مسافر مقيم يتأمل في كتاب الطبيعة

حاز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مسافر مقيم يتأمل في كتاب الطبيعة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

حاز كتاب «مسافر مقيم» للشاعر العراقي باسم فرات على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2013 - 2014 الذي صور فيه المؤلف وعلى مدى عامين كاملين رحلاته الشيقة إلى أعماق الإكوادور، وهي رحلات أو «يوميات تنفتح بقارئها على فضاءات غير معهودة»، كما رأت لجنة التحكيم ذلك؛ لأن الشاعر باسم فرات «يكتب بعينيه وذاكرته وقلبه».
وصل باسم فرات إلى العاصمة الإكوادورية كيتو في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 بصحبة جينيت، زوجته النيوزيلندية ذات الجذور الإنجليزية. هي إنسانة غربية منظمة جدا، وهو شاعر شرقي مسكون بالدهشة وحب الاستكشاف. وفي 23 يوليو (تموز) 2012 سيقوم باسم بأولى رحلاته إلى غواياكيل، أكبر مدن الإكوادور، ومنها إلى ساليناس وأيامبه وميناء لوبز، مرورا بمونتكرستي وبدرنالس، صعودا إلى بعض الجبال الشاهقة منها كوتوباكسي وتشيمبوراسو والاوسي، نزولا إلى الأمازون وبعض محمياته ومنتجعاته السياحية الساحرة، وانتهاء بمدينة القديس دومينغو ومتحف الماء في مدينة كيتو، وما تخلل هذه الرحلات من مجازفات ومخاطر لا يستهان بها لأنه أوشك أن يدفع حياته ثمنا لها.
منذ البدء يحيطنا الكاتب باسم فرات بمعلومات كثيرة عن الإكوادور بشكل عام، وكيتو بشكل خاص، مصورا لنا سلاسل جبال الأنديز الـ3 وجبالها الـ40 الشاهقة الارتفاع التي تطل قممها على الغيوم والأمطار والصواعق من مسافات بعيدة. فالجبل في الإكوادور لا يسمى جبلا ما لم يزد ارتفاعه على 4000 مترا. وبما أن منزل الرحالة باسم فرات يقع على ارتفاع 2850 مترا فوق مستوى سطح البحر، فإنه - بحسب الإكوادوريين - لا يعيش على جبل!
لا شك في أن فصول هذا الكتاب تتمحور حول الرحلات التي قام بها الشاعر باسم فرات وحده أو مع زوجته في بعض الأحيان، وهذا ما نلمسه من ضمير المتكلم الذي يطغى على بعض الفصول، حيث نشعر ببعض الفوارق بينه وبين زوجته النيوزيلندية القادمة من ثقافة مغايرة لثقافة الكاتب الشرقية. فثمة شذرات جميلة تصادفنا هنا وهناك تكشف عن اهتمام الكاتب بتلاقح الحضارات من جهة ونبوّ بعضها عن بعض من جهة أخرى.
إن الذين يعرفون الشاعر والمصور الفوتوغرافي باسم فرات عن كثب سيدركون أنه مولع بالأسفار والرحلات، وقد صادف أن تكون زوجته جينيت أكثر ولعا منه بالأسفار، ولولاها لما تحققت لباسم مثل هذه الفرص الذهبية التي استثمرها أفضل استثمار وحوّلها إلى مادة أدبية راقية تنضوي تحت باب «أدب الرحلات». وبما أن الإكوادور ليست محطة باسم فرات الأولى فكان عليه أن يكتب عن نيوزيلندا أولا التي قبل فيها كلاجئ، ثم اليابان التي عاش فيها بعيدا عن هاجس اللجوء السياسي أو الاقتصادي، ثم جمهورية لاوس الديمقراطية، ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون باسم فرات قد أهمل التدوين قبل مرحلته الإكوادورية، وهذا هو الذي دفعه لأن يقدم المرحلة الأخيرة على سابقاتها التي لا تقل دهشة وفتنة وإغراء من الإكوادور التي تعني «خط الاستواء».
