السودان يجمع أكثر من 4 مليارات دولار من «الشراكة» في برلين

ماس وبوريل: الخرطوم تمتلك فرصة العمر لتحقيق السلام والتعافي الاقتصادي

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
TT

السودان يجمع أكثر من 4 مليارات دولار من «الشراكة» في برلين

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)

خرج السودان من «مؤتمر الشراكة» الذي نظمته برلين، بتعهُّدات مالية دولية فاقت 4 مليارات دولار، ودعوات أوروبية لإخراجه من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، في حين أكدت الحكومة الألمانية أن المؤتمر فتح فصلاً جديداً من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي.
وحصل السودان على مساعدات مباشرة، بلغت 1.8 مليار دولار، تُسلّم له خلال هذا العام، وأكثر من مليارين بين تعهدات وإعفاءات ديون ومعالجات من البنك الدولي.
وجاء في بيان ختامي صادر عن المؤتمر، أنه «فتح فصلاً جديداً من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي»، وأن «المساءلة المتبادلة والشفافية ستكون أساس هذه العلاقة».
وأضاف البيان بأن «الحكومة السودانية الانتقالية والمجتمع الدولي أكدا بأن الدعم السياسي والمالي مرتبط بالتقدم الذي يتم إحرازه في العملية الديمقراطية والانتقال السياسي»، مشيراً إلى أن «الحكومة السودانية حددت مجموعة أهداف لتحقيقها في المرحلة الانتقالية تتعلق بإصلاحات اقتصادية وسياسية». وتابع البيان بأن «المفتاح هو عملية سلام شاملة وتأسيس مجلس انتقالي تشريعي يضم النساء والشباب والمهمشين». وأضاف البيان بأن المؤتمر يقر «بالحاجة الملحة إلى دعم السودان في أزمته الاقتصادية الحادة»، مشيراً إلى ترحيب المشاركين بالإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة والذي نتج منها تعهدات مالية وصلت قيمتها إلى 1.8 مليار دولار أميركي، للحماية الاجتماعية والتنمية والمساعدات الإنسانية والصحية المتعلقة بوباء كورونا. وشدد البيان على أن المجتمعين اتفقوا على ضرورة أن ينفذ السودان إصلاحات اقتصادية واجتماعية من بين ما يتعلق بالشفافية والمحاسبة؛ بهدف تحرير المزيد من الأموال.
وكانت الولايات المتحدة على رأس الدول التي قدمت أكبر المساهمات المالية، بتعهدها بـ365 مليون دولار أميركي كمساعدات اقتصادية وإنسانية عن العام الحالي. كما تعهد ممثل واشنطن في المؤتمر، جون بارسا وهو مدير الوكالة الدولية للتنمية الأميركية، بمساعدة السودان في تحقيق «انتقال آمن نحو السلام»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستواصل مساعدة السودان بتسوية المطالبات بشأن أنشطة إرهابية سابقة».
وصدرت عن فرنسا وإسبانيا دعوات لآخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقال وزير الخارجية الفرنسي جا إيف لودريان إن «السودان يجب ألا يكون على هذه اللائحة. وعبر لودريان كذلك عن تأييده لاتخاذ «جميع التدابير التي ستؤول إلى تخفيف عبء الدين» عن السودان، متعهّداً بـ60 مليون يورو مساعدات فرنسية للسودان. وأبدى استعداد بلاد لاستضافة مؤتمر دولي آخر حول السودان في باريس، لمناقشة المزيد من المساعدات الاقتصادية والسياسية للخرطوم.
وكان الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر مانح مالي بعد الولايات المتحدة، إذ تعهد بـ312 مليون يورو مساعدات عن العام الحالي، فيما تعهدت ألمانيا لوحدها بـ150 مليور يورو إضافي. وأعلن وزير التنمية الاقتصادية الألماني غيرد مولر أن ألمانيا «ستزيد وتوسع» تعاونها الاقتصادي مع الخرطوم.
وأعلن المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات، ممثل الاتحاد الأوروبي جانيز لينارزيتش، أن هناك الكثير من البرامج التي يجب دعمها في السودان. وقال: «يجب أن يكون هناك دعم متواصل لبرامج السودان لمواجهة (كورونا) والدعم الإنساني».
وأعلن «البنك الدولي» عن تخصيص مبلغ 400 مليون دولار للحكومة الانتقالية لتجويد العمل في رفع الفقر، وتخصيص مبلغ 1.75 مليار دولار من البنك لمشروعات السودان إلى عام 0232. كما أعلن «بنك التنمية الأفريقي» عن تخصيص (500) مليون دولار تدفع خلال ثلاث سنوات. وأعلن «الصندوق العربي للتنمية» عن تخصيص مليار دولار لمدة خمس سنوات.
