مصر.. سياحة خجولة ما بعد الثورات

سياحة خجولة لا تخلو من المناظر المؤثرة

ليل القاهرة.. مشهد لا يشبه نهارها
ليل القاهرة.. مشهد لا يشبه نهارها
TT

مصر.. سياحة خجولة ما بعد الثورات

ليل القاهرة.. مشهد لا يشبه نهارها
ليل القاهرة.. مشهد لا يشبه نهارها

«لدينا كل أغاني ألفيس بريسلي هنا»، قالها جورج وهو يلقي بمنشفة وضعها على رأسه وراء كتفه. وجورج (70 عاما) من مقاطعة ايسيكس بالمملكة المتحدة، كان يرتدي زيا مصريا تقليديا لحفلات الجلابية بالقارب، وهو إلى حد ما أحد المتحمسين.. فتلك هي الرحلة النيلية رقم 20 التي يقوم بها برفقة زوجته.
وقال جورج: «شعرت بالخوف أول مرة قمت فيها برحلة نيلية، واليوم أشعر بالشيء نفسه، أردت اليوم وأصدقائي تجميع أكبر عدد ممكن من الركاب حيث يتسع القارب لـ80 شخصا، ولكن وكما ترين لا يوجد سوى 12 شخصا فقط على متن القارب.. ولكن وفي الوقت نفسه إنها فرصة للتمتع بالهدوء على سطح المركب، حيث نحتسي المشروبات حول حمام السباحة مرتدين عباءاتنا، ونتابع الأمسية الترفيهية للرقصات النوبية، وأغنية (ماكارينا)، ونمتع نظرنا بأجمل المناظر.. إلى اليمين تقع قبور النبلاء المضاءة في أسوان، وهناك رسا بنا القارب في المساء. وإلى اليسار كانت النجوم تعكس نورها على المآذن والشوارع في المدينة».

* الرحلات النيلية

* خلدت الكاتبة الإنجليزية أغاثا كريستي الطريق على طول نهر النيل في كتاب لها بعنوان «الموت على النيل». عبرنا بين المدن القديمة في الأقصر وأسوان على مدى 5 أيام، في قارب خال تقريبا، ومشاهد مهولة لحياة تفتقر إلى السياحة الفاخرة في هذا العصر؛ حيث يسبح الأطفال عند ضفاف النهر، ويلوحون بحماس، ويرحبون بنا بلفظة «مرحبا»، وعلى جانبي النهر تنتشر أشجار النخيل والجوافة وبيوت باللون الأحمر والبرتقالي، وتبدو كأنها تحترق تحت أشعة شمس المغيب. كنا نتكئ على شرفتنا لنشاهد كل ذلك، فإن مصاعب مصر الأخيرة تبدو بعيدة بعد العالم عنا. ولكن، وكما ذكرت السيدة كريستي في روايتها، هناك ثيمة قاتمة في بيئتنا المحيطة.
أخذنا وقفة قصيرة على طول الطريق لنشاهد وادي الملوك؛ وهو الجبل الشاسع الذي يضم قبور ملوك الفراعنة ويعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، وهناك مقبرة الملك توت عنخ آمون نفسه. اجتزنا مجموعة من البائعين بصعوبة بسبب الزحمة في سوق شعبية صغيرة، وانتهى بنا المطاف في قاعة هادئة بشكل كبير. وتردد صدى صوت المرشد السياحي إسلام وهو يشرح لنا تاريخ المنطقة المحيطة بنا. حيث قال: «كان يأتينا 10 آلاف سائح إلى هنا في كل عام قبل الثورة». قالها ونحن نعتلي ظهر العربة الخفيفة مع 7 أشخاص آخرين. ولم يخف إسلام سرا عندما قال لنا إننا أول مجموعة سياحية يعمل معها منذ 3 أشهر.
تعد مصر من أقدم الوجهات السياحية في العالم، فهي مهد الحضارة؛ حيث جرى اختراع البناء بالحجارة، ولكنها تنتقل سريعا لكي تشتهر بمعالمها السياحية المهجورة. محطتنا الأولى كانت عند معبد الكرنك ومعبد الأقصر، اللذين يعبران عن تلك الحقيقة الحزينة.. فبدت مدينة الأقصر كمدينة أشباح. إن استكشاف آثار مصر القديمة دون التداخل من الحشود الكثيرة وعدسات الكاميرات المزعجة كان بمثابة حلم سريالي رائع. جلسنا بهدوء في معبد كوم امبو لمشاهدة الغروب، وتسكعنا حول المنحوتات الحجرية الرائعة لأول ملكة فرعونية، حتشبسوت، في هدوء أشبه بالغيبوبة، لم يقطعه إلا أحد المرشدين المتحمسين لوجودنا.

