مصريات يحاربن ضغوط «كورونا» بتجديد الأثاث وطلاء الجدران (صور)

دولاب قبل تجديده وبعد الرسم عليه بالألوان (الشرق الأوسط)
دولاب قبل تجديده وبعد الرسم عليه بالألوان (الشرق الأوسط)
TT

مصريات يحاربن ضغوط «كورونا» بتجديد الأثاث وطلاء الجدران (صور)

دولاب قبل تجديده وبعد الرسم عليه بالألوان (الشرق الأوسط)
دولاب قبل تجديده وبعد الرسم عليه بالألوان (الشرق الأوسط)

منذ بداية أزمة «كورونا» في مصر، وتسعى دينا إلى التأقلم مع الجائحة، خاصة مع عمل زوجها الطبيب بمستشفى العزل بالإسكندرية (شمال مصر)، وسط الحالة من القلق والخوف عليه وعلى أسرتها الصغيرة، وكحال معظم الأسر المصرية، اتجهت دينا إلى محاولة التغيير داخل المنزل لتفريغ طاقة الضغط العصبي.

ومنذ ثلاثة أشهر ويسعى مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، باختلاف اهتماماتهم إلى تقديم الدعم لبعضهم بعضاً، لتحسين الحالة النفسية المتقلبة تحت وطأة الحجر المنزلي وتجنب الزيارات العائلية وممارسة الأنشطة، واتجه البعض إلى ممارسة التمارين الرياضية بالمنزل، وآخرون اتجهوا إلى محاولات الخبز وتحضير الوصفات الغذائية لأول مرة في حياتهم، وأصبح السعي إلى اكتشاف المواهب والسعي وراء التجربة لملء الوقت، حائط صد، ضد التبعات النفسية التي يمر بها الجميع تحت وطأة فيروس كورونا.

ومن بين تلك الأمور، لجأ البعض إلى محاولات تجديد الأثاث وطلاء الجدران، بالإضافة إلى صناعة بيوت للعرائس ومجسمات صغيرة من الورق المقوى بمشاركة الأطفال، وتقول دينا محمد (مترجمة) لـ«الشرق الأوسط»، «بدأت في تغيير نظام البيت لأنه يساعدني على تغيير حالاتي النفسية التي أحاول جاهدة أن أبقى هادئة ومتفائلة حتى أقدم الدعم إلى زوجي حسب طبيعية عمله القاسية حالياً، ثم اتجهت إلى تجديد الجدران وطلائها بيدي، وكانت تجربتي الأولى في طلاء الأثاث، بعد أن غيرت لون غرفة طفلتي الوحيدة (لين) من البني الغامق إلى الأبيض لرفع روحها المعنوية، فالأطفال أكثر المتضررين من العزل، بعد أن كانت حياتهم ممتلئة بالأنشطة والزيارات».
وتكمل دينا «ووسط انشغالي مع والدها بالأخبار المحيطة، وحديثنا المستمر عن المرضى والحالات والعلاج، وتلقيه المكالمات الهاتفية طوال فترة وجوده بالمنزل، فوجئت بطفلتي تصنع مجسماً من المنازل والغرف وتزينها بمفردها، من دون مساعدة؛ الأمر الذي أبهجنا بشدة، واشتريت لها خامات بعد ذلك لدعمها في صنع المزيد».

ومنذ منتصف مارس (آذار) الماضي، علّقت مصر الدراسة بالمدارس ودور الرعاية (الحضانات) وكذلك النوادي الرياضية والأنشطة، وسط مجموعة من الإجراءات الاحترازية في مواجهة وباء كورونا المستجد، ووصلت حالات الإصابة إلى 53758 حالة، من ضمنهم 14327 حالة تم شفاؤها وخرجت من مستشفيات العزل والحجر الصحي، و2106 حالات وفاة.
ومع اتجاه مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالانضمام إلى المجموعات التي تدعم الأعمال اليدوية والحرفية، قدمت سلمى البارودي ودينا عقل عبر مجموعتهما طرقاً بسيطة لمبادئ أعمال النقاشة والطلاء للجدران والأثاث، ومع اتساع المجموعة الذي يبلغ عدد عضواتها ما يقرب من 16 ألفاً، يشاركن بمنشورات يومية عن تجارب الطلاء وتجديد المكتبات وغرف النوم و«ركن القهوة»، وطلاء المطابخ والسيراميك.

