مخيم شاتيلا.. ملاذ للفلسطينيين يغمره السوريون

تجاوز ضعف طاقته الاستيعابية وبات رمزا للمخاطر التي يتعرض لها اللاجئون

جانب من السوق الرئيسية في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين ({نيويورك تايمز})
جانب من السوق الرئيسية في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين ({نيويورك تايمز})
TT

مخيم شاتيلا.. ملاذ للفلسطينيين يغمره السوريون

جانب من السوق الرئيسية في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين ({نيويورك تايمز})
جانب من السوق الرئيسية في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين ({نيويورك تايمز})

تدلى مفتاح حديدي ضخم على برج مياه يطل على مفترق طرق داخل معسكر شاتيلا للاجئين الفلسطينيين، الواقع إلى الجنوب مباشرة من قلب العاصمة بيروت. ويحمل هذا المفتاح إشارة إلى المفاتيح الصدئة التي تعتز بها الكثير من العائلات هنا، ذلك أنها تخص منازلهم التي فقدوها بفرارهم مما أصبح إسرائيل عام 1948.
الآن، تدفقت موجة جديدة من اللاجئين، هذه المرة من سوريا، ليرتفع عدد اللاجئين بشاتيلا ومخيم صبرا المجاور له إلى الضعف، أي ما يعادل 40.000 نسمة، حسبما أعلن مسؤولون معنيون بالإغاثة. ويعد الوافدون الجدد، الذين يتدفقون عبر شوارع المخيم الضيقة ووحداته السكنية الخراسانية المزدحمة بالفعل، جزءا من أكثر من مليون شخص عبروا إلى لبنان - الذي بلغ عدد سكانه 4 ملايين نسمة عندما بدأت الحرب - قادمين من سوريا. وتسهم هذه الأعداد المتدفقة في تغيير شكل الضواحي والأحياء على نحو راديكالي.
في شاتيلا، يضيف الأفراد طوابق جديدة لمنازلهم، على أمل تأجيرها للاستفادة من الزيادة الهائلة في إيجارات المساكن. كما يجري افتتاح نشاطات تجارية جديدة يديرها أو يعتني بها سوريون، في الوقت الذي تتعرض فيه أنظمة المياه والصرف الصحي لضغوط كبرى. ومع استمرار الحرب الأهلية السورية، وتسرب الشكوك لنفوس الوافدين حيال إمكانية عودتهم لوطنهم ذات يوم، تتخذ هذه التغييرات مظهرا يوحي باستمرارها للأبد.
الملاحظ أن هذه العملية تتكشف داخل لبنان وعدد من الدول الأخرى المجاورة لسوريا، مما يعد صورة جديدة لإعادة ترتيب الأوراق داخل الشرق الوسط. بيد أنه داخل صبرا وشاتيلا على وجه التحديد يأتي التغيير مفعما بروح ذكريات ومحن تاريخية.
في الواقع، يعتبر اسما صبرا وشاتيلا في حد ذاتهما رمزا للمخاطر التي يتعرض لها اللاجئون، فهما ليسا مجرد اسمين لمخيمي لاجئين، وإنما عنوان موجز لمذبحة مروعة وقعت هناك عام 1982، عندما قتل مسلحون لبنانيون مسيحيون مدنيين فلسطينيين بينما اتخذت القوات الإسرائيلية التي طوقت المنطقة موقف المتفرج.
كما يرمز الاسمان للفقر المدقع. في الواقع فإن «مخيم» هي تسمية شائعة خاطئة لمستوطنات تحولت منذ عقود مضت إلى أزقة حضرية عشوائية ومرتفعة الكثافة.
من جانبه، أشار يوسف المصري (46 عاما)، فلسطيني المولد نشأ في «شاتيلا»، إلى أن جدته اعتادت أن تروي ما كانت أسرتها تخطط لتحقيقه منذ 66 عاما في الجليل - التي يطلق عليها الإسرائيليون صفد - أثناء حرب قيام إسرائيل. وقال «قالوا: سنترك كل شيء ونعود في غضون ثلاث سنوات. لكن هذا لم يحدث». وتوقع المصري مصيرا مشابها للسوريين، ملقيا اللوم على قيادات عالمية وعربية اتهمها بأنها «تبيع سوريا مثلما باعت فلسطين».
تعج شوارع المخيم شديدة الضيق، لدرجة لا تسمح بمرور السيارات خلالها، بعربات بيع سلع وأطفال يلهون. وتبدو أسلاك الكهرباء كمظلة، بينما تهيمن رائحة الصرف الصحي على الهواء. هنا، يعيش اللبنانيون الفقراء والعمال المهاجرون بين الفلسطينيين، الذين تفرض عليهم القوانين اللبنانية المقيدة التي تستثنيهم من العمل بمهن كثيرة، البقاء داخل دائرة الفقر.
ورغم ذلك، استقبل «صبرا» و«شاتيلا» الوافدين الجدد بحفاوة تفوق ما حدث داخل الكثير من الضواحي الأكثر ثراء. ويتحرك السوريون بحرية حتى في الليل عندما تفرض الكثير من المدن اللبنانية حظر التجوال. ويقول الذين يخشون السلطات اللبنانية، إما لافتقارهم إلى تصاريح إقامة أو لأنهم مطلوبون في سوريا لمعارضتهم النظام، إنهم يشعرون بأمان أكبر هنا حيث تسيطر الميليشيات الفلسطينية على المكان ونادرا ما تظهر قوات الأمن اللبنانية.
