التدابير الصحّية وقرارات «الضمّ» تعمّق أزمة المعيشة في فلسطين

انكماش الاقتصاد وارتفاع نسبة البطالة يهددان بزيادة رقعة الفقر

الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
TT

التدابير الصحّية وقرارات «الضمّ» تعمّق أزمة المعيشة في فلسطين

الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)

وسط بيت لحم التي سجلت أول حالة إصابة بفيروس كورونا قبل نحو 3 أشهر، وقف موسى معلا (30 عاماً) إلى جانب عمال وموظفين آخرين في وضح النهار وتحت أشعة الشمس، يشتكون انقطاع مصدر رزقهم الوحيد وتراجع مستوى الدخل لديهم بعدما رزحت المدينة تحت وطأة الإغلاق 80 يوماً، وتكبد الاقتصاد المنهك أصلاً خسائر غير متوقعة.
وقال معلا، الذي يدير مكتبة متوسطة في المدينة، إن عمله تضرر بشكل غير قابل للإصلاح في المدى المنظور، بسبب الإغلاق الطويل الذي تسعى السلطة لوضع بدائل وبرامج لتعويضه. مضيفاً بيأس: «المبيعات توقفت، الشيكات رجعت، وتراكمت الديون، بدون حلول. وهذا يندرج على الأغلبية التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي».
إلى جانب معلا، كان يقف العشرات ممن فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، بعدما أنهت الفنادق ومحلات التحف عقودهم، ومثلهم آخرون تلقوا بلاغات من شركات كبيرة أو محلات متوسطة وصغيرة، بوقف عقودهم.
وقال معلا، الذي أسس «حراك بيت لحم العمالي»، وهو أول وأهم حراك بعد انتهاء جائحة كورونا: «نتحدث عن آلاف فقدوا عملهم في بيت لحم فقط». مضيفاً: «نحن أمام مرحلة صعبة. انظر للمحامين، انظر للمحاكم، كلها قضايا مالية».
وبخلاف موظفي الحكومة الفلسطينية الذي تقاضوا رواتبهم «كما يجب» خلال الفترة الماضية، وبخلاف عمال الداخل في إسرائيل الذي كان ضررهم جزئياً، دفع العمال في الأراضي الفلسطينية ثمناً باهظاً، ترجمه المعتصمون في لافتات تطالب بإعادتهم للعمل وإلغاء جميع إجراءات المخالصة مع أرباب العمل، وتعويضهم عن الفترة الماضية مالياً ومعنوياً.
وقال عاصف دعامسة (26 عاماً) إن أصحاب الفندق الذي كان يعمل به عرضوا عليه نصف راتب فقط، الشهر الماضي، مقابل توقيعه على مخالصة لإنهاء عمله. وأضاف: «بعد عمل سنوات طويلة في القطاع الأقوى في بيت لحم، يريدون إلقاءنا في الشارع بسبب تعطيل 3 أشهر».
وتابع: «قلت لصاحب العمل التزم بما قررته الحكومة، فردّ الحكومة لا تلزمني».
وكانت الحكومة قد أجبرت أصحاب العمل بدفع نصف راتب على الأقل عن فترة الإغلاق، وإبقاء العمال على رأس عملهم، لكن على الأرض لم يتحقق هذا الأمر. وتم فصل كثيرين من عملهم في الضفة الغربية، وكذلك في قطاع غزة، ما عمّق من أزمة الاقتصاد الفلسطيني.
وقال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إن نحو نصف مليون عامل فلسطيني تضرروا جراء جائحة كورونا، ما يعني تسجيل خسائر بمئات ملايين الدولارات. ويقدر الجهاز عدد العاملين في دولة فلسطين بأكثر من مليون عامل، منهم نحو 210 آلاف عامل في القطاع الحكومي، و668 ألف عامل في القطاع الخاص، و133 ألف عامل في إسرائيل والمستعمرات، وفق معطيات عام 2019.
وأكد نقيب عمال فلسطين في قطاع غزة، سامي العمصي، أن خسائر العمال المتضررين بسبب جائحة كورونا في الضفة الغربية، بلغت 180 مليون دولار، وفاقت 50 مليون دولار في قطاع غزة، وذلك منذ مارس (آذار) الماضي.
وهذه الأرقام جاءت بحكم الوضع المعيشي المتردي أصلاً في قطاع غزة المحاصر منذ 13 عاماً. لكن الخسائر لا تنحصر فقط في العمال، إذ تضررت معظم القطاعات.
يقول سامر النشاش (50 عاماً)، الذي يملك محلاً لبيع الأدوات الصحية ومواد البناء في بيت لحم، إنه توقف عن العمل لمدة 3 أشهر، لأن كل شيء توقف، سوى المطالبات بدفع المستحقات التي عليه. وأضاف: «الحياة شلت». حتى مع عودة الحياة إلى طبيعتها، يقف كثيرون أمام محلاتهم يحدقون في المارة. ويقول آدهم الأزرق (35 عاماً)، الذي يدير أحد محلات الملابس الشبابية، إن الإقبال على شراء الملابس انخفض إلى أدنى مستوى بسبب القلق من «كورونا»، وباعتبار أن ذلك شيء يمكن تأجيله في ظل الظروف المعقدة.
وحتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة لحجم الخسائر الاقتصادية، لكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية قدّرها بـ3.8 مليار دولار، وقال إنه يتوقع ارتفاع عجز الموازنة إلى 1.4 مليار دولار وفق التوقعات، بفعل انخفاض الإيرادات لأكثر من 50 في المائة.
ويعاني الاقتصاد الفلسطيني من قبل جائحة كورونا. وأظهرت تقارير سلطة النقد في العامين الماضيين، استمرار التباطؤ في الاقتصاد الفلسطيني؛ حيث وصلت نسبة النمو إلى 0.7 في المائة بالقياس إلى 3.1 في المائة في العام 2017. وذلك على خلفية استمرار انكماش الاقتصاد في قطاع غزة وتراجع زخم النمو في الضفة الغربية.
وأمام ذلك، حذّر البنك الدولي، أمس (الاثنين)، من أن الفقر قد يتضاعف في الضفة الغربية المحتلة هذا العام، بسبب التداعيات الاقتصادية جراء وباء «كوفيد 19»، قبل أسابيع فقط من الموعد الذي حدّدته إسرائيل لبدء تنفيذ مخطط الضم.
وقال البنك الدولي في تقرير: «حتّى قبل تفشّي وباء (كوفيد - 19). كان نحو ربع الفلسطينيين يعيشون تحت خطّ الفقر، 53 في المائة من سكان غزة، و14 في المائة في الضفّة الغربيّة. وبحسب التقديرات الأوّليّة، سيرتفع عدد الأسر الفقيرة إلى 30 في المائة في الضفة الغربية، وإلى 64 في المائة في غزة». كما أنه «من المتوقع أن يزداد وضع الموارد المالية العامة للسلطة الفلسطينية صعوبة، لأن دعمها هو الأدنى هذا العام، منذ عقدين، وبسبب الزيادة الملموسة في الإنفاق العام على احتياجات المواطنين الطبية والاجتماعية والاقتصادية».
وتعتمد الحكومة الفلسطينية بشكل كبير على دعم المانحين للعمل لأنها غير قادرة على تنفيذ تدابير التحفيز التي تستخدمها الدول في أماكن أخرى، مثل تغيير أسعار الفائدة أو الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.
وسيلجأ أشتية اليوم إلى تقديم تقرير شامل للوضع الاقتصادي والمالي للاجتماع الافتراضي الذي تعقده الدول المانحة، برئاسة النرويج، وبمشاركة 40 دولة ومؤسسة، وسيكون على مستوى الوزراء، لدعم الاقتصاد والمؤسسات الفلسطينية.
وتسعى السلطة لتأمين دفع رواتب موظفيها وتقديم دعم آخر للقطاعات الاقتصادية خشية الانهيار. وقالت الأمم المتحدة، الأحد: «إن الأمر يتطلب إجراءات مختلفة وجريئة لتجنب الانهيار الاقتصادي».
ولكن في الوقت نفسه فإن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه على ضم أجزاء من الضفة الغربية يمكن أن يزعزع الاستقرار.
وحذّر تقرير الأمم المتحدة من أن مثل هذه الخطوة «من المرجح أن تؤجج الصراع وتضرّ أيضاً بالتدفقات المالية، لأن الضم يمكن أن يعقد بشكل خطير تسليم المساعدات».
وقالت الأمم المتحدة: «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسوف تتلاشى إنجازات الحكومة الفلسطينية خلال ربع القرن الأخير، وسيزداد وضع السلام والأمن سوءاً، وستؤدي حتماً إلى سياسات متشددة وأكثر تطرفاً من الجانبين». ولا يُمكن معرفة الوقت الذي سيستغرقه الاقتصاد الفلسطيني للتعافي من تدابير الاحتواء. وقال البنك الدولي إن الاقتصاد قد ينكمش بنسبة 7.6 في المائة على الأقل إذا عادت الأوضاع الطبيعية تدريجياً بعد حالة الاحتواء، وبنسبة تصل إلى 11 في المائة إذا كان الانتعاش الاقتصادي أبطأ أو فُرضت قيود إضافية.
على مواقع التوصل الاجتماعي، تنتشر فكاهة تعكس واقع الحال رداً على إطلاق السلطة اسم «حواجز المحبة» على الحواجز العسكرية التي انتشرت لفرض الإغلاق وقت «كورونا»، ومفادها «بكرة بتفتح محاكم المحبة واللي عنده شيكات محبة (راجعة)، راح تيجي شرطة المحبة وتوخده على سجن المحبة، وهناك ما راح يزهق، لأنه راح يلاقي كل الأحبة»!



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.