حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

رئيس الوزراء السوداني أكد سعي الخرطوم إلى اتفاق حول «سد النهضة» وتوقع «فوائد كبيرة جداً»

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب
TT

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

أكد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أن خروج بلاده من قائمة الإرهاب الأميركية، بات وشيكاً جداً، مشيراً إلى حدوث «تقدم كبير» في العلاقات مع الولايات المتحدة، وتفاهمات كثيرة، وأنه تبقى جزء بسيط متعلق بالتعويضات فيما يخص تفجيرات سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام. وأضاف: «حتى هذه القضية قطعنا فيها خطوات كبيرة، ونتوقع أن نصل إلى نهايات في القريب العاجل». وأضاف: «منذ جئنا للسلطة، نعمل على معالجة ملف الإرهاب، وأحرزنا تقدماً كبيراً، ونتوقع أن يكون هذا الملف في نهاياته».
في ذات الوقت، دعا حمدوك في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، لإقامة علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية، تتجاوز العون والمساعدات، إلى التكامل غير المحدود. وشدّد على أن العلاقات مع الرياض وأبوظبي «جيدة جداً... ونشيد بالدعم الذي نتلقاه منهما، لكنا نطمح أن ترتقي العلاقة لمجال أكبر من الهبات».
وقال حمدوك إنه غير قلق من حدوث تصعيد مع إثيوبيا، بعد التوترات الحدودية الأخيرة، مشدداً على أن البلدين بينهما من الآليات «ما يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة». وأكد أن بلاده «طرف أصيل في موضوع سدّ النهضة»، وتوقع «فوائد كبيرة جداً». وأضاف أن «ما قمنا به من عمل هو مساعدة الأطراف الثلاثة، ووقف التصعيد والعودة لمائدة التفاوض، لنصل إلى اتفاق يُمكن إثيوبيا من ملء بحيرة السد قبل البدء في ملء البحيرة».
وأشار إلى قدرته على حلّ أزمات السودان الاقتصادية، قائلاً: «لو لم أكن مقتنعاً بمعالجة الأزمة الاقتصادية، فلن أظل في مقعدي ليوم واحد، نحن مقتنعون تماماً بأننا بلد غني بموارده الكثيرة، ورثنا اقتصاداً منهاراً تماماً، لكن بوحدتنا وبقدرتنا على مخاطبة المكون المحلي والعالم الخارجي حولنا، نستطيع خلق مناخ على المدى القصير يساعدنا على الخروج من الحفرة الموجودين فيها».

> أصدر مجلس الأمن الدولي أمس، قرارين، استجابة لطلب الحكومة إنشاء بعثة سياسية خاصة بالسودان، وتمديد أجل بعثة يوناميد، ما تأثيرهما على الأوضاع في السودان؟
- طلبنا إرسال بعثة سياسية للسودان تحت البند السادس، ووجد القرار استجابة وموافقة من المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي، وهي بعثة لمساعدتنا في تحديات الانتقال وعلى رأسها عملية السلام، ونسعى لإخراج السودان من تحديات ومشاكل البند السابع الذي ظل موجوداً فيه لمدة 15 عاماً.
هذه العملية تتم وفق رؤية الحكومة السودانية، وهذا ما ذكره مجلس الأمن الدولي: أن تتم العملية وفقاً لحفظ السيادة الوطنية.
مفاوضات السلام في جوبا تمضي بصورة جيدة، وسنصل إلى اتفاق سلام، بما في ذلك الحركات التي لا تشارك في المفاوضات الآن، وللسلام استحقاقات كثيرة جداً منها إعادة اللاجئين والنازحين، وتوفير الأمن الغذائي والمرافق والخدمات لهم، والبعثة الأممية ستساعدنا في جمع الموارد لتلبية متطلبات السلام.
كذلك ستساعدنا البعثة خلال الفترة الانتقالية للتحضير للانتخابات، وهي علمية مكلفة لأي دولة خارجة من حروب ونزاعات، ونحن سعداء بالشكل الذي تم به القرار.
