هيغل وأدوات التغيير الفكري في عالمنا

نستطيع اليوم تطبيق جدليته لفهم واقعنا الفكري والمادي

هيغل
هيغل
TT
20

هيغل وأدوات التغيير الفكري في عالمنا

هيغل
هيغل

إذا ما تفكرنا في واقعنا أو مستقبلنا في ظل ظروفنا المحلية والدولية المعقدة فإن كلاً منا يجب أن تكون لديه وسيلة أو منهجية تنظّم فكره ورؤيته ليستطيع أن يتفاعل مع المتغيرات، وهو ما نفتقر إليه في كثير من الأحيان، وهو ما كان محط تركيز فلاسفة عظماء للوصول لأفضل منهجية ممكنة وعلى رأسهم أرسطو وديكارت واسبينوزا وغيرهم من العباقرة الذين أنجبتهم البشرية، ولكن التقدير أن الفيلسوف الألماني العظيم هيغل قد تفرد بصياغة منهجية فكرية شاملة نستطيع أن ننتقي منها ما قد يفيدنا لفك طلاسم الحاضر والقادم.
إنه أهم فيلسوف أنجبته الولايات الألمانية بعد إيمانويل كانط، وقد تدرج الرجل في الوظائف التعليمية حتى أصبح عميد كلية الفلسفة في جامعة برلين وقدم لنا العديد من الكتب والدراسات على رأسها «ظاهريات الفكر» في عام 1807، ولكنه كان بلا شك من أعقد الفلاسفة على الإطلاق، فأسلوبه وقلمه أسهما بشكل مباشر في تعقيد أفكاره التي كان يمكن أن تأتي إلينا بسلاسة أكثر، ولكن هذا لم يُضعف من قيمتها رغم مرور الزمن وبروز انتقادات لمناحٍ عدة من أطروحاته.
لقد وجّه «هيغل» اهتماماً خاصاً إلى صياغة منهجية للوصول للحقيقة والتي كانت منهجيتها أكثر تعقيداً من فلاسفة آخرين كالتجريبيين أو رواد عصر التنوير، فالاعتماد على الحواس والعقل وحدهما وقانون العلّية كأدوات للوصول للحقيقة ليس كافياً بالنسبة له، فهو يرى أن أي حقيقة لا بد أن تكون مجردة، ويقصد هنا المفهوم الكلي لها والمرتبط بالزمان والمكان وموقعها من الظواهر الأخرى والأهم موقعها من الباحث عنها، فالكل بالنسبة له هو المطلق، ومن ثم عدم واقعية الفصل أو الانفصال بين الشيء أو الظواهر، فالشيء ليس حقيقياً أو نهائياً إلا من خلال المفهوم الأشمل له، رافضاً ما قد يبدو مجرداً، فالظواهر والأشياء ليست على ما تبدو عليه لنا، وهنا يأخذنا هيغل في رحلة معرفية معقدة للغاية ومتنوعة ومترابطة لإقرار منهجية الوصول إلى الحقيقة بين ما تراه الحواس وأهمية الشك ومرحلة التقييم العقلي لها إلى مرحلة التفاعل بين الظواهر والأشياء الأخرى والعلاقة بينها وصولاً إلى مرحلة المعرفة بالذات أو ما يصفه بأنه اليقين الواعي بكونه الحقيقة.
وإلى هنا فهو فكر فسلفي اختلف أو اتفق معه آخرون، ولكن يظل أعظم مفاهيمه التي طوّرها بشكل منهجي متميز هو مفهوم «الجدلية»، أي اعتقاده بأن الشيء أو الظاهرة يمثل «الأطروحة Thesis» والتي تتبلور مع الوقت فتخلق التضاد بداخلها أو «Antithesis» ويحدث الصراع بينهما للتغيير فيكوّنا من خلاله ما وصفه بـ«التجميع Synthesis» بين الأطروحة ونقيضها، ومع الوقت والتفاعل يتحول التجميع إلى أطروحة وتستمر هذه الدائرة لتبرر لنا التطور ليس فقط على مستوى الظواهر ولكن التاريخ البشري وتقدمه، فالجدلية هنا هي محرك التاريخ التي تخلق التوازن المنتظر في مسيرتنا الإنسانية، وهي الحركة التي لا تعتمد على شكل طولي أو خطي مفهوم، ولكنّها معقّدة وغير ذات نمط محدد أو مسار واضح، فالأطروحة أو الفكرة بالنسبة له تحمل قدراً من الحقيقة وكذلك نقضيها وكذلك التجميع بينهما.
لقد اعتمد كارل ماركس على هذه المنهجية الهيغلية لمحاولة شرح مفاهيمه لا سيما ما يتعلق منها بالتطور الاقتصادي للبشرية من الرأسمالية البدائية مروراً بالإقطاع حتى الرأسمالية المطلقة، وبنى على هذه المنهجية رؤيته للتطور الطبيعي للبشرية نحو الاشتراكية ومرحلة الشيوعية فيما بعد، ولكن التطور الفكري والاجتماعي لهيغل كان أكثر تجرداً، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، فالرجل يرى أنه يمكن فهمه فقط من خلال التطور المرحلي استناداً إلى الجدلية خصوصاً في المجال الفكري، فكل مرحلة لها مميزاتها، أي أنها تحتوى على قدر ولو ضئيل من الحقيقة، ولذلك تحدث عملية التناقض ثم التجميع، وأن كل مرحلة تمثل «مخزوناً من الحكمة» ولكن ليس كل الحكمة بما يحركنا نحو التقدم، مؤكداً أن كل مرحلة إنسانية كانت تحتاج إلى حركة مؤسسية موازية تستطيع أن تجسد الفكر الجديد لها وهو ما انطبق على الثورة الفرنسية على سبيل المثال والتي أخذت النظام السياسي من الحكم المطلق إلى النقيض الكامل بما بات يحتاج إلى تفاعل ليخلق مفهوم الليبرالية بالشكل المقبول، وهذا يعد تجسيداً للجدلية وانطباقها على التطور، حتى إن هيغل ذاته ناصر نابليون بعد احتلاله بروسيا عقب هزيمتها في معركة «يينا» إيماناً منه بمبادئ الثورة الفرنسية والتي تمثل ظاهرة للتقدم الإنساني المنشود، ولكنه سرعان ما عاد أدراجه وغلبت عليه الوطنية الألمانية بعدما أدرك أن قوانين السياسة غالبة السمو الفكري في أغلب الأحيان.
لقد كانت هذه هي الجدلية الهيغلية التي نستطيع اليوم تطبيقها بشكلها المجرد أو حتى العملي لفهم واقعنا الفكري والمادي خصوصاً في ظل هذه الظروف الصعبة التي نمر بها، فنحن اليوم صناعة ما قبلنا من فكر وثقافة وقاعدة لما سيأتي بعدنا. فأين موقع منهجية الجدلية في حياتنا؟ فنحن لا نحتاج لأن نكون فلاسفة لكي نستقي من فكر العظماء ونطبّقه لفهم حياتنا سواء الفردية أو الأسرية أو مجتمعاتنا حتى نقهر التوجهات غير الموضوعية السائدة لدى الكثيرين منا من خلال رؤية أكثر عقلانية وتنويرية.



العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي
TT
20

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان، بحيث يصعب أن نعثر في العصر العباسي الأول على نسخ عذرية مماثلة لمجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثيّر عزة. إلا أن ما تقدم لا يعني بالضرورة الغياب التام لحالات التتيم العاطفي وتجارب العشق الصادقة في ذلك العصر. ذلك أن الإشباع الجسدي لا يوقف وجيب القلوب، والحصول على المتعة لا يروي عطش الروح، ولا يوفر للشخص المعني ما يحتاج إليه من الحب والعاطفة الصادقة. وهي الفرضية التي تجد ضالتها المثلى في حالة العباس بن الأحنف، الذي لم تحل حياته المترفة ووسامته الظاهرة، وظرفه المحبب، دون وقوعه في حب «فوز»، المرأة التي شغلته عن كل ما عداها من النساء.

ومع أن الرواة قد اختلفوا حول نشأة العباس ونسبه، حيث ذكر الأصفهاني أنه نشأ في بغداد وينتمي إلى بني حنيفة العرب، وقال الأخفش إنه كان من عرب خراسان، ورأى آخرون أنه نشأ في البصرة ثم وفد إلى بغداد، فقد أجمع المبرّد والصولي والأصمعي على تقريض شعره، ورأى الجاحظ أنه كان شاعراً غزِلاً شريفاً مطبوعاً، وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق وعذوبة، وأنه لم يتجاوز الغزل إلى مديح أو هجاء. لكن اللافت أن الأصفهاني لم يولِ العباس وأخباره الكثير من الاهتمام، ولم يركز إلا على أشعاره الصالحة للغناء، دون أن يأتي على ذكر فوز، أو أيٍّ من معشوقاته الأخريات.

ورغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، مثل ظلوم وذلفاء ونرجس ونسرين وسحر وضياء، ومعظمهن من الجواري، فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي. ومع ذلك، فقد ظلت هويتها الحقيقية في دائرة الغموض واللبس. وحيث ذهب البعض إلى أنها والجارية ظلوم تسميتان لامرأة واحدة، إلا أن قصائد الشاعر تؤكد أن فوز لم تكن جارية، بل امرأة من الأشراف ذات نسب عريق. وفي مواضع عدة يشير العباس إلى أنه أخفى اسم حبيبته الحقيقي خشية على نفسه وعليها، كما في قوله:

كتمتُ اسمها كتمان من صار عرضةً وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتها فوزاً ولو بحتُ باسمها

لسُمِّيتُ باسمٍ هائل الذكْر أشنعِ

وفي بحثها النقدي الاستقصائي عن العباس بن الأحنف، ترى الكاتبة العراقية عاتكة الخزرجي أن حبيبة الشاعر لم تكن «كائناً متخيلاً، بل امرأة من لحم ودم، وأن ديوانه الشعري كان سيرته وقصة قلبه». إلا أن الخزرجي تذهب إلى أبعد من ذلك، فترجح أن تكون فوز هي الاسم المعدل لعليّة بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، وأن العباس أخفى هويتها الحقيقية خوفاً من بطش الخليفة، الذي كان الشاعر أحد جلسائه.

وقد كان يمكن لاجتهاد الخزرجي حول هوية فوز، أن يكون أكثر مطابقة للحقيقة، لو لم يشر الشاعر في غير موضع إلى أن حبيبته قد انتقلت للعيش في الحجاز، في حين أن عليّة، ظلت ملازمة لبغداد ولقصر أخيها الرشيد بالذات. وأياً تكن هوية حبيبة العباس الحقيقية، فقد بدت المسافة الشاسعة التي تفصله عنها، بمثابة النقمة والنعمة في آن واحد. فهي إذ تسببت له بالكثير من الجروح العاطفية والروحية، إلا أنها منحته الفرصة الملائمة لإحالتها إلى خانة الشعر، ولتحويلها نداءً شجياً في صحراء الغربة الموحشة، كقوله فيها:

أزيْنَ نساءِ العالمين أجيبي

دعاء مشوُقٍ بالعراق غريبِ

أيا فوز لو أبصرتِني ما عرفْتني

لطول نحولي دونكم وشحوبي

أقول وداري بالعراق، ودارها

حجازيةٌ في َحرّةٍ وسهوبِ

أزوّار بيت الله مُرّوا بيثربٍ

لحاجة متبولِ الفؤاد كئيبِ

ولو تركنا هذه الأبيات غفلاً من الاسم، لذهب الظن إلى أن ناظمها الفعلي هو جميل بثينة أو مجنون ليلى. وليس من قبيل الصدفة أن ينسب الرواة إلى العباس، ما نُسب قبله إلى المجنون، ومن بينها مقطوعة «أسرْب القطا هل من يعير جناحه؟» المثبتة في ديوانَي الشاعرين. وإذا كان لذلك من دلالة، فهي أن هاجس العباس الأهم، كان يتمثل في إعادة الاعتبار للشعر العذري بوصفه الحلقة المفقودة في الحب العباسي، إضافة إلى أنه أراد في ظل القامات الشاهقة لأبي نواس وأبي تمام وغيرهما، أن يحقق عبر الحب العذري، ما يمنحه هويته الخاصة ويمهد له الطريق إلى الخلود. وهو ما يظهر في قوله إن التجربة التي اختبرها سوف تكون «سنناً للناس»، أو قوله: «وصرنا حديثاً لمن بعدنا، تحدّث عنا القرونُ القرونا».