يتصف باسم فرات بدقة الرصد، وقوة الملاحظة، والفضول المعرفي الذي يفضي غالبا إلى الاستكشاف ومفاجآته الكثيرة. وبما أنه مصور فوتوغرافي فإن حواسه الـ6 جميعا متيقظة بما فيها الحدس أو الحاسة السادسة التي تحرضه على خوض مغامرات لا تحمد عقباها مثل مجاورة الحيتان أو الاقتراب من التماسيح أو الدنو من الأفاعي السامة التي تضعه دائما في دائرة الموت الساخنة.
لا تقتصر دقة رصد الشاعر والمصور فرات عند حدود «كتاب الطبيعة» الذي يحلو له أن يتمعن فيه في كثير من الأحيان التي يكون فيها مسافرا بالسيارة أو القطار ليستمتع بجمال الطبيعة من أشجار وأنهار وجبال وهضاب وسهول وصحارى منبسطة على مد البصر، بل إن عينيه تلتقطان الشعارات التي تبثها الأحزاب والحكومات الفاشلة التي لا تفلح إلا في نهب ثروات البلاد والعباد. فحينما نقرأ في الإكوادور أو غيرها من البلدان التي ترفع شعارات من قبيل «وطن الكرامة أو العدالة أو الليبرالية» فإننا نتيقن في الحال أن هذا البلد يهدر كرامة الإنسان، ويغتصب العدالة، ويجعل من الليبرالية شبحا لا وجود له على أرض الواقع تماما كما هو الحال في بلدان العالم المتخلفة التي تنتعش فيها الديكتاتوريات التي تروج لـ«ثقافة الشعارات والصور» التي تعمل ضدها في واقع الحال.
على الرغم من جمال الطبيعة وثرائها في الإكوادور، فإن شعبها فقير جدا ولا تعرف حكومته كيف تستدرج السياح وتوفر فرص عمل كثيرة لمواطنيها متعددي القوميات والثقافات والأديان. وقد انتبه الكاتب باسم فرات إلى السرقة بوصفها ظاهرة شائعة في الإكوادور فقد تعرض هو غير مرة لظاهرة السرقة المسلحة ونجا من الموت بأعجوبة، فالسراق لا يتورعون عن استعمال الأدوات الجارحة كلما دعتهم الحاجة إلى ذلك فلا غرابة أن يتفادى الكاتب حمل مبالغ مادية كبيرة في محفظة نقوده خشية من وقوع السرقة في أي لحظة.
لم يتبع الكاتب خطة مدروسة في تقديم المعلومات الكثيرة التي توفرت لديه خلال سنوات إقامته في كيتو، بل كانت هذه المعلومات تنساب عفو الخاطر كلما وجدت سبيلها ضمن السياقات السردية لفصول الكتاب.
لا يحتاج القارئ إلى معلومات متوفرة على الإنترنت حتما من قبيل التعداد السكاني أو جغرافية الإكوادور، لكنه بحاجة ماسة إلى أبرز المحطات في تاريخ الشعب الإكوادوري، وخصوصا أن شعبه عريق وتمتد حضارته إلى بضعة آلاف من السنين. وحسنا فعل الكاتب حينما توقف عند خوسيه ألوي ألفارو دلغادو، باني الإكوادور، والمحافظ على وحدتها الوطنية، والمدافع عن قيمها الديمقراطية.
من المعلومات الشيقة التي يحتاجها القارئ العربي هي حديثه عن البراكين الـ8 النشيطة في السلسلة الوسطى التي تقع عليها العاصمة كيتو أو البراكين الخاملة التي يمكن أن تنفجر على غير موعد كما هو الحال في براكين الجنوب، أو الحديث عن اللغة الإسبانية التي يتحدث بها جميع الإكوادوريين واللغات المحلية التي لم يبقَ منها سوى 14 لغة من أصل 30 لغة محلية يتحدث بها المجتمع الإكوادوري متعدد الثقافات والأعراق والأديان.
