احتجاجات الشارع الأميركي تضرب الحملات الانتخابية

بايدن يزور كنيسة يرتادها أميركيون من أصول أفريقية (رويترز)
بايدن يزور كنيسة يرتادها أميركيون من أصول أفريقية (رويترز)
TT

احتجاجات الشارع الأميركي تضرب الحملات الانتخابية

بايدن يزور كنيسة يرتادها أميركيون من أصول أفريقية (رويترز)
بايدن يزور كنيسة يرتادها أميركيون من أصول أفريقية (رويترز)

أتت مشاهد النيران المستعرة أمام البيت الأبيض، والمتظاهرين الغاضبين المنتشرين في الشوارع، لتزيد من سخونة المشهد الانتخابي في عام مشبع بالاضطرابات من كل حدب وصوب. وكأنّ أزمة فيروس كورونا، والتدهور الاقتصادي، وارتفاع معدّل البطالة، لم تكن كافية لإنهاك الناخب الأميركي، فجاءت موجة الاحتجاجات التي ضربت الولايات المتحدة عشيّة مقتل جورج فلويد لتهزّ الشارع، وتزعزع من توازن الحملتين الانتخابيتين لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومنافسه جو بايدن.
ولعلّ تغريدة ترمب، صباح الثلاثاء، خير دليل على ارتباط المشهد مباشرة بالانتخابات، إذ اقتصرت على تاريخ واحد بالخط العريض: «الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)!»، وهو موعد الانتخابات الرئاسية، وذلك في دعوة واضحة منه لمناصريه بالتوجه إلى صناديق الاقتراع لإعادة انتخابه. ترمب الذي استيقظ صباحاً على وقع المظاهرات، حمل بجعبته ذخيرة جديدة للرّد على منتقديه، فوجّه ضربة مباشرة لبايدن وداعميه، قائلاً: «مناصرو جو بايدن النعسان متشددون يساريون يعملون على إخراج الأناركيين من السجن. جو لا يعلم شيئاً عن هذه التحركات، هو جاهل، لكنهم هم من يتمتعون بالقوة الحقيقة، وليس جو!».
تصعيد قاسٍ من قبل الرئيس الأميركي، في وقت يحثّه فيه مستشاروه على التوقف عن التغريد، لتجنب أي تصعيد في الشارع. لكن ترمب لم يغب يوماً عن «تويتر» منذ اندلاع الاحتجاجات، الأمر الذي أدى إلى تصاعد في الانتقادات المتعلقة بردّه على المتظاهرين، حتى في صفوف حزبه الجمهوري، إذ قال حاكم ولاية ماريلاند الجمهوري، لاري هوغان: «تغريدات الرئيس لا تخفف من حدة الوضع، بل تصعّد منه. وهي عكس الرسالة التي يجب أن تخرج من البيت الأبيض في أيام كهذه». كما تطرّق السيناتور الجمهوري تيم سكوت إلى التغريدات، فقال: «من دون شك، إنها ليست تغريدات بناءة أبداً». ويتحدث كل من سكوت وهوغان هنا عن التغريدات التي هدد فيها ترمب المتظاهرين أمام البيت الأبيض، قائلاً: «إذا ما اقترب المتظاهرون من سور البيت الأبيض، فستكون بمواجهتهم أشرس الكلاب وأكثر الأسلحة إيذاء، وسوف يقع أذى كبير».
وفي وقت يشدد فيه ترمب على حبّه للأميركيين من أصول أفريقية، ويعدد إنجازاته التي تهدف إلى مساعدتهم، فإن الأزمة الحالية ألقت الضوء على معارضة هؤلاء له ولسياساته، خاصة في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، وتأثير جائحة «كوفيد-19» على الأميركيين السود والأحياء الفقيرة بشكل كبير. ويأمل منتقدو ترمب بأن تؤدي التحركات الحالية إلى خسارته في الانتخابات الرئاسية، ويذكّرون بتاريخه في التعاطي مع العنصرية في الولايات المتحدة، بدءاً