طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

الأهم بالنسبة إلى القراء النصوص التي تتمخض عنها

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة
TT

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

لم تكن الكتابة ولن تكون عملاً سهلاً يمكن الشروع به في أي وقت، ويخضع لإملاءات الكتّاب وإرادتهم المباشرة. ذلك على الأقل ما يستخلصه المرء من سيَر الشعراء والمبدعين الذين تحدثوا عن علاقتهم بالكتابة ومكابداتهم الشاقة مع النصوص والأعمال التي أنجزوها. وحتى لو اعتبر البعض بأن الكتابة «مهنتهم» الوحيدة والدائمة، فهي بالتأكيد إحدى أكثر المهن مثاراً للدهشة والحيرة الملغزة، أو هي واحدة من «مهن القسوة»، كما عبّر الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار. ولا أتحدث هنا عن النثر العادي الذي نجد تمثلاته في الكتابة الصحافية والسياسية والعلمية، بل عن الكتابة الإبداعية، بخاصة الشعر الذي هو مكابدة غير مضمونة العواقب وصراع شديد الضراوة مع اللغة. صحيح أن الشعر نوع من الإلهام الذي لا يتأتى إلا للموهوبين وحدهم، ولكن ذلك الإلهام لا يكون على الدوام طوع بنان الشاعر ومزاجه الشخصي. وسواء كانت الموهبة ثمرة تحالف ثنائي وطيد بين الشاعر وشيطانه المقيم في وادي عبقر، كما ذهب العرب الأقدمون، أو كانت ربيبة الداخل الإنساني وما يتسم به من عناصر الرهافة والقابلية والاستعداد الشخصي، فإن كلا الفرضيتين تفضيان إلى الاستنتاج بأن الطاقة الكامنة في دواخلنا ليست قابلة بصورة دائمة للتحقق والتسييل اللغوي، بل إن الغيوم التي تختزنها تحتاج إلى شروط ملائمة لكي تتحول إلى مطر.
ولأن العرب الأقدمين كانوا يرون في الشعر كلاماً استثنائياً يفيض عن قدرة البشر العاديين، فقد نسبوا هذا الفن إلى الجن والشياطين وسائر القوى الغيبية، التي تملك الحق الحصري في رفد الشعراء بما يلزمهم من شحنات الإلهام وطاقاته وشروطه المؤاتية. لا بل إن العرب في جاهليتهم قد ذهبوا أبعد من ذلك، بحيث تحدث جواد علي في كتابه الشهير «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» بأن الشاعر الجاهلي كان يرتبط مع شيطانه بعقد مشروط، وكان يحرص على عدم الإخلال بالشروط المتفق عليها بين الطرفين، كي لا يغادره صاحبه إلى غير رجعة، أو ينقل موهبته إلى شاعر منافس. كما ورد في «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي بأن مظعون الأعرابي التقى بشيخ طاعن في السن، وأخذا يتسامران إلى أن أسمعه هذا الأخير أبياتاً من الشعر. وحين فاتحه القرشي بأنه سمع هذه الأبيات من الأعشى، أجاب الشيخ: أنا صاحب الأبيات، واسمي مسحل بن جندل، فعرف الرجل أنه من الجن. وقد خطر للأعرابي أن يسأل الشيخ عن أشعر العرب، فقال: لافظ بن لاحظ، صاحب امرئ القيس، وهباب بن هبيد، صاحب عبيد بن الأبرص، وهاذر بن ماهر، صاحب النابغة الذبياني. وإذا كان العرب قد لجأوا، كغيرهم من الشعوب، إلى الاستعانة بالأساطير والخرافات لتفسير ما استغلق عليهم من الظواهر الغامضة، فإن مثل هذه المعتقدات لا تُقرأ بحرفيتها النصية، بل بما تشير إليه من استعصاء الشعر وتمنّعه، حتى على الموهوبين الكبار من الشعراء. ولعل ما يروى عن الفرزدق من أن خلعه لأحد أضراسه أهون عليه من نظم بيت من الشعر، هو الترجمة المعقلنة لفكرة الوحي ولزمن القريحة المتقطع.
