زياد بهاء الدين: لا يمكن الحديث عن «معارضة» سياسية في مصر ما دام لا يوجد «حزب حاكم»

نائب رئيس الوزراء السابق لـ («الشرق الأوسط»): أستبعد أن يكون لتيار الإسلام السياسي مستقبل في البرلمان المقبل

ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
TT

زياد بهاء الدين: لا يمكن الحديث عن «معارضة» سياسية في مصر ما دام لا يوجد «حزب حاكم»

ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)

* زياد بهاء الدين يروي لـ («الشرق الأوسط») تجربة 10 سنوات داخل أروقة الحكم في مصر بين الاقتصاد والسياسة (3 ـ 3)

* قدر للدكتور زياد بهاء الدين أن يكون دوره السياسي، أيا كان موقعه، مسبوقا بلقب «نائب».. حصل عليه للمرة الأولى عندما أصبح «نائبا برلمانيا» عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 بعد فوزه في انتخابات مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان/ 2012) الذي سمي «برلمان الثورة»، ممثلا عن مدينة أسيوط (جنوب مصر)، ثم كان «نائبا لرئيس الوزراء» في حكومة الببلاوي عقب ثورة يونيو (حزيران) 2013، وأخيرا، فإن منصبه الحالي هو نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي.
ورغم أنه كان جزءا من «تحالف 30 يونيو» الذي دشن خارطة طريق المستقبل في مصر بعد سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو (تموز) 2013، فإن نائب رئيس الوزراء السابق يرى أن ملامح الخارطة تقترب من الاكتمال بإنجاز الاستحقاق الثالث فيها وهو الانتخابات البرلمانية، إلا أن المناخ المحيط بها وبالعمل السياسي في مصر غير مرضٍ، من وجهة نظره. كما يؤكد أن الحياة السياسية المصرية في مأزق بسبب ضعف الأحزاب، خاصة بعد غياب حافز المشاركة الحزبية بسقوط «الإخوان».
ويوضح الدكتور زياد بهاء الدين في الجزء الأخير من حواره المطول مع «الشرق الأوسط»، أن الاعتماد على المؤسسات الوطنية العسكرية والأمنية وحده غير كاف للقضاء على الإرهاب، مشيرا إلى أن إحدى أهم وسائل مواجهة الإرهاب تكمن في تماسك المجتمع، وحسب رؤيته، فإن ذلك يتحقق من خلال اقتصاد قوي، وحياة حزبية حقيقية تطرح للناس أفكارا ورؤى، «كما أن التمسك بالدستور والقانون في هذه اللحظة دليل على قوة أمام الإرهاب، وبالعكس، فإن تعطيل الدستور وإهمال تطبيق القانون هو تسليم بأن الإرهاب انتصر». وإلى نص الحوار:

* هل شعرت بالندم على قبولك الانضمام لحكومة الببلاوي؟
- لم أشعر بالندم مطلقا على هذا القرار، ربما نسيت الناس الظروف وقت «30 يونيو» وبعدها.. كان الموقف بحاجة إلى أشخاص مستعدين للتصدي لمسؤولية منع الدولة واقتصادها من الانهيار، وأظن أن حكومة الببلاوي قامت بذلك وبواجبها تجاه الملف الاقتصادي وأنقذت البلد من انهيار اقتصدي وشيك. وبنفس القدر غير نادم على الإطلاق على الاستقالة، أو الوقت الذي اخترته للاستقالة عندما أصبح هناك خلاف سياسي واضح بيني وبين معظم أعضاء الحكومة على مستقبل المسار الديمقراطي.
* هل ترى أن خروجك من الحكومة، كان نقطة النهاية لتحالف «30 يونيو»؟
- ليس خروجي وحدي فقط «حتى لا أعطي لنفسي وزنا أكثر مما ينبغي»، لكنه كان مفاجئا أن هذا التحالف - الذي كان من البداية، للأمانة، لا يمكن التصور أن يستمر طويلا - انهار أسرع مما ينبغي، وغلب على المشهد طابع «تصفية الحسابات» بأكثر مما تحتمل اللحظة. كما كان الأمر كله بمثابة مؤشر على ما أمثله أنا وحزبي.. لم يعد مقبولا في منظومة الحكم.
