خمسة أفلام ذات اتجاهات أسلوبية وسياسية مختلفة

قراءة لمسابقة أوسكار الفيلم الأجنبي

«عمر»
«عمر»
TT

خمسة أفلام ذات اتجاهات أسلوبية وسياسية مختلفة

«عمر»
«عمر»

من بين المخرجين الخمسة المرشـحين لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وحده هاني أبو أسعد رشـح مرتين: مرة عن فيلمه «الجنة الآن»، ومرة أخرى عن فيلمه الجديد «عمر». الباقون يطأون أرض الأوسكار لأول مرة حتى ولو كان بعضهم أطول باعا من المخرج الفلسطيني بالنسبة لعدد الأفلام التي حققها.
إنهم مجموعة غير متجانسة من المخرجين، حققوا أفلاما استحوذت إعجاب أعضاء أكاديمية علوم وفنون السينما، موزعة الأوسكار، فرشـحوها لتنتهي إلى قائمة رسمية سيجري اختيار واحد منها للإعلان عن فوزه.. «الرابح هو...» ويأتي الصوت - المفاجأة وسيصعد صاحب الاسم ليتسلم التمثال المذهب وفي باله كلمات شكر عليه إلقاؤها في ثلاث دقائق.
هوليوود تتابع الترشيحات الأجنبية، كونها جزءا من حفلة الأوسكار التي تستمر لنحو ثلاث ساعات وتشتمل على كل باب وقسم من حقول صنع الأفلام. لكن اهتمام هوليوود بهذه الجائزة يختلف تبعا لاختلاف موقع المهتم وصلته. غالبية السينمائيين يعدونها صفحة في وسط الحفل ويمضون. قد يشكل الفيلم الفائز مناسبة للتصفيق وإظهار الفضول بما سيقوله هذا السينمائي غير الأميركي حول هوليوود والأوسكار والفرصة السماوية التي أتاحت له تحقيق هذا الفيلم والفوز به، لكن الاهتمام الأكبر سيبقى منصبـا على الأقسام الأميركية ذاتها: الممثلون والممثلات والمخرجون، و- بالطبع - الأفلام الأميركية التي سيجري انتخاب واحد منها للفوز بتلك الجائزة.

* عروض عمل
هذه الأقسام (التي سنخصص لكل منها بحثا منفصلا) أحيانا ما تلهم حماس المخرج الأجنبي للعودة إلى هذا الحفل بفيلم آخر... هوليوودي. كثيرون ممن فازوا بأوسكار أفضل فيلم أجنبي سنحت لهم فرص تحقيق أفلام أميركية، أو، على الأقل، تواصلوا مع منتجين وضعوا قدرا من الاستعداد لتمويل فيلم أميركي إعجابا بأسلوب المخرج وطريقته في سرد القصـة، و- لا ننسى - توظيفا لاسمه اللامع اليوم الذي قد لا يبقى لامعا في الغد. الإسباني بدرو ألمادوفار تسلم عروضا للبقاء في هوليوود وإنجاز بضعة أفلام، وذلك عندما فاز فيلمه «كل شيء عن أمي» بالأوسكار. في مذكراته، كتب الهنغاري استفان شابو أنه جلس عام 1981 مع بعض منتجي شركة «يونايتد آرتستس» بعد يومين من فوزه بالأوسكار عن فيلمه «مفيستو». والفرنسي برتران بلاييه عاد من هوليوود إلى باريس ومعه سيناريو دسـه له منتج أعجب بفيلمه «أخرجوا محارمكم» بعدما فاز بالجائزة عام 1978.
بالنسبة لهاني أبو أسعد، جاء ترشيحه للأوسكار عن «الجنة الآن» عام 2006 مناسبة لكي يبقى في هوليوود يعاين فيها عروضا تسلمها بالفعل. شركات التوزيع الأميركية عادة ما تكون الأكثر حماسا بين كل قطاعات هوليوود للأفلام الأجنبية الواصلة إلى خط النهاية ومخرجيها، وأبو أسعد وجد أن شركة «وورنر إندبندنت بيكتشرز» (وهي شركة إنتمت لوورنر وعاشت بضع سنوات قبل أن تقفل دكانها) مستعدة لإبقائه في هوليوود على حسابها للبحث في عدد من المشاريع التي بحوزتها. خلال ذلك، تقدمت منه شركتا «فوكاس» و«فوكس» بمشاريع أخرى. بعد بضعة أشهر وفي مقهى بشرقي ويلشير بوليفارد، قال لهذا الناقد: «هي مشاريع جيدة، مكتوبة جيدا، لكنها نمطية. لأن فيلمي («الجنـة الآن») يتحدث عن انتحاري بقنبلة مربوطة إلى وسطه، غالبية المشاريع المعروضة علي تدور حول قصص مشابهة، وأنا لا أريد أن أنمـط».
نتيجة رفضه أن حقق بعد ذلك الفيلم عملين: واحد تركي («لا تنسيني يا إسطنبول»)، والآخر أميركي («الحمـال»)، لكنه لا يدعوك لمشاهدتهما. «عمر»، هو الفيلم الذي هو فخور به والذي يتمنى له أن يفوز في السباق لأفضل جائزة أجنبية.