في إحدى الجلسات التي جمعتني بأدونيس أثناء وجوده في بيروت، قبل أشهر، خطر لي أن أسأله عن طريقته في الكتابة، وعما إذا كان ثمة شروط مكانية وزمانية ينبغي توفرها للشروع في كتابة نصوصه الإبداعية. والحقيقة أن إجابات صاحب «مفرد بصيغة الجمع» كانت مفاجئة لي بكل المعايير، إذ لم يدر في خلدي على الإطلاق أن شاعراً كأدونيس يستطيع أن يكتب متى وأنى يشاء، دون الخضوع لمزاج شيطانه الشعري وإملاءاته. قال أدونيس يومها إن جسده بآلياته المختلفة هو الذي يقرر زمن الكتابة ونوعها، مضيفاً أن لا وقت محدداً عنده للقيام بذلك. ولأن الكتابة عنده هي زمن داخل الزمن، فهو وحده من يملك زمام زمنه الإبداعي، بحيث يستطيع أن يكتب في الليل والنهار، ويكاد لا يمر يوم واحد دون أن ينجز نصاً ما أو جزءاً من نص. وهو في الوقت ذاته لا يخضع لإملاءات المكان وشروطه القاسية، إذ يمكنه أن يكتب في الفنادق والطائرات والمطارات والمقاهي. «وحده المكان الأليف لا يحفزني على الكتابة، وتبعاً لذلك فأنا لا أكتب في البيت الذي أسكنه» يقول أدونيس، معللاً ذلك بأن اللغة هي ربيبة الهجرة والترحال والمنفى، وهي نقيض الألفة والسكينة الوادعة.
أما الأمر الآخر المفاجئ في ذلك الحوار، فهو اعتراف صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» بأنه يكتب نصوصه دفعة واحدة، وأن تنقيحه اللاحق لما يكتبه، وخلافاً لما يعتقد البعض، لا يتجاوز المفردات والتراكيب النحوية القليلة. وحين عبّرت عن دهشتي لمثل الاعترافات، باعتبار أن لغته الشعرية تشي بالكثير من التنقيح والاشتغال، لم ينكر أدونيس هذه الميزة في نصوصه، لكنه قال بأنه ينقح القصيدة في رأسه أولاً، وأن كل ما يكتبه ينضج داخل عقله قبل أن يدوّن على الورق. وبسؤالي له عن أدوات الكتابة وتفاصيلها الصغيرة قال بأنه يميل إلى استخدام الحبر الأسود، ولكنه لا يأبه للون الورق الذي يستخدمه، شرط ألا تكون الورقة مخطّطة بشكل أو بآخر، «ربما لأنه يرفض في لا وعيه أن يتبع أي نموذج أو مخطط يأتيه من الخارج».
أما محمود درويش فقد تحدث غير مرة عن علاقته الخاصة بالكتابة الشعرية، وعن الشروط الملائمة التي ينبغي توفرها للشروع فيها. وفي الحوار العميق والثري الذي أجراه الشاعر المغربي حسن نجمي مع صاحب «الجدارية» قبل رحيله بفترة قليلة، يعتبر درويش أن الشعر في الأصل هو مزيج من المهنة والهواية. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يظل هاوياً فحسب، بل عليه مع الزمن أن ينتبه إلى الصناعة الشعرية التي هي أقرب إلى المهنة. واللافت أن درويش يتقاطع في بعض إجاباته مع أدونيس، إذ يعتبر أن الشعر ليس تدفقاً سليقياً تلقائياً فقط، بل ينبغي أن يخضع لفكر شعري، ولفهمٍ ما للوجود. ولكن درويش يعترف من جهة أخرى بأنه لا يطمئن في العادة للنصوص الطازجة لحظة إنجازها، ولذا فهو يترك النص لفترة من الزمن كي يعاود قراءته بعين الناقد الموضوعي، قبل أن يأخذ القرار بحذفه أو تعديله أو الدفع به إلى النشر. وإذ يحث درويش الشعراء على كبح كسل الهواية وعدم انتظار الإلهام، يحذر بعضهم من الافتعال، ومن تكرار ما سبق لهم أن كتبوه، لا لشيء، إلا لكونهم قادرين على الإنتاج اليومي. ولأن على الشاعر، وفق درويش، أن يظل متربصاً بلحظات الإلهام التي لا يعرف موعدها، فهو قد درّب نفسه، وإن بصعوبة بالغة، على خلق عادات كتابية تتمثل في الجلوس إلى مكتبه صباح كل يوم بانتظار «اللحظة التي يجد فيها اللاوعي كلماته»، ودون أي افتعال أو إرغام. ثم يمعن درويش في سرد بعض تفاصيل «مختبره الشعري» معترفاً بأنه شاعر نهاري لا يكتب إلا في «الضوء الطبيعي». كما أنه يكتب بقلم الحبر السائل ذي اللون الأسود، وعلى ورق أبيض وغير مسطر. وهو كلما شطب سطراً على صفحة، مزقها واستبدلها بسواها. وقد يحدث أن تتعثر الكتابة، فيتطيّر من القلم، ويستبدله بسواه، كما لو أن المشكلة في القلم لا في الإلهام. ورداً على سؤال يتعلق بالإيقاع، يقول الشاعر بأنه ينصت أثناء الكتابة إلى أنواع مختلفة من الموسيقى التي يجد فيها ما يعضد النبرات الإيقاعية للنص، «فعندما أريد أن أكتب نصاً خافتاً، أستمع إلى شوبان. وعندما أريد أن أكتب نصاً عالي النبرة، أستمع إلى بيتهوفن». ويتابع درويش بوحه الحميم لنجمي، موضحاً أنه لا يستطيع الكتابة في الفنادق والطائرات والقطارات أو أي مكان آخر، سوى المكان الذي توجد فيه مكتبته الخاصة، مقراً بأنه يحتاج للعودة إلى المعاجم، بغية الوقوف على دقة المفردات التي يستخدمها، وعلى وجوهها الصرفية ودلالاتها المتعددة.
