الفريق اللبناني «يتوحّد» لاستكمال التفاوض مع «صندوق النقد»

البنك الدولي يدعو إلى استراتيجية موثوقة لإدارة «الكارثة» المالية

اللبنانيون يسعون لتوحيد كلمتهم أمام صندوق النقد لمواجهة أزمة الضغوط المالية المتوالية (رويترز)
اللبنانيون يسعون لتوحيد كلمتهم أمام صندوق النقد لمواجهة أزمة الضغوط المالية المتوالية (رويترز)
TT

الفريق اللبناني «يتوحّد» لاستكمال التفاوض مع «صندوق النقد»

اللبنانيون يسعون لتوحيد كلمتهم أمام صندوق النقد لمواجهة أزمة الضغوط المالية المتوالية (رويترز)
اللبنانيون يسعون لتوحيد كلمتهم أمام صندوق النقد لمواجهة أزمة الضغوط المالية المتوالية (رويترز)

بعد تيه في الرؤى والبيانات المالية كشفت عنه الجلسات السابقة في الفريق اللبناني المفاوض لصندوق النقد مؤخراً، يتوقع أن تفضي المشاورات البينية بين وزارة المال وحاكمية مصرف لبنان، برعاية رئاسية من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى توحيد أرقام الفجوة المالية في خطة التعافي المطروحة للتفاوض مع خبراء صندوق النقد الدولي، بما يسهل التوافق على التوصيفات، والفصل بين الخسائر الحقيقية والموجبات القابلة للمعالجة على المديين المتوسط والطويل.
وأكدت مصادر مشاركة لـ«الشرق الأوسط» أن جمعية المصارف ليست معزولة أيضاً عن أجواء الاجتماعات التنسيقية التي تجري في أروقة الحكومة ومجلس النواب، رغم الفوارق الكبيرة التي تراوح بين 70 و90 مليار دولار في تقديرات الخسائر، والتباين الشاسع في توزيع الأعباء.
وتم فعلاً ضم ورقة العمل التي أعدتها الجمعية بالتعاون مع شركة استشارية دولية إلى ملف التشاور، بهدف استخلاص مذكرة موحدة تمنح الفريق اللبناني قوة التفاوض بلغة مشتركة، بعدما حال التباعد في المواقف الناجم تلقائياً عن عدم التفاهم المسبق بشأن خطة الحكومة للتعافي المالي والاقتصادي دون تحقيق أي تقدم ملموس في الجلسات الأولى. وتفاصيل أكثر في التقرير التالي:

