طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

الأهم بالنسبة إلى القراء النصوص التي تتمخض عنها

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة
TT

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

لم تكن الكتابة ولن تكون عملاً سهلاً يمكن الشروع به في أي وقت، ويخضع لإملاءات الكتّاب وإرادتهم المباشرة. ذلك على الأقل ما يستخلصه المرء من سيَر الشعراء والمبدعين الذين تحدثوا عن علاقتهم بالكتابة ومكابداتهم الشاقة مع النصوص والأعمال التي أنجزوها. وحتى لو اعتبر البعض بأن الكتابة «مهنتهم» الوحيدة والدائمة، فهي بالتأكيد إحدى أكثر المهن مثاراً للدهشة والحيرة الملغزة، أو هي واحدة من «مهن القسوة»، كما عبّر الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار. ولا أتحدث هنا عن النثر العادي الذي نجد تمثلاته في الكتابة الصحافية والسياسية والعلمية، بل عن الكتابة الإبداعية، بخاصة الشعر الذي هو مكابدة غير مضمونة العواقب وصراع شديد الضراوة مع اللغة. صحيح أن الشعر نوع من الإلهام الذي لا يتأتى إلا للموهوبين وحدهم، ولكن ذلك الإلهام لا يكون على الدوام طوع بنان الشاعر ومزاجه الشخصي. وسواء كانت الموهبة ثمرة تحالف ثنائي وطيد بين الشاعر وشيطانه المقيم في وادي عبقر، كما ذهب العرب الأقدمون، أو كانت ربيبة الداخل الإنساني وما يتسم به من عناصر الرهافة والقابلية والاستعداد الشخصي، فإن كلا الفرضيتين تفضيان إلى الاستنتاج بأن الطاقة الكامنة في دواخلنا ليست قابلة بصورة دائمة للتحقق والتسييل اللغوي، بل إن الغيوم التي تختزنها تحتاج إلى شروط ملائمة لكي تتحول إلى مطر.
ولأن العرب الأقدمين كانوا يرون في الشعر كلاماً استثنائياً يفيض عن قدرة البشر العاديين، فقد نسبوا هذا الفن إلى الجن والشياطين وسائر القوى الغيبية، التي تملك الحق الحصري في رفد الشعراء بما يلزمهم من شحنات الإلهام وطاقاته وشروطه المؤاتية. لا بل إن العرب في جاهليتهم قد ذهبوا أبعد من ذلك، بحيث تحدث جواد علي في كتابه الشهير «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» بأن الشاعر الجاهلي كان يرتبط مع شيطانه بعقد مشروط، وكان يحرص على عدم الإخلال بالشروط المتفق عليها بين الطرفين، كي لا يغادره صاحبه إلى غير رجعة، أو ينقل موهبته إلى شاعر منافس. كما ورد في «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي بأن مظعون الأعرابي التقى بشيخ طاعن في السن، وأخذا يتسامران إلى أن أسمعه هذا الأخير أبياتاً من الشعر. وحين فاتحه القرشي بأنه سمع هذه الأبيات من الأعشى، أجاب الشيخ: أنا صاحب الأبيات، واسمي مسحل بن جندل، فعرف الرجل أنه من الجن. وقد خطر للأعرابي أن يسأل الشيخ عن أشعر العرب، فقال: لافظ بن لاحظ، صاحب امرئ القيس، وهباب بن هبيد، صاحب عبيد بن الأبرص، وهاذر بن ماهر، صاحب النابغة الذبياني. وإذا كان العرب قد لجأوا، كغيرهم من الشعوب، إلى الاستعانة بالأساطير والخرافات لتفسير ما استغلق عليهم من الظواهر الغامضة، فإن مثل هذه المعتقدات لا تُقرأ بحرفيتها النصية، بل بما تشير إليه من استعصاء الشعر وتمنّعه، حتى على الموهوبين الكبار من الشعراء. ولعل ما يروى عن الفرزدق من أن خلعه لأحد أضراسه أهون عليه من نظم بيت من الشعر، هو الترجمة المعقلنة لفكرة الوحي ولزمن القريحة المتقطع.
