بدائل البلاستيك... من خلايا أعشاب البحر

نجاح وتطوير رغم «كورونا» وحماس متواصل للتخلص من ملوثات البيئة

منتجات «فوتبرنت» البديلة للبلاستيك
منتجات «فوتبرنت» البديلة للبلاستيك
TT

بدائل البلاستيك... من خلايا أعشاب البحر

منتجات «فوتبرنت» البديلة للبلاستيك
منتجات «فوتبرنت» البديلة للبلاستيك

تعمل الشركات التجارية على تطوير حلول بديلة للبلاستيك ذي الاستخدام الواحد. وقد برزت منها حتى الآن منتجات من خلايا الأعشاب البحرية والفطر، التي أظهر الناس اهتماماً ملحوظاً بها... لم يتراجع حتى خلال انتشار وباء كورونا المستجد.

تراجع «وبائي»
وقد ساهم الوباء والمخاوف من انتشاره في هدر سنوات من الجهود المضنية التي سعت لحثّ الأميركيين على القيام بأمر بسيط: إحضار أكياسهم الخاصة إلى محال البقالة والتوقّف عن استخدام الأكياس البلاستيكية.وهكذا، سمحت ولاية كاليفورنيا للمتاجر باستخدام أكياس البلاستيك حتّى أواخر يونيو (حزيران) بموجب أمر تنفيذي صادر عن الحاكم غافين نيوسوم على الرغم من سريان قانون يمنع استخدام الأكياس البلاستيكية في الولاية منذ عام 2016. بدورها، أجّلت ولاية نيويورك تطبيق حظر استخدام البلاستيك حتى 15 يونيو، وأقرّ عدد كبير من المدن والولايات خطوات مشابهة بدعم من صناعة البلاستيك رغم توفّر أدلّة علمية تؤكد أن الفيروس يعيش على البلاستيك لوقت أطول من الأسطح الأخرى (كالورق أو القماش).
جاء هذا الوباء بالتزامن مع تنامي اتجاه جديد يشجّع على التخلّي عن البلاستيك، وفي ظلّ ارتفاع الطلب على بدائل تساعد في التوقّف عن استخدام منتجات مثل القصبات البلاستيكية بشكل نهائي.
ويؤكّد 72 في المائة من الأميركيين، أنّهم يحاولون الحدّ من استخدام البلاستيك، إلّا أنّ تقرير أعده مركز «بيو» للأبحاث عام 2019 أظهر أنّ حصّة المستخدم الواحد من البلاستيك لا تزال ثابتة عند نحو 113.3 غرام في اليوم، وأن الكميّة الإجمالية المستهلكة من هذه المادّة عام 2017 قاربت 15.6 مليون طن.

بدائل جديدة
> بدائل ورقية. لكنّ الشركات التي تعمل اليوم على صناعة بدائل للبلاستيك تؤمن أنّ حماس الناس للإقلاع عن استهلاكه لم يخفت بعد. ورأى تروي سووب، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «فوتبرينت» التي تنتج بدائل مصنوعة من الألياف (ورق صلب بالدرجة الأولى)، أننا «محظوظون لأننا لا نسمع أحداً الآن يقول إنّه غير معني بالاستدامة، وإنّه يريد التركيز فقط الآن على ديمومته واستمراريته في الزمن الحالي».
وأضاف «إذا كنّا نرى حقاً شيئاً محدداً، فهو التسارع»؛ نظراً للتشجيع الذي تشعر به هذه الشركات نتيجة تزايد استخدام التغليف المستدام. وكشف سووب، عن أنّ منتجه الذي استخدم لتقديم الطعام في بطولة «السوبر بول» هذا العام، مختلف عن البدائل المصنوعة من الألياف بأشكال كثيرة، أبرزها مدّة صلاحيته الطويلة المشابهة للبلاستيك ما يساعد في تجنّب هدر الطعام، بالإضافة إلى قابلية تحلّله البيولوجي بالكامل، وإمكانية تحويله إلى سماد ووضعه في جهاز الميكروويف، على عكس البلاستيك.
وُلِدَ منتج «فوتبرينت» Footprint بعد خمسة عشر عاماً أمضاها سووب يعمل مهندساً في شركة «إنتل»، حيث أصبح «ناشطاً بيئياً بالصدفة». فقد كان على اطلاع مباشر على العناصر المختلفة التي تكوّن التغليف البلاستيكي المرافق لمنتجات «إنتل»، وذُهل عند رؤيته كمية المخلّفات التي ينتجها الشحن والتوريد. كما أنّه تنبّه إلى أنّ رقائق السيليكون، أحد العناصر المستخدمة في معالجات «إنتل»، تصبح ملوّثة بعد تغليفها بالبلاستيك الذي كان يشبه علب الفواكه المقطّعة المتوفرة في البقاليات.
وقال سووب «لقد وجدنا درجة التلوّث نفسها على الطعام وعلى الرقاقة. وإذا كانت هذه المادّة مضرّة بالرقاقة، فهي حتماً مضرّة بالبشر».

تلوث بيئي
يشكّل تلوّث المحيطات محطّة اهتمام بارزة في المخيّلة العامّة ويبدو أنّه يلعب دور نقطة الانطلاق للكثير من الشركات التي تعمل اليوم على إنتاج البدائل. وتستخدم «نوتبلا»، إحدى هذه الشركات الصاعدة، مستخلص الطحالب البحرية لصناعة بديل للبلاستيك.
> أكياس من الطحالب البحرية. قدّمت الشركة ابتكاراً رئيسياً هو عبارة عن كيس صغير أسمته «أووهو» Ooho، مصنوع من الطحالب البحرية ونباتات أخرى. يشرح بيار باسلييه، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي المساعد في «نوتبلا»، والذي عمل لسنوات في التعبئة والتغليف في شركة «لوريال»، أنّ هذا الكيس الصغير (الذي يشبه أكياس المنظّفات) قابل للأكل، والتحلّل البيولوجي، خلال فترة أربعة إلى ستّة أسابيع، وهو يشكّل بديلاً مثالياً للأكياس والعلب التي تستخدم مرّة واحدة.
لفت باسلييه إلى أنّ «المستهلكين يستخدمون منتج البلاستيك لخمس دقائق فقط، لينتهي به الأمر في المحيط، حيث يبقى لمائة عام»، مؤكّداً على أنّ شركته تدرس باهتمام فكرة تأمين بدائل للبلاستيك المستخدم في تعليب الوجبات السريع.
> أكواب بديلة. دخلت «نوتبلا» العام الماضي في شراكة مع «لوكوزاد»، الشركة المصنّعة للمشروبات الرياضية، لابتكار كبسولات تُوزّع في مراكز الإسعاف خلال ماراثون لندن بدل الأكواب البلاستيكية التي تستخدم مرّة واحدة. وابتكرت الشركة أيضا كيسا للسلع الجافّة ودعامة لمعلّبات الأطعمة المصنوعة من الورق المقوّى (الكرتون)، التي غالباً ما يتمّ تغليفها بالبلاستيك، الأمر الذي يصعّب إعادة تدويرها وتحويلها إلى سماد.

متاجر بلا بلاستيك
يشعر المستهلكون غالباً بالضياع بسبب توفّر الكثير من الخيارات والمواد البديلة، ما ألهم زوليكا ستراسنر إلى تأسيس موقع «زيرو» Zero الإلكتروني لبيع البقالة الخالية من البلاستيك. بعد رحلة قصيرة إلى جزيرة صغيرة مقابل ساحل نيكاراغوا المغطّى بالمخلّفات البلاستيكية الواردة من خارج الجزيرة، قرّرت ستراسنر أن تعيش حياة خالية من البلاستيك لسنة ونصف السنة.
خلال 18 شهراً، حملت معها جراراً وأكياساً قابلة لإعادة الاستخدام إلى متاجر البقاليات، لكنّها كانت تشعر ببعض الخجل. وقالت «عانيت الكثير خلال هذه الفترة، وقلتُ في نفسي إنّ أحداً لن يستطيع تبنّي هذا النظام، أو اعتماد هذا الأسلوب في حياته، لا سيّما إذا كان لديه أطفال أو وظيفة بدوام كامل».
وكما يفعل بائع الحليب التقليدي، لكن «مع تقنية متطوّرة»، يضع متجر «زيرو شوب» الإلكتروني المنتجات في أوعية قابلة لإعادة الاستخدام معظمها مصنوع من الزجاج والسيليكون، ثمّ يعمد المستهلكون إلى تنظيف هذه الأوعية ليستردها الموقع عند توصيل الطلبية التالية.
تؤمّن الشركة، التي تقدّم خدماتها حاليا في منطقة خليج سان فرانسيسكو وتملك خططا للتوسع مستقبلاً، نحو 400 سلعة تضمّ كلّ أنواع البضائع من المنتجات الطازجة واللحوم إلى الرقائق والفشار. ولا تستخدم ستراسنر المنتجات القابلة للتحلّل والتحوّل إلى سماد، بل تفضّل المواد الأطول عمرا كالزجاج والسيليكون.

غزول الفطر
> أنسجة الفطر. لكنّ أنواع الفطر قد تكون منتجة أيضاً؛ إذ تقوم شركة «إيكوفاتيف ديزاين» باستخدام أنسجة مصنوعة من الفطر (غزول من الفطر) لصناعة بديل للتغليف والتعبئة.
تخيّلوا تلقّيكم جهاز تلفزيون موضوعاً في صندوق زواياه مدعّمة بالبلاستيك الزبدي،. والآن تخيّلوا أن تكون هذه الدعامات مصنوعة من الفطر.
تزرع «إيكوفاتيف» Ecovative مادّة التغليف الخاصّة بها من خلال ملء قوالب بأشكال وأحجام مختلفة، بالمخلّفات الزراعية مثل قطع الخشب الصغيرة (تقوم بدور مصدر الغذاء)، وبخلايا الغزول من الفطر (mycelium).
وتقتات هذه الخلايا على القطع الخشبية، فتنمو أليافها حول مصدر الغذاء وعبره، في أربعة إلى ستّة أيّام، وتتخذ شكل القالب الذي يُنزع لاحقاً.
وكشف أندي باس، رئيس قسم التسويق في «إيكوفاتيف»، عن أنّ الشركة لم تختر سلالة معيّنة للفطر الذي استخدمته لإنتاج التغليف، لكنّها في المقابل، أنتجت سلالاتها من الفطر الخاصّة للأقمشة و«اللحوم» المصنوعة من النباتات. ويضبط مهندسو «إيكوفاتيف» حاضنات الفطر على درجة حرارة وظروف رطوبة محدّدة بحسب السلالة، التي تنتج هذه الظروف نفسها في التربة.
بهذه الطريقة، «تشعر» غزول الفطر بأنّها لا تزال تحت الأرض وتنمو على شكل ألياف ساق الفطر بدلاً من أن تكتمل حتّى الرأس. وتجدر الإشارة إلى أنّ الشركة استخدمت هذه التقنية لإنتاج جلد الفطر أيضاً.

- خدمة «نيويورك تايمز»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.