التجربة المصرية
في خضم استمرار اجتماعات صندوق النقد مع الجانب اللبناني 3 أيام كل أسبوع هذه الفترة، قال لـ«الشرق الأوسط» مرجع مصرفي موثوق أن «التمعن في التجربة المصرية الناجحة في حيازة استجابة الصندوق لضخ شرائح تمويلية جديدة، بما يشمل برنامج المعونة الطارئة، حكم بأولوية احتواء التشنجات العميقة بين (فرقاء) الفريق اللبناني، وبضرورات التوافق سريعاً على استبدالها بأجواء تتسم بالإيجابية»، ما يرجح التقدم سريعاً في الأسبوع المقبل صوب إعادة هيكلة المحددات الرئيسية والأرقام المطروحة للتفاوض المنتظر.
وبحسب التصورات الحالية، سيظهر الفريق اللبناني موحداً، وبروح مغايرة تعكس التعاون بين السلطتين التنفيذية والنقدية، ودعم السلطة التشريعية، ومشاركة القطاع الخاص بقيادة الجهاز المصرفي، بخلاف التوجه فرادى، وبخطابات مختلفة. وأثارت حفيظة خبراء المؤسسة الدولية شكوكهم بإمكانية التزام لبنان ببرنامج إصلاحي شامل لقاء منحه برنامج تمويلي ميسر تطمح الحكومة أن تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار.
محفز التفاهمات
برز في المستجدات المحفزة للتفاهمات الجديدة إفصاح البنك الدولي عن أن «لبنان بحاجة إلى استراتيجية موثوقة لإدارة الكارثة المالية، تحدد تدابير لمواجهة الأزمات، من خلال عدة أبعاد خارجية، والقطاع المالي وشبكات الأمان الاجتماعي وإطار للنمو وتحسين الحوكمة». وبحسب المصدر، فإن «افتراضاته ترتكز على تلكؤّ في الاستجابة، وفي احتواء الكارثة المالية التي تمر بها البلاد»، بالإضافة إلى وجود سوق صرف موازية، وانكشاف المصارف على الدين العام. وإذ توقع المتحدث باسم صندوق النقد الدولي، جيري رايس، أن تكون المناقشات والمفاوضات طويلة فيما يخص الملف اللبناني، نظراً لما تتسم به التحديات التي تواجهه من التعقيد والتداخل بدرجة عالية، فقد أشار صراحة إلى أن المعالجة تقتضي «إعداد التشخيص الصحيح، وإجراء إصلاحات شاملة، والمثابرة في التنفيذ. وهذا يستدعي الارتكاز على قوة شعور الحكومة بملكيتها لبرنامجها، ودعمها له في طرفي الطيف السياسي والمجتمع المدني في لبنان».
ونبه إلى عقد «عدة جولات من الاجتماعات الفنية مع كبار المسؤولين لتعميق فهمنا لتقديرات الخسائر الناجمة عن افتراضات إعادة هيكلة الدين العام، وخفض سعر صرف العملة، وغير ذلك من عوامل، وفقاً لما يرد في خطة الحكومة. وقد ساعدتنا هذه المناقشات في تفهم كثير من المسائل الفنية المحددة بصورة أفضل. غير أن وجهة النظر الأولية من جانب خبراء الصندوق تشير إلى أن تقديرات الخسائر المبينة في خطة الإصلاح تمثل عموماً الحجم التقريبي الصحيح، في ظل ما تم عرضه من افتراضات. ومع ذلك، سيتعين مباشرة مزيد من العمل الفني في المرحلة المقبلة لتنقيح هذه التقديرات، لا سيما في ظل تنفيذ إصلاحات محددة».
وقد لاحظ البنك الدولي أن تحسّن الميزان التجاري هو المساهم الإيجابي الوحيد في الحد من التفاقم بسبب الانكماش الكبير في الاستيراد نتيجة التعبئة العامة بسبب فيروس «كورونا»، والقدرة المحدودة على الحصول على سيولة بالدولار الأميركي. وبالفعل، فقد أدى تقلص المستوردات إلى لبنان بمقدار النصف منذ بداية العام الحالي، قياساً بما كانت عليه في الأشهر الأولى من العام الماضي، إلى تحقيق تصحيح اضطراري في الميزان التجاري نجم عن ارتفاع الدولار بنسبة قاربت ثلاثة أضعاف السعر الرسمي، وعدم توفر العملات الصعبة الجديدة التي تمكن التجار من إجراء تحويلاتهم إلى الخارج، فضلاً عن انكماش استهلاكي تلقائي فرضه إعلان التعبئة العامة، وتبدل كبير في توجهات المستهلكين.
وخفض البنك الدولي، في أحدث تقرير له، توقّعاته السابقة لنسبة النموّ الاقتصادي في لبنان للعام الحالي من 0.3 في المائة إلى انكماش بنسبة 10.9 في المائة نتيجة عدة عوامل، أبرزها آثار تفشي فيروس الكورونا، والضغوط المتوالية في سوق الصرف، وشح السيولة الناتج عنها الذي حد من حركة التجارة وتمويل الشركات، ومن حركة استيراد السلع، بالإضافة إلى الاضطرابات في سلسلة الإمدادات.
ولفت التقرير إلى أن «الأوضاع النقدية في لبنان تعكس حالة الهلع وتدابير المصرف المركزي، ولا سيما تدابير القيود على الرساميل، وتخفيض معدل الفوائد على الودائع بالليرة وبالدولار. كما أن أداء الكتل النقديّة لم يكن متجانساً، مع توسع الكتلة النقديّة (م1) بنسبة 42.5 في المائة مع نهاية عام 2019. وانكماش الكتلة النقديّة بمفهومها الواسع (م3) بنسبة 6.7 %على أساسٍ سنوي، نتيجة خروج بعض الرساميل من البلاد».
سحب الدولار
وقد عزا التقرير النمو الكبير في الكتلة النقديّة «م1» إلى عدّة عوامل، بينها توسع الاقتصاد النقدي بالليرة، واضطرار المودعين إلى سحب ودائعهم المحررة بالدولار حصراً بالليرة، وتحمّلهم الخسائر الناتجة عن إعادة تحويل تلك الأموال إلى الدولار النقدي على سعر الصرف في السوق الموازية، ولجوء بعض المودعين إلى تحويل ودائعهم المعنونة بالليرة اللبنانيّة إلى الدولار على سعر الصرف الرسمي. وتوقع البنك الدولي أن فيروس كورونا سيكون له تداعيات سلبيّة على قطاعات أساسيّة في الاقتصاد اللبناني خلال الربعين الأوّل والثاني من العام الحالي، كقطاع التجزئة والمطاعم والبناء والعقارات، بالإضافة إلى القطاع المصرفي، بينما سيخفف التراجع في أسعار السلع العالمية من العبء على ميزان المدفوعات، ويحد جزئياً من تضخم الأسعار نتيجة سعر الصرف الموازي.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.