من تشكيكه بمكان ولادة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، مروراً باحتجاجات شارلوتسفيل في فريجينيا في عام 2017، وصولاً إلى احتجاجات اليوم. أما داعموه، فيشددون على أن سجلّه في الدفع باتجاه تشريعات داعمة للأميركيين من أصول أفريقية، كقانون العدالة الجنائية في عام 2018، خير دليل على عدله. ويعوّل هؤلاء على أن تؤدي عمليات السطو والشغب التي تشهدها مدن أميركية عدة جراء مظاهرات اليوم إلى قلب الطاولة على بايدن، وتجييش الدعم لترمب في الانتخابات الرئاسية.
وقد نشر بايدن صورة له في قناع راكعاً مقابل رجل أسود وابنه، وكتب تحتها: «نحن أمة تتألم، لكن لا يجب أن ندع هذا الألم يحطمنا. نحن أمة غاضبة، لكن لا يجب أن ندع الغضب يمزقنا. نحن أمة مرهقة، لكن لا يجب أن ندع الإرهاق يهزمنا».
ودعا بايدن مناصريه إلى التغيير عبر التصويت، فقال: «الطريقة الوحيدة لتحمّل هذا الألم هو تحويله باتجاه هدف... كرئيس، سوف أساعد على التطرق لهذه الأزمة، وسوف أستمع إليكم».
ويخشى نائب الرئيس الأميركي السابق من خروج الوضع عن السيطرة في ظل عمليات النهب والشغب، واستغلال حملة ترمب لها، لذا حذّر مما وصفه بالتدمير غير الضروري، مشدداً على أهمية الاحتجاجات السلمية.
هذا وقد أظهر آخر استطلاع للرأي لصحيفة «واشنطن بوست» وشبكة «إيه بي سي» تقدم بايدن على ترمب بـ10 نقاط، إلا أن الاستطلاع نفسه أشار إلى أن مناصري ترمب هم أكثر حماسة والتزاماً بالتصويت له في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) من مناصري بايدن. وهذا ما يتخوف منه الديمقراطيون الذين يعوّلون على اختيار بايدن لنائب له يساعده على تحميس القاعدة الانتخابية الديمقراطية.
وقد عرقلت موجة الاحتجاجات عملية اختيار نائب لبايدن، خاصة أن ثلاثة من اللواتي تتصدرن اللائحة لهنّ تاريخ حافل باتهامات غض الطرف عن العنصرية.
وتأتي أزمة الاحتجاجات في وقت تستعد فيه 8 ولايات أميركية لعقد انتخابات تمهيدية يوم الثلاثاء، وستشكل النتائج تقييماً أولياً لأزمتي كورونا والاحتجاجات، كما ستلقي الضوء على ملف التصويت عبر البريد، ومدى استعداد الولايات الأميركية إلى عمليات تصويت غيابية من هذا النوع.
وقد شجعت الولايات الثماني الناخبين على التصويت عبر البريد، وعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، خوفاً من تفشي الفيروس. وستجري هذه الانتخابات في ولايات إنديانا وأيوا وماريلاند ومونتانا ونيومكسيكو وبنسلفانيا ورود أيلاند وداكوتا الجنوبية، إضافة إلى العاصمة واشنطن دي سي التي لا تُعدّ ولاية.
إضافة إلى الانتخابات التمهيدية الرئاسية، ستشمل هذه الانتخابات بعض المقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب.
ولعلّ أبرز مقعد سيعكس رد فعل الناخب الأميركي على الاحتجاجات الأخيرة هو مقعد النائب الجمهوري ستيف كينغ في ولاية أيوا، إذ إن كينغ عرف بمواقفه العنصرية التي أدت إلى خسارته لعضويته في لجان الكونغرس، وستكون خسارته في ظل الأجواء الحالية دليلاً على توجّه الناخب الأميركي.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».