الزراعة الذكية كربونياً... بين زيادة الإنتاج ومواجهة تغيُّر المناخ

الزراعة الذكية كربونياً... بين زيادة الإنتاج ومواجهة تغيُّر المناخ
TT

الزراعة الذكية كربونياً... بين زيادة الإنتاج ومواجهة تغيُّر المناخ

الزراعة الذكية كربونياً... بين زيادة الإنتاج ومواجهة تغيُّر المناخ

مع أول ضربة محراث في الأرض قبل آلاف السنين، أخذ النشاط الزراعي يطلق ثاني أوكسيد الكربون في الجو. وفيما كانت الانبعاثات الناتجة عن الزراعة تقتصر في البدء على التفاعل بين المواد العضوية التي يجري تقليبها مع الهواء المحيط، ارتفعت البصمة الكربونية للزراعة مع استخدام المكننة، واتساع سلاسل النقل والتوريد.
وتشير تقديرات نُشرت قبل 3 سنوات إلى أن التربة حول العالم خسرت 133 مليار طن من الكربون منذ بدأ البشر يزرعون الأرض قبل نحو 12 ألف سنة. وتعادل هذه الكمية التي انطلقت إلى الجو ربع إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري منذ بدء الثورة الصناعية.
وساهم التطور التقني في زيادة انبعاثات الزراعة على نحو مطرد بدءاً من القرن الماضي. فاستخدام الوقود الأحفوري في آلات الزراعة ومركبات نقل المنتجات، إلى جانب الحاجة للطاقة في إنتاج الأسمدة وضخ المياه، جعل انبعاث غازات الدفيئة من القطاع الزراعي يزيد على 10 في المائة من مجمل الانبعاثات العالمية السنوية.
وتدفع إضافة السماد الكيميائي الأحياء الدقيقة في التربة إلى إطلاق غاز أوكسيد النيتروز، وهو من غازات الدفيئة القوية، حيث يعادل مكافئه الكربوني نحو 300 ضعف ثاني أوكسيد الكربون. ووفقاً لوكالة حماية البيئة الأميركية، يُعد أوكسيد النيتروز مسؤولاً عن 6 في المائة من الاحترار العالمي.
- حفظ الكربون في التربة
يقترح بعض علماء التربة، مثل الدكتور راتان لال من جامعة ولاية أوهايو، أن تؤدي التغيرات في الممارسات الزراعية وإدارة التربة إلى إقلال فقد التربة للكربون بمقدار الثلثين نظرياً، مما يعني توفير كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون المنطلق إلى الغلاف الجوي.
ويوصي لال وآخرون باتباع الممارسات التي تزيد من كمية المواد العضوية الحاوية على الكربون في طبقات التربة العليا، بما في ذلك تجنب عملية الحراثة التي تعرض كربون التربة للهواء، وتغطية الحقول بمخلفات المحاصيل، وزراعة محاصيل التغطية. وتُزرع محاصيل التغطية، كالحبوب والبقوليات وغيرها من الخضراوات، ليس بغرض الحصاد فحسب، وإنما لإثراء التربة بالمغذيات والمواد العضوية الغنية بالكربون، والحد من تآكلها.
وتثير حراثة الأراضي في المناطق القاحلة والجافة عواصف الغبار المدمّرة، مما يؤدي إلى إفقار التربة وتصحرها، مثلما حصل في مناطق واسعة من بادية الشام، وكذلك في المناطق الغربية من الولايات المتحدة. وترصد وزارة الزراعة الأميركية تحولاً وطنياً في تجنب حراثة الأرض، إذ تشير إحصاءاتها إلى أن أكثر من ثلث الأراضي الزراعية الأميركية تُزرع حالياً من دون حراثة، وأن ثلثاً آخر تجري إدارته باتباع حراثة محدودة.
وتعاني ثلث التربة حول العالم من تدهور بنسب تتراوح بين المتوسط والمرتفع، حيث يقع أربعون في المائة منها في أفريقيا، في حين توجد معظم النسبة المتبقية ضمن مناطق منكوبة بالفقر وانعدام الأمن الغذائي. وتتطلب العلاقة المتداخلة بين التربة والصحة والأمن الغذائي إجراءات استراتيجية وفورية، خاصة على المستوى المحلي، لوقف تراجع نوعية التربة، وزيادة إنتاج الغذاء، وإنقاص انبعاث غازات الدفيئة.
ويشهد العالم انتشار ممارسات زراعة «ذكية كربونياً»، تقوم على زراعة الغطاء النباتي بهدف محاربة التغير المناخي، إذ تقوم شركات بشراء أرصدة الكربون المخزن في التربة الزراعية، فيحقق المزارعون عوائد مالية إضافية، ويحسنون من نوعية تربة حقولهم، ويوفرون في استهلاك المياه.
وكان تقرير «احترار عالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية» الذي صدر سنة 2018، عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، قد أكد أهمية استخدام تقنيات الانبعاث السلبي لخفض حرارة الكوكب عند تجاوزها عتبة 1.5 درجة مئوية زيادة عن حرارة الأرض قبل النهضة الصناعية. ويعد تخزين الكربون في التربة أحد تقنيات الانبعاث السلبي المجدية، من حيث الكلفة وسهولة التنفيذ.
