أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

ثقافة «التفوق العرقي» تغذيها عقود من عنف الشرطة وقصور الطبقة السياسية عن تغييرها

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة
TT

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

«الرد على العنف بالعنف يضاعفه، ويزيد العتمة ظلاماً أعمق في ليلة خالية من النجوم... لا يمكن للكراهية أن تطرد الكراهية: الحب وحده يمكنه فعل ذلك».
إنها واحدة من جمل وخطابات عديدة أطلقها الدكتور مارتن لوثر كينغ، أشهر مناضل أميركي أسود، تعبّر عن واقع حال يكاد ينفجر بوتيرة مستدامة، ويدور معها العنف العنصري في دائرة مفرغة في الولايات المتحدة.
مارتن لوثر كينغ، كان ذلك القسّ الذي أمضى حياته داعياً لإصلاحات جذرية للقوانين وتبنّى مبدأ اللاعنف والمقاومة السلمية. وقُتل أيضا على يد أحد المتعصبين البيض. أما اليوم، فإن العنف الذي انفجر أخيراً في مدينة مينيابوليس، كبرى مدن ولاية مينيسوتا، وامتد منها ليشمل المدن الأميركية الكبيرة الأخرى بعد مقتل جورج فلويد، فيشكّل حلقة أخيرة في لائحة طويلة وتاريخية من أعمال الشغب العنصرية في الولايات المتحدة.
سلّط موت جورج فلويد، الرجل الأميركي المتحدّر من أصول أفريقية إبان توقيفه من قبل الشرطة، وهو يستغيث تحت قدم رجل شرطي أبيض كان يضغط على رقبته، الضوء على قضية سياسية لها عدة أبعاد.
قضية تصاعد ارتباطها المنهجي بالعنف الذي مورس ويمارس على الأقليات، من قبل الشرطة في الولايات المتحدة، وذلك في ظل اتهامات وجهت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأنه يتحمّل قدراً كبيراً من المسؤولية في جعل رجال الأمن يشعرون بالحصانة عن أفعالهم. ذلك أن ترمب قال في مطلع عهده، وفي حفل ضمّ شرطيين وشرطيات: «لا تُفرطوا في الرقّة. أراكم تضعون أيديكم على رؤوسهم (رؤوس الموقوفين) إذ تدخلونهم السيارات مكبّلين، كي لا يرتطم الرأس بحافة الباب. دعكم من هذا!».

أميركا «دولتان»
البعض يقول: في الولايات المتحدة «دولتان»: واحدة يستطيع الناس فيها اقتحام المنازل والمؤسسات الرسمية، وتهديد المسؤولين المنتخبين بمسدساتهم وأسلحتهم الرشاشة والصراخ في وجه رجال الشرطة، كما جرى أخيراً في ولاية ميشيغان، ثم يغادرون سالمين من دون أي اعتراض. ودولة ثانية حيث يمكن للمواطنين الذين يسيرون بسلام أو يقفون على شرفات منازلهم، أن يتعرّضوا للاعتقال وللرصاص المطاطي وقنابل الغاز أمام الكاميرات.
هناك أميركا حيث يرفض الناس أوامر بارتداء الكمامات، وأميركا ثانية حيث يفتش الناس بيأس عن أقنعة للوقاية من الغاز. وباختصار وبلاغة أكثر: هناك أميركا البيضاء حيث يحقّ للمواطنين توقّع الحصول على الخدمة والحماية، وأميركا السوداء حيث ليس بوسعهم توقع ذلك.
لقد بدا أن الدعوة إلى «لا مزيد من العنصرية» ليس تغييراً يمكن تنفيذه بين ليلة وضحاها. ومع تجذر انعدام المساواة في أسس الدولة والأمة الأميركيتين، في ظل قصور الطبقة السياسية عن تقديم حلول جذرية، يغدو من الطبيعي أن تتحول الفوارق العرقية إلى نظام يتحكم بالحياة الأميركية خارج نطاق تطبيق القانون. وهذا الواقع، لا شك، يتطلب تغييراً منهجياً، اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. ويستوجب العمل على تحريك الدولة واستخدامها أدوات معقدة لعلاج القصور القانوني والتجاوزات الأخلاقية، في مشروع قد يستغرق عقوداً من العمل الدؤوب عبر أجيال عديدة لتحقيق هذا التغيير. إلا أن الحد من عنف الشرطة، بما في ذلك العنف الذي يستهدف عرقاً معيناً أكثر من غيره، قد يكون أسهل على الأرجح.