وعن فكرة المجموعة تقول البارودي «منذ ما يقرب من شهرين، قمت بطلاء وتجديد دولاب في منزل أسرتي، وشاركت به على إحدى المجموعات، ونال استحسان الجميع الذين تسألوا عن خطوات العمل والخامات المستخدمة وترتيبها، في الوقت الذي لا يوجد فيه قاعدة معلومات واضحة للمساعدة في شرح خطوات الطلاء وتجديد الأثاث، فجاءت فكرة المجموعة بدعم من صديقتي دينا عقل، وتشجعنا أكثر من إقبال السيدات والفتيات على التجريب والمحاولة، خاصة أن الصنايعية يميلون أكثر للكتمان عن مشاركة المعلومات، تحت مبدأ (سر المهنة)، لكن في ظل تواجدنا في المنزل واحتياجنا أكثر إلى التجديد، كان علينا التجريب وحب المشاركة مع الآخرين، في كل منشور تشارك به العضوات، بقطعة خاصة بهن نشعر بالفخر، وأن كل إنسان يستطيع خلق الجديد دائماً من العدم».

وتوفر البارودي المساعدة والمعلومات بشكل يومي عن طريق مقاطع مصورة ومنشورات لاستخدام الأدوات والألوان والخامات الخاصة بطلاء الأخشاب والحوائط، وتضيف «العمل اليدوي علاج نفسي ضد ثقل الأيام، ودرع قوية لمواجهة جائحة كورونا، فمع كل قطعة حتى ولو صغيرة نشعر بالسعادة والامتنان وما زلنا جميعاً نتعلم من بعضنا بعضاً».

ولم تصدق أسماء شاهين نفسها، بعد أن تشجعت وأمسكت بالفرشة وقامت بطلاء مطبخها «أنا شخصياً أبعد ما أكون عن هذا الاهتمام بالعمل اليدوي، بدأت بمطبخ والدتي القديم، وبصراحة قررت في حالة فشلي ألا أندم لأنه قديم جداً، لكني فوجئت بالنتيجة الجميلة، وتشجعت أكثر لتغير كل ما هو قديم، تلقائياً وجدت نفسي لا أستطيع تقبل شكل القطع القديمة طالما أن في يدي أن أغيرها، ولا أخفي أمراً أني أستمتع بشدة بنتيجة ما أصنع في كل مرة».

وترى ندى ممدوح أن تجربة الطلاء رائعة، خاصة أنها محبة للرسم منذ الطفولة، وقالت «لم يمهلني عملي فرصة لممارسة هواياتي المفضلة، لكن مع الحظر تشجعت أكثر من متابعة الآخرين على صفحات (فيسبوك)، وشاركت بتجديد بعض التفاصيل في المطبخ والبيت، وكانت من أجمل تجارب حياتي، وأخطط كل يوم لتطوير البيت أكثر وأكثر».

وعن تجربة طلاء سيراميك الحمام، خاضت مروة خالد التجربة بشجاعة، في ظل العزل المنزلي المستمر تحت وطأة فيروس كورونا «بعد أن استلمت بيتي الجديد تشجعت أكثر لتجديده حسب متطلبات عائلتي، وقمت بطلاء الحمام وتغييره إلى ما أحب بعدما توفر لدي الوقت في ظل الحجر المنزلي بسبب (كورونا)، وتعلمت من متابعتي اليومية فنوناً أكثر».

واستغلت هبه شاهين (مصممة)، عشقها لفنون الديكوباج (فن التزيين بالورق)، الذي تعلمته منذ أكثر من عام واتخذته مجالاً للعمل، للهرب من القلق والضيق، وقالت «إحساس التجديد ممتع للغاية ومختلف تماماً عن الشغل في قطعة جديدة، أتذكر أني قمت بترميم طاولة مكسورة ومهشمة تماماً، وكنت على وشك التخلص منها، لكني تراجعت في النهاية وخوضت التجربة، لِمَ لا؟، وكان الأثر على مزاجي العام وحالتي المزاجية جيد جداً، وتحول الأمر إلى شغف أسعى فيه إلى تطوير نفسي وزيادة أفكاري»، ومثلها مروة خالد، التي إتخذت القرار بإعادة ترتيب المنزل حسب ذوقها مرة أخري وتعليم فنون الديكوباج.

ويفسر الدكتور أحمد محمد عبد الله، استشاري الطب النفسي، بأن في أوقات الأزمات يبحث المرء في خباياه عن مواهبه المنسية، ويعيد اكتشاف نفسه من جديد، وقال لـ«الشرق الأوسط»، «تميل السيدات أكثر إلى التغيير من حولهن، فيصبحن أكثر نشاطاً باهتمامهن بالجانب الجمالي، والوقت الفائض الذي سببته أزمة (كورونا)، خلق فرصة للبحث عن الاهتمامات والمواهب التي يفتقر إليها البعض، في ظل ضغوط العمل والحياة اليومية بكل متطلباتها؛ لذلك تشجع البعض للتجريب والتقليد أيضاً مع نجاح التجربة عبر مشاركة الآخرين؛ مما يخلق حافزاً من الحماس والسعادة والإحساس بالإنجاز».

