قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

اصطفاف إلى جانب فرنسا ضد الدور التركي

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا
TT

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

بعد 8 أشهر من دخول قيس سعيد قصر قرطاج الرئاسي، زار الرئيس التونسي العاصمة الفرنسية باريس على رأس وفد رسمي، فكرس تقليدا اتبعه أسلافه الذين جعلوا باريس وجهتهم الأولى في تحركاتهم الدولية، بعد زيارة رمزية إلى «الجارة» الجزائر وتبادل المبعوثين والرسائل مع القادة العرب وبقية زعماء العالم. وطرحت الزيارة عدة تساؤلات، أبرزها:
هل هي مؤشر لمصالحة سعيد مع فرنسا والعواصم الغربية التي انتقدته منذ انتخابات الخريف الماضي واتهمته حينا بـ«التعاطف مع التطرف الديني» وحينا آخر بـ«التشدد السياسي» بسبب بعض تصريحاته التي اتهم فيها كل من يتعامل مع إسرائيل بـ«الخيانة الوطنية»؟ وهل حصل سعيد على دعم اقتصادي وسياسي قوي لحكمه ولتونس ومصالحها في ليبيا بعد قمته الأولى مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أم ستتسبب له هذه القمة وتصريحاته في باريس في متاعب داخلية وخارجية جديدة، بعدما اتهمه معارضوه بـ«إلحاق أذى بمصالح ملايين التونسيين في غرب ليبيا»، والانخراط في «لعبة محاور دولية» بالوقوف مع فرنسا وروسيا ضد الولايات المتحدة وإيطاليا وتركيا و«حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فايز السراج؟ وهل ستساهم هذه القمة الأولى بين ماكرون وسعيد في دفع السياسة الخارجية التونسية نحو انخراط أكبر في جهود التسوية في ليبيا ضمن حلف استراتيجي إقليمي جديد ترعاه فرنسا، ويشمل كذلك الجزائر ومصر والمغرب؟
تباينت ردود الفعل على نتائج القمة الأولى بين الرئيسين التونسي قيس سعيد ومستضيفه الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس وتصريحاتهما عن ليبيا وعن الحقبة الاستعمارية بين مرحب ومعارض. إذ نوه وزيرا المالية نزار يعيش والخارجية نور الدين الري، اللذان رافقا سعيد في زيارته، بالنتائج الاقتصادية، وبينها تقديم قرض فرنسي جديد لتونس قيمته 350 مليون يورو، أي حوالي 400 مليون دولار أميركي.
كذلك نوه الخبير التونسي في السياسة الدولية فرج معتوق باتفاق الوفدين التونسي والفرنسي على «ترفيع نسق الشراكة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية بين البلدين، بما في ذلك عبر إحداث خط حديدي سريع من نوع تي جي في الفرنسي من المقرر أن يربط أقصى شمال تونس بجنوبها، على غرار الخط الذي أنجزته مؤسسات فرنسية في المغرب للربط بين مدينتي طنجة شمالاً والدار البيضاء في وسط البلاد.

اتفاقيات قديمة
إلا أن بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين والماليين في تونس، مثل الأكاديمية جنات بن عبد الله، قللوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» من أهمية هذه الاتفاقات، واستدلوا بكون «الرئيس الفرنسي ماكرون أكد بوضوح في مؤتمره الصحافي المشترك مع سعيد في قصر الإليزيه أن القرض الفرنسي الجديد يمثل قسطا جديدا من قرض مدته 5 سنوات اتفقت عليه سلطات البلدين منذ 2017. قيمته حوالي مليار و700 مليون يورو، أي حوالي ملياري دولار أميركي.
أيضا، انتقد رضا الشكندالي، المدير العام السابق لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية «سيريس»- في تصرح لـ«الشرق الأوسط» عدم «تقديم فرنسا أي دعم مالي جديد لتونس التي تمر بصعوبات هيكلية، وأخرى ظرفية، ومن المقرر أن تسجل لأول مرة نسبة نمو سلبية هذا العام بحوالي 7 نقاط»، وانتقد «الترويج لاتفاقيات قديمة مُبرمة في 2017 وكأنها مبادرة جديدة».
كذلك قلل عز الدين السعيدان، المدير العام السابق لعدد من البنوك التونسية والعربية في تونس، من أهمية هذا المبلغ وغيره من «القروض الميسرة» التي تحصل عليها تونس من فرنسا والبلدان الأوروبية «مقارنة بحاجياتها المالية المتزايدة وعجزها عن تسديد ديونها التي أصبحت لأول مرة في تاريخها تتراوح بين 60 و90 في المائة من الناتج الخام». لكن الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس» سجل أن فرنسا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي ذاتها تمر بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة يرجح أن تتسبب في انخفاض ناتجها الخام بحوالي 12 نقطة مئوية.
من جهته، اتهم الخبير الاقتصادي جمال العويديدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» فرنسا والمشرفين على الإحصائيات الاقتصادية والتجارية في تونس بـ«المغالطة» و«التلاعب» عندما تحتسب صادرات الشركات الفرنسية والأوروبية المتمركزة في تونس ضمن «الصادرات التونسية» بينما يتعلق الأمر بمؤسسات لا تتجاوز مساهمة رأس المال التونسي فيها الـ30 في المائة وتتمتع بإعفاءات كبيرة من الضرائب والرسوم الجمركية. إلا أن الإعلامي والخبير الاقتصادي توفيق الحبيب سجل أن حصول تونس على القسط الجديد من القرض المبرم في 2017 «مهم في حدا ذاته»، وما كان ليتحقق لولا زيارة الرئيس سعيد والوفد المرافق له إلى باريس.