وإذ يقارب المستشرق الفرنسي جان كلود فاديه في كتابه «الغزل عند العرب»، تجربة العباس من زاوية كونها خروجاً على التجارب الحسية البحتة لمعاصريه، يتوقف ملياً عند حبه لفوز، متسائلاً عما إذا كانت الأخيرة قد وُجدت حقاً، أم أن الشاعر قد ألفها من عنديات توقه للمرأة الكاملة. وإذا كان فاديه قد رأى في فوز المعادل الشرقي لبياتريس، حبيبة دانتي في «الكوميديا الإلهية»، فإن النموذج الغزلي الذي راح العباس ينسج على منواله، هو نموذج عربي بامتياز. وحيث كانت البيئة الحاضنة لشعره خالية من البوادي المقفرة والفقر المدقع، فقد استعاض الشاعر عن الصحراء المحسوسة، بصحراء الحب المستحيل الذي يلمع كالسراب في أقاصي العالم، موفراً له ما يلزمه من بروق المخيلة ومناجم الإلهام.

ومع أن العباس كان يسير عبر قصائده الغزلية والعاطفية، في اتجاه معاكس لنظرائه ومجايليه من الشعراء، فإن من يقرأ ديوانه لا بد أن ينتابه شعور ما، بأنه ليس إزاء شاعر واحد متجانس التجربة والمعجم والأسلوب، بل إزاء نسختين أو أكثر من الشخص إياه. فهناك القصائد الطويلة المترعة بالحسرة والوجد، التي تحتل فوز مكان الصدارة فيها، وهناك بالمقابل النصوص القصيرة ذات المعاني والمفردات المستهلكة، التي يدور معظمها حول مغامرات الشاعر العابرة مع القيان والجواري. إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن يكون بين المنظومات المهداة إلى فوز ما هو متكلف ومستعاد وسطحي، كمثل قوله:

أيا سيدة الناسِ

لقد قطّعت أنفاسي

يلوموني على الحبّ

وما في الحب من باسِ

ألا قد قدُمتْ فوزٌ

فقرَّت عينُ عباسِ

رغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، ومعظمهن من الجواري فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي

ولعل الأمر يجد تفسيره في كون العباس لم يحصر اسم فوز في المرأة التي محضها قلبه، بل استعاره لغير واحدة من نسائه العابرات. إضافة إلى أن رغبته بأن تصدح بهذا الاسم حناجر المغنين والمغنيات، جعلته يتنازل عن سقف شعريته العالي، لمصلحة النصوص السهلة والصالحة للغناء، خصوصاً أن احتفاء عصره بهذا الفن، لم يكن موازياً لاحتفاء الأمويين به فحسب، بل كان متجاوزاً له بفعل التطور والرخاء واختلاط الشعوب والثقافات.

وعلينا ألا نغفل أيضاً أن النزوع النرجسي للعباس، قد دفعه إلى أن يصيب بقصائده ومقطوعاته أكثر من هدف. فرغبته في أن يحاكي التجربة الفريدة لعمر بن أبي ربيعة، والتي جعلته يكرس بعضاً من النصوص لسرد فتوحاته ومغامراته العاطفية التي يواجه فيها المخاطر ليظفر بامرأته المعشوقة، لم تحل دون رغبته الموازية في التماهي مع تجارب العذريين الكبار، وما يستتبعها من بوح صادق وشفافية مفرطة.

إلا أن المقارنة بين النموذجين الحسي والمتعفف في تجربة الشاعر، لا بد أن تصبح في مصلحة هذا الأخير، حيث يذهب العباس بعيداً في الشغف وحرقة النفس، وفي الأسئلة المتصلة بالحب واللغة والفراق والموت. وهو إذ يحول العناصر والمرئيات مرايا لروحه الظامئة إلى الحب، تتراءى له فوز في كل ما يلوح له من الأشياء وظواهر الطبيعة، حتى إذا أبصر السيل منحدراً من أعالي الهضاب، تذكر أن ثمة في مكان قريب، حبيبة له «مسيلة» للحنين والدموع وآلام الفراق، أنشد قائلاً:

جرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذ

جرى وفاضت له من مقلتيّ سروبُ

وما ذاك إلا حيث أيقنتُ أنه

يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ

يكون أجاجاً دونكمْ فإذا انتهى

إليكمْ تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ

أيا ساكني شرقيّ دجلةَ كلُّكمْ

إلى النفس من أجل الحبيب حبيبُ