أما اللغط الذي دار بأن البعثة تضم قوات عسكرية، فهذا الحديث غير صحيح، والبعثة تأتي وفق رؤيتنا، ونحن من نقودها وهي توفر لنا ما نريد.
> ما تعليقك على الآراء التي تتحدث عن أن وجود البعثة فيه انتقاص للسيادة الوطنية؟
- هذا حديث غريب، فالسودان عضو في الأمم المتحدة، ومن الطبيعي أن يلجأ لها للبحث عن الدعم، والغريب أن من يتباكون على السيادة الوطنية يتناسون أن هنالك الآلاف من القوات الأممية موجودة بالفعل في البلاد منذ أكثر من 15 عاماً، وتحت البند السابع.
> كيف يمكن أن يؤثر القرار على علاقات السودان الدولية في ظل التعقيدات القائمة بين السودان وأميركا حول لائحة الإرهاب؟
- منذ جئنا للسلطة فنحن نعمل على ملف الإرهاب وأحرزنا تقدما كبيراً ونتوقع أن يكون هذا الملف في نهاياته.
> ما آخر المستجدات في الحوار مع أميركا على ملف رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب؟
- ما حدث تطور كبير جدا، ووصلنا لتفاهمات كبيرة حوله، وتبقى جزء بسيط متعلق بالتعويضات في تفجيرات سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام، وحتى هذه القضية قطعنا فيها خطوات كبيرة، ونتوقع أن نصل إلى نهايات في القريب العاجل.
> من أين ستسددون أموال التعويضات؟
- سنناقش هذا الأمر مع الأميركان والأشقاء في الإقليم، ونأمل بأن نصل لتفاهمات، وهو ملف ظللنا نعمل عليه منذ مجيئنا للسلطة، ونتوق لأن يحدث فيه انفراج كبير قريباً.
> متى تتوقعون رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب؟
- كانت توقعاتنا أن يحذف اسم السودان من لائحة الإرهاب أمس، ولكن أتوقع أن ترفع بشكل سريع وعاجل جدا.
> عين السودان سفيره في واشنطن، ووافقت واشنطن على تطوير علاقتها لمستوى سفير، فمتى سيصل السفراء؟
- اتفقنا في زيارتي لواشنطن ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على تبادل السفراء، لم يكن لأميركا سفير لدى السودان منذ 23 عاماً، فقرروا تعيين سفير، وهذا يعتبر تقدماً كبيراً في العلاقات بين البلدين، وأعتقد أن الظروف المتعلقة بجائحة كورونا أدت إلى تأخير تعيين السفير الأميركي بالخرطوم.
> هنالك جدل حول عملية السلام مع الحركات المسلحة، وتوجه لها كثير من الانتقادات - بما في ذلك عدم تكوين مفوضية الانتخابات لتشرف عليها - تصل إلى أن البعض يقول إن العسكريين اختطفوا عملية السلام؟
- هذا غير صحيح، فمنذ تشكيل الحكومة الانتقالية، وضعنا رؤية لتحقيق السلام، تخاطب قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإصلاح القوانين وجبر الضرر والمصالحات والعدالة الانتقالية والترتيبات الأمنية والعون الإنساني، وكل أوراق التفاوض تمت صياغتها بواسطة مجلس الوزراء، ويشارك بعض الوزراء في المفاوضات مع الحركات المسلحة في جوبا، وقد قمت شخصياً بزيارة جوبا.
أنا على اتصال مباشر ودائم بقيادات الجبهة الثورية والحركات المسلحة الأخرى غير المشاركة في المفاوضات، أما الحديث عن اختطاف ملف السلام فهو غير موفق، مجلس السيادة جزء من السلطة الانتقالية، نحن حكومة فترة انتقالية متكاملة ولا يوجد تنافس بيننا.
الذي يقود المفاوضات الآن هو عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، وهو من المدنيين، أما مشكلة مفاوضات السلام، فإنها خاطبت مسارات أكثر من كونها خاطبت محاور، وهو ما أطال أمد التفاوض.