في إحدى الجلسات التي جمعتني بأدونيس أثناء وجوده في بيروت، قبل أشهر، خطر لي أن أسأله عن طريقته في الكتابة، وعما إذا كان ثمة شروط مكانية وزمانية ينبغي توفرها للشروع في كتابة نصوصه الإبداعية. والحقيقة أن إجابات صاحب «مفرد بصيغة الجمع» كانت مفاجئة لي بكل المعايير، إذ لم يدر في خلدي على الإطلاق أن شاعراً كأدونيس يستطيع أن يكتب متى وأنى يشاء، دون الخضوع لمزاج شيطانه الشعري وإملاءاته. قال أدونيس يومها إن جسده بآلياته المختلفة هو الذي يقرر زمن الكتابة ونوعها، مضيفاً أن لا وقت محدداً عنده للقيام بذلك. ولأن الكتابة عنده هي زمن داخل الزمن، فهو وحده من يملك زمام زمنه الإبداعي، بحيث يستطيع أن يكتب في الليل والنهار، ويكاد لا يمر يوم واحد دون أن ينجز نصاً ما أو جزءاً من نص. وهو في الوقت ذاته لا يخضع لإملاءات المكان وشروطه القاسية، إذ يمكنه أن يكتب في الفنادق والطائرات والمطارات والمقاهي. «وحده المكان الأليف لا يحفزني على الكتابة، وتبعاً لذلك فأنا لا أكتب في البيت الذي أسكنه» يقول أدونيس، معللاً ذلك بأن اللغة هي ربيبة الهجرة والترحال والمنفى، وهي نقيض الألفة والسكينة الوادعة.
أما الأمر الآخر المفاجئ في ذلك الحوار، فهو اعتراف صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» بأنه يكتب نصوصه دفعة واحدة، وأن تنقيحه اللاحق لما يكتبه، وخلافاً لما يعتقد البعض، لا يتجاوز المفردات والتراكيب النحوية القليلة. وحين عبّرت عن دهشتي لمثل الاعترافات، باعتبار أن لغته الشعرية تشي بالكثير من التنقيح والاشتغال، لم ينكر أدونيس هذه الميزة في نصوصه، لكنه قال بأنه ينقح القصيدة في رأسه أولاً، وأن كل ما يكتبه ينضج داخل عقله قبل أن يدوّن على الورق. وبسؤالي له عن أدوات الكتابة وتفاصيلها الصغيرة قال بأنه يميل إلى استخدام الحبر الأسود، ولكنه لا يأبه للون الورق الذي يستخدمه، شرط ألا تكون الورقة مخطّطة بشكل أو بآخر، «ربما لأنه يرفض في لا وعيه أن يتبع أي نموذج أو مخطط يأتيه من الخارج».
أما محمود درويش فقد تحدث غير مرة عن علاقته الخاصة بالكتابة الشعرية، وعن الشروط الملائمة التي ينبغي توفرها للشروع فيها. وفي الحوار العميق والثري الذي أجراه الشاعر المغربي حسن نجمي مع صاحب «الجدارية» قبل رحيله بفترة قليلة، يعتبر درويش أن الشعر في الأصل هو مزيج من المهنة والهواية. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يظل هاوياً فحسب، بل عليه مع الزمن أن ينتبه إلى الصناعة الشعرية التي هي أقرب إلى المهنة. واللافت أن درويش يتقاطع في بعض إجاباته مع أدونيس، إذ يعتبر أن الشعر ليس تدفقاً سليقياً تلقائياً فقط، بل ينبغي أن يخضع لفكر شعري، ولفهمٍ ما للوجود. ولكن درويش يعترف من جهة أخرى بأنه لا يطمئن في العادة للنصوص الطازجة لحظة إنجازها، ولذا فهو يترك النص لفترة من الزمن كي يعاود قراءته بعين الناقد الموضوعي، قبل أن يأخذ القرار بحذفه أو تعديله أو الدفع به إلى النشر. وإذ يحث درويش الشعراء على كبح كسل الهواية وعدم انتظار الإلهام، يحذر بعضهم من الافتعال، ومن تكرار ما سبق لهم أن كتبوه، لا لشيء، إلا لكونهم قادرين على الإنتاج اليومي. ولأن على الشاعر، وفق درويش، أن يظل متربصاً بلحظات الإلهام التي لا يعرف موعدها، فهو قد درّب نفسه، وإن بصعوبة بالغة، على خلق عادات كتابية تتمثل في الجلوس إلى مكتبه صباح كل يوم بانتظار «اللحظة التي يجد فيها اللاوعي كلماته»، ودون أي افتعال أو إرغام. ثم يمعن درويش في سرد بعض تفاصيل «مختبره الشعري» معترفاً بأنه شاعر نهاري لا يكتب إلا في «الضوء الطبيعي». كما أنه يكتب بقلم الحبر السائل ذي اللون الأسود، وعلى ورق أبيض وغير مسطر. وهو كلما شطب سطراً على صفحة، مزقها واستبدلها بسواها. وقد يحدث أن تتعثر الكتابة، فيتطيّر من القلم، ويستبدله بسواه، كما لو أن المشكلة في القلم لا في الإلهام. ورداً على سؤال يتعلق بالإيقاع، يقول الشاعر بأنه ينصت أثناء الكتابة إلى أنواع مختلفة من الموسيقى التي يجد فيها ما يعضد النبرات الإيقاعية للنص، «فعندما أريد أن أكتب نصاً خافتاً، أستمع إلى شوبان. وعندما أريد أن أكتب نصاً عالي النبرة، أستمع إلى بيتهوفن». ويتابع درويش بوحه الحميم لنجمي، موضحاً أنه لا يستطيع الكتابة في الفنادق والطائرات والقطارات أو أي مكان آخر، سوى المكان الذي توجد فيه مكتبته الخاصة، مقراً بأنه يحتاج للعودة إلى المعاجم، بغية الوقوف على دقة المفردات التي يستخدمها، وعلى وجوهها الصرفية ودلالاتها المتعددة.