* لماذا تعرضت لهجوم إعلامي حاد في آخر أيام عملك بالوزارة وكذلك بعد خروجك منها؟
- أرى أن جزءا منه كان نتيجة خلاف حقيقي في وجهات النظر، وبالتالي كان بحسن نية يتفق وأي خلاف سياسي، لأنها كانت لحظة فيها اضطراب شديد واستقطاب شديد وخوف شديد من المستقبل. لكن أظن أن جانبا منه أيضا كان فيه تعمد الإساءة، وهي ليست إساءة لشخصي، وإنما لتيار أنتمي إليه أُطلق عليه وقتها «التيار الديمقراطي» داخل الحكومة.. كانت فيه رغبة في إجهاض أي حلول سياسية مختلفة للمخاطر والتحديات التي يواجهها البلد، والاعتماد على الحل الأمني وحده دون إعطاء الفرصة لأي تناول سياسي، وبالتالي تم تشويه موقفهم واتهامهم بكل شيء لكي يسهل إسكات كل صوت يعبر عن رأي مختلف داخل الحكومة وخارجها.
* الكتابة هي السلاح الأخير الذي لجأت إليه للنقد والمعارضة السياسية بعد أن شاركت في ثورتين.. هل سيكون هذا هو اختيارك الأخير؟
- نعم هو اختياري الحالي، بالإضافة إلى العمل الحزبي، ولكنه ليس الأخير. اختياري في كل الأحوال ليس الخروج من الساحة، ولم أترك مصر ولا العمل العام، والكتابة ليست السلاح الأخير، بل هي إحدى الأدوات. في الوقت الحالي، اخترت أن أكون مشتركا في العمل العام من خلال العمل الحزبي ومن خلال الكتابة، ومن خلال المشاركة في الحوار الدائر في المجتمع بشكل عام خارج الإطار الحزبي والكتابة.. من خلال لقاءات فكرية وحلقات نقاشية. كذلك الكتابة هي أداة تصلح لشخص كان في العمل التنفيذي والبرلماني ويحتاج إلى تقييم الوضع، ويقول إنه غير منسحب من الساحة ولا ينوي ترك البلد.
أعتقد أن الاهتمام والانخراط في العمل العام مسألة طويلة المدى، لكن الشخص عليه أن يقدر في نفس الوقت، ما التوقيت المناسب لكي يكون في مقدمة الصفوف، وما الوقت المناسب أكثر لكي يتراجع خطوتين ويظل مساهما من موقع خلفي.
* هل ترى أن هناك حياة سياسية حقيقية في مصر حاليا؟
- الحياة السياسية المصرية في مأزق، وليس سببه طرف واحد، بل أطراف مختلفة. النشاط الحزبي لا يتعرض لضغوط ولا مضايقات مثلما يحدث للمجتمع المدني الآن، لكن هو في مأزق، لأنه يخرج من مرحلة إلى مرحلة مختلفة تماما. مرحلة ما بعد ثورة «25 يناير» مباشرة وإلى «30 يونيو»، كانت الناس متطلعة فيها للأحزاب باعتبارها وسيلة للتعبير وشحذ همة المجتمع ولعب دور فعال، إما في دعم مشروع الإسلام السياسي أو مقاومته. أما بعد «30 يونيو»، فالأمر اختلف تماما، فكثير من الأحزاب الإسلامية اختفت من الساحة؛ مثل الحرية والعدالة (الإخوان)، وعلى الجانب الآخر، فإن الكثير من جمهور الأحزاب المدنية، السياسة بالنسبة له مرحلة انتهت بانتهاء حكم الإخوان، وهو ما يعني أن حافز الاشتراك في العمل الحزبي انتهى.
الجانب الآخر، هو وجود خطاب يطرح منذ فترة، وهو فكرة أن تقدم المجتمع اقتصاديا واجتماعيا لا يحتاج أحزابا، وأنه سيكون أفضل حالا من دون أحزاب، وأن وجود رئيس منتخب وشعب يقدره يكفي، وليس هناك حاجة للعمل السياسي أو الحزبي، ووصفت الأحزاب بأنها «كرتونية»، والسياسة بأنها أصبحت عملا «ترفيا».