إفساد زيارة الرئيس
لكن الأهم في القمة التونسية - الفرنسية الأولى لم يكن اقتصاديا بل كان سياسيا ودبلوماسيا، على حد تعبير ساسة بارزين من خصوم حزب «حركة النهضة»، مثل رئيس «كتلة الإصلاح» في البرلمان التونسي حسونة الناصفي، الذي نوه بتصريحات سعيد التي عارضت التدخل التركي في ليبيا، واعتبر فيها أن «شرعية حكومة طرابلس مؤقتة وتحتاج إلى تحسين عبر تنظيم انتخابات جديدة».
وفي الاتجاه نفسه، اتهم المحامي والبرلماني المثير للجدل هيكل المكي، القيادي في حزب الشعب القومي العروبي، قيادات «حركة النهضة» بـ«محاولة إفساد زيارة الرئيس إلى فرنسا»، وبالوقوف وراء مجموعة الشباب الذين تجمعوا بالقرب من مبنى تابع للسفارة التونسية في باريس، ورفعوا شعارات سياسية ضد الرئيس سعيد حملته مسؤولية قمع الشباب العاطل عن العمل المتظاهر في مدينة تطاوين بأقصى الجنوب التونسي. ولقد نفى الناطق الرسمي باسم «النهضة» خليل البرعومي هذه التهمة، وأورد أن قيادة حركته «تحترم مقام رئيس الدولة»، واستدل على ذلك بـ«مشاركة رئيسي البرلمان راشد الغنوشي والحكومة إلياس الفخفاخ في الاحتفال الرسمي الذي نظمه الرئيس سعيد في ثكنة عسكرية بعد يوم واحد من عودته من باريس بمناسبة إحياء ذكرى تونسة الجيش الوطني».
لكن الناطق باسم «النهضة» ورفاقه انتقدوا التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي في فرنسا والتي «ناقشت الخلافات التونسية - التونسية خارج أرض الوطن»، وتلك التي ووجهت انتقادات لرئيس البرلمان راشد الغنوشي بسبب المكالمة التي أجراها مع رئيس «حكومة الوفاق» الليبية فايز السراج بعد تقدمها على قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تصدع الجبهة المساندة للرئيس
على صعيد متصل، كان من أبرز النتائج المباشرة لزيارة قيس سعيد إلى فرنسا وتصريحاته فيها تصدع الجبهة التي ساندته منذ حملته الانتخابية ضد منافسه رجل الأعمال الليبيرالي نبيل القروي. وكذلك تصدعت «جبهة الحداثيين واليساريين» التي دعمت القروي في انتخابات 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وانحاز كثير منهم إلى الرئيس سعيد بهدف مزيد من تشجيعه على الابتعاد عن «حركة النهضة» وحلفائها و«الإخوان».
وحقاً، توشك مواقف سعيد في باريس وردود الفعل عليها في تونس وليبيا أن تخلط الأوراق بقوة في المشهد السياسي التونسي، وفي علاقات الساسة بالملف الليبي والأطراف الدولية المتدخلة فيه. وهذا يشمل قيادة القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، التي عقدت أخيراً مباحثات سياسية عسكرية رفيعة المستوى في تونس وفي مدينة زوارة الليبية، التي تبعد حوالي 50 كلم فقط عن الحدود التونسية - الليبية في رأس الجدير. كذلك، تزامنت هذه التحركات السياسية بترفيع نسق التحركات العسكرية العلني بحراً وجواً من قبل قطع بحرية ومقاتلات فرنسية وتركية في خليج قابس التونسي على مسافة 100 كلم شمالي الحدود البحرية الليبية التونسية، وبالقرب من الموانئ الليبية. وفي الوقت نفسه، ساهم كشفت مصادر فرنسية وأخرى تركية عن جوانب من «المواجهة الباردة» بين القطع البجرية الفرنسية والتركية... بوادر تصعيد وخلط للأوراق في تونس وليبيا.

