كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية (2 - 2)

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة
TT

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

في الحلقة الأولى التي نشرت، أمس، عبر المشاركون الثلاثة، ناقدة وشاعرة وشاعر، عن أن الأجناس الأدبية ليست في حالة تنافس، وأنه لا يمكن مقارنة أي نوع أدبي بآخر، فلكل فن خصوصيته، ولكنهما قد يتداخلان، وهناك أمثلة كثيرة في تراثنا الأدبي تدل على وجود علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة.
في هذه الحلقة الأخيرة، يتحدث شاعران خاضا مغامرة الشعر والرواية معاً، وناقدة وقاصة أصدرت عدداً من المجموعات القصصية.

اعتدال عثمان: الاستجابة لمتغيرات العصر
إن متابعة المشهد الأدبي العربي الراهن تدلنا على أن الأجناس الأدبية في نماذجها الفنية المتميزة - في الرواية والشعر معاً - تتسم بحيوية الاستجابة لمتغيرات العصر، فهذه الأجناس كيانات حية، تتطور وتتحول وتتفاعل، بوصف الإبداع مُعبراً عن الحالة الإنسانية المتحولة بدورها، نتيجة عوامل داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن تلتقط حركية الإبداع هذه الظواهر، فيصوغها الكاتب الموهوب في الشكل الملائم، بعيداً عن الحدود الكلاسيكية الصارمة الفاصلة بين الأنواع الأدبية والتقسيمات النظرية المستخدمة في دراسة الأدب. ولعل أبرز تجليات الكتابة الجديدة لدى كتاب من أجيال مختلفة هو تداخل الأنواع أو الأجناس الأدبية، إذ نجد كثيراً من النثر الفني في الشعر (قصيدة النثر مثلاً)، كما نجد توظيفاً لتقنيات شعرية في الرواية.
ووفقاً لنظريات ما بعد الحداثة، أصبحت الكتابة الهجينة، الجامعة لأكثر من نوع أدبي في العمل الواحد، هي السمة البارزة المعبرة عن العصر الذي نعيشه بمتغيراته، وبعد سقوط السرديات الكبرى، وتداخل الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وبروز التقنيات الرقمية في أشكال أدبية جديدة، فأصبحنا نلتقي بالرواية التفاعلية، ونقرأ بحوثاً حول تعالق الأدب والتكنولوجيا، ومؤخراً بتنا نقرأ ونشهد على «يوتيوب» تحليلات وتصورات مستقبلية حول توقع ظهور أشكال أدبية جديدة تتعلق بحقائق مستجدة، مثل ما يطلق عليه «السيبورج»، وهو الإنسان الذي تدخل شرائح إلكترونية في جسده البشري. أما على مستوى النقد الأدبي فقد أصبحت الدراسات البينية الجامعة لتخصصات مختلفة ضرورة لا غناء عنها في تحليل النصوص. ولا يقتصر الأمر على الطبيعة الهجينة للنصوص الأدبية الحديثة فحسب، بل إننا نجد تراسلاً بين الأدب المكتوب، وفنون أخرى سمعية وبصرية مثل الموسيقى والفن التشكيلي والسينما، إذ تتداخل تقنيات هذه الفنون في تشكيل النص الروائي والشعري معاً. إذن فكرة الصراع بين الأنواع الأدبية، وأن الساحة تشهد تنافساً بين الشعر والرواية التي باتت تحتل خانة الصدارة مقابل إزاحة الشعر، هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة. وحتى من المنظور التاريخي نجد أن هناك علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة، فالشعر العربي القديم مثلاً يحضر فيه عنصر الحكي بقوة، فكان هناك دائماً الشاعر الراوية، وكذلك فإن الشعر العربي الحديث يسجل حضور السردي في قصائد بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط وغيرهم. كذلك نجد أن كثيراً من كبار الروائيين وشبابهم يكتبون سردياتهم بروح الشاعر، وهم ليسوا شعراء بالضرورة، لكنهم يستثمرون لغة الشعر الإيحائية المكثفة، ذات الدلالات المتعددة، وغير ذلك من التقنيات الشعرية. وإذا كان صحيحاً أن ما يسمى «اللهاث السردي» ظهر على سطح المشهد الأدبي العربي، خصوصاً بعد «نوبل» محفوظ، فأصبح للرواية بريق خاص، زادته الجوائز المخصصة لها جاذبية، فإن المعيار هنا ليس الانجذاب السطحي وراء الرائج، أو بهدف تحقيق الشهرة والمكاسب المادية فحسب، بل إن الموهبة الحقيقية، والذائقة الأدبية المدربة، والضرورة الفنية النابعة من داخل سياق النص نفسه، هي كلها - مجتمعة ومتداخلة - ما يفرض على الكاتب النوع الأدبي القادر على توصيل رؤيته، سواء التزم بقواعد هذا النوع المتبعة، أو حتى المبتكرة من حيث تجديد الأجناس الأدبية بشروطها، ومن خلال قوانينها الخاصة، أو أن هذه الضرورات الفنية التي استخلصها الكاتب بموهبته وحدسه الفني، وعمق ثقافته، وطاقات انطلاق الخيال لديه، هي التي جعلته يلجأ إلى رحاب الرواية، أو يتعلق بأهداب الشعر، أو يراوح بينهما لكي ينتج نصاً فنياً، يمد القارئ بإضافة معرفية وجمالية، ويمتعه باكتشاف عوالم جديدة، تدهشه بجدتها وفرادتها، واتساع آفاقها.

هوشنك أوسي: لقب «الشاعر» أحب إلى قلبي
اتجاه الشاعر إلى كتابة الرواية، ليس مدعاة لأسئلة من هذا النوع. أصلاً يقال: «يحقُّ للشاعر ما يحقُّ لغيره» في كتابة نصّه الشعري. فلماذا ممارسته حقّه في التجريب يُخضع للمساءلة التي تلقي بظلال الشك والشبهة على تجربته الشعرية؟ الرواية عالم منفتح على كل الأجناس الأدبية، وأبرزها الشعر، لماذا يمكن اعتبار خوض الشاعر هذه التجربة إفلاساً لتجربته الشعرية؟ يمكن للشاعر أن يصبحَ روائياً، لكن من الصعب على الروائي الذي ليست له علاقة بالشعر خوض تجربة كتابة الشعر. لأنه في البدء كان الشعر. وأكاد أقول: الشعر أب الفنون، وليس المسرح. هذا جلّي في الميثولوجيا الإغريقية والسومرية، مروراً بالحضارة الفارسية والعربية والإسلامية، وحتى يومنا هذا. الشعر كان ديوان الإغريق («الإلياذة» و«الأوديسا») قبل أن يكون ديوان العرب. تشتهر روسيا بروائيين كُثر. ويلقب بوكشين؛ بشاعر روسيا. ألمانيا معروفة بروائيين كُثر. ويقال لغوته: شاعر ألمانيا. وينسحب ذلك على بلدان عدة. فنّ الشعر، في ذاتيته، أقرب إلى الرواية منه إلى المسرح. صحيح أنه كان هناك المسرح الشعري، ومسرحة الشعر، أو شعرنة المسرح، حين لم يكن هناك رواية.
لكن الصحيح أيضاً أن المسرح، بشكل عام، فقد الكثير من سحره وبريقه، بفعل انتشار السينما والتلفزيون والفنون البصرية. وأعتقد أن مقولة ميلان كونديرا في رواية «الخلود»: «لو كان شكسبير حياً، لربما اتجه نحو التلفزيون والسينما، وهجر المسرح». وشكسبير، هو من هو، في الشعر والمسرح. فلماذا يجب على الشاعر أن يختار المسرح بدلاً من الرواية، وهي في أوج مجدها في الغرب والشرق، ما هي المبررات الفنية والموضوعية وراء ما يسميه البعض «اللهاث السردي»؟ الشعر قائم على التكثيف، يعكس تجربة وذاتيّة صاحبه. بينما الرواية تعكس عوالم ذاتيات وحيوات متقاطعة. وعليه، الشعر أقرب إلى حركية الحياة وإيقاعاتها. مساحة التنوّع والحرية أرحب. الشعر صعبٌ، على من يفهمه ويتقنه. وسهل على من يجهله، ويفتعل كتابته. كذلك الرواية، شديدة العسر والوعورة على من يجيد هذا الفن. لا يمكن أن تحلّ الرواية محلّ الشعر.
لكن هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة، وتكالب دور النشر؟ ربما. لا يمكنني نفي ذلك. ولا يمكنني تأكيده. في مطلق الأحوال، لندع الناس تكتب، وتحلم بأن سرودها تستحق التكريم والجوائز. برأيي؛ ما مِن مشكلة في طموح بعض أو أغلب الشعراء والشاعرات؛ أن يصبحوا روائيين أو روائيات، أو كتّاب قصة. المشكلة في حركة النقد. هناك أصوليّة نقديّة باتت إرهاصاتها تظهر هنا وهناك، عبر إحالة الإبداع الروائي والسردي أو حتى الشعري، إلى «السلف الصالح» في الشعراء والروائيين فقط. هناك نسق نقدي متهافت، رخو ومائع، ويكاد يكون مبتذلاً، يمنح بعض الأعمال أضعاف ما تستحقه من الاحتفاء والتبجيل والتهليل، وينسب لها، ما ليس لها، ويغض الطرف عن العيوب والمثالب التي تعتري تلك الأعمال. فإذا كان هناك شعراء بلاط، فقد صار يوجد الآن «نقّاد بلاط» أيضاً. السؤال المهم هنا: كيف تقيم مجمل تجربتك في هذا السياق؟ بالنسبة لي زاولت العمل الصحافي، والكتابة السياسية والثقافية. كتبت في حقل البحوث والدراسات السياسية. صدر لي حتى الآن تسعة دواوين شعرية وروايتان. انتهيت من كتابة روايتين تنتظران النشر. واشتغل الآن على نص روائي جديد. مع ذلك، أكتب الشعر أكثر من الرواية. إذا كانت الحياة تمنحني فرصة الكتابة في هذه الحقول، فلماذا أدير ظهري لمنحة الحياة وهديتها؟! لا أحب الألقاب. وإذا كان لا بدّ منها، فأحبُّها إلى قلبي وأقربها، لقب «الشاعر».

