«النهضة» تواجه تحدي «قلب تونس» للمشاركة في الحكم

اشترط الحصول على 7 حقائب وزارية

TT

«النهضة» تواجه تحدي «قلب تونس» للمشاركة في الحكم

واصلت حركة النهضة (إسلامية)، المتزعمة للمشهد السياسي التونسي، حشد التأييد لمقترحها الداعي إلى توسيع الائتلاف الحكومي بضم حزب «حركة قلب تونس»، المثير للجدل إلى الحكومة، في حين دافعت «حركة الشعب» و«حركة تحيا تونس» عن موفقيهما المخالف لمقترحات «النهضة»، خاصة على مستوى العمل البرلماني، والتصويت على اللوائح البرلمانية.
وعبر حزب «قلب تونس»، الذي يرأسه نبيل القروي، عن نيته المشاركة في الحكومة، لكن اشترط حصوله على سبع حقائب وزارية هامة، وهو ما سيؤثر على المفاوضات مع بقية الأطراف المشكلة للائتلاف الحكومي الذي تتزعمه حركة النهضة.
وفي هذا السياق، دعا عياض اللّومي، القيادي في «قلب تونس» إلى إحداث تغييرات في الائتلاف الحاكم، مؤكدا أن حزبه لا يرفض المشاركة في الحكومة، لكنه يشترط منحه 7 حقائب وزارية، من بينها الاقتصاد والمالية والصناعة، وهو شرط سيكون، بحسب عدد من المراقبين، معطلا للمشاورات حول توسيع الائتلاف الحكومي.
وكان نبيل القروي، رئيس «قلب تونس»، قد دعا بدوره إلى توسيع الحزام السياسي للحكومة، معتبراً أن مصلحة تونس «تقتضي توسيع الحزام السياسي، لأن ذلك سيكون له تأثير إيجابي كبير على العمل البرلماني، وسيضمن حسن تمرير مشاريع القوانين في البرلمان»، مبرزا أن حزبه «ليست لديه مشاكل مع أي حزب سياسي في تونس».
ويرى مراقبون أن انضمام «قلب تونس» (يملك 29 مقعدا برلمانيا) إلى الائتلاف الحاكم سيكون على حساب حركتي «الشعب» (15 مقعدا) و«تحيا تونس» (14 مقعدا)، وسيضمن للائتلاف الحكومي الحفاظ على نفس التوازنات، مع ضمان «تضامن حكومي» أفضل.
وكان راشد الغنوشي، رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة، قد دعا إلى إدخال تعديلات على الائتلاف الحاكم لخلق توازن بين الحكومة والبرلمان، وإحداث تناغم أفضل بين الأحزاب المشاركة، مشددا على ضرورة «التوصل إلى اتفاق مشترك للقيام بتغييرات في الحكومة، تجعل هناك توافقا بين البرلمان والحكومة وبين الأحزاب»، وتمكن في الوقت ذاته من وضع برنامج إنقاذ اقتصادي واجتماعي، يحقق الاستقرار الاجتماعي والتضامن الوطني، ويوفر كل الضمانات والحوافز للإقبال على الاستثمار.
ومن المتوقع ألا تجد «النهضة» الحماس الكافي لدعوتها بتوسيع الائتلاف الحكومي، ذلك أن رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ أعربا عن تمسكهما بعدم إشراك «قلب تونس» في الحكم. كما دعا سعيد رئيس الحكومة إلى ضرورة المحافظة على نفس الثوابت، التي تشكلت وفقها حكومته، وهي عدم إشراك حزب يشتبه في تورط رئيسه في جرائم فساد مالي، مؤكدا على ضرورة عدم إجراء تحوير وزاري، يتم بمقتضاه تعيين بعض الشخصيات المقترحة من حزب القروي على رأس بعض الوزارات. كما اتفق الطرفان على ضرورة تقريب وجهات النظر بين مكونات الائتلاف الحكومي، لكن دون توسيعه ليشمل أشخاصا يلاحقون في قضايا فساد مالي.
على صعيد آخر، دعا الاتحاد العام التونسي للشغل (نقابة لعمال) الحكومة إلى التراجع عن قرار منع الانتدابات في القطاع العام، وإعداد خطّة للتقليص من نسب البطالة. ومن شأن هذه الدعوة أن تحضر لخلافات بين الطرفين حول إدارة الملفين الاجتماعي والاقتصادي بعد كورونا.
وطالب «الاتحاد» أمس بفتح قنوات تفاوض مع ممثّلي المعطّلين عن العمل من أجل الإنصات إلى مشاغلهم، والبحث الجاد لإيجاد حلول لبطالتهم ولما يترتّب عنها من مشاكل وماسي اجتماعية. كما أدان «الاتحاد» أي عنف أمني يسلط على المحتجين وعلى كل حراك اجتماعي.



تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
TT

تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)

بدأ الهجوم البري الواسع الذي شنته الجماعة الحوثية منذ الخميس الماضي على جبهات الساحل الغربي وجنوب الحديدة وغرب تعز بالارتداد عليها، مع انتقال القوات الحكومية اليمنية إلى الهجوم المضاد، وتحقيق تقدم ميداني في أكثر من محور، في وقت تتكثف فيه الغارات الجوية على مواقع الجماعة، وتحاول قوات الجيش والمقاومة قطع خطوط إمدادها.

وفي أبرز التطورات الميدانية صباح السبت، بدأت قوات المقاومة الوطنية، مسنودة بوحدات من ألوية العمالقة، هجوماً معاكساً جنوب مديرية الجراحي في محافظة الحديدة، بالتزامن مع تنفيذ مسيّراتها ضربات استهدفت تعزيزات حوثية في المنطقة، وفقاً للإعلام العسكري للمقاومة.

ويأتي هذا التحرك مع تقدم القوات الحكومية من حيس باتجاه الجراحي، في جنوب الحديدة الشرقي، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة على أحد المحاور التي شهدت خلال الأيام الماضية هجمات حوثية واسعة، بينما أفادت مصادر عسكرية بتكبد الجماعة خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال المواجهات.

جندي من الجيش اليمني يرفع العلم بعد تحرير أحد المواقع (إعلام عسكري)

وفي جنوب شرقي تعز، حققت القوات الحكومية تقدماً جديداً في جبهة حيفان، وسيطرت، وفقاً لمصدر عسكري، على تبة «الوثرة»، وتبة «سعيد طه» في منطقة المفاليس، إضافة إلى تباب «ذيبان»، و«الخضيرة»، و«النجدين».

وتكتسب المواقع التي استعادت القوات السيطرة عليها أهمية عسكرية، لكونها تشرف على سوق الخزجة، وخطوط إمداد حوثية باتجاه جبهات في شمال غربي لحج، وجنوبي تعز، بحسب المصدر نفسه، الذي أشار إلى سقوط خسائر بشرية ومادية في صفوف الجماعة، وفرار عدد من عناصرها من مواقع المواجهات.

هجوم مضاد

في غرب تعز، كانت القوات الحكومية قد استعادت، الجمعة، تبة الخزان في مديرية جبل حبشي، خلال مواجهات عنيفة مع الحوثيين، وبالتزامن مع اشتداد المعارك في جبهتي مقبنة، والكدحة، ووصول تعزيزات إلى القوات الحكومية.

وتشير التطورات المتلاحقة في هذه الجبهات إلى انتقال المبادرة تدريجياً من الهجوم الحوثي إلى القوات الحكومية، بعد ثلاثة أيام من المعارك التي حاولت خلالها الجماعة إحداث اختراقات ميدانية في جنوب الحديدة، وغرب تعز، وخصوصاً في جبل حبشي.

آثار قصف صاروخي سابق للحوثيين على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وفي محور سقم، أفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، السبت، بأن قوات الفرقة الثانية «تنكل» بالحوثيين في جبال المحرق، بينما أعلنت القوات البحرية للمقاومة تدمير زورقين مفخخين حوثيين حاولا استهداف منطقة الفجرة جنوب الخوخة، وميناء المخا.

كما أعلنت مصادر عسكرية إحباط محاولة تسلل حوثية من المدخل الشرقي لمدينة تعز، ومقتل عدد من عناصر الجماعة، في حين استمرت المواجهات في قطاعات مختلفة من الجبهة.

وتزامن ذلك مع تعرض طريق هيجة العبد الرابط بين تعز وعدن لقصف حوثي، أسفر، وفق مصادر محلية وطبية، عن مقتل أربعة مدنيين، وإصابة تسعة آخرين، فضلاً عن أضرار مادية في الموقع.

وتعكس هذه الحوادث اتساع نطاق التصعيد الحوثي ليشمل طرقاً ومناطق مدنية، بالتزامن مع العمليات البرية التي تخوضها الجماعة على خطوط التماس.

الغارات تدخل المعركة

للمرة الأولى أعلن الجيش اليمني استخدام طيرانه الحربي في استهداف مواقع الحوثيين في جبهات تعز، والحديدة، في تطور لافت في مسار المعارك الحالية.

وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة، مساء الجمعة، إن الطيران الحربي شن أكثر من 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهات الساحل الغربي بمحافظتي تعز، والحديدة، بالتزامن مع استمرار القصف المدفعي، والاشتباكات البرية.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الطيران اليمني واصل غاراته على مواقع الجماعة في تعز، والحديدة، واستهدف خطوط إمداد، ومخازن أسلحة، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية في مدينة الحزم بمحافظة الجوف لغارات جوية، وفق مصادر عسكرية.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

وتقول مصادر ميدانية إن الخسائر الحوثية خلال الأيام الثلاثة من المواجهات كبيرة، وإن مئات القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجماعة، بينما تواجه المستشفيات الخاضعة لسيطرتها في الحديدة ضغطاً متزايداً جراء وصول قتلى وجرحى المعارك.

ونقلت الجماعة دفعة جديدة من قتلى وجرحى المواجهات إلى مستشفيات الجراحي، وزبيد، بحسب مصادر إعلامية محلية، في مؤشر على حجم الخسائر التي لحقت بقواتها خلال الهجوم، ومحاولات صد الهجمات المضادة.

وفي المقابل، يواصل الحوثيون الدفع بتعزيزات إلى مناطق المواجهات، في محاولة للحفاظ على المواقع التي حققوا فيها تقدماً أولياً، واحتواء الهجوم المعاكس للقوات الحكومية.

حماية باب المندب

في ظل اتساع رقعة المواجهات، تابع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وأعضاء المجلس تطورات العمليات العسكرية، وأجروا اتصالات بالقيادات العسكرية والميدانية للاطلاع على سير المعارك، والجاهزية، والاحتياجات العملياتية، واللوجستية، وفق بيان صادر عن مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان العليمي حذر، مساء الجمعة، من تداعيات التصعيد الحوثي، محملاً الجماعة مسؤولية الآثار الإنسانية المترتبة عليه، بما في ذلك نزوح مئات الأسر من مناطق المواجهات.

ناقلة حاويات تمر بالقرب من باب المندب في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وشدد على أن القوات الحكومية لن تسمح بتحقيق ما وصفه بهدف إيران في السيطرة على مضيق باب المندب، مؤكداً أن أي تحرك باتجاه هذه المناطق سيؤدي إلى استنزاف حاد للحوثيين.

ويأتي ذلك فيما دعت وزارة التخطيط والتعاون الدولي المنظمات الدولية والمانحين إلى تدخل إنساني عاجل لمساعدة الأسر النازحة والمتضررة في تعز، والحديدة، محذرة من الاحتياجات المتزايدة للمأوى، والغذاء، والأدوية، والمياه، والخدمات الطبية، ومطالبة بإنشاء مستشفيات ميدانية لاستقبال الجرحى.

وكانت المخا وميناؤها قد تعرضا خلال أغسطس (آب) الماضي لسلسلة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية، والمسيّرات، في تصعيد طال منشآت وأعياناً مدنية، وأدى إلى تعطيل حركة الميناء، وخروج منشآته عن الخدمة، في وقت ردت فيه القوات الحكومية بعمليات عسكرية، وضربات استهدفت تحركات الجماعة، وقدراتها الهجومية.


جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
TT

جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)

لجأت الجماعة الحوثية إلى حيل جديدة لتعويض النزيف البشري في التصعيد العسكري لاستدراج طلاب المدارس الثانوية، بينما تواجه المستشفيات والمرافق الطبية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها، أزمة خانقة غير مسبوقة منذ نحو شهر ونصف الشهر، تمثلت في امتلاء كلي لثلاجات حفظ الجثث وغرف العناية المركزة، وسط تعتيم إخباري متشدد.

وتقول مصادر طبية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمة المتفاقمة نتيجة مباشرة للتصعيد العسكري الحوثي والتحول التكتيكي البارز بدخول الطيران المسيّر ضمن عتاد الجيش اليمني، مما ألحق خسائر بشرية فادحة في صفوف المهاجمين، مشيرة إلى أن غالبية القتلى والجرحى سقطوا في الجبهات القتالية بين محافظتي تعز والحديدة جنوب غربي البلاد.