وأعلنت إسبانيا إعفاء 74 مليون يورو من ديونها على السودان، وتبرعت فوق ذلك بمبلغ 3 ملايين يورو، وتعهدت السويد بـ20 مليون يورو. وأعلنت بولندا إعفاء ديونها على السودان البالغة 122 مليون دولار، وتبرعت بلجيكا بمبلغ 22 مليون يورو، وإيطاليا 19 مليون يورو، وقالت النرويج إنها ستقدم مساعدات للسودان عبر «البنك الدولي» بما يعادل 30 مليون دولار.
وكان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس افتتح المؤتمر، وقال إن على «المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولية الوقوف إلى جانب السودان وثورته السلمية» التي وصفها بأنها «منارة أمل لجميع الشعوب في العالم». وأضاف: «بفضل هذا المؤتمر نريد أن نفي بوعودنا، ونبين أننا معا مع السودان، نعمل مع المؤسسات الدولية لتخفيف عبء الدين عن السودان». ووصف ماس المؤتمر بأنه «بداية شراكة دائمة لمرافقة السودان طوال الفترة الانتالقية سياسياً أو مالياً».
وناشد جوزيف بوريل، مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الجيش السوداني «دعم الفترة الانتقالية وحمايتها»، كما دعا قوى التغيير والحرية «للحفاظ على الوحدة والتماسك نحو الانتخابات بهدف إنشاء مجلس تأسيسي انتقالي وتعيين مجلس محافظين في الولايات».
وكان أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غرتيريش قد تحدث كذلك في افتتاح المؤتمر، ودعا «لحشد الدعم السياسية من قبل المجتمتع الدولي للسودان»، وقال: «المسألة لا تتوقف عند الكرم، ولكن من مصلحة الجميع أن يكون هناك سودان آمن».
وعبّر رئيس الحكومة السوداني عبد الله حمدوك عن تطلع بلاده «لشراكة مع المجتمع الدولي مبنية على المساءلة والشراكة المتبادلة». وأشار إلى أن السودان يمر «حاليا في مرحلة انتقالية، من الحرب والصراع والانهيار الاقتصادي إلى الازدهار ومن الديكتاتورية إلى الحكومة الديمقراطية ومن العزلة والتهميش إلى بقية الارتباط بالعالم». ولكنه تابع يتحدث عن مشكلات وتحديات كثيرة، وقال: «يجب التوفيق بين الاقتصاد والسياسة، وهذه ليست مسألة سهلة، كذلك يجب معالجة أزمة الديون والمضي قدماً بعملية السلام»، مضيفاً أن وباء كورونا أضاف إلى مشكلات السودان مشكلة إضافية.
وعبر حمدوك عن أمله أن تساعد هذه الشراكة على حل أزمة الديون التي يعاني منها السودان وتسعى لإعادة هيكلتها. وأيد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط طلب السودان بمساعدته في إعادة جدولة ديونه، وقال إن «ديونه الخارجية تثقل كاهل اقتصاده».
وعرض وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي للخطة الإصلاحية للحكومة، ولإنجازات الحكومة من ناحية الإصلاحات منذ تسلمها مهامها.
وسبق الاجتماع دعوات متكررة من المسؤولين الأوروبيين للسودان لكي «تغتنم» الفرصة المقدمة لها، وقال ماس وبوريل في مقال مشترك نشرته المفوضية الأوروبية في الخرطوم، إن السودان يتمتع «بفرصة العمر لتحقيق السلام والديمقراطية والتعافي الاقتصادي»، وأضافا أنه «في هذه الأزمة العالمية غير المسبوقة، يجب التمسك بلحظات الأمل». وأشارا إلى أن «سودان ديمقراطياً يبقى الضمان الأفضل لأمن طويل الأمن في البلاد وفي كل المنطقة».
وتعهد المسؤولان حتى قبل بداية المؤتمر، بأن تقدم الدول والمنظمات المشاركة «شراكة للسودان لدعم البلاد لغاية موعد الانتخابات عام 2022»، وأن تساعده كذلك على الحصول على إعفاءات لديونه من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى «جمع أموال لمساعدة إطلاق برنامج اجتماعي يموله البنك الدولي والحكومة السودانية لمساعدة العائلات المحتاجة». ولكن ماس وبوريل اشترطا مقابل كل هذا الدعم، أن تلتزم الحكومة السودانية بتنفيذ إصلاحات اقتصادية «جريئة» وإصلاحات سياسية إضافة إلى الدفع بعملية المصالحة الوطنية إلى الأمام. وكذلك اشترط المسؤولان أن تشمل الإصلاحات «كل السودانيين بما في ذلك المناطق التي تشهد نزاعات مثل دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان».



الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

TT

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

وصفَ عبد الناصر الوالي، الوزير اليمني السابق والسياسي الجنوبي المخضرم، لحظة لقاء القيادات الجنوبية اليمنية في الرياض للتشاور والحوار من أجل قضيتهم بأنها «حاسمة» في تاريخها، داعياً لتحويل الفرصة التي أتاحتها السعودية إلى مسارٍ سياسي ينتهي بسلام دائم.

وقال الوالي خلال لقاء عبر بودكاست «الشرق الأوسط» مع الزميل بدر القحطاني محرر الشؤون الخليجية في الصحيفة، إن الرياض ليست محطة دبلوماسية فحسب، ووجودهم فيها اقتراب من قلب العالم العربي والإسلامي، وفرصة لتصحيح التقصير السابق في إيصال صوت الجنوب.

وأكد السياسي اليمني المخضرم أن الجنوبيين أمام «فرصة كبيرة جداً» برعاية السعودية التي بادرت بالدعوة لمناقشة القضية «وتركت الأمر في أيدينا»، مشيراً إلى دورها في جمعهم والتقريب بينهم دون فرض الوصاية عليهم، ودعمها ما يرونه صالحاً ويتفقون عليه دون تدخل. ونوَّه بأن تطميناتها كانت صريحة: «الرأي رأيكم... والقرار قراركم... نحن رعاة ولن نفرض عليكم شيئاً... ارفعوا سقفكم إلى السماء».

وتحدث الوالي عن رسالة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، قائلاً إن «الرسالة كانت مباشرة: القضية الجنوبية عادلة، لها أبعادها التاريخية والاجتماعية، والمملكة لن تخذل شعب الجنوب وستقف مع إرادته»، مضيفاً: «يكفي أن يصل صوت الجنوب إلى السعودية، وتتفهم عدالة الألم الذي تراكم منذ الوحدة».

وحول تحضيرات «مؤتمر الرياض» للحوار الجنوبي اليمني، أفاد السياسي المخضرم بأنه سيُناقش شكل الدولة ونظامها «بسقف مفتوح» ويقرره الجميع بتوافقٍ دون إقصاء، مبيناً أن تركيزهم ينصب على استعادة الدولة كطريقٍ نحو الكرامة والأمن والاستقرار والتنمية ورفاهية الناس، واستطرد: «الجنوب يتسع للجميع، ولا نوايا للتهميش أو عدم الاستيعاب، وأي مشروعات أخرى لا تُقصى، بل تُحاور».

