كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية (2 - 2)

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة
TT

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

في الحلقة الأولى التي نشرت، أمس، عبر المشاركون الثلاثة، ناقدة وشاعرة وشاعر، عن أن الأجناس الأدبية ليست في حالة تنافس، وأنه لا يمكن مقارنة أي نوع أدبي بآخر، فلكل فن خصوصيته، ولكنهما قد يتداخلان، وهناك أمثلة كثيرة في تراثنا الأدبي تدل على وجود علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة.
في هذه الحلقة الأخيرة، يتحدث شاعران خاضا مغامرة الشعر والرواية معاً، وناقدة وقاصة أصدرت عدداً من المجموعات القصصية.

اعتدال عثمان: الاستجابة لمتغيرات العصر
إن متابعة المشهد الأدبي العربي الراهن تدلنا على أن الأجناس الأدبية في نماذجها الفنية المتميزة - في الرواية والشعر معاً - تتسم بحيوية الاستجابة لمتغيرات العصر، فهذه الأجناس كيانات حية، تتطور وتتحول وتتفاعل، بوصف الإبداع مُعبراً عن الحالة الإنسانية المتحولة بدورها، نتيجة عوامل داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن تلتقط حركية الإبداع هذه الظواهر، فيصوغها الكاتب الموهوب في الشكل الملائم، بعيداً عن الحدود الكلاسيكية الصارمة الفاصلة بين الأنواع الأدبية والتقسيمات النظرية المستخدمة في دراسة الأدب. ولعل أبرز تجليات الكتابة الجديدة لدى كتاب من أجيال مختلفة هو تداخل الأنواع أو الأجناس الأدبية، إذ نجد كثيراً من النثر الفني في الشعر (قصيدة النثر مثلاً)، كما نجد توظيفاً لتقنيات شعرية في الرواية.
ووفقاً لنظريات ما بعد الحداثة، أصبحت الكتابة الهجينة، الجامعة لأكثر من نوع أدبي في العمل الواحد، هي السمة البارزة المعبرة عن العصر الذي نعيشه بمتغيراته، وبعد سقوط السرديات الكبرى، وتداخل الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وبروز التقنيات الرقمية في أشكال أدبية جديدة، فأصبحنا نلتقي بالرواية التفاعلية، ونقرأ بحوثاً حول تعالق الأدب والتكنولوجيا، ومؤخراً بتنا نقرأ ونشهد على «يوتيوب» تحليلات وتصورات مستقبلية حول توقع ظهور أشكال أدبية جديدة تتعلق بحقائق مستجدة، مثل ما يطلق عليه «السيبورج»، وهو الإنسان الذي تدخل شرائح إلكترونية في جسده البشري. أما على مستوى النقد الأدبي فقد أصبحت الدراسات البينية الجامعة لتخصصات مختلفة ضرورة لا غناء عنها في تحليل النصوص. ولا يقتصر الأمر على الطبيعة الهجينة للنصوص الأدبية الحديثة فحسب، بل إننا نجد تراسلاً بين الأدب المكتوب، وفنون أخرى سمعية وبصرية مثل الموسيقى والفن التشكيلي والسينما، إذ تتداخل تقنيات هذه الفنون في تشكيل النص الروائي والشعري معاً. إذن فكرة الصراع بين الأنواع الأدبية، وأن الساحة تشهد تنافساً بين الشعر والرواية التي باتت تحتل خانة الصدارة مقابل إزاحة الشعر، هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة. وحتى من المنظور التاريخي نجد أن هناك علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة، فالشعر العربي القديم مثلاً يحضر فيه عنصر الحكي بقوة، فكان هناك دائماً الشاعر الراوية، وكذلك فإن الشعر العربي الحديث يسجل حضور السردي في قصائد بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط وغيرهم. كذلك نجد أن كثيراً من كبار الروائيين وشبابهم يكتبون سردياتهم بروح الشاعر، وهم ليسوا شعراء بالضرورة، لكنهم يستثمرون لغة الشعر الإيحائية المكثفة، ذات الدلالات المتعددة، وغير ذلك من التقنيات الشعرية. وإذا كان صحيحاً أن ما يسمى «اللهاث السردي» ظهر على سطح المشهد الأدبي العربي، خصوصاً بعد «نوبل» محفوظ، فأصبح للرواية بريق خاص، زادته الجوائز المخصصة لها جاذبية، فإن المعيار هنا ليس الانجذاب السطحي وراء الرائج، أو بهدف تحقيق الشهرة والمكاسب المادية فحسب، بل إن الموهبة الحقيقية، والذائقة الأدبية المدربة، والضرورة الفنية النابعة من داخل سياق النص نفسه، هي كلها - مجتمعة ومتداخلة - ما يفرض على الكاتب النوع الأدبي القادر على توصيل رؤيته، سواء التزم بقواعد هذا النوع المتبعة، أو حتى المبتكرة من حيث تجديد الأجناس الأدبية بشروطها، ومن خلال قوانينها الخاصة، أو أن هذه الضرورات الفنية التي استخلصها الكاتب بموهبته وحدسه الفني، وعمق ثقافته، وطاقات انطلاق الخيال لديه، هي التي جعلته يلجأ إلى رحاب الرواية، أو يتعلق بأهداب الشعر، أو يراوح بينهما لكي ينتج نصاً فنياً، يمد القارئ بإضافة معرفية وجمالية، ويمتعه باكتشاف عوالم جديدة، تدهشه بجدتها وفرادتها، واتساع آفاقها.