يضاف إلى ذلك، أن الأحزاب بعدت عن الشأن الجماهيري أكثر من اللازم.. فلا شك أنه من عواقب تركيبة جبهة الإنقاذ، وجمع كل الأحزاب المدنية على قضية واحدة فقط؛ وهي إسقاط حكم الإخوان، أن الأحزاب بعدت عن المعايشة الحقيقية لهموم المواطنين من تعليم وصحة وزراعة.. إلخ. هذا أدى إلى انحسار العمل الحزبي، وهو لا يعني بالضرورة اختفاء الأحزاب، بل تراجع الأحزاب التي لديها فكر وبرنامج، أمام الأحزاب المعتمدة فقط إما على التمويل أو التربيطات القبلية، ولا تقدم بديلا فكريا أو سياسيا بالضرورة.
* ما تقديرك لحجم اللوم الذي يقع على الدولة في ارتباك الحياة السياسية؟
- عليها لوم فيما يتعلق تحديدا باستمرار نفس الحالة المضطربة في التشريع الدستوري. وهذا الجزء الذي تلام عليه الدولة.. قانون الانتخابات الحالي مثلا ليس فقط به أخطاء جسيمة، بل لا داعي لبعض نصوصه.. لماذا أقر نظام انتخابات بالقائمة المطلقة؟ فالغرض من انتخابات القوائم هو إعطاء فرصة للتمثيل النسبي للأحزاب المختلفة، فكيف تفوز قائمة بها 45 شخصا لمجرد حصولها على نسبة 51 في المائة من أصوات الناخبين. هذا القانون يدفع دفعا إلى أن يكون اختيار مرشحي القوائم اختيارا أشبه بالتعيين منه بالانتخاب.
* هل أنت راضٍ عما تحقق في خارطة الطريق التي أعلنت عقب عزل مرسي في 3 يوليو 2013؟
- خارطة الطريق التي ظهرت للرأي العام عقب «30 يونيو» كان بها ثلاثة أركان رئيسية: انتخابات رئاسية، ودستور، وانتخابات برلمانية.. فمن ناحية ما تم وما لم يتم، فقد تحقق ثلثاها، بانتخابات رئاسية جيدة، ودستور بشكل عام مقبول بـ«علاته» أو بعض المآخذ عليه، في حين يبدو الثلث الأخير على وشك أن يتحقق في ضوء التصريحات الأخيرة للمسؤولين.
لكن هناك أمران كنت أتمنى تحقيقهما؛ أولا الالتزام بشكل أكثر دقة بأحكام الدستور. فيما يبدو كما لو كان الدستور صدر كمستند عليه توافق كبير لكننا اخترنا أن نعطل بعض جوانبه وبعض الحقوق والضمانات التي يحميها، وهذا أمر غير مقبول. ثانيا، هو أننا نتراجع عن فكرة كنا نروج لها في الماضي، فالإخوان كانوا يستندون لما سموه «شرعية الصناديق»، وكان ردنا أن الصناديق ليست كل شيء، بل هي نتيجة لمسار طويل وضمانات وحقوق.. إلخ.
خطوات خارطة الطريق تتحقق، لكن المناخ الذي حولها غير مرضٍ.. ومثال على ذلك، قانون الجمعيات الأهلية، وقانون توافر المعلومات أو حرية المعلومات، واحترام حق التظاهر السلمي.. وكلها قوانين تتعارض مع توفير المناخ العام المواتي للديمقراطية.
* زاد الجدل في الآونة الأخيرة حول الدستور.. هناك من يطالب بتعديل، ومن يقول إنه بالفعل تم تعطيل بعض مواده، ما تعليقك؟
- الاختيار الأمثل والوحيد في تلك المرحلة هو احترام الدستور كما هو بـ«علاته».. هناك مواد قد لا تكون مناسبة، أو حسمت على عجل مثلا، ومسائل لم تجرب من الممكن أن يعاد فيها النظر، لكن استمرار الدستور لفترة من الوقت أمر مهم جدا.. الأهم من ذلك أنه يجب أثناء العمل بالدستور وعدم تعديله، هو احترامه.
* كيف يستعد الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي للانتخابات البرلمانية؟
- الحزب وإن كان أبدى اعتراضه أكثر من مرة على أشياء أساسية لها علاقة بالانتخابات، منها بالطبع قانون الانتخابات، وغموض موعد الانتخابات، وعدم حسم تقسيم الدوائر الانتخابية، لكن الحزب دائما ما يرفض الخيار السهل وهو مقاطعة الانتخابات، ونعتز بأننا لم نقاطع أي فعاليات انتخابية بما فيها الاستفتاء على دستور الإخوان، وكان موقفنا أن نصوت بـ«لا»، فدخول الانتخابات ليس مهما للحصول على مقعد أو منصب، بل هو فرصة لطرح أفكار مختلفة على الساحة. والحزب يدرك أنه يدخل انتخابات في ظروف غير مواتية بسبب ما ذكرته، وبسبب عزوف الناس عما تقدمه الأحزاب الديمقراطية. لكن في هذا الإطار، مهتمون بدخول الانتخابات، خاصة الانتخابات الفردية، ونعتبر أنها الانتخابات الحقيقة التي ستجرى على الأرض، وليست انتخابات القائمة.