* هل مصر آمنة للزيارة؟

* مضى على مصر عام بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، ومضى عليها 3 أعوام منذ اندلاع أول ثورة هناك، وخلع حسني مبارك الذي أمضى أطول مدة رئاسة في تاريخ مصر، ولا تزال تتعافى من أسوأ حالات عدم الاستقرار التي واجهتها نتيجة لذلك، منذ عقود. وعانت منطقة شمال سيناء من وجود الإرهاب هناك وعدم القيام بما يجب لجذب السياحة مجددا إلى تلك المنطقة.
تبتعد بؤر التوتر، مع ذلك، أميالا عن أي منطقة من المناطق السياحية المهمة، بما في ذلك، وأكثرها أمانا، مدينة شرم الشيخ في جنوب سيناء، التي تبتعد أيضا أميالا عن أي مكان آخر. وفي الحقيقة، فإن معارك الجيش المصري الحالية ضد الإسلاميين، تعني أن القاهرة، على وجه الخصوص، في كل يوم جمعة من التواريخ المهمة، تكون في حالة تأهب للمتاعب. ولقد كانت هناك حالتان خلال فترة إقامتي بالبلاد، ولكنهما لم تسفرا عن شيء يذكر. ولم يعد السياح الغربيون مستهدفين، ووزارات السياحة الدولية ليست لديها قيود على مواطنيها حيال زيارة مصر. وعلى الرغم من ذلك، ووفق التطمينات الصادرة عن وزارة السياحة المصرية، فإن الدولة حاليا «هادئة ومستقرة»، وإن الجماهير المعتادة محافظة على ابتعادها المعهود.
ذكرى السنوات الثلاث الصاخبات في مصر تأتيك في طريقك إلى القاهرة العاصمة من المطار؛ حيث تتخلل لوحات الإعلانات التي تصور نجوم الفن والدراما المشهورين جدرانا تحمل شعارات مكتوبة منددة بالشرطة أو بالرئيس السابق محمد مرسي. وميدان التحرير، وهو مفترق طرق كبير مليء بالسيارات وأبواقها العالية، كان يعد نقطة محورية في أحداث الثورة. وفي مكان قريب، يغرق شارع محمد محمود الشهير في الألوان النابضة بالحياة، والصور السريالية الرائعة ووجوه شهداء الاحتجاجات. ولا تزال الطلاءات حديثة؛ مما يعد طبقة جديدة على تاريخ مصر الزاخر.