هوشنك أوسي: لقب «الشاعر» أحب إلى قلبي
اتجاه الشاعر إلى كتابة الرواية، ليس مدعاة لأسئلة من هذا النوع. أصلاً يقال: «يحقُّ للشاعر ما يحقُّ لغيره» في كتابة نصّه الشعري. فلماذا ممارسته حقّه في التجريب يُخضع للمساءلة التي تلقي بظلال الشك والشبهة على تجربته الشعرية؟ الرواية عالم منفتح على كل الأجناس الأدبية، وأبرزها الشعر، لماذا يمكن اعتبار خوض الشاعر هذه التجربة إفلاساً لتجربته الشعرية؟ يمكن للشاعر أن يصبحَ روائياً، لكن من الصعب على الروائي الذي ليست له علاقة بالشعر خوض تجربة كتابة الشعر. لأنه في البدء كان الشعر. وأكاد أقول: الشعر أب الفنون، وليس المسرح. هذا جلّي في الميثولوجيا الإغريقية والسومرية، مروراً بالحضارة الفارسية والعربية والإسلامية، وحتى يومنا هذا. الشعر كان ديوان الإغريق («الإلياذة» و«الأوديسا») قبل أن يكون ديوان العرب. تشتهر روسيا بروائيين كُثر. ويلقب بوكشين؛ بشاعر روسيا. ألمانيا معروفة بروائيين كُثر. ويقال لغوته: شاعر ألمانيا. وينسحب ذلك على بلدان عدة. فنّ الشعر، في ذاتيته، أقرب إلى الرواية منه إلى المسرح. صحيح أنه كان هناك المسرح الشعري، ومسرحة الشعر، أو شعرنة المسرح، حين لم يكن هناك رواية.
لكن الصحيح أيضاً أن المسرح، بشكل عام، فقد الكثير من سحره وبريقه، بفعل انتشار السينما والتلفزيون والفنون البصرية. وأعتقد أن مقولة ميلان كونديرا في رواية «الخلود»: «لو كان شكسبير حياً، لربما اتجه نحو التلفزيون والسينما، وهجر المسرح». وشكسبير، هو من هو، في الشعر والمسرح. فلماذا يجب على الشاعر أن يختار المسرح بدلاً من الرواية، وهي في أوج مجدها في الغرب والشرق، ما هي المبررات الفنية والموضوعية وراء ما يسميه البعض «اللهاث السردي»؟ الشعر قائم على التكثيف، يعكس تجربة وذاتيّة صاحبه. بينما الرواية تعكس عوالم ذاتيات وحيوات متقاطعة. وعليه، الشعر أقرب إلى حركية الحياة وإيقاعاتها. مساحة التنوّع والحرية أرحب. الشعر صعبٌ، على من يفهمه ويتقنه. وسهل على من يجهله، ويفتعل كتابته. كذلك الرواية، شديدة العسر والوعورة على من يجيد هذا الفن. لا يمكن أن تحلّ الرواية محلّ الشعر.
لكن هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة، وتكالب دور النشر؟ ربما. لا يمكنني نفي ذلك. ولا يمكنني تأكيده. في مطلق الأحوال، لندع الناس تكتب، وتحلم بأن سرودها تستحق التكريم والجوائز. برأيي؛ ما مِن مشكلة في طموح بعض أو أغلب الشعراء والشاعرات؛ أن يصبحوا روائيين أو روائيات، أو كتّاب قصة. المشكلة في حركة النقد. هناك أصوليّة نقديّة باتت إرهاصاتها تظهر هنا وهناك، عبر إحالة الإبداع الروائي والسردي أو حتى الشعري، إلى «السلف الصالح» في الشعراء والروائيين فقط. هناك نسق نقدي متهافت، رخو ومائع، ويكاد يكون مبتذلاً، يمنح بعض الأعمال أضعاف ما تستحقه من الاحتفاء والتبجيل والتهليل، وينسب لها، ما ليس لها، ويغض الطرف عن العيوب والمثالب التي تعتري تلك الأعمال. فإذا كان هناك شعراء بلاط، فقد صار يوجد الآن «نقّاد بلاط» أيضاً. السؤال المهم هنا: كيف تقيم مجمل تجربتك في هذا السياق؟ بالنسبة لي زاولت العمل الصحافي، والكتابة السياسية والثقافية. كتبت في حقل البحوث والدراسات السياسية. صدر لي حتى الآن تسعة دواوين شعرية وروايتان. انتهيت من كتابة روايتين تنتظران النشر. واشتغل الآن على نص روائي جديد. مع ذلك، أكتب الشعر أكثر من الرواية. إذا كانت الحياة تمنحني فرصة الكتابة في هذه الحقول، فلماذا أدير ظهري لمنحة الحياة وهديتها؟! لا أحب الألقاب. وإذا كان لا بدّ منها، فأحبُّها إلى قلبي وأقربها، لقب «الشاعر».

محمد أبو زيد: ما زلت أرى نفسي شاعراً
لو عدنا إلى تاريخنا الأدبي، لوجدنا أن كثيراً من الشعراء كتبوا أنواعاً أخرى من الأدب، فالعقاد كتب الرواية، والمازني كتب الرواية، وعبد الرحمن الشرقاوي كتب الرواية، وحتى أحمد شوقي كتب المسرحية، وحتى لو انتقلنا إلى الجهة الأخرى من العالم، سنجد أن كثيراً من الأدباء كتبوا الشعر إلى جانب السرد على غرار تشارلز بوكوفسكي، ووليام فوكنر وبورخيس وجورج أورويل، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الروائيين المشهورين بدأوا حياتهم شعراء، مثل ميلان كونديرا، وبول أوستر، وعندنا في العالم العربي الروائي اللبناني رشيد الضعيف. ذكرت كل هذه الأمثلة لأقول إن الانتقال بين الأنواع الأدبية ليس مستغرباً في الفن، فتاريخ الأدب العربي والغربي يشهد بذلك. وأفضل أن يتم النظر إلى جميع الأنواع الأدبية باعتبارها فنوناً، خصوصاً والعالم يتحدث الآن عن الكتابة المفتوحة، وفي النهاية ربما يملك الكاتب الأدوات التي تؤهله لكتابة فن آخر، فما الداعي لحبسه في نطاق محدد، وكأنه «روبوت» يجب عليه القيام بدور محدد لا يتجاوزه. من حق الكاتب أن يجرب أدواته ومعارفه وموهبته كيفما يشاء، والحكم في النهاية على النص وحده، وليس على الكاتب، لا أحب ما يسميه البعض «اللهاث السردي»، كما أننا لسنا أمام ما يشبه القانون أو المعادلة الفنية «كلما ضاقت قماشة الشعر، اتسعت في الرواية» ـ الموضوع لا يتعلق بضيق قماشة الشعر أو اتساعها في الرواية، فجميع الفنون تمتح من بعضها، والسرد أصبح مكوناً رئيسياً في قصيدة النثر اليوم، لذا فالمساحة بينه وبين الرواية قريبة بالفعل، وأود أن أشير هنا إلى ما فعله الكاتب الراحل إدوار الخراط حين قام بنشر مقاطع من رواياته في ديوانه «طغيان سطوة الطوايا» للتأكيد على هذه الفكرة. والسرد هو الأقرب للشعر الآن، كما كان المسرح أقرب للشعر في فترة سابقة، ولم نتهم وقتها شكسبير أو شوقي أو صلاح عبد الصبور أو الشرقاوي أو الماغوط بـ«اللهاث المسرحي»، رغم أن جميع أعمالهم تم تقديمها على خشبة المسرح.
هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة وتكالب دور النشر؟ من الظلم أن نصف شعراء متحققين كتبوا الرواية باللهاث وراء بريق الرواية، فعباس بيضون كتب الرواية وهو متحقق تماماَ، وسعدي يوسف لم يكن يحتاج إلى أي بريق من الرواية حين كتبها، وأظن أننا لا يجب أن نحاسب جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية في المجمل باعتبارهم شخصاً واحداً، لكن أن ننظر إلى كل كاتب وكل رواية على حدة، ونرى: هل هذه الرواية جيدة أم لا، هل أضافت لكاتبها أم لا. ولو أن شاعراً كتب رواية وفازت بجوائز، أو لفتت الأنظار فمن حق كاتبها علينا أن نقول إنها رواية جيدة بغض النظر عما إذا كان شاعراً أم روائياً.
أما عن رؤيتي لمجمل تجربتي في هذا السياق، فما زلت أرى نفسي شاعراً، وكتبت الرواية انطلاقاً من هذه الفكرة، وهي جزء من مشروعي الأساسي ـ إذا جاز لي قول هذا. فشخصيات الرواية حاضرة في دواويني، وبعض أحداثها تكملة لنصوص شعرية سابقة، وروايتي «عنكبوت في القلب» تجريبية في الأساس، لكن حرصت أن يكون لها ذاتها الخاصة، وأتمنى أن أكون وفقت. لم أكتب الرواية من أجل جوائز ولا بريق شهرة ولا تكالب دور نشر، هذه الأشياء من قبيل الخرافات في واقعنا الأدبي العربي البائس، بل كتبتها لأني أحببت التجربة، وجاءتني سرداً، فجسدتها كما جاءت.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.