بريطانيا تنشئ 12 برج مراقبة بمنطقة حدودية شرق لبنان لمنع تسلل «داعش»

مصادر لبنانية عسكرية لـ («الشرق الأوسط»): اعتمادنا الرئيسي لضبط الحدود على المساعدات الأميركية

بريطانيا تنشئ 12 برج مراقبة بمنطقة حدودية شرق لبنان لمنع تسلل «داعش»
TT

بريطانيا تنشئ 12 برج مراقبة بمنطقة حدودية شرق لبنان لمنع تسلل «داعش»

بريطانيا تنشئ 12 برج مراقبة بمنطقة حدودية شرق لبنان لمنع تسلل «داعش»

تولي الدول الكبرى من خلال سفاراتها في بيروت اهتماما استثنائيا لموضوع ضبط الحدود اللبنانية السورية بمسعى لمنع تمدد تنظيم داعش إلى الأراضي اللبنانية بعد أكثر من هجوم نفذه عناصر التنظيم وتنظيمات متطرفة أخرى لاحتلال بلدات لبنانية، كان أبرزها الهجوم الذي صده الجيش في بلدة عرسال الشرقية الحدودية مطلع أغسطس (آب) الماضي.
وكشف تقرير مصور أعدته صحيفة «تلغراف» اللندنية أن فريقا بريطانيا أشرف في يوليو (تموز) الماضي على بناء 12 برجا في منطقة رأس بعلبك الحدودية «لمنع سقوطها في أيدي مسلحي (داعش) وبالتالي ارتكاب مجازر بحق سكانها».
وركز التقرير على كون البلدة مسيحية وعلى أن المساعدات البريطانية منعت سقوطها بأيدي متطرفين، حتى أن السفير البريطاني في بيروت توم فليتشر اعتبر أن الأبراج جنبت البلدة «مجزرة» كما حالت دون «زعزعة كارثية» لاستقرار لبنان.
وقال فليتشر في التقرير: «(داعش) يريد انتصارات وهمية مماثلة.. يقتحم البلدة فيقوم بمجزرة ويحظى بالاهتمام المطلوب، خصوصا وأن لبنان يقوم على أساسات هشة مما قد يسفر عن عواقب مأساوية».
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية البريطانية لـ«الشرق الأوسط» إن «المملكة المتحدة تلتزم بشدة بدعم السلام والاستقرار في لبنان، ونقدم دعما بقيمة 273 مليون دولار للجيش». وأضافت المتحدثة: «منذ عام 2012. قدمت المملكة المتحدة 31 مليون دولار لبرنامج (تدريب وتجهيز) أفواج الأرض» التابعة للجيش اللبناني. وهذه الأفواج تراقب وتمنع الحركات التي تقوم بها المجموعات غير الشرعية في المناطق الحدودية التي تمتد على أكثر من 150 كيلومترا من الحدود اللبنانية مع سوريا. وأكدت المتحدثة أنه تم تدريب اكثر من 3500 جندي لبناني في معسكرات تابعة للجيش اللبناني بالاستعانة بتمويل بريطاني، ووافق البرلمان البريطاني في الشهر الماضي على تقديم 3.6 مليون جنية إسترليني إضافي لتدريب الجيش اللبناني.
وقال مايكل ستيفيز نائب مدير المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا لـ«الشرق الأوسط»: «لا تشارك القوات البريطانية في القتال بلبنان، ولكن وجودها هناك لتوفير الخدمات اللوجيستية والإمدادات».
وأعرب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في وقت سابق، عن اهتمامه بإنقاذ بلدة رأس بعلبك، وذلك بعد أن تمكن مراسل الصحيفة من الدخول إليها بصورة حصرية.
واستغربت مصادر عسكرية لبنانية مقاربة صحيفة «تلغراف» للموضوع من زاوية أن المساعدات البريطانية تم حصرها ببلدة مسيحية وبأنها كانت لتسقط بأيدي «داعش» من دونها، لافتة إلى أنه «تم اختيار البلدة لأن موقعها استراتيجي ويمكن بناء الأبراج على مسافات قريبة من بعضها البعض لتحقيق الفعالية المطلوبة». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الأبراج مهمتها الأساسية المسح والمراقبة ومن المفترض أن تكون على مسافة قريبة من بعضها البعض وموصولة بغرفة عمليات، وهذا ما أمكن تحقيقه في رأس بعلبك».