التنافس الفرنسي ـ الأميركي
من جهة أخرى، انطلقت «حرب باردة» عبر وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية بين أنصار التقارب مع فرنسا الذين يعارضون الدور التركي وتقارب أنقرة مع روما في ليبيا. ولقد أثارت تصريحات قيس سعيد في باريس حملات دعائية عنيفة ضده وأخرى مناصرة له في وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية. وكانت المفاجأة سرعة تخلي معظم رموز التيارات العروبية الإسلامية الذين وقفوا إلى جانب سعيد خلال الأشهر الماضية عن «الرئيس النظيف والوطني»، واتهامهم إياه بـ«خيانة الوطنيين الذين حاربوا الاحتلال الفرنسي»، وذلك لوصفه السنوات الـ75 سنة من الاستعمار بـ«الحماية» بدلاً من «الاحتلال»، ورفضه الضغوط التي بدأ يطلقها برلمانيون وسياسيون تونسيون على باريس لمطالبتها بالاعتذار والتعويض عن الخسائر التي ألحقتها بالمستعمرات الأفريقية والعربية السابقة، وبينها تونس.
وفي هذا النطاق توجه سيف الدين مخلوف، المرشح للدور الأول للانتخابات الرئاسية ورئيس كتلة «ائتلاف الكرامة» في البرلمان التونسي بانتقادات حادة إلى سعيد ورماه بـ«خذلان من دعموه» بقوة ضد منافسه في الدور الثاني للانتخابات نبيل القروي. أيضاً، اتهمه بخذلان الوطنيين الذين حاربوا الاستعمار من خلال «الخلط بين المفاهيم» وتبني مصطلحات «المستعمر» التي تعتبر أن الاحتلال الفرنسي لتونس ما بين 1881 و1956 كان لـ«حماية» البلاد، وأن «الجرائم الاستعمارية» كانت مجرد «معارك مع الإرهابيين» ما يجعل من الشهداء الوطنيين مجرد «ضحايا». كذلك انتقد البرلماني عن «الكرامة» الكاتب عبد اللطيف العلوي رفض الرئيس التونسي مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها في مرحلة احتلالها المباشر للبلاد. ثم إنه، على الرغم البلاغات الرسمية الصادرة عن «النهضة» التي تؤكد على «احترام مقام رئيس الجمهورية» انطلقت المواقع القريبة منها في حملة دعائية ضد الرئيس التونسي بسبب موقفه من ليبيا.
وفي المقابل، اصطف قطاع كبير من خصومهم ضد «النهضة» وحلفائه ودعموا مواقف سعيد المعارضة لما وصفوه «الاحتلال التركي العثماني الجديد لليبيا»، وانخرط قياديون من نقابات العمال والأحزاب العلمانية في التشهير بانتقادات زعماء بعض المحسوبين على «الإسلام السياسي» للرئيس سعيد، وكان بين من شملتهم الانتقادات سيف الدين مخلوف.

الحرب في ليبيا... والمعارك في تونس
ختاماً، حذرت مواقع كثيرة مقربة من الرئيس سعيد ومن توظيف نتائج زيارة الرئيس إلى فرنسا وتصريحاته للتهجم على «رموز الدولة» ومن تورط بعض الساسة مباشرة أو غير مباشرة في لعبة المحاور الدولية في ليبيا. وخرج بعض كبار المسؤولين العسكريين السابقين، منهم المدير العام السابق للأمن العسكري أمير اللواء محمد المؤدب، عن صمتهم... ودعوا كل الأطراف في تونس إلى الحياد، محذرين من «سيناريو» عودة التصعيد العسكري والأمني في ليبيا لسنوات. وكذلك شدد عدد من كبار السياسيين، بينهم عدد من وزراء الخارجية السابقين مثل الحبيب بن يحيى وأحمد ونيس والمنجي الحامدي وخميس الجهيناوي، على ضرورة تمسك الدبلوماسية التونسية بثوابتها وفي صميمها «الحياد الإيجابي وتحاشي التدخل في الشؤون الداخلية للدول» كي لا تجد تونس الصغيرة نفسها يوما في وضع أكثر تعقيدا... فتغدو الحرب في ليبيا والمعارك في تونس.