وحسب المصادر، فإن الجماعة تفرض تعتيماً إخبارياً صارماً حول حجم هذه الخسائر، وتصاحب ذلك موجة من التهديدات المباشرة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي لمنع تسريب أي بيانات أو إحصاءات طبية، أو حول ازدحام الثلاجات بالجثث وامتلاء غرف العناية المركزة بالجرحى.

الطيران المسيّر التابع للجيش اليمني أسهم في رفع أعداد قتلى الحوثيين (الجيش اليمني)

وانعكست هذه الأزمة على حياة المرضى والمصابين بحالات صحية حرجة أو جرحى الحوادث من المدنيين؛ إذ أصدرت قيادات الجماعة توجيهات صارمة بمنح الأولوية المطلقة لعناصرها في غرف العناية المركزة وثلاجات الموتى في المستشفيات الكبرى مثل (الثورة، والكويت، والجمهوري) إلى جانب إلزام المستشفيات الخاصة بذلك.

التشييع بالتقسيط

أدى هذا الاحتكار الطبي إلى رفض المستشفيات أو عدم قدرتها على استقبال مئات الحالات الطبية وأجبر ذوي الحالات على التنقل لساعات طويلة بين المرافق الطبية أو إبقائها في سيارات خاصة.

وتشير المصادر إلى أن التوجيهات شملت إلزام الطب الجنائي بسرعة التعامل مع الجثث المحفوظة على ذمة قضايا قتل أو حوادث مرورية وسرعة الإفراج عنها والسماح بدفنها، أو إبلاغ عائلات أصحابها باستلامها بعد مزاعم استكمال التحقيقات، إلى جانب التخلص من جثث مجهولي الهوية بدفنها.

ووضع هذا التدفق الهائل للجثامين قيادة الجماعة أمام معضلة مركبة؛ إذ تحاول من جهة الالتزام ببروتوكولاتها العقائدية والسياسية المتمثلة في تكريم قتلاها بمراسم تشييع علنية أمام عائلاتهم وقبائلهم للحفاظ على الولاء المجتمعي، ومن جهة أخرى تخشى انكشاف الحصيلة الكبيرة لأعداد القتلى لتجنب انهيار معنويات أنصارها، والحد من مخاوف القبائل المترددة في الدفع بأبنائها إلى جبهات القتال.

حراسة الفعاليات والتظاهرات إحدى الوسائل الحوثية لاستدراج الأطفال للقتال (غيتي)

وتسعى الجماعة الحوثية عبر هجمات مكثفة إلى تطويق مدينة تعز (جنوب غرب) من الجهة الغربية، بهدف قطع الشريان الحيوي والطريق الاستراتيجي الرابط بينها وبين مدينة المخا على الساحل الغربي بالقرب من باب المندب.

وكشفت المصادر عن أن الجماعة اضطرت إلى استراتيجية «التشييع بالتقسيط»، عبر تنظيم جنازات محدودة على فترات زمنية متباعدة وفي ساحات متفرقة، لتشتيت الانتباه عن الحجم الفعلي للفاتورة البشرية.

وذكرت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة التي تواجه أزمة عميقة في عمليات الحشد والتجنيد التقليدية خلال الآونة الأخيرة، لجأت إلى نقل ثقل استقطابها نحو القطاع التعليمي، وحوّلت عدداً من المدارس الثانوية ومعاملها العلمية إلى ورش تدريبية لتعليم الطلاب آليات تفكيك وتركيب الأسلحة.

من الفعاليات إلى الجبهات

شددت الجماعة الحوثية على توظيف «فرق الكشافة» لعمليات استدراج ممنهجة تستهدف اليافعين والشباب، وتبدأ آلية الاستدراج بإقناع الطلاب والشباب بالمشاركة في تأمين الاحتفالات والتجمعات والوقفات التي تنظمها بشكل دوري في الساحات والميادين، إلى جانب «دورات ثقافية» في المقرات التابعة لها أو المساجد بهدف خلق تأثير نفسي وفكري تدريجي عليهم.

الحوثيون يحاولون من قرابة شهرين الوصول إلى مضيق باب المندب وتهديد الملاحة فيه (أ.ف.ب)

وخلال هذه الأنشطة، يحصل المشاركون على مكافآت مالية ووجبات غذائية، ويُلزمون بارتداء الملابس العسكرية لتعزيز شعور الانتماء لديهم.