كما أن الفلسطينيين الذين عملوا لسنوات لمساعدة مواطنيهم أنشأوا منظمة بعنوان «بسمة وزيتونة» لمعاونة اللاجئين السوريين. ومن بين الوافدين 5.000 فلسطيني عاشوا كلاجئين في سوريا، والآن يعايشون ما يطلق عليه البعض «النكبة» الثانية، في إشارة للنكبة الأولى باعتبارها تشريد الفلسطينيين عام 1948.
يذكر أن لبنان لم يبن أي مخيمات رسمية للاجئين القادمين من سوريا. بدلا من ذلك، يبحث اللاجئون بعشوائية عن مساكن لهم. ويضيف السوريون والفلسطينيون على حد سواء قصصا مأساوية جديدة لتاريخ المخيمين المرير. من بين المآسي قصة شاب فلسطيني يدعى أيمن سعيد فر من سوريا بعد احتجازه ثمانية شهور بتهمة محاولة الهرب من طوق حكومي حول مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، الذي قاتل المسلحون للسيطرة عليه، وتعرض سكانه للتجويع والقصف من جانب قوات الأمن.
وقال أمجد حريري (31 عاما)، سوري من مدينة درعا الجنوبية، إنه فقد شقيقيه بعد أن تعرضا لإطلاق نار أثناء محاولتهم الفرار من قوات الأمن خلال وقت مبكر من الانتفاضة التي بدأت بمظاهرات عام 2011. وبعد ذلك بفترة قصيرة، قتلت شقيقته مجدلين (14 عاما) على يد قناص أصابها في الوجه أثناء دخولها مكتبا حكوميا.
ولدى سؤاله حول ما إذا كان ينوي العودة لسوريا، جاءت إجابته بلا جازمة. وقال «ما حدث حدث وانتهى الأمر. لقد وقع الدمار. وما زلت عاجزا عن تصديق قتلهم لهذا العدد الكبير من البشر. ليس هناك مستقبل، ولن تكون هناك مبان قائمة من الشمال للجنوب. لن تكون هناك سوريا». ومع ذلك، يعتبر نفسه أحد المحظوظين، حيث مكنته مدخراته التي كسبها قبل الحرب أثناء عمله في مطعم ببيروت من فتح مطعم خاص به. ويعاونه في المطعم لاجئون آخرون يحرصون على إضافة لمسات سورية على الطعام.
وقال حريري إن جيرانه طيبون، ويساعدونه على تجنب التعرض لمضايقات من جانب الميليشيات، لكنه لا يشعر بالأمان، حيث أشار إلى أنه لدى إعلان مسلحين سوريين من حين لآخر مسؤوليتهم عن هجمات ضد «حزب الله»، الميليشيا الشيعية اللبنانية المتحالفة مع النظام السوري، يأتي رجال غاضبون «للانتقام» من السوريين، حسب قوله. وأوضح أنه حفاظا على الأمن، أقر قاعدة عدم الحديث في السياسة داخل المحل الذي يملكه.
ويشعر بعض الفلسطينيين بالتقارب مع السوريين المشردين الذين، مثلما حدث مع الفلسطينيين من قبل، يواجهون عداء متزايدا مع تنامي النظر لهم كمصدر تهديد للبنان. وعن ذلك، قال جورج تالماس، المسؤول بـ«بسمة وزيتونة»: «اللاجئون الفلسطينيون لديهم خبرة أكبر عن السوريين».
في المقابل، يعتبر آخرون السوريين مصدر تهديد اقتصادي. مثلا، اشتكى المصري، المقيم بالمخيم منذ أمد بعيد، من أن السوريين «حصلوا على جميع الوظائف». واشتكى كذلك من أن وكالة الأمم المتحدة المعنية بغوث اللاجئين الفلسطينيين تفضل الفلسطينيين القادمين من سوريا. ويثير هؤلاء الفلسطينيون بعض الحسد في قلوب نظرائهم، لأنهم على خلاف الحال مع نظرائهم في لبنان يمتلكون حقوقا كاملة في ما يخص ممتلكاتهم بسوريا، وتلقوا تعليما هناك وحصلوا على وظائف.
ومع ذلك، يحمل اللاجئون الجدد فوائد معهم أيضا، حيث أوضح تالماس أنهم ينفقون مدخراتهم المحدودة داخل المخيم. وتستعين مشروعات الإغاثة بمقيمين داخل المخيمات وتشتري الإمدادات اللازمة من داخلها. كما تم إطلاق برنامج للقروض متناهية الصغر خاص بالنساء، ومن المقرر أن يوجه 40 في المائة من قروضه لنساء من سكان المخيمات.
ورغم أن السوريين هنا يميلون لعقد حفلات زواج محدودة لتوفير التكاليف، فإنهم لا يتخلون عن فساتين العرس. ويدفع اللاجئون لأحد المحال هنا 200 دولار، عادة في صورة أقساط، لتأجير فستان زفاف لليلة واحدة. وفي الجوار، متجر يعلن عن توافر إمكانية إجراء مكالمات هاتفية مع سوريا.
وداخل سوق «صبرا»، استعان الكثير من الباعة بسوريين لمعاونتهم. من بين هؤلاء مروان تويسان (15 عاما)، الذي قال إنه يبيع أدوات منزلية مقابل أقل من 7 دولارات يوميا لينفق على شقيقاته الثماني، مضيفا أنه انقطع عن المدرسة منذ سنوات.
* خدمة «نيويورك تايمز»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.


رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
TT

رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)

كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن حزمة من ثلاث خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال «صومالي لاند»، مشيراً إلى التنسيق الوثيق مع شركائهم، بقيادة السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وقال الرئيس الصومالي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن هناك دولاً في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، دون أن يسميها: «لا أود تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض، ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».

واستدرك محمود قائلاً: «لكن رسالتنا واضحة للجميع بأن وحدة الصومال خط أحمر، وأن الصومال اتخذ مواقف لحماية الوحدة والسيادة الوطنية. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

وشدد على أهمية التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة لفوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أن السعودية، تعد شريكاً استراتيجياً محورياً لبلاده في دعم الاستقرار والوحدة، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

ثلاث خطوات

وحول الخطوات التي تتخذها الحكومة الصومالية إزاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة، قال محمود: «أؤكد، وبأقصى درجات الوضوح والحزم، أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال – أو ما يُعرف بـ(صومالي لاند) – دولةً مستقلة يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وزاد: «كما أن هذا الاعتراف الإسرائيلي، بإقليم أرض الصومال، يعد مخالفة جسيمة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأفريقي التي تُجمع على احترام الحدود الموروثة للدول الأفريقية. وعلى هذا الأساس، اتخذ الصومال، وسيتخذ حزمة من الخطوات المتوازية».