مكافحة تجاوزات الأمن
دول متقدمة عدة، ليس من بينها الولايات المتحدة، تمكنت من إيجاد «معادلة» مكّنتها من خفض عدد عمليات القتل على أيدي رجال الشرطة خلال تطبيقهم القانون، وهذا حتى في البلدان التي تعاني من التحيز والقلق الذي يثيره التنوع العرقي. ففي الولايات المتحدة أطلقت الشرطة النار في العام الماضي وحده، وقتلت أكثر من 1000 شخص، في حين أنه في بريطانيا قتل أقل من 100 شخص في إطلاق النار من قبل الشرطة على مدى العقدين الماضيين. وعند قياس قتلى الأسلحة النارية بسبب الشرطة من حيث نصيب الفرد، لا يبدو سجلّ الولايات المتحدة مشجعاً. ولعل، جزءاً مهماً من المشكلة توافر السلاح بكثرة، سواءً بين رجال الشرطة أو حتى المواطنين. وعلى سبيل المثال، فإن معظم ضباط الشرطة البريطانيين لا يحملون أسلحة نارية. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تنزع أسلحة الشرطة الأميركية، يرى البعض أنه بالإمكان العثور على سبل وسياسات أخرى.

مسؤولية الجمهوريين والديمقراطيين
من جهة أخرى، فإن مسؤولية الرئيس ترمب ومناصريه من الجمهوريين والمتشددين والمحافظين ليست حصرية أو فريدة في تغذية الانقسام إبان سنة انتخابية حاسمة. إذ إن الاتهامات توجه أيضا لمعارضيه، وخصوصاً للديمقراطيين، المتهمين بالوقوف موقف المتفرج على أعمال التخريب والعنف المدني والسرقة... إذ إنهم يبدون مكتفين بترداد خطاب لا يقدم حلولاً ولا يردع المخربين. وحتى مبادرتهم في الكونغرس لإقرار اقتراح تعديلات على قوانين الشرطة، لا تبدو كافية، علماً بأن تبنّيها يتطلب تعاون الجمهوريين وتوقيع ترمب عليها. ولذا، ثمة من يتهم الديمقراطيين، صراحةً، بأنهم إنّما يريدون في النهاية إلحاق الهزيمة بترمب فقط، ولو احترقت المدن وتعطلت الأعمال... وأنهم يعملون على استغلال الأحداث الجارية، لمضاعفة الضرر الذي لحق بأميركا والأميركيين، جراء كارثة جائحة «كوفيد - 19».
وحقاً، بعض الأصوات الجمهورية تتحدث عن «تضخيم مفتعل» لأرقام الوفيات الناجمة عن الجائحة التي تجاوزت الـ100 ألف شخص، بحسب «إحصاءات رسمية»، في محاولة للإبقاء على حالة الخوف من إعادة فتح الاقتصاد. ورغم أن استعادة الحياة الطبيعية قد يخدم ترمب والجمهوريين، فإن خطاب هؤلاء هو الآخر لا يقدم حلا للعنف العنصري، سوى استخدام القبضة الأمنية.
لقد هدّد ترمب باللجوء إلى قانون يعود إلى العام 1807 يسمح بنشر الجيش في المدن الأميركية لوضع حد للتظاهرات العنيفة، في أعقاب مقتل جورج فلويد. وقال في تصريحات في حديقة البيت الأبيض: «إذا رفضت مدينة أو ولاية اتخاذ القرارات اللازمة للدفاع عن أرواح وممتلكات سكانها، فسأنشر الجيش الأميركي لحل المشكلة سريعاً، بدلاً عنها». غير أن تصريحات الرئيس أثارت العديد من الانتقادات، لا سيما، وأنها أقحمت الجيش في الخلافات الداخلية، وجاء الانتقاد الأبرز من وزير دفاعه مارك إسبر، الذي رفض زجّ الجيش في الأحداث الجارية. أما وزير الدفاع السابق الجنرال جيم ماتيس فقد اتهم ترمب «بتقسيم الأميركيين بدلا من توحيدهم».