محمد أبو زيد: ما زلت أرى نفسي شاعراً
لو عدنا إلى تاريخنا الأدبي، لوجدنا أن كثيراً من الشعراء كتبوا أنواعاً أخرى من الأدب، فالعقاد كتب الرواية، والمازني كتب الرواية، وعبد الرحمن الشرقاوي كتب الرواية، وحتى أحمد شوقي كتب المسرحية، وحتى لو انتقلنا إلى الجهة الأخرى من العالم، سنجد أن كثيراً من الأدباء كتبوا الشعر إلى جانب السرد على غرار تشارلز بوكوفسكي، ووليام فوكنر وبورخيس وجورج أورويل، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الروائيين المشهورين بدأوا حياتهم شعراء، مثل ميلان كونديرا، وبول أوستر، وعندنا في العالم العربي الروائي اللبناني رشيد الضعيف. ذكرت كل هذه الأمثلة لأقول إن الانتقال بين الأنواع الأدبية ليس مستغرباً في الفن، فتاريخ الأدب العربي والغربي يشهد بذلك. وأفضل أن يتم النظر إلى جميع الأنواع الأدبية باعتبارها فنوناً، خصوصاً والعالم يتحدث الآن عن الكتابة المفتوحة، وفي النهاية ربما يملك الكاتب الأدوات التي تؤهله لكتابة فن آخر، فما الداعي لحبسه في نطاق محدد، وكأنه «روبوت» يجب عليه القيام بدور محدد لا يتجاوزه. من حق الكاتب أن يجرب أدواته ومعارفه وموهبته كيفما يشاء، والحكم في النهاية على النص وحده، وليس على الكاتب، لا أحب ما يسميه البعض «اللهاث السردي»، كما أننا لسنا أمام ما يشبه القانون أو المعادلة الفنية «كلما ضاقت قماشة الشعر، اتسعت في الرواية» ـ الموضوع لا يتعلق بضيق قماشة الشعر أو اتساعها في الرواية، فجميع الفنون تمتح من بعضها، والسرد أصبح مكوناً رئيسياً في قصيدة النثر اليوم، لذا فالمساحة بينه وبين الرواية قريبة بالفعل، وأود أن أشير هنا إلى ما فعله الكاتب الراحل إدوار الخراط حين قام بنشر مقاطع من رواياته في ديوانه «طغيان سطوة الطوايا» للتأكيد على هذه الفكرة. والسرد هو الأقرب للشعر الآن، كما كان المسرح أقرب للشعر في فترة سابقة، ولم نتهم وقتها شكسبير أو شوقي أو صلاح عبد الصبور أو الشرقاوي أو الماغوط بـ«اللهاث المسرحي»، رغم أن جميع أعمالهم تم تقديمها على خشبة المسرح.
هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة وتكالب دور النشر؟ من الظلم أن نصف شعراء متحققين كتبوا الرواية باللهاث وراء بريق الرواية، فعباس بيضون كتب الرواية وهو متحقق تماماَ، وسعدي يوسف لم يكن يحتاج إلى أي بريق من الرواية حين كتبها، وأظن أننا لا يجب أن نحاسب جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية في المجمل باعتبارهم شخصاً واحداً، لكن أن ننظر إلى كل كاتب وكل رواية على حدة، ونرى: هل هذه الرواية جيدة أم لا، هل أضافت لكاتبها أم لا. ولو أن شاعراً كتب رواية وفازت بجوائز، أو لفتت الأنظار فمن حق كاتبها علينا أن نقول إنها رواية جيدة بغض النظر عما إذا كان شاعراً أم روائياً.
أما عن رؤيتي لمجمل تجربتي في هذا السياق، فما زلت أرى نفسي شاعراً، وكتبت الرواية انطلاقاً من هذه الفكرة، وهي جزء من مشروعي الأساسي ـ إذا جاز لي قول هذا. فشخصيات الرواية حاضرة في دواويني، وبعض أحداثها تكملة لنصوص شعرية سابقة، وروايتي «عنكبوت في القلب» تجريبية في الأساس، لكن حرصت أن يكون لها ذاتها الخاصة، وأتمنى أن أكون وفقت. لم أكتب الرواية من أجل جوائز ولا بريق شهرة ولا تكالب دور نشر، هذه الأشياء من قبيل الخرافات في واقعنا الأدبي العربي البائس، بل كتبتها لأني أحببت التجربة، وجاءتني سرداً، فجسدتها كما جاءت.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.