يقرّ الشاعر التونسي منصف الوهايبي، من جهته، بأن الإلهام الشعري لا يحضره إلا بعد انقضاء الليل، ومع الخيوط البيضاء الأولى التي تنبعث مع الفجر لتضيء العالم. ومع أن صاحب «مخطوط تمبكتو» يرد ذلك إلى زمن الدراسة المبكرة في «الكتّاب»، حيث كان عليه أن ينهض باكراً كل يوم، لكنه يربط هذا الطقس الزمني اليومي بصفاء ما بعد النوم، حيث المسافة قريبة بين اللغة والأحلام، إضافة إلى أن كلاً من الجسد والنفس، يكونان تلك الساعة في حالة من التيقظ والحيوية اللازمين لأي نشاط ذهني وإبداعي. «اللغة في هذا الوقت تأتي من تلقاء نفسها»، يقول الوهايبي، وتستمر في التدفق المتقطع حتى ساعة الظهيرة، ثم تُسدل الستائر وينتهي كل شيء. ولذا فهو لا يستقبل أحداً في فترة مخاضه، ولا يتواصل في خلوته مع أحد، سوى هسهسة المفردات وتهويماتها. ولا فرق أن يكتب في البيت أو الحانة أو المقهى، إذ لا أهمية عنده للمكان، في ضجيجه أو صمته، لأنه يسوّر نفسه بجدار سميك من العزلة، ويختلي تحت «قبته البلورية» بمن يشاء من المخلوقات. ويقول الوهايبي، الحائز على جائزة زايد عن فئة الشعر لهذا العام، بأنه لا يكتب نصوصه دفعة واحدة، بل على دفعات عدة قد تستغرق شهرين أو أكثر. أما السبب فلا يعود إلى كون معظم قصائده يتسم بالإطالة فحسب، بل لأنه كثيراً ما يلجأ إلى مصادر معرفية وبحثية، وإلى معاجم مختلفة تساعده في التثبت من معاني الكلمات. وهي ميزة يتشاركها الشاعر مع محمود درويش، إضافة إلى ميزات أخرى، كالطقس النهاري، والحبر السائل الأسود، والأوراق ناصعة البياض. ويضيف الوهايبي، خلال حوار هاتفي جرى بيننا قبل أيام، بأنه لا يدفع بقصائده إلى النشر إلا بعد تنقيحٍ ومراجعة طويلين. كما أنه لا يتوانى عن إجراء تعديلات أساسية على نصوصه الجديدة، أو عن حذفها بالكامل، إما بفعل مراجعته المتشددة لها، أو استجابة لتمنيات الذين يطْلعهم على هذه النصوص، ممن يثق بسلامة أذواقهم من أصدقائه ومتابعيه.
ثمة بالطبع طقوس وممارسات أكثر غرابة، يحيط الشعراء والفنانون والكتّاب أنفسهم بها في بدايات مسيرتهم، قبل أن تتحول مع الزمن إلى وسائط إلزامية بينهم وبين الإبداع. فالكاتب النرويجي إبسن لم يكن يهتم بمكان الكتابة أو زمانها، ولكنه مع ذلك لم يكن يستطيع أن يكتب أي نص، ما لم يضع أمامه صورة منافسه وخصمه اللدود سترندبرغ، وحين سئل عن السبب في ذلك أجاب: «أريد أن أغيظه وهو يتفرج على إبداعي قبل نشره على الملأ». ولم يكن فيكتور هيغو وهو يكتب روايته «أحدب نوتردام» ليجد وسيلة لإرغام نفسه على ملازمة منزله وإكمال عمله في وقت قياسي، سوى خلع ثيابه بالكامل طيلة فترة كتابتها. كما كان الشاعر الألماني شيلر يضع تفاحة في درج المكتب الذي يجلس إليه، ثم يعمد خلال الكتابة إلى شمها وتحسسها بين حين وآخر، لكي توفر له عنصر الإلهام. فيما كان نزار قباني يتهيأ للكتابة بالاستلقاء على الأرض، أو بالنوم على بطنه، حيناً، أو يرتدي أفضل ثيابه وكأنه ذاهب إلى عرس، حيناً آخر. على أن الأهم بالنسبة للقراء لا يتمثل في الطقوس التي تلازم العملية الإبداعية، بل النصوص التي تتمخض عنها، وإلا لتحولت الكتابة إلى تعازيم خالية من المعنى، وشكليات فارغة من كل روح.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».