ورقة التاريخ والجغرافيا سلاح سياسي في تونس
> فجر الجدل بمناسبة زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا وامتناع البرلمان التونسي عن المصادقة على مشروع لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية جدلا بين المثقفين والمؤرخين والسياسيين التونسيين.
إذ شكك بعض كبار المؤرخين والأكاديميين، مثل محمد ضيف الله، في العمق المعرفي لرئيس الدولة وفي ثقافته التاريخية وفي استيعابه للعلوم الخارجة عن سياق تخصصه في القانون الدستوري. وانتقد هؤلاء التعامل من موقعه كخبير قانوني مع ظاهرة الاحتلال، عندما وصف احتلال تونس بكونه كان «حماية». وهذه هي التسمية التي أطلقتها سلطات فرنسا الاستعمارية على احتلال تونس خلال الفترة بين عامي 1881 و1956. والمغرب الأقصى ما بين 1912 و1956، وميزت بين وضعيتها القانونية وشكل احتلالها للجزائر ما بين 1830 و1963. والتي كانت تصفها بـ«الجزائر الفرنسية»... ولذا، رفضت المصادقة على الاعتراف باستقلالها في الخمسينات من القرن الماضي رغم سقوط عشرات آلاف الشهداء والضحايا.
محمد ضيف الله قال شارحاً رداً على تصريحات الرئيس سعيد «حتى لو تمسكنا بالتسمية القانونية لاتفاقية الحماية المفروضة في 12 مايو (أيار) 1881. فإنها لم تكن إلا خطوة أولى، عقبتها اتفاقية المرسى المفروضة أيضا في 8 يونيو (حزيران) 1883 التي أصبحت فرنسا بموجبها تتحكم في كل شيء في تونس، بشرا وثروات». وتابع «يبدو أن قيس سعيد لم يقرأ تاريخ تونس. وواضح أيضاً أن التخصص في القانون والاشتغال بالسياسة كلاهما يتطلب حدا أدنى من معرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومن بينها التاريخ».

في المقابل دعا المؤرخ الحبيب القزدغلي، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة منوبة (غربي العاصمة تونس)، في مقال مشترك مع المؤرخة والأستاذة في جامعة تولوز الفرنسية كوليت زيت نيكي إلى «أبعاد السياسة عن دراسة التاريخ والعلوم الإنسانية» ورفض «توظيفهما في المعارك السياسية والبرلمانية». وتوجها بنداءات إلى المؤرخين التونسيين والفرنسيين وزملائهم في المنطقة ناشدوهم فيها إجراء أبحاث علمية تاريخية مشتركة عن الحقبة الاستعمارية بعيداً عن كل أشكال الانتقاء والإقصاء والتوظيف.
من جهة أخرى، أورد المؤرخ خليفة شاطر، المدير العام السابق للمكتبة الوطنية التونسية والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة تونس، أنه شارك منذ 1982 مع مجموعة من الجامعيين والساسة التونسيين والفرنسيين في نقل نسخ من الأرشيف السري العائد لعهد الاستعمار الفرنسي لتونس، وقال بأنه «موضوع على ذمة الباحثين والجامعيين منذ حوالي 40 سنة ولا داعي في نظره لمزايدات السياسيين». وتوقف سعيد بحيرة، المؤرخ الأكاديمي والكاتب العام السابق لوزارة الخارجية التونسية، عند الخلافات حول قراءة التاريخ المعاصر للمستعمرات الفرنسية والبريطانية في المنطقتين العربية والأفريقية ودعا إلى تناولها بحكمة ومنهجية علمية بعيدا عن الاعتبارات السياسية الظرفية. وسجل في مقال نشره بمناسبة زيارة سعيد الأولى إلى فرنسا أن الرئيس التونسي الجديد «يختلف عن الرؤساء السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي الذين تخرجوا من مدارس فرنسا وجامعاتها». وأردف «قيس سعيد أصيل منطقة الوطن القبلي (70 كلم شمالي شرقي العاصمة تونس) التي شهدت أعنف الحملات القمعية استعمارية في بداية 1952… ومنها موطنه منطقة بني خيار التي احتلها الجنود الفرنسيون ثلاثة أيام من 29 يناير (كانون الثاني) إلى فاتح فبراير (شباط) 1952 وجرى نسف المنازل وتعذيب السكان وترويعهم وقتل أحد المقاومين وتغريم الأهالي بمائة ألف فرنك...».
وعقب بحيرة قائلاً «... وقيس سعيد متدين على الطريقة التونسية التي تربط بين الدين والسياسة... ويرى فيه عدد كبير من الشباب مثالا للقائد الوطني النزيه الذي يحمل جينات الوطنية التونسية... فهو يحترم رموزها وذكرياتها، وهو قريب من نقاباتها والمنظمات التي لعبت دوراً في تاريخ تونس في مرحلتي الكفاح ضد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين واتحاد المرأة...».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.