ووجَّه الوالي رسالة لشعب الجنوب: «ثقوا بنا، ونحن نمثّل في الرياض مَن فوَّضنا»، في إشارة إلى عدم تفريطهم بالقضية أو اتخاذهم قراراً لا يوافق إرادة شعبهم. وواصل في رسالة أخرى: «السعوديون لن يجدوا من الجنوبيين إلا ما يرضي الله ويرضيهم، مع الحفاظ على أواصر الجوار والدم والنسب والمصالح».

وبالعودة إلى أصل القضية، قال السياسي المخضرم إن الوحدة لم تكن «غزواً» ولا إكراهاً، بل هي ذهاب طوعي إلى صنعاء «وقلوبنا مفتوحة»، على أمل دولة أكبر واقتصادٍ أوسع وتنمية أعمق، لكن «الواقع» فاجأ الجميع حتى الشمال - وفق قوله - لم يخرج رابحاً من التجربة، لأن المعاناة عمّت، وإن اختلفت تفاصيلها.

وأضاف الوالي أنه إذا كان ثمن الاستقرار والهدوء والتنمية أن يعود اليمن إلى دولتين، فالأجدى - حسب رأيه - دولتان متجاورتان متحابتان، بعلاقاتٍ اقتصادية واجتماعية «مرنة وسلسة» وروابط أخوية قوية، بدلاً من تنافرٍ «عطّل الشعبين».

وفي تصوراته للدولة المقبلة، قدّم السياسي اليمني المخضرم ملامح «دولة جنوب فيدرالية»، تمنح المحافظات مساحة للمساهمة في التنمية والاستثمار والثروة، مع مساواة في الحقوق والواجبات، وعدالة في توزيع الثروة بحيث تصل إلى كل مستحق بما يكفيه.

وجدَّد تثبيت مركزية الدور السعودي، ولفت إلى أن ثقل المملكة «وازن جداً» إقليمياً وعالمياً، ودخولها على الخط فرصة تاريخية للخروج بسلام «دون أن تتبعه حرب، ولن تسمح بالعودة إلى دوامة السلاح، ولأن اليمنيين شبعوا حروباً ومعاناة، وستكون المملكة نافذتنا إقليمياً وعالمياً».

وبسؤاله كيف وجدت الرياض؟ أجاب الوالي: «كما عهدتها... بلاد أمن واستقرار... هدوء وسكينة... محبة وسلام... تأتي إليها وتستقر نفسك وتشعر بالطمأنينة»، مختتماً بالقول: «وعودهم صادقة ولا تُخلف».


«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
TT

«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)

على وقع تحركات ميدانية متسارعة تقودها قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، تتواصل الجهود الرامية إلى استكمال تطبيع الحياة في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، ضمن رؤية شاملة تستهدف إعادة الاعتبار لطابعها المدني، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الخدمية والأمنية.

وفي هذا السياق، يواصل اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قوات «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، عقد لقاءات مكثفة مع ممثلي القطاعات المدنية والنشطاء والإعلاميين، بهدف بناء شراكة واسعة مع المجتمع العدني، وتوسيع دائرة المشاركة في صياغة وتنفيذ خطة استعادة الهوية المدنية للمدينة التي أنهكتها سنوات الصراع.

وإلى جانب المتابعة اليومية لخطة إخلاء عدن من المعسكرات، وإعادة هيكلة ودمج الوحدات الأمنية، يولي مستشار القوات المشتركة اهتماماً خاصاً بملف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، بوصفها المدخل العملي لاستعادة ثقة الشارع، وتحسين مستوى المعيشة.

كما يعقد الشهراني لقاءات دورية مع صحافيين وناشطين وشخصيات اجتماعية، يستمع خلالها إلى آرائهم وملاحظاتهم بشأن التحديات التي تواجه المدينة، وتطلعات سكانها في هذه المرحلة الجديدة التي يأملون أن تعيد لعدن مكانتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كواحدة من أقدم المدن التي جسدت قيم التعايش والانفتاح.