كان هنالك تفاؤل كبير بأن يتم السلام خلال شهر من تشكيل الحكومة الانتقالية، وهنالك مقترح بعدم تشكيل الحكومة والانتظار لمدة شهر حتى تضم حركات الكفاح المسلح للحكومة، لكن هذه المساءلة لم تتم لأن روح التفاؤل كانت الحاكمة وقتها، وهو تفاؤل مبرر، لأن قوى الكفاح المسلح جزء من الثورة والتغيير وقد ساهمت فيه بشكل كبير جدا.
ولا نسمي ما يجري في جوبا «تفاوضاً»، إنما حوار بين طرفين المشتركات بينهما كبيرة جدا، هنالك حركات لم يجر التفاهم معها حتى الآن، «حركة تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد النور»، و«الحركة الشعبية شمال، بزعامة عبد العزيز الحلو»، وقد بدأنا معهما التفاوض، ثم توقف بسبب بعض التعقيدات، وفي المرحلة الثانية من السلام نريد استصحاب كل الإيجابيات والسلبيات التي حدثت في المرحلة الأولى، وأنا على تواصل مستمر مع قيادات الحركتين.
> لكن حركة عبد العزيز الحلو لا تزال متمسكة بموقفها التفاوضي من قيام دولة علمانية؟
- من المهم جدا في عملية السلام عدم التمترس حول موقف محدد، والمعادلات الصفرية، ينبغي أن نذهب إلى التفاوض بذهن مفتوح، وبلا خطوط حمراء، وأن نتحاور بروح وطنية عالية في كل القضايا، ما أضر السودان سوى عدم مناقشة المسكوت عنه بروح مفتوحة، وبالتأكيد سنصل إلى تفاهم حول هذه القضايا، ففي مؤتمر أسمرة للقضايا المصرية الذي تم في عام 1955 تم التوصل إلى معالجة علاقة الدين بالدولة، وكذلك المقاربات التي تمت للقضية في الدستور الانتقالي 2005. وما دمنا حريصين على البلد وعلى استدامة التنمية والديمقراطية فسنجلس إلى طاولة الحوار حول كل القضايا وسنصل فيها لاتفاق.
> تطاول أمد المفاوضات أثر على أداء الحكومة؟
- لم يكن في توقعاتنا أن يأخذ السلام هذا الوقت الطويل، ويرجع ذلك إلى أن التفاؤل متزايد بإيقاف الحرب وبناء السلام، باعتبار ذلك مطلباً أساسياً لو لم يتم إنجازه فإن أي حديث عن ديمقراطية مستدامة سيكون معلقا في الهواء.
> ما رأي الحكومة في التوترات الأمنية التي حدثت في دارفور بين الجيش وحركة تحرير السودان هذا الأسبوع؟
- منذ بدء الفترة الانتقالية لم تتوقف الصدامات والمشاكل ذات الطابع الإثني والقبلي في ولايات دارفور وبورتسودان وكسلا وكادوقلي، هذه النزاعات والصدامات مرتبطة بالدمار الشامل الذي خلقه النظام المعزول، بتكريسه الجهوية وإثارته للفتن والوقيعة بين الإثنيات والقبائل.
هذه تحديات تواجه الحكومة الانتقالية، وتحتاج إلى معالجات خاصة لمشكلة استرخاص القتل والدم السوداني، الذي جعل الموت سهلا، لأن الدولة والقبيلة تتدخلان لدفع الديات لحوادث القتل، لوقف هذا وضعنا منهجاً يقوم على أن أي شخص يعتدي على الآخر يواجه بالقانون، وأن نعمل على فرض هيبة الدولة.
> لماذا يبدو البطء في إكمال هياكل الانتقال بحسب الوثيقة الدستورية؟
- هناك بطء في تعيين الولاة المدنيين، وتشكيل المجلس التشريعي، هذين الملفان عطفاً على روح التفاؤل التي سادت بعد الثورة، تم ربطهما بتحقيق السلام، نحن في مؤسسات السلام والحكم الانتقالي وصلنا لنتيجة، أن هذا الربط لم يكن صحيحاً، وما كان علينا ربطهما بتحقيق السلام، وهذا خطأ، لكنه تم بتوقعات أن السلام قريب، كنا نقول دعونا ننجز هذه الأشياء مع بعض، وبروح إشراك قوى الكفاح المسلح في تشكيل هذين الهيكلين، وقبل فترة أسبوعين إلى ثلاثة وصلنا معهم لاتفاق على تعيين ولاة مؤقتين، وتكوين المجلس التشريعي قبل تحقيق السلام، وهناك جدية كاملة للتعامل مع الأمر.
المجلس التشريعي... لو كانت هناك إضافة حقيقية للانتقال الثالث مقارنة بانتقال أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985 فهو المجلس التشريعي، وقد توافق الموقعون على الوثيقة الدستورية على قيام مجلس تشريعي وهي إضافة ليست هينة، وأنا أسميها «جمعية وطنية» وليس مجلسا تشريعيا، لو تم الأمر باكرا لكان سيتيح لنا الفرصة لمناقشة قضايا البلد الكبيرة، قصة العلمانية وشكل الدولة، الانتخابات والدستور، وكل القضايا كان يمكن مناقشتها في مجلس تشريعي بوجود ممثلين لمختلف ألوان الطيف السياسي، وهذا عادة لا يتحقق نتيجة لانتخابات، لكن ما تزال هناك فرصة للقيام بذلك. المحزن أننا ندعم البلدان الأخرى، لذلك يجب أن نصل فيه لتفاهم ونتخذ فيه قرارا واضحا، وأرى أن على الحاضنة السياسية أن تتفق معنا عليه.
> قرار زيادة الرواتب بنسبة تجاوزت 500 في المائة، هل تم التحسب لما قد ينتج عنه من آثار تضخمية؟
- نحن واعون لهذا الجانب، لذلك قبل أشهر من صدور هذا القرار، اتخذنا حزمتين أساسيتين «برنامج سلعتي» وهو برنامج حدد أكثر من 10 سلع استراتيجية قمنا بوضع ميزانياتها وتكلمنا فيها بشكل مفصل مع منتجيها، لتذهب مباشرة من المنتج للمستهلك، وهذا يوفر ما نسبته 30 - 40 في المائة من سعر السلعة بقطع الطريق أمام الوسطاء، والشيء الآخر الذي بدأنا فيه بشكل جاد هو تفعيل اقتصادات التعاون لتوفير السلع لكل المواطنين، وذهبنا فيه خطوات كبيرة، ما يساعد فيما قد ينتج عن زيادة المرتبات وأي آثار تضخمية لها.
> في مجال تفكيك نظام الإنقاذ، نسبت لك تصريحات تتحدث فيها عن «عدالة انتقالية»، وفهمت أنها محاولة لإعادة «إسلاميين» للواجهة من هذه البوابة؟
- لم أتحدث عن قوى سياسية في هذا الموضوع، إسلاميين أو غيرهم، لكني تحدثت أننا ولأكثر من 60 سنة منذ استقلال البلاد، فشلنا في خلق نموذج للاستقرار وتحقيق المشروع الوطني الذي يحفظ استقرار السودان واستدامة الديمقراطية، لذلك يجب أن نصل لتفاهم حول قيام مشروع وطني يجمع عليه كل السودانيين، ونترك مسألة من يحكم لخيارات الشعب السوداني، هذا الشق الأول من المشروع، أما الشق الثاني منه فيتمثل في إقامة مشروع تنموي نهضوي يخاطب قضايا التنمية المستدامة، هذان الذراعان مع بعضهما، يشكلان المشروع الوطني.
هذا المشروع لم يدخل في تفاصيل مخاطبة أي مكون، أو أي سياسي، نحن في فترة انتقالية ليست فيها أحزاب، نحن نتكلم عن مشروع وطني، يخاطب هذه الحاجة.