يقرّ الشاعر التونسي منصف الوهايبي، من جهته، بأن الإلهام الشعري لا يحضره إلا بعد انقضاء الليل، ومع الخيوط البيضاء الأولى التي تنبعث مع الفجر لتضيء العالم. ومع أن صاحب «مخطوط تمبكتو» يرد ذلك إلى زمن الدراسة المبكرة في «الكتّاب»، حيث كان عليه أن ينهض باكراً كل يوم، لكنه يربط هذا الطقس الزمني اليومي بصفاء ما بعد النوم، حيث المسافة قريبة بين اللغة والأحلام، إضافة إلى أن كلاً من الجسد والنفس، يكونان تلك الساعة في حالة من التيقظ والحيوية اللازمين لأي نشاط ذهني وإبداعي. «اللغة في هذا الوقت تأتي من تلقاء نفسها»، يقول الوهايبي، وتستمر في التدفق المتقطع حتى ساعة الظهيرة، ثم تُسدل الستائر وينتهي كل شيء. ولذا فهو لا يستقبل أحداً في فترة مخاضه، ولا يتواصل في خلوته مع أحد، سوى هسهسة المفردات وتهويماتها. ولا فرق أن يكتب في البيت أو الحانة أو المقهى، إذ لا أهمية عنده للمكان، في ضجيجه أو صمته، لأنه يسوّر نفسه بجدار سميك من العزلة، ويختلي تحت «قبته البلورية» بمن يشاء من المخلوقات. ويقول الوهايبي، الحائز على جائزة زايد عن فئة الشعر لهذا العام، بأنه لا يكتب نصوصه دفعة واحدة، بل على دفعات عدة قد تستغرق شهرين أو أكثر. أما السبب فلا يعود إلى كون معظم قصائده يتسم بالإطالة فحسب، بل لأنه كثيراً ما يلجأ إلى مصادر معرفية وبحثية، وإلى معاجم مختلفة تساعده في التثبت من معاني الكلمات. وهي ميزة يتشاركها الشاعر مع محمود درويش، إضافة إلى ميزات أخرى، كالطقس النهاري، والحبر السائل الأسود، والأوراق ناصعة البياض. ويضيف الوهايبي، خلال حوار هاتفي جرى بيننا قبل أيام، بأنه لا يدفع بقصائده إلى النشر إلا بعد تنقيحٍ ومراجعة طويلين. كما أنه لا يتوانى عن إجراء تعديلات أساسية على نصوصه الجديدة، أو عن حذفها بالكامل، إما بفعل مراجعته المتشددة لها، أو استجابة لتمنيات الذين يطْلعهم على هذه النصوص، ممن يثق بسلامة أذواقهم من أصدقائه ومتابعيه.
ثمة بالطبع طقوس وممارسات أكثر غرابة، يحيط الشعراء والفنانون والكتّاب أنفسهم بها في بدايات مسيرتهم، قبل أن تتحول مع الزمن إلى وسائط إلزامية بينهم وبين الإبداع. فالكاتب النرويجي إبسن لم يكن يهتم بمكان الكتابة أو زمانها، ولكنه مع ذلك لم يكن يستطيع أن يكتب أي نص، ما لم يضع أمامه صورة منافسه وخصمه اللدود سترندبرغ، وحين سئل عن السبب في ذلك أجاب: «أريد أن أغيظه وهو يتفرج على إبداعي قبل نشره على الملأ». ولم يكن فيكتور هيغو وهو يكتب روايته «أحدب نوتردام» ليجد وسيلة لإرغام نفسه على ملازمة منزله وإكمال عمله في وقت قياسي، سوى خلع ثيابه بالكامل طيلة فترة كتابتها. كما كان الشاعر الألماني شيلر يضع تفاحة في درج المكتب الذي يجلس إليه، ثم يعمد خلال الكتابة إلى شمها وتحسسها بين حين وآخر، لكي توفر له عنصر الإلهام. فيما كان نزار قباني يتهيأ للكتابة بالاستلقاء على الأرض، أو بالنوم على بطنه، حيناً، أو يرتدي أفضل ثيابه وكأنه ذاهب إلى عرس، حيناً آخر. على أن الأهم بالنسبة للقراء لا يتمثل في الطقوس التي تلازم العملية الإبداعية، بل النصوص التي تتمخض عنها، وإلا لتحولت الكتابة إلى تعازيم خالية من المعنى، وشكليات فارغة من كل روح.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».