«تحالف دعم الشرعية» يشرف على تطبيع الحياة وتحسين الخدمات في عدن (إعلام حكومي)

وأكد مشاركون في تلك اللقاءات أهمية منح أبناء عدن دوراً أكبر وحضوراً حقيقياً في عملية صنع القرار، مشيرين إلى أنهم عانوا من التهميش خلال فترات سابقة، وأن أي خطة ناجحة لاستعادة الطابع المدني يجب أن تنطلق من إشراكهم، بوصفهم أصحاب مصلحة مباشرين.

كما شددوا على ضرورة إعطاء أولوية قصوى لقطاع التعليم، بوصفه الركيزة الأساسية للبناء والتنمية المستدامة، والدعامة الأولى لإعادة إنتاج الوعي المدني، وترسيخ ثقافة القانون.

وطالب المشاركون بتوجيه الدعم نحو مشاريع مستدامة، وفي مقدمها إعادة تأهيل المباني المتضررة بسبب الغزو الحوثي للمدينة في عام 2015، لما لذلك من آثار مباشرة على حياة السكان، سواء من حيث السكن أو الخدمات أو النشاط الاقتصادي.

وأشاروا إلى أن النقاشات مع اللواء الشهراني اتسمت بالجدية والوضوح، وأظهرت حرص قيادة «تحالف دعم الشرعية» على الاستماع لهموم الشارع بشكل مباشر، بعيداً عن القوالب الرسمية الجامدة، مؤكدين أنهم لمسوا توجُّها حقيقياً ورؤية صادقة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في عدن وبقية المحافظات المحررة، بالتوازي مع العمل على تثبيت الأمن والاستقرار.

الخدمات... بوابة التعافي

وبينما تتواصل عملية إخراج المعسكرات من المدينة، بالتزامن مع تركيز واضح على تحسين فعلي وسريع في خدمات المياه والكهرباء والصحة، أكدت شخصيات عدنية على ضرورة أن يكون المجتمع شريكاً حقيقياً وفاعلاً على الأرض، لمساندة خطة الإصلاحات في مختلف المجالات.

ودعا وجهاء المدينة إلى تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية لإعمار عدن، وتنفيذ المشاريع التنموية والخدمية التي من شأنها تسريع وتيرة تعافي المدينة، واستعادة نشاطها، ونفض غبار الحرب والإهمال عنها.

وحمَّل هؤلاء الفساد المستشري مسؤولية تدهور الأوضاع خلال السنوات الماضية، منبهين إلى أهمية تعزيز الرقابة الفاعلة على تنفيذ المشاريع، وتحسين مستوى الخدمات، وانتظام صرف المرتبات، وتفعيل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، بما يضمن استدامة الاستقرار وعدم الارتداد إلى مربع الفوضى.

ارتياح واسع في الشارع العدني لخروج المعسكرات من المدينة (إعلام حكومي)

ومع تأكيدهم على المكانة السياسية والاقتصادية المحورية لمدينة عدن، شددوا على أن استقرارها ونجاح إدارتها يمثلان ركيزة أساسية لنجاح أي رؤية أو مشروع استراتيجي شامل لتحقيق الاستقرار في اليمن.

وطالب المشاركون بإعطاء أبناء المدينة فرصة حقيقية للمشاركة الفاعلة في إدارة شؤونها، وتمثيل سكانها تمثيلاً صادقاً ومسؤولاً، معتبرين أن اختيار الشخصيات التي ستمثل عدن في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في السعودية، يشكل خطوة مفصلية لنجاح خطة إعادة الطابع المدني، شريطة أن يتم بعيداً عن الاختزال في أفراد أو جماعات بعينها.

جهود أمنية وإدارية

ومع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة الانتشار العسكري، واصلت شرطة عدن حملاتها لمنع الدراجات النارية، وضبط السلاح غير المرخص، والمركبات المخالفة، ومروجي المخدرات.