يحضر العراق بقوة في هذه اليوميات، سواء بشكل إيجابي أم سلبي، وقد تتجسد دلالة العنوان بأن الكاتب «مسافر في أرجاء العالم، ومقيم في العراق في الوقت ذاته» حتى وإن كانت هذه الإقامة مجازية، فالشاعر باسم فرات يحمل العراق في قلبه وذاكرته أنّى حل أو ارتحل. وهو يعقد المقارنات بين العراق وبين البلدان التي يحط فيها زائرا أو مقيما. وعلى الرغم من أن الشاعر فرات يتمنى التقدم والرقي للعراق فإن مقارناته الحيادية تكشف عن حجم التخلف الكبير الذي يعيشه العراق بوصفه دولة لا تعتني بالحدائق والمتاحف والمناطق الأثرية، ولا تهتم بالبيئة والمحميات الطبيعية والاصطناعية، وقبل ذلك كله فهي غير معنية بالإنسان العراقي وحقوقه الشخصية والعامة.
تمتد هذه المقارنات إلى البلدان التي عاش فيها أو زارها زيارات خاطفة مثل اليابان ولاوس، حيث يحيطنا علما بسلوكية الإنسان وأخلاقه ومنظومة قيمه الاجتماعية التي نعرف من خلالها أن الإنسان الياباني يقدس العمل، ويحب النظافة، بل إن الشعب الياباني نفسه هو الذي ينظف الشوارع والأرصفة والحدائق العامة، وإن عمال البلدية لا يعملون شيئا سوى رفع هذه النفايات وإيصالها إلى المناطق المخصصة لها بعكس اللاويين الذين يجمعون أوساخهم ويرمونها على حافة الشوارع لتعيدها حركة السيارات إلى أمكنتها السابقة.
يهتم باسم فرات بالمكونات الإثنية لأي بلد يزوره أو يقيم فيه، وربما كانت إشارته ذكية إلى أن جمهورية لاوس الديمقراطية فيها 200 إثنية، بينما لا يتجاوز تعدادها السكاني 6 ملايين نسمة. وقد وصل فرات إلى قناعة مفادها أن البلدان النقية ذات العرق الواحد هي أكذوبة كبرى فكل البلدان في العالم مكونة من إثنيات متعددة والعراق هو من بين هذه البلدان المتنوعة الأعراق والأديان والمذاهب. ينصب اهتمام الكاتب باسم فرات في معظم رحلاته على تصوير الحالات والمشاهد النادرة التي يقتنصها في الغابات والجبال والأنهار والمسطحات المائية، فكم من مرة يلفت عنايتنا إلى تصوير الورود والأزهار، بل إنه يصف الانحناء لها وتصويرها نوعا من الصلاة أو طقسا من طقوس العبادة؟ وكم من مرة يغرينا للتأمل في حيوان الفكونة وهو (بين اللاما والغزال) وليس أكبر من ذلك كما يشير صاحب المورد؟ وكم من مرة يبث فينا الهلع وهو يصور لنا أفعى الأناكوندا التي لا تنفث ولا تلدغ، ولكنها تلتفت حول الإنسان وتعصره حتى تطحن عظامه في جسده قبل أن تلتهمه وتمتص كل السوائل الموجودة فيه ثم تلفظه خارج جسدها القوي؟ أو يرعبنا حينما يتوقف ليصف لنا سمك البيرانا الأمازومنية الخطيرة؟
لا تتوقف رغبة التأمل والتصوير عند الحيوانات الخطيرة فحسب، بل تمتد إلى الطيور والفراشات والحشرات الكثيرة التي تزدحم بها غابات الإكوادور، وأنهارها المتدفقة، وشلالاتها الكثيرة التي كان يتأملها كمن يقرأ في صفحات الطبيعة أو يستوحي منها الكثير من قصائده كلما سنحت له خلوة هنا أو هناك ليدبج بعض الأشعار بلغة مفارقة لكثير من القصائد السائدة والمكرورة، ولا غرابة في ذلك فمن ينحني للوردة ويصلي لها لا بد أن تمنحه عطرا استثنائيا لا تمنحه إلا للمتعبدين الأنقياء الذين يدونون صلواتهم وهمساتهم على وريقات الورد المرهفة.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.