* صورة تاريخية
هذا لن يكون هيـنا. الفيلم الذي ربح هذه الجائزة عام 2006 هو «تسوتسي»، المنتج من قبل شركات جنوب أفريقية، الذي أخرجه الأميركي مواطنها كـفن هود (لاحقا ما أنجز مشاريع أميركية آخرها «لعبة إندر» في العام الماضي). بين حكاية شابـين يترددان في تنفيذ مهمـة انتحارية وحكاية صبي يرأس عصابة أشقياء في مدينة جوهانسبورغ، وربما تبعا لبعض الملامح الفنية الخاصة، نال الفيلم الأفريقي الجائزة لا عنوة عن الفيلم الفلسطيني فقط، بل عن أفلام أوروبية، إذ توزعت الترشيحات الأخرى بين الفيلم الإيطالي «لا تبح» لكريستينا كومنشيني، والفيلم الفرنسي «نوول المرح» لكريستيان كاريو، والفيلم الألماني «صوفي شول» لمارك روثموند.
هذه المرة المشاركون مختلفون، وكما ذكرت، هاني أبو أسعد هو الوحيد الذي جرى ترشيحه من قبل. هذه الميزة قد تفيده بمعدل محدود قد لا يزيد على 10 في المائة من أصحاب الأصوات الذين منحوه أساسا فرصة الترشيح هذه والذين قد يرون أنه يستحق هذه المرة الوصول إلى المنصـة ولو من باب التعويض عن المرة السابقة. لكن، إذا ما كان هذا الفيلم سينال الأوسكار فعلا، فإن الأمر سيعود للمشكلة التي ما زالت قابعة على المجالس السياسية والاجتماعية باحثة عن حل.
على أن هذه المشكلة ليست الوحيدة المطروحة على أنظار ستـة آلاف عضو. هناك «الصورة المفقودة»، الذي يتحدث عن التاريخ العنيف لدولة كمبوديا حينما استولت عصبة «خمير روج» على السلطة وأودت بحياة مئات الألوف بمن فيهم أقارب المخرج ريثي بانه. الاختلاف بين «عمر» و«الصورة المفقودة»، هو أن الأول لا يزال عاكسا لوضع حاضر، بينما ينقل الفيلم الكمبودي من الأمس صورا انتهى مفعولها الحدثي. إلى ذلك، لا ينتمي الفيلم تماما إلى السينما الروائية، بل هو معالجة مع تعليق صوتي، يقربانه من صنف الأفلام التسجيلية، ويستخدم الدمى عوض الممثلين، مما يجعله ينتمي إلى فن الرسوم (ولو غير المتحركة لأن الدمى جامدة).
الأفلام الأخرى هي: «انهيار الحلقة المكسورة»، وهو فيلم بلجيكي لمخرج طموح اسمه فيلكس فان غروننجن، سبق أن حاول قبل أربع سنوات ترويج فيلم فوضوي الشكل بعنوان «غير المحظوظين»، لكن فيلمه الجديد أكثر انضباطا (جرى عرضه على الـ«غولدن غلوب» ولم يحظ بالاهتمام الكافي). يدور حول قصـة حب وما يتبعها من مشاكل بين مغن ومغنية في فرقة موسيقية واحدة. ربما خرج بالأوسكار لنواح عاطفية أكثر منها تقديرا لإجادته الفنية.
الفيلم الرابع «جمال عظيم» للإيطالي باولو سورنتينو، هو الأجدر بالفوز من «الصورة المفقودة» و«انهيار الحلقة المكسورة»، ويتعامل مع موضوع أوسع نطاقا من «عمر»، إذ يطرح مسائل ذهنية وتاريخية وثقافية منع الموضوع السياسي مخرج «عمر» الوصول إليها.
الفيلم الخامس هو من شغل الدنمارك «الصيد» لتوماس فينربيرغ صاحب ثمانية عشر عملا مختلفا؛ من بينها «الاحتفال» (1998)، و«كله عن الحب» (2003)، و«سامبارينو» (2011)، وكلها مرت من تحت رادار الأكاديمية فلم يجر ترشيح أي منها. «الصيد» معضلة فرد حيال المجتمع (كما حال «جمال عظيم») تحمل في طيـاتها نقدا للرأي السائد والاتهام الجاهز، مما يدمر حياة بطله. فقط، نهايته هي التي تربك العمل من أساسه، لكنه فيلم قد ينأي بنفسه عن باقي المواضيع المثارة ويفوز.

* العلاقة الكانيـة
أربعة من الأفلام المنافسة في جائزة أفضل فيلم أجنبي شاركت في مهرجان «كان» السنة الماضية. واحد منها فقط فاز بجائزة أساسية وهو «عمر» (جائزة لجنة التحكيم الخاصة بتظاهرة «نظرة ما»). الأفلام الثلاثة الأخرى هي: «الصيد»، و«جمال عظيم»، و«الصورة المفقودة».
في أوسكار العام السابق، جاء الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي من نصيب «حب» لميشيل هنيكه الذي كان فاز كذلك بسعفة مهرجان «كان».



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز