«الإخوان المسلمون»... مغازلة الغرب في السر ومناهضته في العلن

المؤرخ البريطاني مارتن فرامبتن استند إلى آلاف الوثائق التي رفعت عنها السرية

حسن البنا - جمال عبد الناصر - أنور السادات - سيد قطب
حسن البنا - جمال عبد الناصر - أنور السادات - سيد قطب
TT

«الإخوان المسلمون»... مغازلة الغرب في السر ومناهضته في العلن

حسن البنا - جمال عبد الناصر - أنور السادات - سيد قطب
حسن البنا - جمال عبد الناصر - أنور السادات - سيد قطب

صدر عن «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية»، في الرياض، الترجمة العربية لكتاب «الإخوان المسلمون.. تاريخ العداوة والارتباط»، للباحث البريطاني مارتن فرامبتن، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة كوين ماري في لندن. ويتألف الكتاب من بابين، يشتمل كل باب على أربعة فصول، إضافة إلى مقدمة وافية، وخاتمة تتضمن النتائج التي توصل إليها الباحث في دراسته الرائدة التي ترصد علاقة الإخوان المسلمين بالغرب، المتمثل ببريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
ويتمحور الفصل الأول على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في شهر مارس 1928 على يد حسن البنا، المدرس البالغ من العمر 21 عامًا بمحافظة الإسماعيلية، الذي دعا منذ البدء إلى إقامة دولة إسلامية تطبق أحكام الإسلام وتعاليمه التي تفضي إلى «إعادة الخلافة المفقودة» التي ترفض الفصل بين الدين والدولة.
ويركز الباحث على شخصية حسن البنا، ومناهضته للأنشطة التبشيرية، ودعوة أتباعه للمشاركة في الجهاد الذي عده فرضًا على كل مسلم، وثمة قائمة طويلة تبدأ بالحرب على مظاهر الانفتاح الاجتماعي ووصفها بالرذيلة، وتنتهي باستعمال القوة لتحرير الأمة الإسلامية من هيمنة المستعمر الغربي.
ويسلط الباحث في الفصل الثاني الضوءَ على السنوات الأولى للحرب العالمية التي تعرض فيها الإخوان للقمع بشتى صوره، كالمراقبة الصارمة والاعتقالات وتعطيل الأنشطة، لأن البريطانيين يعرفون أن جماعة الإخوان هي «الماكينة السياسية الوحيدة الأكثر تنظيمًا في مصر» في ذلك الوقت، لذلك قبضت السلطات المصرية على حسن البنا، وأخلت سبيله بعد أقل من شهر، ثم أبعدته إلى «قنا» في الصعيد، لكنه عاد إلى القاهرة بعد بضعة أشهر، وتحول من «مجرد طالب مجهول الهُوية إلى زعيم ديني كبير» تمكن من أسر قلوب أتباعه. وثمة اتهامات بأن البنا قد تلقى أموالاً من شركة قناة السويس، والألمان، والحكومات المصرية المتعاقبة، على اعتبار أن كل شخص يمكن ترويضه في النهاية. وظل البريطانيون يترجحون بين استمالة الجماعة وقمعها، لكنهم أدركوا أن الإخوان يسعون لإقصاء تمظهرات الثقافة الغربية التي يرَونها منحلة دخيلة.
ويعتقد الباحث مارتن فرامبتن في الفصل الثالث أن الجماعة لم تعُد حركة محلية، فقد توسعت خلال الأربعينيات من القرن الماضي في عدة دول، من بينها جيبوتي وسوريا والأردن، وأن مرشدها، حسن البنّا، قد سعى إلى التواصل مع المسؤولين الغربيين، وتقديم حركته بصفتها قوة ديمقراطية معتدلة مناوئة للشيوعيين. وحينما شعرت حكومة النقراشي الثانية بأن الإخوان يستعدون للقفز على السلطة في القاهرة، حلت الجماعة، فأشعلت دوامةً من العنف راح ضحيتها رئيس الوزراء نفسه، وقُتِل حسن البنا، واعتُقِل المئات من أعضائها. ومع ذلك، فقد أعربَ المراقبون عن خشيتهم من احتمالية أن تعيش هذه الجماعة «المتعصبة المتطرفة الإرهابية» في الخفاء، خصوصًا أنها تتلقى أموالاً طائلة من روسيا. فلا غرابة أن يُدفَن البنا من دون تشييع جنازته، وأن تكتظ السجون ببضعة آلاف من أعضاء الجماعة التي تشبه «وحش فراكنشتاين» بعد خروجه عن السيطرة.