وعدد الرئيس الصومالي، عدة خطوات بهذا الشأن، تبدأ من التحرك الدبلوماسي الفوري عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لرفض هذا الاعتراف وإبطاله قانونياً وسياسياً.

ولفت إلى أن بلاده، دعت بالفعل إلى عقد جلسة رسمية في مجلس الأمن الدولي بشأن هذا «الانتهاك الإسرائيلي السافر لسيادتنا ووحدتنا الوطنية»، مبيناً أنه تم عقد الجلسة، وكانت نصراً دبلوماسياً مهماً للصومال، لا سيما في ظل عضوية الصومال الحالية في مجلس الأمن الدولي.

وأضاف: «نُعرب هنا عن بالغ امتناننا لمواقف التضامن والتنديد التي صدرت عن الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الشركاء الدوليين».

الخطوة الثانية من الخطة الصومالية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق الرئيس الصومالي، تتمحور في العمل على تنسيق موقف عربي وإسلامي وأفريقي موحد «ونثمّن عالياً أن السعودية كانت سبّاقة في إصدار بيان واضح وصريح استنكر أي مساس بوحدة الصومال».

مشيراً إلى أن «الموقف السعودي، هو موقف يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، زاد هذا الموقف رسوخاً ما أكده مجلس الوزراء السعودي من دعم ثابت ومبدئي للصومال في هذا الظرف الدقيق».

وزاد محمود: «نشير بتقدير بالغ إلى أن دولاً عربية وإسلامية وأفريقية عديدة، إضافة إلى دول من أميركا اللاتينية وآسيا، أصدرت بيانات تضامن وتنديد. ومن خلال صحيفتكم المرموقة، نتقدم إليهم جميعاً بالشكر والتقدير، مؤكدين أن الذاكرة الوطنية الصومالية ستحتفظ بهذا التضامن التاريخي».

الخطوة الثالثة من المسعى الصومالي لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق محمود، يتمحور في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة جميع القضايا السياسية في إطار الدولة الصومالية الواحدة، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية.

السلم الإقليمي والدولي

وحول التخوف من أن يعيد هذا الاعتراف الإسرائيلي تشكيل الديناميكيات الإقليمية، وما يترتب عليه من مخاطر على أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، قال محمود: «إن هذا الاعتراف – إذا لم يُواجَه بموقف حازم – ربما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة ستزعزع الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».

وفسّر ذلك بأن هذا الاعتراف، سيعمل على تشجع النزعات الانفصالية ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في أفريقيا والعالم العربي عموماً، بما يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ما تشهده بعض «الدول الشقيقة»، مثل السودان واليمن، خير دليل على كلفة تفكك الدول وانهيار بنيتها الوطنية.

أما فيما يتعلق بأثر هذا الاعتراف، بأمن بالبحر الأحمر، فقال الرئيس الصومالي: «نحن نتحدث عن شريان ملاحي عالمي وأمن قومي عربي بامتياز. وأي توتر سياسي أو أمني على السواحل الصومالية سينعكس مباشرة على أمن التجارة الدولية، وأمن الطاقة».

وأضاف: «سيمتد هذا الأثر الخطير، إلى استقرار الدول المشاطئة، وفي مقدمتهم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن والأردن. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن البحر الأحمر الجماعي».

مقدمة لهيمنة على المنطقة

وحاول الرئيس الصومالي قراءة الهدف الحقيقي لإسرائيل من هذا الاعتراف، ومدى اختبار ذلك لمعارضة الصومال التاريخية للانفصال، وقال: «نرى أن الهدف يتجاوز مجرد اعتراف سياسي».