* وهل تمت دعوتكم لما يسمى بـ«قائمة الجنزوري الموحدة»؟ وما موقفكم الحزبي منها؟
- نحن في تفاوض مع قوى مختلفة.. كل الأحزاب التقى بعضها ببعض. والتقى رئيس حزبنا بالجنزوري، لكننا نفضل ألا يكون هناك وجود لقائمة هي أقرب للتعيين منها للانتخاب، فهي ستفوز بحكم اتفاقات الأحزاب وليس بحكم اختيارات الناس لها.
وما زلنا في تحالف الوفد المصري، هو تحالف لانتخابات المقاعد الفردية، أما فيما يتعلق بالقوائم، فلم تحسم بعد. ونحن أيضا قريبون من التحالف الديمقراطي، ونعمل على إقناعهم بالدخول معنا في التحالف، ويهمنا أيضا وجود «المصريين الأحرار»، وسنتمسك في النهاية بعدم الدخول في تحالفات لا تعبر عن رأينا.
* انقسم المجتمع إلى فريقين؛ أحدهما يحذر من عودة الفلول، والآخر مرعوب من تسلل الإخوان والإسلاميين بشكل عام إلى البرلمان.. أين يقف حزبك من الفريقين؟
- حزبي يتميز بأنه من الأحزاب القليلة التي تأخذ مبدأ عدم الإقصاء مأخذ الجد. نتمسك بوجود معايير واحدة لدخول الانتخابات؛ أهمها ألا يكون حزبا من الأحزاب التي ترفض المسار القانوني أو الديمقراطي، وتنبذ العنف، أو لا تقبل التمييز بين المواطنين. ويكون للمرشحين أيضا معايير، وهي ألا يكون المرشح قد ارتكب جريمة أو ثبت بحقه ارتكاب فساد أو قتل أو تعذيب. والباقي يترك للمواطنين. وأنا مستعد لقبول أي نتيجة تأتي بهذه الشروط، ولا يهم بعد ذلك من أي حزب سواء من أحزاب ما قبل الثورة أو بعدها. وأستبعد أن يكون لتيار الإسلام السياسي فرصة هذه المرة، لأن التيار العام رافض تماما للبديل الإخواني.
* إلى أي مدى ترى إمكانية احتواء تيارات الإسلام السياسي في الحياة السياسة في مصر في اللحظة الراهنة؟
- إذا كان الاحتواء معتمدا على الحل الأمني فقط وعلى إجراءات التخويف وحالة الاستعداء الإعلامي المبالغ فيها، فهي سياسات خاطئة ستؤدي إلى نتائج عكسية بمرور الوقت.
أما إذا أردت أن تواجه تيارا من هذا النوع، فليس أمامك سوى أن تفتح المجال للأحزاب الأخرى، وللمجتمع المدني وللقوى السياسية لأن تحارب في هذه المعركة على أرضية سياسية، وليس بأن تقضي على الحياة السياسية معتمدا فقط على سطوة الدولة في مواجهة هذا التيار.
* من الممكن الرد بأن المجلس العسكري قام بذلك فعلا بعد ثورة يناير، فاختطف التيار الديني السلطة وكاد يبدل هوية الدولة فثار التيار الديمقراطي وانقض على تلك التجربة التي تطالب بإعادة إنتاجها مرة أخرى؟
- لم ننقض.. نحن قبلنا بالنتيجة الديمقراطية سواء في انتخابات مجلس الشعب أو في الرئاسة. في الحالة الأولى صدر حكم محكمة ترتب عليه حل البرلمان، وخسرنا مقاعدنا كما خسرها الإسلاميون. وفي الحالة الثانية قبلنا بنتيجة الانتخابات واختيار محمد مرسي دون أي تحفظ على مشروعيته، ولم نغير موقفنا إلا عندما انحرف مرسي وحكومته عن المسار الديمقراطي الذي جاء به. نحن كنا بداية الحراك الشعبي الذي في نهايته تحول إلى ثورة وإلى دخول الجيش في اللحظة الأخيرة قبل أن يحدث اقتتال داخلي يصل بنا إلى حرب أهلية.