صورة «الإخوان» النمطية
يؤكد فرامبتن في الفصل الرابع أن صورة «الإخوان» النمطية مرتبطة بالإرهاب والتطرف والرجعية، ولا يستطيع الغرب أن يتقبلهم بصفتهم حركة «معتدلة» وهم يعادون كل أشكال الحياة المتحضرة، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الجنرال البريطاني إرسكين كان يرفض وصفهم بـ«الإرهابيين» لأن ذلك يُعد إطراءً مُبالغًا فيه، ويفضل تسميتهم «البلطجية». وأما هجماتهم في أحداث «السبت الأسود»، فقد كانت مُركزة على دور السينما والحانات والفنادق والملاهي الليلية. كما يتناول هذا الفصل حرب قناة السويس التي مهدت لسقوط النظام الملكي على يد عبد الناصر «وضباطه الأحرار». ويركز الفصل الخامس على الهيمنة الأميركية التي دعمت مجلس قيادة الثورة، بصفته قوة معتدلة تسعى للتحديث وتوالي الغرب، وقد رأت في عبد الناصر أتاتوركاً جديداً محتملاً، لكن محاولة اغتياله من قبل الإخوان قدمت مبرراً لزيادة القمع الذي وصل إلى درجة إعدام 6 من قادة الإخوان شنقًا، وتخفيف الحكم على مرشدهم حسن الهضيبي لكِبر سنة وتدهور حالته الصحية. وقد وصفت الأكاديمية كريستينا هاريس أن منْ يقود مصر هم «شباب عسكري... واقعي تقدمي»، وقد ساد اعتقاد بأن الإخوان جماعة تنتمي إلى الماضي، بينما يمثل عبد الناصر المستقبل.
ويتمحور الفصل السادس على هيمنة عبد الناصر وجاذبيته المحلية والعالمية التي جعلت من الإخوان مسألة هامشية ذهبت طي النسيان. كما أدركت الدوائر الغربية أن القوى الدينية في الشرق الأوسط في حالة تقهقر، مُقارنة بالعلمانيين والقوى الداعية إلى الحداثة. ورغم أن جماعة الإخوان شهدت بعثاً قوياً متشدداً على يد سيد قطب الذي صور الغرب بصفته مَطمَراً للقيم الروحية، فإنها جُوبهت بالقمع، وفضلت الانزواء على الظهور العلني، بعد تنحي عبد الناصر عن السلطة، وعودته القوية إليها بضغط جماهيري واسع النطاق.
وينطوي الفصل السابع على إعادة تقييم للإخوان في خضم النهضة الأصولية بين عامي 1970-1989، حيث سعى أنور السادات لاستخدام الجماعة للتخلص من مناوئيه الناصريين واليساريين، لكنه ما إن أصبح حليفاً للغرب حتى وجد الإخوان أنفسهم مرة أخرى إلى جانب أمريكا في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. ويرى فرامبتن أن دخول السادات في معاهدة سلام مع إسرائيل قد سمم الأجواء من جديد، وعرض الجماعة للقمع خلال الأشهر الأخيرة من حكمه، لكن حسني مبارك سيتمكن من ترويضهم وضمهم إلى حكومته. كما يرصد الباحث شبكة من المؤسسات الثقافية التي كونها الإخوان في أوروبا وأمريكا الشمالية، والتي توحي للآخرين بأن الجماعة ظاهرة عالمية لها وجود في الغرب، حتى إن كان مركز ثقلها في الشرق الأوسط. ويفحص الفصل الثامن والأخير تطور الجماعة من منظمة لم تكن تهتم إلا بالسياسة الغربية في مصر، لتصبح حركة دولية لها حضور واسع النطاق في الغرب. وبحلول العقد الأول من القرن الـ21، كان هناك ما يشبه الإجماع على أن الإخوان عنصر أساسي في أي عملية ديمقراطية على مستوى المنطقة. ومع ذلك، ظلَّ الغرب في نظر الجماعة حضارة معادية ملتزمة بتدمير الإسلام. ولم يكن التوفيق مع الغرب إلا مناورة تكتيكية يحركها دافع الخوف من القوة الغربية التي يزدريها الإخوان في أعماقهم.
وثيقة تاريخية

سعى مرشد حركة «الإخوان المسلمين» في مصر حسن البنا إلى التواصل مع المسؤولين الغربيين وتقديم حركته بصفتها قوة ديمقراطية معتدلة مناوئة للشيوعيين

«الإخوان المسلمون والغرب» أول مرجع، بحسب كلمة الغلاف، يؤرخ أدق تفاصيل العلاقة بين أكبر حركة إسلامية في العالم وقوى الغرب -بريطانيا وأميركا- التي هيمنت على الشرق الأوسط في القرن الماضي. كما يعد الكتاب وثيقة تاريخية مهمة، إذ اعتمد الكاتب على آلاف الوثائق التي رفعت عنها السرية من قبل الحكومة الأميركية والبريطانية، ومؤلفات الإخوان المسلمين، ومذكرات لبعض المصريين، وعدد كبير من الصحف والمجلات الغربية والعربية الصادرة في تلك الفترة.
وفي غلاف الكتاب نقرأ: «لكي تستوعب أهمية ما يحدث في العالم العربي اليوم استيعاباً كاملاً، عليك أن تفهم الإسلام السياسي في سياق التاريخ الأوسع للمنطقة. ويتحفنا هذا الكتاب بسرد متأنق ودقيق ومؤرخ لما كان من تقارب بين الغرب وجماعة الإخوان المسلمين طوال الثمانين عاماً التي أدبرت، فهو مرجع لا يستغني عنه من أراد أن يعلي فهمه ويبدد لبسه. وينبغي لكل صانع للسياسة بالمنطقة أن يقرأه» (السير جون جينكينز، السفير البريطاني السابق لدى المملكة العربية السعودية).
ونقرأ أيضاً: «مرجع يتسم بدقة البحث واستثارة الفكر، ودراسة رائدة تذخر بأدلة تاريخية دامغة» (حازم قنديل، جامعة كامبريدج). و:«سيبقى عمل فرامبتن، بتأريخه وشموله وتفصيله وبراعته، المرجع التاريخي الكلاسيكي لعلاقة الإخوان المسلمين بالغرب» (بيث بارون، مديرة مركز الشرق الأوسط الأميركي، جامعة مدينة نيويورك).


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».