ولاحقاً، وتحت مسمى «المكافأة على الانضباط»، يتم نقلهم إلى مستويات أعلى تشمل دورات على استخدام السلاح الخفيف، ثم دورات قتالية ومناورات ميدانية، ليجد هؤلاء الطلاب أنفسهم في نهاية المطاف في خطوط النار الأمامية.

ولجأت الجماعة الحوثية إلى التصعيد العسكري داخلياً في عدد واسع من الجبهات، إلا أنها ركزت هجماتها على المحاور الجنوبية الغربية للبلاد، في محاولة لفرض سيطرتها على كامل الساحل الغربي اليمني والاقتراب من مضيق باب المندب، استجابة لمساعي إيرانية لتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية وأزمة النقل البحري وتشديد الخناق على حركة تصدير الطاقة من المنطقة.


«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
TT

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)

يؤجل المصري الثلاثيني عمر طارق قرار الارتباط حتى يستطيع الحصول على شقة، ولو عن طريق الإيجار، في ظل ظروفه الاقتصادية التي لا تسمح له بتملك واحدة، لكن حتى الإيجار الشهري ليس سهلاً في ظل ارتفاع قيمة الإيجارات بشكل لا يتناسب مع الأجور.

يعمل طارق، المقيم حالياً مع والدَيه وأشقائه في حي المعادي (جنوب القاهرة)، موظفاً في شركة خاصة، ولا يتعدى راتبه الشهري الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ 8 آلاف جنيه (نحو 157 دولاراً)، في حين أن إيجار «أقل شقة 3 آلاف جنيه، في مناطق متوسطة مثل حدائق المعادي أو طرة أو حلوان»، مشيراً إلى أنه لا يجرؤ على البحث عن شقق في حي المعادي الذي ترعرع فيه؛ إذ تتضاعف الإيجارات في تلك المنطقة المميزة.

ولا تدور أزمة السكن في مصر حول نقص المعروض بشكل عام، فعلى العكس «توجد وفرة مقارنة بحجم الطلب»، وفق عضو «شعبة الاستثمار العقاري» في «غرفة القاهرة التجارية» علاء فكري، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمة «تتلخص في تركز هذه الوفرة في نوعية وحدات موجهة للطبقات العليا، في حين تعاني الطبقة الوسطى وما دونها من إيجاد وحدات تتناسب مع قدراتها المادية».

ولفت فكري إلى أنه «مع ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، اتجه أبناء الطبقة الوسطى والدنيا إلى الإيجار، وأدت زيادة الطلب إلى ارتفاع الأسعار بشكل لا يتناسب مع الدخول».

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطوّرين في القاهرة الجديدة بعد حديث الرئيس (وزارة الإسكان المصرية)

ودُشنت أكثر من 212 ألف وحدة سكنية، سواء من قبل المطوّرين العقاريين أو الدولة، خلال 2025/2024، باستثمارات قدرها 245.3 مليار جنيه (الدولار بنحو 51 جنيهاً)، وفق مركز الإحصاء.

ويربط مراقبون بين ارتفاع أسعار الإيجارات وزيادة الطلب عليها من قبل الوافدين من جنسيات مختلفة، ما أدى إلى قفزات في أسعارها، في بعض المناطق، لكن اللافت أنه رغم تراجع أعداد الوافدين المتمركزين في «منطقة فيصل» كمثال، ما زالت أسعار الإيجارات مرتفعة.

وبعيداً عن الوافدين، يرى الباحث العمراني ومدير «مرصد العمران» يحيي شوكت، أن أزمة السكن هي في الأساس أزمة في القدرة الشرائية؛ نظراً لارتفاع أسعار العقارات بالنسبة إلى مستويات الدخل، خاصة للفقراء ومتوسطي الدخل، عبر عقود من الزمن.

ويضيف مؤسس «مرصد العمران» أن «غالبية المصريين المتملكين مسكناً تملكوه من خلال البناء الذاتي وليس الشراء، سواء بالبناء في الريف أو المدن الجديدة، فالبناء يتم عبر سنوات حسب قدرة ومدخرات الملاك. إنما التملك عبر الشراء من السوق محدود نسبياً، ولم يتعدَّ الثلث حسب تعداد 2017، وهذا نتيجة ضعف قدرة الشراء».