* أليس من الوارد أن يحدث الاختطاف نفسه مرة أخرى؟
- أنا مستعد لقبول أي نتيجة تأتي من خلال مسار ديمقراطي سليم أيا كانت، على أن نظل نحترم هذا النظام الديمقراطي حتى نهايته. وألا يستخدم فقط كأداة للوصول للحكم ثم ينقض عليه.
* هل ترى أن النظام المصري الحالي مهتم بوجود معارضة فاعلة في النظام السياسي؟
- المشكلة في مصر لا تتعلق بالنظام وحده، بل هناك رأي عام أصبح معاديا لفكرة العمل السياسي والمعارضة السياسية، وهناك شعور بأن مصلحة البلد تقتضي الاصطفاف وعدم كسر الصف. وهذه فكرة أوافق عليها في بعض التحديات الكبرى، لكن يجب أن يكون هناك إدراك في الرأي العام بأن الاختلاف في الرأي في الشؤون الاقتصادية أو الاجتماعية أو تسيير الدولة، أمر ضروري وليس عيبا.
الديمقراطية ليست نظاما لمصلحة الشعب وحده، بل أكثر من يستفيد منه هو الحاكم، فالديمقراطية ليست الوقوف في طوابير انتخابية لتختار، بل معناها أن الناس أصبحت شريكة في القرارات التي يأخذها الحاكم، وتدافع عنه، وتشعر بأنها جزء من ذلك، وتتروى في انتقاد سياسته التي اختارتها معه. عندما تغلق كل تلك القنوات يصبح الحاكم هو المسؤول الأوحد الذي يحاسبه شعبه على كل خطوة.
* هل النظام الحالي لديه الاستعداد لذلك؟
- النظام العام في مصر سواء في الدوائر الرسمية أو الرأي العام متحفز ضد وجود معارضة، لأنه ينظر إليها على أنها تشق الصف الوطني المشغول بتحديات كبيرة. الأحزاب القائمة لا ترتقي أصلا لقوة حزب معارض، كما لا يمكن الحديث عن معارضة طالما ليس هناك حزب حاكم.
* ما تقييمك لـ«الحرب على الإرهاب» في مصر؟
- المعركة التي تخوضها الدولة وأجهزتها حاليا مهمة طبعا وأساسية ولا يملك أي شخص إلا أن يصطف وراءها، سواء بشكل شخصي أو حزبي، وليس لدي إلا كل التأييد والدعم لمجابهة العمل الإرهابي في مصر بمنتهى الحزم وبمنتهى القوة وبفكرة الحشد العام والتعبئة العامة للبلد لمواجهة خطر كبير جدا، وقد رأينا عواقبه في بلاد مجاورة وما يمكن أن نصل إليه، وهذا ليس محل جدل.
وما سوف أقوله سيكون انطلاقا من هذا وليس انتقاصا منه؛ إن الاعتماد على المؤسسات الوطنية العسكرية والأمنية وحدها غير كاف للقضاء على الإرهاب، حيث إن إحدى وسائل مواجهة الإرهاب هي تماسك المجتمع، ويتحقق ذلك من خلال اقتصاد قوي، وحياة حزبية حقيقية تطرح للناس أفكارا ورؤى، كما أن التمسك بالدستور والقانون في هذه اللحظة دليل على قوتك أمام الإرهاب، وبالعكس، فإن تعطيل الدستور وإهمال تطبيق القانون هو تسليم بأن الإرهاب انتصر عليك.
* هل ترى أن الدولة المصرية غير قادرة على هزيمة الإرهاب؟
- بالعكس، واضح أن المؤسسة العسكرية والشرطة، قادرة على مواجهة أخطار الإرهاب، بالتعبئة والحشد والإصرار رغم ما تقدمه من تضحيات.
حقيقة لا أملك معلومات عن النتائج على أرض الواقع، لكني أعتقد أن الانتصار على الإرهاب هو انتصار في الأفكار وليس بضرب المواقع العسكرية فقط.
* بعد 10 سنوات من العمل العام بين السياسة والاقتصاد، هل تشعر أننا وصلنا إلى لحظة يأس تجعلنا نقول إن المصريين لا تناسبهم الديمقراطية على الطريقة الغربية، أم إن هذه الديمقراطية لا تصلح لإدارة دولة بمتناقضات وأوضاع مصر؟
- لا أعتقد أن مصر وصلت لطريق مسدود في قصتها مع الديمقراطية، وأعتقد أن المصريين عندهم رغبة وتطلع لمجتمع أفضل.. لديهم مخاوف مشروعة تماما من الوضع الاقتصادي، والوضع الأمني، ومن المعركة مع الإرهاب، لكن هذا لا يعني تنازلهم عن بناء مجتمع أفضل وأكثر عدالة وأكثر حرية. ما نمر به هي مرحلة ضرورية بعد ثورة شعبية بدأت في يناير 2011 واكتملت في يونيو 2013، وعندي أمل كبير وقناعة حقيقية بأنه في نهاية المطاف سنجد طريقا إلى توافق ما، وأقصد بوضوح التوافق مع المجتمع كله وليس مع تيار محدد، توافقا يغلق ويطوي صفحة خلافات كثيرة جدا.
* في تجربتك السياسية، كنت شاهد عيان على كثير من الانتخابات، وعايشت اختيارات المصريين المتقلبة، التي جعلت «الصندوق» هو «السلم» التي تصل من خلاله تيارات فاسدة للحكم وتقصي كل ما هو جيد ومحترم.. ما تعليقك؟
- لا أشك في أن الناس في النهاية تحسن الاختيار، المشكلة في الضوابط والقوانين والمسار الدستوري المعيب.. الناس تختار وفي وجهة نظرها أن اختيارها صحيح، كما أنه لا يوجد بلد في العالم بدأ تجربة ديمقراطية ووصل لمرحلة مستقرة ومرضية في خطوة واحدة.. سوف نجد يوما ما طريقنا للديمقراطية ونعبر مراحل مختلفة كي نصل للطريق الصحيح، وهذا لا يعني إطلاقا أن المصريين غير قادرين أو غير مستحقين الديمقراطية.
* ما دلائلك في السنوات العشر على أن المصريين حين تتاح لهم الفرصة، فإنهم يحسنون الاختيار؟
- مبدئيا لا بد أن تستبعد الانتخابات التي كانت فيها شبهة تزوير، وتستبعد أيضا النتائج التي يكون فيها المناخ المحيط بالانتخابات غير نزيه.. الديمقراطية ليست هي الاصطفاف أمام الصناديق بالملايين، هي منظومة متكاملة.
قبل أن تحاسب الناس، عليك أن تبني أولا هذه المنظومة وتقبل بها بأكملها، بمعنى أن يكون هناك نشاط حزبي حر، وتكون هناك ضوابط على التمويل، وعلى استخدام دور العبادة، وأن يكون هناك مجتمع مدني نشط، ويكون فيه إعلام مستقل.. إذا وضعت هذه الضوابط، فسيكون من الطبيعي أن يكون اختيار الناس سليما ويعبر عن رغبتهم الحقيقية.
* في عام واحد، قال 12 مليون مصري «نعم» لدستور الإخوان، ثم قال العدد نفسه أيضا «نعم» على الدستور الحالي (دستور لجنة الخمسين)، قد يكون أكثر من 75 في المائة منهم قد وافقوا في المرتين رغم التعارض التام بين دستور يختطف مصر نحو مرجعية دينية، وآخر يعيدها إلى شخصيتها المدنية؟
- الناس هنا تختار شيئا واحدا وتقوله بصوت عالٍ، لكننا لا نريد أن نسمعها أو نفهمها.. الجماهير تقول إنها تختار ما يمكن أن يكون أساسا لإجماع الوطن، يقولون إنهم يختارون ما يمكن التوافق عليه، مصر تحتاج إلى أن تجد طريقها نحو التوافق الوطني، سَمِّه «مصالحة» أو «مبادرة».
إن الاندفاع في رفض كل أشكال التوافق الحاصل الآن، لا أعتقد أنه اختيار شعبي، أظن أنه اندفاع وحماس إعلامي، لإضعاف الحياة السياسية، وهذا هدف لدى بعض القوى في المجتمع، لكن اختيار الناس في غاية الاتساق.. هم يكادون يقولون لنا: «اتفقوا واحنا معاكم».. لكن «احنا مش عاوزين نتفق».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.