وأوضحت المصادر أن أكثر من دولة عبرت عن رغبتها بدعم لبنان في ضبط حدوده مع اندلاع الأزمة السورية، وخصوصا «بعدما أعلنا عن عدم قدرتنا على القيام بالمهمة وحدنا وضبط حدود تمتد على 360 كلم مع سوريا، وهي حدود متداخلة إلى حد بعيد». وقالت المصادر: «طلبنا المساعدة لتأمين الأجهزة اللازمة وخصوصا أجهزة تحسس وترصد حراري، بعد أن أنشأنا فوجين تم توكيلهما بالحدود البرية»، لافتة إلى أن «الألمان والبريطانيين عرضوا تقديم المساعدات اللازمة وفعلوا، إلا أن المساعدات العسكرية التي تصل للجيش لضبط الحدود ولتنفيذ كل المهمات الأخرى على الأراضي اللبنانية، هي مساعدات بمعظمها أميركية». وأشارت المصادر إلى أن «الأميركيين مستمرون بدعم الجيش حتى من دون طلب، واعتمادنا الرئيسي على مساعداتهم».
وأظهر التقرير المصور الذي نشرته «تلغراف» مشاهد التقطت من هيلكوبتر عسكرية للمنطقة الحدودية اللبنانية – السورية الشرقية، والمعروفة بطبيعتها القاحلة، كما رصدت الكاميرا قوة عسكرية لبنانية متمركزة في أحد الأبراج تستخدم أجهزة مراقبة متطورة.
وشرح أحد الضباط في الجيش اللبناني تفاصيل المهمة الموكلة إلى القوة التي يقودها، قائلا: «الهدف الأساسي لنا هو حماية بلدة راس بعلبك، باعتبار أنه وقبل إنشاء الأبراج كان تسلل الإرهابيون الموجودون في الوادي المقابل في خربة داوود سهلا إليها»، لافتا إلى أن الإجراءات الجديدة المتخذة مكنت الجيش من صد نحو 3 هجمات على البلدة مع حلول فصل الشتاء. وأضاف: «المسلحون الموجدون في الجرود يواجهون الكثير من الصعوبات مع اشتداد الظروف المناخية، لذلك يحاولون الولوج إلى البلدة لتأمين مستلزماتهم..».
القاع ورأس بعلبك هما البلدتان المسيحيتان الحدوديتان الوحيدتان في المنطقة، لذا تتركز الأنظار عليهما، خصوصا وأن «حزب الله» يأخذ على عاتقه حماية البلدات الشيعية. وقد شاعت ظاهرة «الأمن الذاتي» في هذه البلدات وببلدات أخرى حدودية، من خلال تولي عدد من الشبان عمليات مراقبة ليلية لقراهم. وقال هشام العرجا، رئيس بلدية رأس بعلبك لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود ثكنة للجيش في البلدة وأعداد كبيرة من الجنود تم تعزيزهم مؤخرا بأعداد إضافية، يترك نوعا من الطمأنينة في نفوس أهالي البلدة، الذين لا يعتبرون أنفسهم مستهدفين من قبل (داعش) فقط لكونهم مسيحيون، باعتبار أن التنظيم لا يفرق بين مسيحي ومسلم».
وأشار العرجا إلى أنه تمكن من رصد أحد أبراج المراقبة التي أنشأتها بريطانيا داخل ثكنة الجيش، «أما باقي الأبراج فلم نرها لأنها موجودة في منطقة متقدمة على الحدود، وهي منطقة خطرة لا نقصدها».
وارتأت السفارة البريطانية في بيروت بعد نشر التقرير الصحافي، إصدار بيان توضيحي لنوعية المساعدات التي تقدمها بريطانيا للجيش اللبناني، لافتة إلى أن الحكومة البريطانية أسهمت بـ273 مليون دولار للمساعدة في الحفاظ على استقرار لبنان في السنتين الماضيتين، «فتم تسليم 164 سيارة ذات دفع رباعي للجيش و1500 درع واقية، وإنشاء شبكة اتصالات لاسلكية آمنة وأبراج مراقبة على الحدود».
وصد الجيش اللبناني في أغسطس الماضي أوسع هجوم نفذه مسلحو جبهة النصرة و«داعش» بمسعى لاحتلال بلدة عرسال، مما أدى لمقتل عدد من جنوده وأسر 24 آخرين. بدوره، تصدى «حزب الله» مطلع أكتوبر (تشرين الأول) لمحاولة عناصر التنظيمين اقتحام مركزين له على الحدود في جرود بلدة بريتال. يذكر أن المملكة العربية السعودية أعلنت قبل نحو عام عن تقديم هبة 3 مليارات دولار لدعم الجيش، كما قدمت في أغسطس الماضي هبة مليار دولار إضافي لصرفه بإطار الجهود التي تبذلها المؤسسة العسكرية لمكافحة الإرهاب.



العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.