وتدعم شركات مثل «مايكروسوفت» و«جنرال ميلز» ومؤسسة «ليوناردو دي كابريو» مبادرات التربة المناخية بملايين الدولارات، عبر إنشاء سوق لبيع أرصدة الكربون المخزن في التربة. وفي الولايات المتحدة، تعمل مدن مثل كولورادو وسان فرانسيسكو على إدراج تخزين الكربون في التربة ضمن خطط العمل الخاصة بالمناخ، كما توجد قوانين على المستوى الوطني لتشجيع المزارعين على تبني ممارسات صديقة للمناخ.
وتدفع أستراليا وولاية كاليفورنيا الأميركية ومقاطعتا ألبرتا وساسكاتشوان الكنديتان مساعدات للمزارعين في مقابل حبس الكربون في التربة. كما أطلقت الحكومة الفرنسية سنة 2015 مبادرة تهدف إلى زيادة مخزون الكربون في التربة بمعدل 0.4 في المائة سنوياً.
وفي جميع أنحاء أفريقيا، تستأجر الحكومات مساحات واسعة من الأراضي التي يستخدمها صغار المزارعين التقليديين لصالح الشركات الأجنبية من أجل زراعة الأشجار بصفتها مصارف للكربون، بهدف الحصول على أرصدة الكربون، حيث يخشى بعضهم من أن تتسارع هذه العملية، فتصبح التربة ذاتها بمثابة سلعة كربونية تحتكرها الشركات العابرة للقارات.
- منافع الممارسات المستدامة
تختلف كمية الكربون التي يمكن تخزينها في التربة حسب نوع الزراعة المطبقة، إذ تتراوح ما بين طنين في حالة زراعة محاصيل التغطية حتى 7 أطنان في حالة زراعة الأحراج لكل هكتار (عشرة آلاف متر مربع) من الأرض. وكانت دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي قد اقترحت تسعير طن الكربون بـ75 دولاراً في سنة 2030 لمواجهة التغيرات المناخية، مما يعني عائداً إضافياً سنوياً للزراعة الذكية كربونياً، يتراوح بين 150 و525 دولاراً لكل هكتار.
وفيما تشير بعض التقديرات إلى أن الدعم الحكومي للزراعة الذكية الكربونية قد يرفع سعر طن الكربون إلى ما فوق الألف دولار، فإن عدداً متزايداً من العلماء يبدي تحفظاً حول الاندفاعة العالمية للاحتفاظ بالكربون في التربة الزراعية لأسباب مختلفة، من بينها أن تراكم الكربون يحصل عادة ضمن ما يسمى بطبقة المحراث التي يبلغ عمقها 30 سنتمتراً، ويستتبع ذلك وجود عتبة فيزيائية عليا لمقدار الكربون المتراكم.
ومن ناحية أخرى، تعزز محاصيل التغطية والنباتات المعمرة ذات الجذور العميقة الأحياء الدقيقة في التربة، التي تطلق كميات كبيرة من الكربون المترسب، إلى جانب أوكسيد النيتروز. ويخلص باحثون من جامعة كاليفورنيا، في دراسة امتدت لـ19 سنة، إلى أن زراعة محاصيل التغطية تستلزم استخدام السماد العضوي لتخزين الكربون في التربة، ويظهر ذلك جلياً في أراضي حوض البحر المتوسط شبه القاحلة، مما يعني زيادة النفقات.
ومع ذلك، تؤكد ورقة علمية نُشرت السنة الماضية في دورية «نيتشر» أن المعطيات العلمية المتاحة حالياً تؤيد جدوى ممارسة الزراعة التجديدية في تخزين الكربون ضمن التربة، وإن كانت التقنيات لا تسمح بعد بقياس سرعة تراكم الكربون بدقة كافية.
وتهدف الزراعة التجديدية إلى المحافظة على النظم الغذائية والزراعية، وإعادة تأهيلها، من خلال تجديد التربة السطحية، وزيادة التنوع الحيوي، وتحسين دورة المياه، وتعزيز خدمات النظم البيئية، ودعم التفكك العضوي، وزيادة القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وتتضمن الزراعة التجديدية كذلك ممارسات مستدامة تقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري في إعادة تدوير أكبر قدر ممكن من مخلفات المزرعة، وإضافة سماد عضوي من خارجها. ومن الأمثلة التكامل القائم بين إدارة الثروة الحيوانية وزراعة المراعي، حيث توفر الأولى السماد، فيما توفر الثانية العلف.
وبعيداً عن الجدل حول قدرة التربة الزراعية على تخزين الكربون من أجل تخفيض درجة حرارة الكوكب، فإن ممارسة الزراعة الذكية كربونياً، عبر تجنب حراثة الأرض وزراعة محاصيل التغطية، أثبتت جدواها في تلطيف الآثار الحالية للتغيرات المناخية، من خلال إنقاص الجريان السطحي للمياه، والحد من تآكل التربة، وإقلال العواصف الغبارية. وهي إلى جانب ذلك تحسن إنتاجية بعض العمليات الزراعية، وتثمر ربحاً مباشراً يحفز المزارع على زيادة محتوى الكربون في التربة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».