وجه آخر من أزمة السكن في مصر يكمن في «لجوء قطاع واسع من المصريين إلى العمل في الخارج وتحويل مدخراتهم لشراء عقار، مما أحدث سوقين للعقارات، وتنافساً غير عادل بين قدرتين شرائيتين»، حسب شوكت الذي أضاف: «هذا بالإضافة إلى سياسة الحكومة في تشجيع تدويل السوق العقارية المصرية لجلب العملة الصعبة، ما زاد التأثير السلبي على القدرة الشرائية المحلية».

ولم تعرف الأربعينية رباب محمد معنى الاستقرار والاطمئنان في سكن منذ زواجها قبل نحو 10 سنوات، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تنقلت خلال هذه الفترة بين 4 شقق مختلفة كلها في «منطقة أرض اللواء» بمحافظة الجيزة.

وتعمل رباب في إحدى الصالات الرياضية بمنطقة الهرم، وزوجها كان نادلاً في مطعم قبل أن يقعده المرض، ليقتصر دخل الأسرة التي لا تضم أطفالاً على راتب الزوجة. وتقول: «راتبي 4 آلاف جنيه، أدفع 3500 جنيه، ونعيش على الاقتراض»، لافتة إلى أنه قبل 3 سنوات كان الإيجار يبلغ تقريباً ثلث دخلها، لكن الآن يبتلع راتبها كله.

ويعتبر الخبير الاقتصادي عاطف وليم أن أزمة السكن من أعمق الأزمات في مصر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «بالنظر إلى القيم الإيجارية وأسعار الوحدات وتكاليف المعيشة، فالحد الأدنى الذي يوفر كرامة للمواطن يجب ألا يقل عن 20 ألف جنيه».

سوق العقارات تتسع في مصر لكن أزمة السكن مستمرة (وزارة الإسكان المصرية)

بدأ مشروع «الإسكان الاجتماعي» في مصر، والقائم على تقديم دعم للشباب والأسر للحصول على وحدة سكنية عبر تقسيط قيمتها على فترات طويلة، في عام 2014، ورغم تدشين أكثر من 600 ألف وحدة لمحدودي الدخل، لكن ذلك لم يحل أزمة السكن لكثيرين، ومن بينهم عمر طارق ورباب محمد، اللذان لا يستطيعان تحمل تكلفة مقدمة الحجز، والتي وصلت الآن إلى 50 ألف جنيه.

ومؤخراً، أعلنت الدولة طرح شقق بنظام الإيجار، مع وجود فرصة للتملك فيما بعد، وتطرح الدولة 30 ألف وحدة قريباً كشريحة أولى. ويرحب شوكت بهذا الطرح الحكومي، معتبراً أنه «خطوة تصحح النفاذ للوحدات؛ لأن الوحدات المبيعة بالتمويل العقاري تعتبر لمتوسطي الدخل فعلياً؛ نظراً إلى تطلب حد أدنى للدخل والثروة أو المدخرات للوفاء بالمقدم».

لكن عضو «شعبة الاستثمار العقاري» علاء فكري، يرى أن «هذا ليس حلاً فعالاً بالنظر إلى حجم الأزمة الكبير، وضآلة الأعداد المطروحة»، متشككاً في أن تستطيع الدولة تكرار هذه التجربة بشكل دوري في ظل أن أموال هذه الشقق تعتبر غير مستردة لها على الأقل في المدى القريب، ما سيخلق أزمة تمويلية. في المقابل، رأى أن الحل في «منح تسهيلات للمطوّرين من أجل البناء وطرح وحدات للإيجار تتناسب مع قدرات أقل الشرائح»، وعلق قائلاً: «الحكومة مطالبة بالتفكير في حلول لوضع حد للأزمة».

التدخل الحكومي بحلول جديدة يدعمه أيضاً شوكت، قائلاً: «كنا قد اقترحنا في (مرصد العمران)، وقت تعديل قانون الضرائب العقارية، تحفيز الإيجار من خلال إعفاء الملاك من الضريبة حال تأجير وحداتهم بشكل اجتماعي؛ أي بأسعار أقل من سعر السوق بضوابط تضعها الحكومة».

الأمر نفسه يؤكده الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة صاحبة الأرض، وهي المخولة بطرح حلول لأزمة السكن، والتي لا يوجد أمد قريب لحلها تلقائياً دون تدخل رسمي، في ظل تراجع القوة الشرائية»، لافتاً إلى أن «العقارات موجودة بشكل كبير، وحالها يكاد يتسم بالركود، ويتم التعامل معها على أنها مخزن للقيمة، لا بيوت للسكن، وهذا يعمّق التفاوت الطبقي والأمان المجتمعي».