> لكنك التقيت بعض رموز الإسلاميين، مثل غازي العتباني مثلا؟
- طلب لقاءنا ونحن نلتقي أي سوداني، والعتباني يلتقي كل قوى إعلان الحرية والتغيير، ليست لنا أجندة سياسية، وكل ما نفعله يقال.
> شهدت الحدود بين إثيوبيا والسودان حالة من التوتر الأمني والعسكري مؤخراً، إلى أين تسير الأوضاع مع الجارة الشرقية؟
- تجمعنا بإثيوبيا علاقات الجيرة والثقافة والتاريخ، وبيننا من الآليات ما يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة، فهناك لجنة خماسية مشتركة مكونة من وزير مجلس الوزراء من جانبنا، ونائب رئيس الوزراء من جانبهم، ووزراء الخارجية من البلدين، وقادة هيئات الأركان والاستخبارات، اجتمعت الشهر الماضي ونتوقع عقدها خلال هذا الشهر لمعالجة الأزمة، نحن غير قلقين من حدوث تصعيد.
> تقدمت بمبادرة لإعادة كل من السودان ومصر وليبيا لطاولة التفاوض لحل مشكلة سد النهضة، أين وصلت؟
- نحن لسنا وسطاء في موضوع سد النهضة، نحن طرف أصيل، نستفيد من السد فوائد كبيرة جداً، ما قمنا به من عمل هو مساعدة الأطراف الثلاثة ووقف التفويض والعودة لمائدة التفاوض، لنصل لاتفاق يمكن إثيوبيا من ملء بحيرة السد قبل البدء في ملء البحيرة.
> تحتفظون بعلاقات جيدة بدول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، لكن المراقبين يتحدثون عن ثمة جفوة، ماذا هناك؟
- علاقتنا جيدة جداً مع السعودية والإمارات، ونشيد بالدعم الذي نتلقاه من الأشقاء في السعودية والإمارات، لكننا نطمح لأن ترتقي العلاقة لمجال أكبر من الهبات، نحن نريد علاقة تقوم على المصالح المشتركة وعلى الاستثمار دون سقف محدد، ونسعى لأن يأتي رأس المال السعودي والإماراتي للاستثمار عندنا ببلايين الدولارات، لأن لدينا الإمكانيات والمزايا التي تمكن من حدوث هذا التكامل، ونريد علاقة سقفها بلا حدود ولا تقف عند حدود المعونات، بل أن تذهب لآفاق أرحب من ذلك.
> كانت الإجراءات تجري على قدم وساق لعقد مؤتمر المانحين، قبل جائحة كورونا، لكنها توقفت، أين وصلت الأوضاع الآن؟
- سميناه اسما جديداً: «مؤتمر الشراكة السودانية»، وأطرافه مع كل الأصدقاء والأشقاء، سيعقد افتراضيا بسبب ظروف الكورونا، والشركاء الأساسيون فيه هم «السودان، وألمانيا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
> قطعتم أكثر من ميعاد لتعيين الولاة وتشكيل المجلس التشريعي وتم التراجع عنه، فمتى يتم ذلك؟
- لا، لم يحدث تراجع، تأخرت تسمية الولاة لأن هناك صعوبات حقيقية، نحن لن نغش شعبنا، هناك صعوبات نعمل على حلحلتها.
> ما هذه الصعوبات، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بتعيين الولاة المدنيين؟
- هناك ثلاث صعوبات تواجه تعيين الولاة، وفي نقاشنا مع قوى إعلان الحرية والتغيير، قلنا لهم نريد ولاة - حكام ولايات - يخاطبون الواقع الاجتماعي والإثني والتعقيدات الموجودة في كل ولاية، لا نريد واليا يخلق مشاكل، بل نريد واليا يحل المشاكل، لذلك يجب أن يكون متوافقا عليه من المكونات في الولاية المحددة.
هناك أيضاً موضوع تمثيل النساء في حكم الولايات، وهو واحد من القضايا التي وقفت أمامنا، والصعوبة الثالثة هي التوافق مع قوى الكفاح المسلح، لأننا وقعنا معهم إعلان جوبا، ونص على تأجيل تعيين الحكم حتى يأتي السلام، وهذا يمكن أن يكون خرقاً له، قد يترك تأثيرا سالبا جداً على عملية السلام. هذه الصعوبات الثلاث وصلنا فيها لتفاهم كبير، واقتربنا من تعيين الولاة.
> متى يتم تعيينهم؟
- لا أستطيع تحديد زمن، فقبل ذلك حددنا نهاية مايو (أيار) الماضي، لكننا نعمل عليها، لأننا حريصون عليها أكثر من أي جهة ثانية لأنها ستساعد الجهاز التنفيذي، نحن عندنا أن أهلنا في الولايات لا يحسون بالتغيير الذي حدث، وهذا يجب أن يحدث، أؤكد لكم لو تأخر تعيين الولاة المدنيين فهذا ليس لأن الناس لا يعملون على ذلك، بل نتيجة لتعقيدات حقيقة نسعى لمعالجتها.
> «الحرية والتغيير» قدمت قائمة بأسماء الولاة المقترحين، وكان لكم رأي، هل أعيد النظر في القائمة المقدمة؟
- نحن نتناقش فيها بانتظام.
> ما الذي يعيق تكوين المجلس التشريعي هو الآخر؟
- كما تعرف فتعيين المجلس التشريعي، ليس من اختصاص الجهاز التنفيذي، نحن نساعد فيه برؤانا ونعمل على تقريب وجهات النظر، ونساهم مع قوى إعلان الحرية والتغيير، ومسؤولية اختياره بالكامل تقع عليهم.
> دأبت على وصف التكوين الحالي للانتقال بأنه نموذج سوداني فريد من نوعه، ويمكن أن ينتقل بالسودان خطوات كبيرة، لكن بعد كل فترة وأخرى، تطفو على السطح تناقضات عملياتية بين مكوناته؟
- نحن نتكلم عن النموذج السوداني، ونسميه كذلك لأن فيه سمات فريدة لا مثيل لها، سواء في تجارب الربيع العربي أو الدول الأفريقية حولنا، نحن نسميه نموذجا سودانيا لسماته الفريدة، مثل التحالف بين المدنيين والعسكريين، وله مكون سياسي هو الحرية والتغيير، حتى في تجاربنا السابقة، لا يوجد له مثيل، وبالضرورة، لهذا النموذج مشاكله، وبالتالي أي حديث عن أنه لا يسير بطريقة متسقة فهو غير صحيح.
تحالف الحرية والتغيير تحالف عريض جداً، وبالتالي قضاياه ومشاكله والخلافات داخله تنعكس على الأداء التنفيذي أو السيادي، أو الانتقال كله، العلاقة بين المدنيين والعسكريين مع كل الحرص على إنجاح الفترة الانتقالية عندها تعقيداتها، وتحكم كل هذه العملية «الوثيقة الدستورية»، وهي وثيقة لها عيوبها ومشاكلها، وتنفيذها بالضرورة يخلق تعقيدات ومشاكل جديدة، من المهم جداً أن نصبر على هذه التعقيدات ونحلها بصبر لتحقيق هدف واحد، وهو أننا إذا كنا في الجهاز التنفيذي أو المجلس السيادي أو الحرية والتغيير، ليست لدينا أهداف إلاّ العبور بهذا الشعب لفترة ديمقراطية مستدامة وتنمية، وهذه هي أهداف الفترة الانتقالية، فأي تجربة مثل هذا من الطبيعي أن تكون عندها مشاكل.
> ظللتم تطالبون الناس بالصبر، وقد صبروا، إلى متى سيستمر هذا الصبر؟
- لقد صبر الناس ثلاثين سنة، فهل تسمى التسعة أشهر - عمر الحكومة الانتقالية - صبرا.
> لكنكم رفعتم لهم سقف التوقعات؟
- لشعبنا الحق في رفع توقعاته ليحدها السماء، لا خلاف على ذلك، لأنه أنجز أعظم ثورة، لكننا لم نأت لنعد بالفردوس، بل جئنا لنعمل مع شعبنا لمعالجة كل القضايا، وقادرون على ذلك.