وشهد عدد من مديريات المدينة انتشاراً أمنياً منظماً لفرض هيبة الدولة، وتأمين حركة السكان، والتصدي لأي ممارسات تهدد الأمن والاستقرار. ووفق إدارة الشرطة، تُنفَّذ الخطة الأمنية ضمن برنامج مرحلي مدروس، شمل إعادة تموضع الوحدات الأمنية، وسحب الأسلحة الثقيلة من الأحياء السكنية، على أن تشهد المرحلة المقبلة حزماً أكبر تجاه أي تجاوزات.

محافظ عدن يعقد اجتماعاً مع المسؤولين في مطار المدينة الدولي (إعلام حكومي)

وفي سياق متصل بجهود تطبيع الحياة وتعزيز البنية الخدمية في العاصمة المؤقتة عدن، اطَّلع وزير الدولة محافظ محافظة عدن، عبد الرحمن شيخ، ومعه رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد الكابتن صالح بن نهيد، على سير العمل في مطار عدن الدولي والمرافق التابعة له، بما في ذلك معهد أمن الطيران، وذلك ضمن مساعٍ رسمية للارتقاء بأداء هذا المرفق الحيوي، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

واستمع محافظ عدن ورئيس هيئة الطيران، بحضور وكيل المحافظة عدنان الكاف، من مدير عام مطار عدن الدولي هيثم جابر، إلى شرح مفصل حول حركة النشاط الملاحي والرحلات الجوية، ومستوى التسهيلات والخدمات المقدمة، إضافة إلى آلية التنسيق القائم بين إدارات المطار والأجهزة الأمنية المختصة، بما يسهم في تعزيز الانسيابية والحفاظ على أمن البلاد وسلامة المسافرين.

وشدد المحافظ على ضرورة الحفاظ على الصورة الحضارية لمطار عدن الدولي، بوصفه الواجهة الرئيسية للعاصمة المؤقتة ومنفذها إلى العالم الخارجي، مؤكداً أهمية الالتزام بالمعايير المهنية والتنظيمية، والعمل بروح الفريق الواحد للارتقاء بمستوى الخدمات.

وثمَّن شيخ الدعم المقدم من السعودية لتطوير المطار وتحسين بنيته التحتية ومرافقه، بما ينعكس إيجاباً على أدائه ودوره الحيوي، مشيداً بجهود قيادة وموظفي المطار، ومؤكداً حرص السلطة المحلية على تقديم الدعم اللازم لتحسين الأداء، وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين والمسافرين.


الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
TT

الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)

كشفت الفعاليات التي تنظمها الجماعة الحوثية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرتها عن غياب لافت وغير مسبوق لكبار قادة الصف الأول، في مؤشر عدّه مراقبون انعكاساً مباشراً لحالة القلق الأمني والاستنفار الشديد التي تعيشها الجماعة منذ فترة، في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت سابقاً قيادات بارزة في الجماعة المتحالفة مع إيران.

وعلى الرغم من محاولات الجماعة إظهار تلك الفعاليات كأنها تسير بشكل اعتيادي، سواء عبر التغطية الإعلامية أو الخطاب التعبوي المعتاد، فإن الواقع الميداني عكس صورة مغايرة؛ حيث اختفى قادة الصف الأول تماماً عن المشهد، وجرى الاكتفاء بمشرفين صغار وخطباء محليين، في خطوة فسّرها متابعون بأنها إجراء وقائي لتقليل المخاطر، في ظل تصاعد المخاوف من استهدافات دقيقة قد تطول شخصيات قيادية بارزة.

وأوضحت مصادر مقربة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في معظم الفعاليات الأخيرة اقتصر على قيادات من الصفين الثاني والثالث، إلى جانب مشرفين محليين وشخصيات اجتماعية ودينية موالية، في حين غاب قادة اعتادوا الظهور العلني في مثل هذه المناسبات التي تستخدمها الجماعة تقليدياً لتعبئة الأتباع وترسيخ خطابها السياسي والعقائدي.

الحوثيون أقروا بمقتل رئيس أركانهم محمد الغماري ويتكتمون على مصير قادة آخرين (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن التوجيهات الصادرة من الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة شددت على تقليص الظهور العلني للقيادات البارزة، وعدم إظهار أي مؤشرات قد تكشف عن أماكن تجمعهم أو تحركاتهم، الأمر الذي انعكس على طبيعة الفعاليات التي بدت أقل تنظيماً وحضوراً مقارنة بالسنوات الماضية.