قرار نشر الجيش يحتاج إلى تفعيل «قانون الانتفاضة»، الذي استخدم في عقد الخمسينات لإلغاء الفصل العنصري، وبعدها في الستينات للتعامل مع أحداث شغب في مدينة ديترويت كبرى مدن ولاية ميشيغان. وكانت آخر مرة استخدم فيها القانون عام 1992 من أجل التصدّي لما يُعرف بـ«أحداث شغب لوس أنجليس»، التي أعقبت قرار تبرئة أربعة عناصر شرطة من البيض من تهمة استخدام العنف المفرط ضد رجل أسود يدعى رودني كينغ. وخارج النطاق العنصري، استخدم القانون قبل ذلك في عام 1989 خلال أعمال نهب واسعة وقعت في سانت كروي في «الجزر العذراء» بالبحر الكاريبي في أعقاب الإعصار «هيوغو». ويرى ترمب أن تفعيل القانون يهدف إلى التصدي لمحتجي منظمة «أنتيفا» أي من «المناهضين للفاشية» اليسارية المناهضة لليمين المتطرف. وهي جماعة يتهمها بالوقوف وراء أعمال التخريب التي أدت إلى عمليات النهب.
على أي حال، هذا ما تؤكده المنظمة نفسها، التي يصف أعضاؤها أنفسهم بأنهم فوضويون، يرفضون التسلسل الهرمي في المجتمع، ويسعون إلى مواجهة جسدية باستخدام وسائل عنيفة وإسقاط ما يعتبرونه يميناً متطرفاً. غير أن مسؤولين جمهوريين وديمقراطيين أشاروا أيضاً إلى مسؤولية منظمة «بوغالو» اليمينية المتطرفة، التي تُتهم بالسعي إلى إشعال حرب أهلية ثانية في البلاد. وحسب السناتور الجمهوري ماركو روبيو «هناك قصة كبيرة يجري تغييبها وهي أنه في مدينة بعد الأخرى، لدينا إرهابيون من جماعات من «أنتيفا» إلى «بوغالو» يشجّعون على العنف ويرتكبون أعمال عنف». وتابع روبيو، الذي يترأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، «قد لا تكون لديهم الآيديولوجيا ذاتها لكنهم يتشاطرون كراهية إزاء الشرطة والحكومة، ويستغلون الاحتجاجات». وأردف قائلا: «هؤلاء الأفراد يريدون هدم النظام بالكامل، حتى ولو تطلب ذلك حرباً أهلية جديدة».
«مؤتمر القيادة حول الحقوق المدنية وحقوق الإنسان» وحملة «زيرو»، في بداية عام 1950، كان بهدف المساواة الكاملة للجميع، وتوسّع من 30 إلى 200 منظمة. وأصدر توصيات تهدف إلى نزع السلاح من أيدي المجتمع الأميركي، وأعدّ مع منظمات أخرى مجموعة من أدوات السياسة والتشريعات النموذجية وقوانين الشرطة، وقدّم توصيات مدعومة بأبحاث اجتماعية. وأكد «المؤتمر» أن هذه السياسات لا تقوم فقط على ما يمكن معاينته في الظاهر، بل إن «الدور الذي تلعبه الكاميرات المثبتة التي يرتديها رجال الشرطة، لا تزال نتائجه محل نقاش». وبالفعل، يستطيع رجل الأمن تعطيلها إذا شاء، كما جرى خلال الأحداث الأخيرة، بعد اكتشاف أن كاميرات رجال الشرطة لم تكن مفعّلة أثناء مقتل رجل أسود يدعى ديفيد مكاتي، خلال مظاهرات شهدتها مدينة لويفيل كبرى مدن ولاية كنتاكي، الأسبوع الماضي.
وتشير الدراسات إلى أن النتائج جارٍ تحسينها من خلال زيادة الرقابة المجتمعية، والتقليل من الحواجز التي تحول دون الإبلاغ عن سوء سلوك الشرطة وتدابير المساءلة الأخرى. وهذا أمرٌ يتضمن تغيير عقود التوظيف التي تحمي رجال الشرطة من مواجهة عواقب سوء السلوك. إذ إحساسهم بالقدرة على الإفلات من العقاب النسبي، يجعلهم يقدمون على أفعالهم العنيفة.

يمين ويسار متطرفان
تاريخ العنف العنصري في العقود الأخيرة الذي كانت تمثله أفضل تمثيل المواجهات شبه اليومية بين أفراد الشرطة والأقليات - وخصوصا السود منهم - تعود جذوره إلى قرون عدة، حين كانت العبودية ضد السود هي نظام الحكم الذي قامت عليه الولايات المتحدة قبل استقلالها عن بريطانيا.
وما يُكر أنه مقابل ثورات السود على الظلم، نمت منظمات عنصرية للبيض، أشهرها منظمة الـ«كوكلوكس كلان» التي ذاع صيتها نتيجة عمليات القمع والقتل الجماعية التي كان ينفذها أفرادها بحق السود. والـ«ك ك ك» - كما تعرف شعبياً - من أقدم المنظمات العنصرية ولا تزال موجودة حتى يومنا هذا، على الرغم من تراجع أنشطتها العنفية.
عليه، كما نمت منظمات للدفاع عن السود تحت شعار «حياة السود مهمة»، وحركات يسارية متشددة مثل «أنتيفا» و«أناركيون» (فوضويون)، خلال السنوات الأخيرة، نمت في المقابل منظمات يمينية متطرفة تدعو وتدعم تفوق العرق الأبيض، ويعتنق بعضها أفكارا نازية، تعزّز حضورها مع نمو موجات اليمين المتطرف والحركات النازية الجديدة والفاشيين، في أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.

روزنامة أحداث عنصرية الطابع
> أحداث مدينة مينيابوليس اليوم تكاد تكون نسخة لأحداث مشابهة، تتكرر في دائرة مغلقة مستمرة منذ أكثر من نصف قرن من تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
- في عام 1965، في مدينة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا، أدى توقيف رجال شرطة أبيض لشاب أسود يدعى ماركيت فراي خلال عملية تدقيق مرتبطة بمخالفة مرور، إلى وقوع شجار مع أقربائه، تطور إلى تمرد في أحد المعازل أو «الغيتو» في المدينة. وتحوّل حي «واتس» الفقير لستة أيام، إلى ساحة قتال نظمت فيها دوريات الحرس الوطني المسلحة برشاشات ثقيلة، بدوريات في سيارات عسكرية وفرِضت منع التجول لاحتواء أعمال العنف. وبلغت حصيلة هذه الحوادث 34 قتيلا، بينما جرى توقيف 4 آلاف شخص، وأدت إلى أضرار قدّرت بعشرات الملايين من الدولارات.
-في عام 1967، أفضت مشادّة بين شرطيين من البيض في نيوجيرسي وسائق سيارة أجرة أسود إلى أعمال شغب ونهب استمرت خمسة أيام، وقتل فيها 26 شخصا وجرح 1500 آخرون.
-في عام 1967 أيضاً، اندلعت في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان أعمال عنف بعد تدخل رجال الشرطة في الشارع 12 الذي تقطنه غالبية من السود. وخلال أربعة أيام أدت المواجهات إلى مقتل 43 شخصا وجرح نحو ألفين آخرين. وامتدت أعمال العنف إلى ولايات أخرى بينها إيلينوي ونورث كارولاينا وتينيسي وماريلاند.
- في عام 1968، وعلى أثر اغتيال القس مارتن لوثر كينغ - أشهر وأهم المناضلين الأميركيين السود - في مدينة ممفيس بولاية تينيسي في الرابع من أبريل (نيسان)، انفجر العنف في 125 مدينة، ما أدى إلى سقوط 46 قتيلا على الأقل و2600 جريح. وامتدت أعمال العنف إلى العاصمة الاتحادية واشنطن، حيث كان السود يشكلون ثلثي عدد سكانها، وأضرمت الحرائق ووقعت أعمال نهب. وفي اليوم التالي، امتدت الاضطرابات إلى الأحياء التجارية في وسط المدينة وصولاً إلى منطقة تبعد نحو 500 متر فقط عن البيت الأبيض. واستدعى الرئيس (يومذاك) ليندون جونسون الجيش، الذي تدخل أيضاً في مدن نيوآرك (ضواحي نيويورك) وشيكاغو وبوسطن وسنسناتي.
- في عام 1980، قتل في حي السود «ليبرتي سيتي» بمدينة ميامي في ولاية فلوريدا 18 شخصا وجرح أكثر من 400 خلال ثلاثة أيام من أعمال العنف. واندلعت أعمال العنف هذه بعد تبرئة السلطات في مدينة تامبا (في غرب الولاية) أربعة شرطيين من البيض كانوا متهمين بقتل سائق دراجة نارية أسود تجاوز إشارة المرور.
- في عام 1992، في مدينة لوس أنجليس أيضاً، أدت تبرئة أربعة شرطيين بيض بعد محاكمتهم، من تهمة قتل رودني كينغ، وهو سائق سيارة أسود، في 3 مارس (آذار) عام 1991، إلى اشتعال المدينة. وامتدت الاضطرابات إلى مدن سان فرنسيسكو ولاس فيغاس وأتلانتا ونيويورك وأسفرت عن مقتل 59 شخصا وجرح 2328 آخرين.
- في عام، قتل شرطي أبيض شاباً أسود يدعى تيموثي توماس ويبلغ 19 سنة، أثناء مطاردته في مدينة سنسناتي بولاية أوهايو. وتلت الحادثة أربعة أيام من أعمال العنف والشغب جرح خلالها نحو 70 شخصا، ولم تستعد المدينة هدوءها إلّا بعد فرض حالة الطوارئ ومنع التجول فيها.
- في عام 2014، أدى مقتل الشاب الأسود مايكل براون، الذي كان في الـ 18 من العمر، برصاص أطلقه شرطي أبيض في مدينة فيرغوسن بولاية ميزوري، إلى أعمال عنف استمرت 10 أيام، بين السود وقوات الأمن التي استخدمت بنادق هجومية وآليات مصفحة. وفي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، أسقطت الملاحقات ضد الشرطي ما أدى إلى موجة ثانية من أعمال العنف.
- في عام 2015، في مدينة بولتيمور - القريبة من العاصمة واشنطن، وهي كبرى مدن ولاية ماريلاند - توفي فريدي غراي، وهو شاب أسود يبلغ من العمر 25 سنة، بعد إصابته بكسور في فقرات العنق خلال نقله بشاحنة صغيرة للشرطة إلى مركزها. وفي أعقاب نشر تسجيلات فيديو لعملية توقيفه، التي قيل إن نظراته لم ترُق لعناصر الشرطة، اندلعت أعمال شغب ونهب في المدينة التي يبلغ عدد سكانها 620 ألف نسمة، يشكل السود حوالي ثلثيهم. ومن ثم، أعلنت حالة الطوارئ واستدعت السلطات الجيش والحرس الوطني لإعادة فرض الأمن في المدينة التي تعاني ظروفاً اقتصادية سيئة، كانت سبباً لانتقادات أطلقها الرئيس دونالد ترمب ضد الديمقراطيين متهماً إياهم بالتقصير في تحسين ظروفها.
-في عام 2016، اندلعت في مدينة شارلوت، كبرى مدن ولاية نورث كارولاينا، تظاهرات عنيفة بعد مقتل كيث لامونت سكوت. سكوت رجل أسود في الـ43 من العمر، قتل عند خروجه من آلية بينما كان يطوّقه شرطيون، وقالت قوات الأمن إنه رفض تسليم سلاحه. لكن أقرباءه أكّدوا أنه لم يكن يحمل سوى كتاب بيده وينتظر بسلام ابنه عند موقف للحافلات. وبعد مظاهرات استمرت عدة ليال، أعلن حاكم الولاية حالة الطوارئ وطلب تعزيزات من الحرس الوطني.
- في عام 2017، دهست سيارة يقودها متطرّف من البيض امرأة ما أدى إلى مقتلها، بعد تصدّي متظاهرين غاضبين لمسيرة في مدينة شارلوتسفيل، بولاية فيرجينيا تدعو إلى توحيد قوى اليمين و«سيادة» البيض. وضمّت تلك المظاهرة جماعات من اليمين المتطرف و«اليمين البديل» و«الكونفدرالية الجديدة» و«الفاشيين الجدد» وغُلاة القوميين البيض و«النازيين الجدد» والـ«كو كلوكس كلان» وميليشيات مختلفة. وخلال تلك التظاهرة هتف المتظاهرون بشعارات عنصرية ومعادية للسامية، وحملوا بنادق نصف آلية، ورموزاً نازية وأعلاماً كونفدرالية (من حقبة الحرب الأهلية الأميركية). وشملت أهدافهم أيضا معارضة إزالة تمثال الجنرال روبرت لي، أحد رموز الحرب الأهلية، من «لي بارك». هذا، وتعرّض الرئيس دونالد ترمب لانتقادات حادة بسبب رفضه إدانة التظاهرة وقوله: «لدى الجانبين أشخاص جيدون».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.