> في ملف الاقتصاد، هل أنت مطمئن على قدرتك على إخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي تعيشها؟
- لو لم أكن مقتنعا بمعالجة الأزمة الاقتصادية، فلن أظل في مقعدي ليوم واحد، نحن مقتنعون تماماً بأننا بلد غني بموارده الكثيرة ورثنا اقتصادا منهارا تماماً، لكن بوحدتنا وبقدرتنا على مخاطبة المكون المحلي والعالم الخارجي حولنا، نستطيع خلق مناخ على المدى القصير يساعدنا على الخروج من «الحفرة» التي نوجد فيها، رغم أننا بلد غني جداً. هناك جزء خاص بالسياسات، وجزء خاص بمعالجة قضايا كثيرة جداً مرتبطة بالتشوهات الاقتصادية، سواء أكانت خللاً داخلياً أو خارجياً، أو عدم التواؤم بين المصروفات والإيرادات، والخارجي المرتبط بالتصدير والوارد، التعامل مع القروض والهبات والديون، فنحن ورثنا 60 مليار دولار دينا، ويسميها الناس حفرة عمقها 60 مليار دولار.
> في أول ظهور إعلامي لك، بعد أدائك اليمين الدستورية رئيسا للوزراء، أكدت الاعتماد على اقتصاد الإنتاج، وتسخير قدرات البلاد المحلية، لكن كثيرين يرون أن الأداء الاقتصادي للحكومة ما يزال حتى الآن يعتمد على الهبات والمنح والقروض؟
- هذا الحديث ليس صحيحاً بنسبة مائة في المائة، لم يقدم لنا أحد أي هبات.
> على الأقل على مستوى الرؤى المطروحة؟
- نحن نعمل على تأهيل اقتصادنا ليقف على أرجله، وهو يعتمد على أشياء أساسية، لو لم تعالج ملف الديون، فإن أي حديث عن فتح البلاد للاستثمار واستقطاب الرساميل المحلية أو الأجنبية لن ينجح، تأهيل البلاد بحاجة لحزمة كاملة من سياسات الاقتصاد الكلي، تعالج الخلل الداخلي والخارجي.
الخلل الداخلي مرتبط بالإيرادات والمنصرفات وفي قلب الإيرادات الضرائب، نحن كبلد طوال أيام حكم الإنقاذ كنا نجمع 6 في المائة من الدخل القومي من حصيلة الضرائب، ففي محيطنا الأفريقي وبلدان صغيرة، تجمع 15 في المائة، وأخرى تجمع أكثر من 20 في المائة من الدخل القومي من الضرائب.
لتدير دولة محترمة - ليس فيها رفاهية - أنت بحاجة على الأقل لضرائب تبلغ 15 في المائة من الدخل القومي، هذا لم يحدث عندنا لأن السائد هو «الإعفاء الضريبي» والتهرب الضريبي، ليس جمع تحصيل الضريبة، لذلك اضطرت الدولة لرفع يدها عن التعليم والصحة، نحن نريد تحصيلا للحد الذي يوفر ذلك، لنصرفها على قضايا تأهيل الاقتصاد، الكادر البشري أولاً، فلا يمكن أن يتطور أي بلد دون أن يصرف على التعليم والصحة، لهذا عالجنا هذا الأمر في الهيكل الراتبي. الشيء الثاني تأهيل البنيات الأساسية المدمرة تماماً «طرق، مواصلات، نقل نهري بري جوي، كهرباء»، كيف تطور البلد بقطاعات منهارة مثل هذه؟
هذه هي القضايا التي نرى أنها ستؤهل اقتصادنا، معالجة الخلل الخارجي تتم بالإيرادات من الصادرات، نحن لا نملك صادرات الآن، فقد دمروا القطاع الزراعي تماما، ونعمل على إعادته لعافيته، ليكون عظم ظهر الاقتصاد السوداني، نحن نتحدث عن اقتصاد زراعي مرتبط بالتصنيع، لأننا ما زلنا نعتمد النموذج الموروث من الاستعمار والذي يقوم على تصدير المواد الخام، فمثلا حين تصدر الحيوانات حية، فكم منتجا تصدرها معه؟
هذا من السهل قوله، لكن له متطلبات كثيرة جداً، فنحن نريد تأهيل اقتصادنا، وحين نقول إننا معتمدون على الإنتاج، فنحن نقصد هذا، وفيه حزمة كاملة من السياسات، والمتطلبات الأخرى من بنية أساسية.