مخاوف غير مسبوقة

وذكرت المصادر أن الإجراءات الأمنية المشددة، وحالة التخفي التي فُرضت على كبار القادة الحوثيين، جاءت نتيجة مخاوف حقيقية من تعرضهم لاستهدافات محتملة، خصوصاً مع اتساع نطاق الضربات التي طالت في فترات سابقة مواقع وقيادات مرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة.

ويؤكد سكان في صنعاء أن الفعاليات التي أُقيمت هذا العام بدت باهتة ومفككة، سواء من حيث الحشد الجماهيري أو مستوى الخطاب، مشيرين إلى تراجع واضح في أعداد المشاركين، رغم استمرار استخدام وسائل الترهيب والإجبار الوظيفي، وتشديد نقاط التفتيش، وانتشار مسلحين بزي مدني حول مواقع الفعاليات.

ويقول «أبو عبد الله»، أحد سكان حي الحصبة بشمال صنعاء، إن فعالية أُقيمت مؤخراً في منطقته خلت من أي قيادي حوثي معروف. وأضاف: «في السنوات الماضية كنا نشاهد قيادات كبيرة على المنصة، أما هذه المرة فلم يظهر أحد، حتى مشرف الحي كان متخفياً، وكان الارتباك واضحاً، وعدد المسلحين يفوق عدد الحاضرين».

قيادات حوثية بارزة خلال فعالية سابقة في صنعاء (الشرق الأوسط)

أما «خالد»، وهو موظف حكومي في ريف صنعاء أُجبر على الحضور، فأشار إلى صدور تعليمات صارمة تمنع تصوير الفعاليات أو تداول أي مقاطع فيديو أو صور قد تكشف عن الموقع أو هوية المشاركين. وقال: «مُنعنا من التصوير، ومن ذكر أسماء القيادات الحاضرة، رغم أنها ليست من الصف الأول، وهذا يعكس حالة هلع غير مسبوقة».

غياب الصف الأول ودلالاته

ومقارنة مع الأعوام السابقة، رصدت المصادر غياباً لافتاً لعدد من أبرز قادة الصف الأول في الجماعة ممن اعتادوا الظهور العلني أو الإشراف المباشر على الفعاليات ذات الطابع الطائفي.

ومن بين الغائبين مهدي المشاط، رئيس مجلس حكم الجماعة الانقلابي، ومحمد علي الحوثي، إضافة إلى أحمد حامد، من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل الدائرة الأمنية للجماعة، وكذا كبار القادة العسكريين والأمنيين؛ حيث لم يُسجل لهم أي حضور ميداني أو ظهور إعلامي متزامن مع هذه الفعاليات.

ابن عم زعيم الحوثيين لدى حضوره فعالية تعبوية سابقة في صنعاء (إكس)

ووفقاً للمصادر، لم يقتصر الغياب على عدم الحضور الميداني فحسب، بل شمل أيضاً توقفاً شبه كامل عن الظهور الإعلامي المباشر، والاكتفاء ببيانات مكتوبة أو خطابات مسجلة، وهو ما عدّه مراقبون مؤشراً واضحاً على تصاعد القلق داخل أروقة الجماعة.

ويرى محللون سياسيون في صنعاء أن هذا الغياب يحمل دلالات تتجاوز البُعد الأمني، ويعكس حالة ارتباك داخل بنية الجماعة التي اعتادت استعراض قياداتها في المناسبات الكبرى لإظهار التماسك والسيطرة.

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار اختفاء القيادات عن الواجهة قد يُضعف قدرة الحوثيين على استخدام المناسبات الطائفية بوصفها أداة للتعبئة والتحشيد، في وقت يواجهون فيه ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، وتحديات أمنية غير مسبوقة تُهدد صورتهم أمام أنصارهم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended