بزرع 615419 لغما مضادا للأفراد بطول الحدود السورية لمنع العبور غير المشروع للحدود، وأن صور القمر الصناعي المسجلة منذ 1968 تبين أن هذا الشريط من الأرض يشكل جزءا من حزام ممتد من حقول الألغام التي زرعها الجيش التركي بطول حدوده مع سوريا في خمسينات القرن العشرين».
وانضمت تركيا إلى اتفاقية حظر الألغام في 2003، كما كانت ملزمة بموعد نهائي مبدئي في مارس (آذار) 2014 لرفع جميع الألغام، إلا أنها حصلت على تمديد حتى مارس 2022.
وبموجب «اتفاقية حظر الألغام»، تلتزم تركيا بتدمير جميع الألغام المضادة للأفراد في المناطق الملغومة الخاضعة لسلطتها أو سيطرتها في أقرب موعد ممكن. في ديسمبر (كانون الأول) 2013، قامت دول «اتفاقية حظر الألغام» بمنح تركيا تمديدا للموعد النهائي لرفع ألغامها حتى الأول من مارس 2022 بعد اعتراف تركيا بأنها ستخفق في الالتزام بالموعد الأصلي المحدد بالأول من مارس 2014.
وبحسب مرصد الألغام الأرضية، فقد وافق قانون تركي صادر في 2009 على تطهير حقول الألغام بطول الحدود مع سوريا البالغ طولها 911 كيلومترا، وكلف وزارة الدفاع القومي التركية بالدور القيادي والمسؤولية عن عملية التطهير. وفي يوليو (تموز) 2013 ألغت الوزارة عطاءات التطهير المزمعة لتطهير الحدود بسبب تطورات الوضع في سوريا، ولم تقدم أي معلومات إضافية حول خططها لتطهير الحدود الجنوبية مع سوريا. وقد ساهمت «هيومن رايتس ووتش» في مرصد الألغام الأرضية منذ إنشائه في 1999.
وقد سبق لـ«هيومن رايتس ووتش» توثيق استخدام الحكومة السورية للألغام الأرضية على حدودها في مناطق أخرى، وظهرت تقارير إعلامية كثيرة عن قيام الحكومة السورية بزرع ألغام جديدة على حدود البلاد مع لبنان وتركيا في أواخر 2011 وأوائل 2012. وقال مسؤول حكومي سوري لوكالة «أسوشيتد بريس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، إن «سوريا قامت بإجراءات كثيرة للسيطرة على الحدود، بما في ذلك زرع الألغام»، في مارس 2012 نشرت «هيومن رايتس ووتش» تقريرا عن استخدام الألغام المضادة للأفراد من طراز «بي إم إن - 2» والألغام المضادة للمركبات من طراز «تي إم إن - 46» السوفياتية - الروسية المنشأ، في المناطق الحدودية مع تركيا. ولم تنضم سوريا إلى «اتفاقية حظر الألغام».



السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

تنطلق في التاسع عشر من يوليو (حزيران) الحالي فعاليات «صيف التدريب التقني» ضمن مبادرة حملات تحفيز الالتحاق بالتدريب التقني والمهني، إحدى مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن برامج «رؤية السعودية 2030»، وذلك بتنظيم من الإدارة العامة للتدريب التقني والمهني في خمس مناطق في السعودية، وبإشراف الإدارة العامة للأنشطة.

وتستهدف الفعاليات طلاب وطالبات المرحلة الثانوية العامة وأولياء أمورهم، من خلال برامج وأنشطة نوعية تُقام في الرياض، والمدينة المنورة، والقصيم، ومكة المكرمة، والمنطقة الشرقية، بهدف تعريفهم ببرامج التدريب التقني والمهني، وإبراز الفرص التعليمية والمهنية التي يوفرها، وتعزيز ارتباط مخرجاته باحتياجات سوق العمل.

ويتضمن البرنامج خمس فعاليات رئيسة تتمثل في كأس التدريب التقني لكرة القدم في الرياض، وكأس المدينة للذكاء الاصطناعي في المدينة المنورة، ومعسكر الروبوتات والذكاء الاصطناعي في القصيم، ومبادرة بصمة مهارة للتجميل والأزياء في مكة المكرمة، وبطولة التدريب التقني للرياضات الإلكترونية في المنطقة الشرقية.

وتسهم تلك الفعاليات في الوصول إلى المستهدفين عبر تجارب تفاعلية تجمع بين المنافسة والتطبيق والتعريف بالمسارات التدريبية ضمن فعاليات الحملة الإعلامية الرابعة «حنا ندورك».


استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)

تحولت تداعيات محاولة هبوط طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية، الاثنين الماضي، من أزمة سياسية وعسكرية إلى مصدر خوف للسكان في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بعدما أعقبتها حملات اعتقال واسعة وإجراءات أمنية غير مسبوقة في صنعاء والحديدة، بذريعة ملاحقة خلايا تجسسية وإرهابية، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية.

وأجبر الجيش اليمني طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية «ماهان إير»، على الهبوط في مطار الحديدة، بعد أن اخترقت الأجواء اليمنية رغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات اليمنية، واستهدفت القوات الجوية اليمنية مدارج الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين الذين كانوا حشدوا أنصارهم لتنظيم استقبال استعراضي لوفدهم القادم من الأراضي الإيرانية.

وبينما أبدى سكان صنعاء والحديدة مخاوفهم من تبعات التصعيد الحوثي على حياتهم، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة النطاق في المدينتين، طالت العشرات ممن لم يُكشف عن هوياتهم، بعد فرض حصار مطبق على المنازل والحارات التي جرت فيها الحملات.

وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن عدداً من الحارات المحيطة بشارع تونس في مديرية الثورة، في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شهدت استنفاراً وحصاراً استمرا قرابة يومين كاملين، وتسببا بحالة من الهلع في أوساط السكان، بعد أن نشرت أجهزة الأمن الحوثية عدداً كبيراً من عناصرها الملثمين وعرباتها المدرعة في المداخل وأقدمت على اقتحام منازل واعتقال عددٍ غير معروف من ساكنيها.

صورة لهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة التقطها أحد السكان (إكس)

وقيّدت عناصر الجماعة حركة تنقل أهالي الحارات التي نفذت فيها حملات الاعتقال، ولم تسمح بخروج أي شخص، في حين كان يجري احتجاز كل من يقترب منها أو يحاول الدخول إليها، ويجري التحقيق معه داخل العربات التابعة للحملة، قبل أن يقرّر قادة الحملة إطلاقهم أو اعتقالهم ومنعهم من التواصل مع أقاربهم.

مخاوف واعتقالات

كشفت مصادر مطلعة عن إجبار الجماعة الحوثية كل من أُفرج عنهم على التعهد بعدم الإفصاح، لأي كان، عمّا جرى خلال التحقيق معه، أو الكتابة والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بملاحقتهم في حال مخالفة هذا التعهد.

ونقلت المصادر عن أحد الشهود أنه جرى احتجازه والتحقيق معه ساعات عدة بسبب مروره في شارع تونس ووقوفه للسؤال عن سبب الإجراءات الأمنية المشددة، ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد استكمال التحريات بشأنه.

غبار ودخان في مطار صنعاء بعد ضربات للجيش اليمني رداً على خروق الحوثيين وإيران (أ.ف.ب)

وحسب ما نقلت المصادر عمن جرى احتجازهم والتحقيق معهم، فإن الجماعة تزعم أنها كانت بصدد ضبط خلايا إرهابية وتجسسية تنشط في الحي وتستعد لتنفيذ عمليات تستهدف شخصيات ومواقع أمنية وعسكرية.

وشهدت أغلب شوارع وأحياء صنعاء ومدينة الحديدة (غرب) إجراءات أمنية مشددة، وانتشاراً للعربات التابعة لأجهزة أمن الجماعة، وتكثيف أعمال تفتيش المارة والسيارات، وإغلاق بعض الشوارع والمنافذ.

ووفقاً لتقدير المصادر، فإن هذه الإجراءات ترتبط بمخاوف الجماعة من رد الجيش اليمني على التصعيد الذي أقدمت عليه الجماعة بدعم من النظام الإيراني، وذلك باختراق السيادة اليمنية وإرسال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من السلطات الشرعية.

كما شهدت مدينة الحديدة اعتقالات على نحو واسع النطاق طالت العشرات من السكان في عدد من الأحياء والشوارع المحيطة بالمطار، دون الكشف عن الأسباب والدوافع، في حين رجّح متابعون أن المستهدفين بالحملة ممن التقطوا صوراً بهواتفهم لهبوط الطائرة الإيرانية ونشروها في مواقع التواصل الاجتماعي.

الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

وقال شاهد عيان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة كثفت من انتشارها في مختلف الشوارع والأحياء، خصوصاً جهة الشرق، بالقرب من المطار، وأوقفت العشرات لتفتيش هواتفهم.

حسابات التصعيد

قوبلت الإجراءات الحوثية والإيرانية بغضب واستنكار واسعين؛ لما تمثله من تعقيد للأزمة اليمنية وزيادة لمعاناة السكان في ظل تردي الأحوال المعيشية وتراجع المساعدات الإغاثية الدولية.

وتحدث سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تؤدي الخطوات التصعيدية الحوثية، والعمليات العدائية ضد منشآت حيوية في جنوب السعودية، إلى المزيد من التدهور الاقتصادي وأزمات في المواد والسلع الضرورية.

وفسّر مدرس وأكاديمي في جامعة صنعاء الأعمال التصعيدية الحوثية بمحاولة فرض شروط معقدة لأي تسوية سياسية متوقعة في المستقبل، حيث تحاول الجماعة تحسين وضعها التفاوضي بعدما واجهته من خسائر اقتصادية وعسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية رداً على عملياتها في البحر الأحمر والمواجهة التي اصطنعتها مع تل أبيب.

الجيش اليمني منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء بعدد من الضربات (أ.ف.ب)

وذهب الأكاديمي الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته؛ حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة توجه رسائل اختبار لقياس ردات الفعل المحلية والإقليمية والدولية، وأن ثمة احتمالات لأن تكون تلقت توجيهات إيرانية بذلك، للحصول على مكاسب مزدوجة للطرفين في ظل التوتر الذي ما يزال قائماً في المنطقة.

وبيَّن الأكاديمي، أن قادة الجماعة الحوثية الذين يسيطرون على جامعة صنعاء، يتناقلون يومياً أحاديث عن لقاءاتهم بقيادات عليا أو تلقيهم اتصالات تحثهم على المزيد من التعبئة في أوساط الطلاب وموظفي الجامعة والأكاديميين.

وكشف عن استعدادات كبيرة كانت الجماعة تجريها لتنظيم حفل استقبال كبير لوفدها العائد من طهران في مطار صنعاء، قبل أن تضطر إلى إلغائه بعد تلقيها تحذيرات بعدم السماح بهبوط الطائرة فيه.

ويخشى اليمنيون أن يقود هذا التصعيد إلى مزيد من التشديدات الأمنية وتقييد الحريات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الإنسانية؛ ما يجعل المدنيين الطرف الأكثر تأثراً بأي مواجهة أو حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.


تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.