> الناس، بما في ذلك «الحرية والتغيير»، يقولون إن البلاد لستة أشهر ظلت بلا موازنة يتم التعامل معها؟
- هذا ليس صحيحاً، نحن أجزنا ميزانية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من قبل الاجتماع المشترك للمجلسين، فقط حدث خلاف على قضية ترشيد الدعم، وأجلناها للوصول لقرار نهائي حولها في المؤتمر الاقتصادي القومي، وكان مقررا عقده في مارس (آذار) الماضي، ولم يكن هناك من يتوقع أن تقع فينا «جائحة كورونا»، التي أدت لتأجيل كل الأشياء.
لكن طوال هذه الفترة حدث حوار مفيد جداً بين القطاع الاقتصادي في الحكومة واللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير قرب وجهات النظر كثيراً على حزمة الإصلاح الاقتصادي، وتتكون من خمسة محددات توافقنا على أربعة منها بنسبة مائة في المائة، وتبقت الخامسة وهي المرتبطة بدعم السلع، وحدث فيها توافق أيضاً، لأننا نتكلم عن ترشيد الدعم وليس رفعه، فنحن ندعم الكهرباء والخبز ولن نرفع عنهما الدعم، لكنا نتكلم عن قطاعات مثل الوقود، مثلا لا يوجد سبب يجعلنا ندعم «البنزين» بالمبالغ الهائلة، رغم قلة مستهلكيه، فلا علاقة للمنتجين في دارفور والشمال والشرق وكل أنحاء البلاد بوقود البنزين.
قضية دعم البنزين ليس في الاستهلاك فقط، بل تسبب خللاً حتى في نمط الاستهلاك، فعندما يكون رخيصا يزيد الاستهلاك، والأهم من هذا كله تهريب الوقود، فنحن نبيعه بخمس قيمته مقارنة بمحيطنا، لذلك لن يتوقف المغامرون عن التهريب، لأنهم يحققون ربحاً كبيراً، ينتج عنه أن ما نسبته 40 في المائة من الوقود يتم تهريبه للجوار.
> تسعة أشهر على تشكيل الحكومة الانتقالية... ما الذي تحقق بحسب نظرك؟
- نحن ورثنا تركة مثقلة من نظام حكم البلاد 30 عاما، وعلى هدي الوثيقة الدستورية، وضعنا برنامجاً للفترة الانتقالية يقوم على 10 أولويات، أهمها ملف السلام والاقتصاد، لقد عالجنا جزءا كبيرا من هذه القضايا، ورغم البطء الذي صاحب عملية السلام، نعتقد أنه يمضي في الاتجاه الصحيح، وخاصة الوثائق التي توصلنا إليها خلال المفاوضات.
أما النجاح الأكبر للحكومة فقد كان في نجاح الموسم الزراعي الشتوي والإنتاجية العالية لمحصول القمح، لقد شاركت فيها الحكومة، لكن الفضل فيها يعود للمزارعين، ما حدث يبشر بأن بمقدورنا تحقيق الاكتفاء من القمح بل تصديره للخارج.
ويعد تعديل الهيكل الراتبي، والذي خاطب مسألة العدالة وإنصاف قطاع المعلمين الذي ظل مهملاً لوقت طويل، إضافة إلى معالجة مشكلة شح السيولة النقدية، وغيرها.
نحن لا نمن على شعبنا، لأن أي إنجاز نحققه أقل من سقف توقعات هذا الشعب العظيم، صحيح هناك بطء في استكمال أجهزة الانتقال، لكنا نعمل عليها بجد.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.