ويضيف عبد الله «الأزمات المجتمعية تدفع الإنسان إلى البحث عن منابع جديدة لتجديد طاقته حتى تستمر عجلة حياته في حالة دوران إيجابية أغلب الوقت؛ فالانغماس في متابعة ما نحب ونهتم من فنون ومواهب سواء موسيقى، أو رسم أو حب للألوان، يشحن الطاقة مجدداً، ويحول الأمر من مجرد حدث سعيد يحدث مرة واحدة إلى موهبة مستمرة، يستطيع المرء أن ينميها ويتخذها دافعاً في مواجهة الأزمات والمواقف الحياتية». وينصح عبد الله بضرورة الاهتمام بالمواهب والاهتمامات حتى بعد انتهاء فترات الحجر المنزلي والعودة إلى الحياة الطبيعية مجدداً؛ لما له من عائد مؤثر علي الحالة المزاجية والنفسية.

من جانبها، أكدت هند عبده، أن تجديد الأثاث أتاح لها فرصة لاكتشاف نفسها مرة أخرى، رغم قيامها بتطوير بعض القطع قبل الجائحة، فإنها تشجعت أكثر مع توفر الوقت في ظل العزل المنزلي، إلى تجديد البيت مرة أخرى وقالت «أحب الطلاء عامة، وقمت بتحويل أريكة تقليدية قديمة إلى أخرى جديدة، وقمت بطلاء طاولة السفرة والكراسي، وفي كل مرة أمر بجانبهم أشعر بالفخر لما أنجزته بيدي».

وكان تأثير قضاء وقت طويل خارج المنزل، يخفي ما يحتاج إليه المنزل من تجديد أمام، دينا سمير التي ذكرت «زاد تركيزي مؤخراً في المنزل، وتشجعت بمشاركة الأخريات عبر إعادة إحياء الأثاث القديم أو تغيير ألوانه إلى ألوان مبهجة، تضفي قليلاً من البهجة على الساعات الطويلة التي نقضيها وسط جدران منازلنا».
وتضيف «لكني سعيدة بالتجربة التي أضافت إلى روحي بعداً جديداً من السلام».

وبالبحث عن بديل منزلي لعدم الخروج والتنزه، وجدت ربا عبد العزيز الحل في شرفة المنزل، وقالت «بعد أسبوعين من الحظر، بدأت أشعر بالضيق والملل فانطلقت إلى الشرفة، وكانت أول مرة أجرب أن أجدد في المنزل بيدي، قمت بطلاء سور الشرفة بمساعدة أطفالي ووضعت بعض اللمسات البسيطة المريحة لأسرتي حتى نقضي وقتاً لطيفاً فيها».

وأضافت عبد العزيز «وحالياً أخطط مع زوجي برسم جدارية بصور العائلة، نقضي وقتاً طويلاً في التخطيط وترتيب الصور ربما لم نقضيه سوياً منذ فترة ترتيب المنزل قبل الزواج منذ سنوات».
وبمساعدة أطفالها، قامت أمينة، بطلاء غرفة نومهم وتجديد الألوان وتعليق الصور المحببة لديهم، وذكرت «كانت فرصة عظيمة لتفريغ طاقة أطفالي، ومساعدتي وتعليمهم درساً مهماً في الحياة من خلال قدرتهم على صنع الفرق وتحقيق الأمنيات حتى ولو بلمسات بسيطة».
وفي محل لبيع مستلزمات الطلاء والبويات بجنوب القاهرة، اندهش البائع أبو أدهم (40 عاماً)، عن تغيير نمط وشكل زبائنه، من صنايعية وعمال إلى سيدات وشابات، يحملن ورقة صغيرة بالخامات المطلوبة، وقال ساخراً «مفيش حد يسد زي شغل الصنايعي الحريف»، لكنه لا يخفي أن اتجاه السيدات للطلاء وأعمال النجارة أضاف إلى حركة البيع والشراء.
وعلى عكسه، يرى عم نجيب (70 عاماً)، صاحب أقدم محل لبيع مستلزمات الطلاء بحدائق حلوان (جنوب القاهرة): «الست اللى تشتغل بإيديها دي ست الكل وتفوت في الحديد»، ويتحمس عم نجيب للأسئلة حول الخامات ومقاسات المسامير، وما يناسب الخشب من ورنيش.
وتسعى بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتوفير وبيع الخامات ومنتجات الطلاء والألوان إلكترونياً، في ظل اتساع خدمات البيع الإلكتروني وإقبال المصريين عليها بسبب مواعيد حظر التجول التي فرضتها مصر منذ مارس الماضي، وكذلك لتقليل فرص التزاحم في المحال التجارية.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.