وأضاف: «إن الهدف يتجاوز الهدف السياسي، ليشمل السعي إلى إيجاد موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي وعلى مقربة مباشرة من البحر الأحمر، بما يتيح لها التأثير على مضيق باب المندب وتهديد الأمن القومي لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وأوضح أن هذا التحرك، يمثل محاولة لاختبار صلابة الموقف الصومالي، والعربي، والأفريقي تجاه قضايا السيادة ووحدة الدول، «هنا أؤكد بجلاء أن معارضة الصومال للانفصال ليست موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، بل هي مبدأ وطني راسخ، يحظى بدعم عربي وأفريقي واسع، وفي طليعته دعم السعودية».

ولفت الرئيس الصومالي إلى أن المخطط الإسرائيلي بالاعتراف، ينقل الصراع في الشرق الأوسط إلى الأراضي الصومالية، «أقول بوضوح أننا لن نسمح بتحويل الصومال إلى ساحة لتصفية صراعات دولية أو إقليمية لا تخدم مصالح شعبنا ولا أمن منطقتنا».

وشدد على أن الصومال يتطلع إلى السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وليس إلى استيراد أزمات الشرق الأوسط أو عسكرة سواحله ومياهه الإقليمية، «ونحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا العرب، وفي مقدمتهم السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب».

وأضاف: «إن التجارب أثبتت أن تفتيت الدول لا يصنع استقراراً، بل يخلق فراغات أمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

ودعا الرئيس الصومالي، الدول العربية، لا سيما المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى إدراك أن الصومال يمثل البوابة الجنوبية لأمنها القومي، مجدداً دعوته للدول الأفريقية، خصوصاً دول الجوار الصومالي، إلى التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (سفارة الصومال بالرياض)

العلاقات السعودية الصومالية

وعلى صعيد العلاقات السعودية – الصومالية، وأهميتها في تأمين البحر الأحمر، قال محمود: «إن العلاقات الثنائية، علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة الجذور، تقوم على الأخوة، والدين، والمصير المشترك، حيث تُعد السعودية شريكاً استراتيجياً محورياً للصومال في دعم استقراره ووحدته، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية».

وأضاف: «ينظر الصومال بإعجاب وتقدير كبيرين إلى رؤية المملكة 2030، وما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء. ونحن بصدد الاستفادة من الخبرات السعودية في هذه المجالات».

وتابع: «في الظرف الحالي أيضاً نحن على ثقة تامة بأن حكمة القيادة السعودية، وقوتها، وثقلها الإقليمي والدولي، تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في مساعدة الصومال على النهوض مجدداً قوياً، وموحداً، وعزيزاً».

وزاد: «نتطلع لأن تلعب الدبلوماسية السعودية، دوراً محورياً ورئيسياً، لحشد التأييد والتضامن للصومال بين الدول والمنظمات الدولية. وكما تعلمون، مرّ الصومال بظروف قاسية، لكنه اليوم يتعافى بوتيرة متسارعة».

وقال محمود: «في هذا السياق، نشعر بآلام الشعوب التي تمر اليوم بما مرّ به الصومال سابقاً، ونعرب عن تضامننا الصادق معها، ونشيد ونقف مع الدور الأخوي الصادق والمخلص، الذي تضطلع به السعودية تجاه اليمن، والسودان، وسوريا، وبإسهامها البارز في تعزيز استقرار المنطقة والعالم».

وعن انطباعه عند تلقيه، قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً، الرافض لأي تقسيم لوحدة جمهورية الصومال، قال محمود: «تلقَّت الحكومة الفيدرالية في جمهورية الصومال قرار مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقدير بالغ وارتياح كبير».

وأضاف: «نعدّ هذا الموقف امتداداً للدعم التاريخي الذي تقدمه المملكة لوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها. إن التأكيد الواضح من القيادة السعودية على رفض أي محاولات للمساس بوحدة الصومال يعكس عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي حول أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».