* ما يجب القيام به في القاهرة

* قال أحمد، وكان يتحدث بحذر: «إننا نشعر بالأمان الآن، ولكن قليلا فقط»، ونحن نحتسي الشاي في غرفة معيشته بمنطقة الزمالك الزاهية الهادئة في القاهرة، وهي حي الأثرياء الذي تنتشر فيه المحلات العصرية والمطاعم الراقية، حيث تنتشر في غرفته ملصقات «الاتجاه الواحد» لابنته وصور أفراد العائلة. قبل 3 سنوات، وفي ذروة عدم الاستقرار بالمدينة، كان على أحمد ونجله حراسة منزلهما ببنادق الصيد. وكانت حالة عدم الاستقرار في العام الماضي إبان حكم الرئيس مرسي قد جعلت الأسرة تخشى مجرد المسير في الشوارع. وفي وقت سابق من حديثنا كنا نتناقش حول المطاعم الجديدة ومقاهي الشاي التي انتشرت سريعا.
لا تساوي مطاعم القاهرة الجديدة بطبيعة الحال، إلا وفرة القطع الأثرية التي تعكس قرونا من الحضارة الإنسانية. ويستحق المتحف المصري زيارة مستقلة، حتى لو كان الوصول إليه سيرا على الأقدام يعني إتقان فن التنقل بين طرق ميدان التحرير المحفوفة بالمخاطر والتحويلات الأمنية للأسلاك الشائكة الجديدة. وفي الداخل، لا يوجد تدافع بين السائحين، بل أكداس من الآثار القديمة ذات الشهرة العالمية؛ بما في ذلك مومياوات الفراعين والملكات الشهيرة، التي لم تنجُ من آلاف السنين فحسب؛ بل ومن نهب المتحف كذلك خلال الانتفاضات، والتي تبدو في أماكنها مكدسة بعضها فوق بعض لضيق المساحة: وهو أحد الأسباب وراء بناء مبنى أكثر أمنا للمتحف في الجيزة.
وتعد القاهرة القبطية من أحد المواضع السياحية المهمة، ويسهل الوصول إليها من خلال مترو الأنفاق من وسط المدينة. وحي القاهرة الإسلامي القديم، وسوق خان الخليلي، الذي لا يزال يعج بالنشاط والحركة كما كان، يجعل أحدنا دائم الذكرى لمنطقة الشرق الأوسط في الماضي مع مآذنها الأصيلة، والبيوت القديمة، والمحال التي تبيع المنتجات النحاسية والتحف، بجانب الأدوات السياحية الكثيرة. ويتوج قلعة المنطقة مسجد محمد علي ذو التصميم العثماني مع مساحته الداخلية التي يعمها الهدوء وبرودة الجو.
وفي رحلة نهارية إلى محافظة الجيزة البعيدة عن القاهرة، ركبنا الخيول بالقرب من الأهرامات الشهيرة (وهي مدرسة ركوب الخيل المتميزة من حيث الرعاية المتفوقة للحيوانات). وبعد ركوب الدراجة الرباعية حول صحراء سقارة عند سفح الأهرامات، استمتعنا بميزة استكشاف المحيط الداخلي لأحد أهرامات دهشور، ورؤية الصحراء الشاسعة من أعلى الهرم. ويأتي ليل القاهرة في حي خان الخليلي حيث عرض الدراويش المولوية. ولكن بعد يوم طويل من الاستكشاف، كان ركوب الفُلُوكَة النيلية الملونة تجربة مثالية ورؤية للمدينة المزدحمة من مسافة بعيدة في المياه.

* الأكل والنوم في القاهرة

* هناك خيارات لا حصر لها للأكل في القاهرة، سواء من حيث المطبخ العربي أو الدولي.. ومن بينها مطعم «سيكويا»، وهو مطعم أنيق في الهواء الطلق على رصيف دائري يتسق مع نهر النيل، وهو مطعم متخصص في المزة العربية، وهو «مكان يستحق الزيارة» على حد وصف أحد الشبان المحليين. وهناك مكان آخر يتمتع بشعبية أيضا وهو مطعم «أبو السيد» الذي يقدم الطعام العربي وسط ديكورات جريئة وإضاءة رائعة. وهناك مطعم خان الخليلي المجدد حديثا وعلى نحو ملائم ويعد واحة تقليدية داخل حي خان الخليلي نفسه، ويقدم المزة العربية اللذيذة والعصائر الطازجة. وأعلى فندق «نيل الزمالك» هناك حانة تجمع بين الطعام من مختلف القارات مع المنظر الرائع، وهو مكان مثالي لتجربة الشيشة. وبالنسبة للمطاعم الراقية، هناك مطعم «لابوديجا»، في الزمالك أيضا، ويقدم الأطباق العالمية عالية الجودة في محيط من تصميمات «أرت ديكو».
تميل أفضل فنادق القاهرة إلى أن تكون لها واجهة على النيل، واثنان منها وهما فندق «فور سيزونز» وفندق «كمبينسكي» بهما حمامات سباحة رائعة أعلى سطح الفندق بجانب الحانات. ويستحق فندق «كمبينسكي» الزيارة لأجل بوفيه الغداء الممتاز ليوم الجمعة مع صالة الشوكولاته. وهناك اختيار رائع آخر، وهو فندق «سميراميس إنتركونتيننتال» مع مدخله الكبير عالي السقف من الرخام، الذي يضم مطعما تايلانديا أصيل وساحرا. وأولئك الذين يسعون لتجربة مصرية تاريخية وأصيلة، مع ذلك، ينبغي عليهم الإقامة في فندق «ويندسور» في وسط القاهرة.
قد لا تزال مصر تعاني من بعض التقلبات السياسية، ولكن هناك مزيد من الأسباب لزيارتها أو عدمها. وبالطبع، عامل السلامة من الأهمية بمكان، حتى مع كون مصر حاليا ليست على مستوى الخطورة الذي ينقل عنها. ومن ناحية أخرى، فليس من المحتمل أن يكون هناك وقت آخر يمكنك فيه زيارة أكبر مدن الشرق الأوسط وأن تتمتع بالجمهور الحصري في وسط العجائب الشهيرة والمعروفة على مستوى العالم.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.