جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون
TT

جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون

الأدب في خطر، صرخة تحذيرية أطلقها تزفيتان تودروف، رثاءً لما تبقى من وجود اعتباري للأدب. الأدب المعبّر عن الكينونة الإنسانية، عندما كانت الأسماء الأدبية تنسج التاريخ الوجداني للبشر وتتموضع في مصاف عباقرة الكيمياء والرياضيات والفلك، وقبل أن يتأرشف أولئك الأدباء وآثارهم الخالدة في رفوف الذكرى. وقد أراد من خلال تلك الانتباهة إدانة فكرة الفصل بين الخطاب الأدبي وحركية الحياة من خلال العملية التربوية التعليمية التي شوهت الأدب واستغنت عنه. والتلويح بخطورة اضمحلال الأثر الأدبي في فهم واقع ومآل البشر، حيث جاءت نداءاته ضمن سياق ممتد في الزمان والمكان لمفكرين استشعروا منذ زمن بعيد حتمية انطفاء جذوة النصوص التأسيسية، ذات الطابع التثقيفي المعرفي، حسب إيتالو كالفينو، الكتب التي تختبئ في ذاكرة ووعي الفرد، الكتب التي تختزن الخبرة والطاقة لإعادة قراءتها. الكتب التي فهرسها هارولد بلوم في كتابه الشهير «المعتمد الغربي»، وأرخ فيها من الوجهة الغربية لعيون التراث الغربي تحت ما سمّاه «الأسفار»، قبل أن تنقلب المعادلة لصالح حركة ثقافية مضادة للنخبوي والمعياري من النصوص والرموز.
كان ت. س. إليوت قد طرح سؤاله المتشظي حول ما تبقى من قيمة للنصوص المعيارية، الاختراقية للزمان والمكان والثقافات، بما تحمله من المعاني المؤجلة، ضمن بحثه عن قوانين لعبة الكمال والخلود للآثار الأدبية الكبرى، حيث اشتغل على مفهوم المعادل الموضوعي. وذلك في إطار السجال حول حُكم القيمة. كما نبّه إلى أن الحفاظ على الطبقات الاجتماعية مهمة لا غنى عنها في عملية نقل وتناقل الثقافة، وأنه بدون «طبقة عليا» لا يمكن ضمان استمرار الثقافة الراقية. وعلى هذا الأساس تنبأ بموت النوع الأدبي الرفيع بالنظر إلى تفكك الطبقات. إذ بانهيار ذلك السلم الاجتماعي، ستتضاءل قيمة الأدب على مستوى الإنتاج والتلقي، وذلك من المنظور الكلاسيكي. وهي نبوءة صارت محل الحقيقية اليوم، إذ لا نصوص معيارية كتلك التي عرفها الإبداع الإنساني في الماضي، حيث أجهزت الدراسات النقدية الثقافية على ما تبقى من ذلك المفهوم بتدمير بُعد القيمة الأدبية لصالح التنوّع والتعدّد والتشظي، واضطراب مفهوم القيمة النوعية والجمالية. وذلك بدخول نصوص الهامش إلى فضائي: القراءة والنقد، على إيقاع ما بعد حداثي. وبذلك تساوى شكسبير مع أي كاتب مدونات اليوم في ميزان القراءة المنفلتة من معايير قيم الجمال المكرّسة.
هكذا انمسحت الخطوط الفاصلة ما بين النخبوي والجماهيري في الثقافة على إيقاع ما سمّاه هربرت ماركوز، موجة «المساواة الثقافية»، وذلك في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». عندما قال بأن المجتمع المعاصر يميل إلى إلغاء امتيازات الثقافة الإقطاعية والأرستقراطية وميزاتها وإلى إلغاء مضمونها في آن، «فلئن كانت حقائق الفنون الجميلة المتعالية وجماليات الحياة والفكر وقفاً على جمهور غني ومثقف، فهذا لأن المجتمع كان مجتمع قمع». بمعنى أن المزاج الديمقراطي العام نجح في تعميم الثقافة، ومكّن كل الناس من الذهاب إلى المسرح والحفلات الموسيقية من غير اضطرار إلى تلبّس الصفات الأرستقراطية وارتداء الملابس الرسمية. وهو انقلاب في جوهر معنى الحرية الذي صار يسترفد كل نأمة في سياق زحزحة النظام الطبقي. وبذلك تابع الفن حياته على هذا المنوال في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين - بتصوره - في إطار «دقرطة وتشعيب الثقافة الرفيعة». أي إنزال ثقافة الصالون والمسرح والأوبرا من عليائها إلى أرضيتها الشعبية الديموقراطية، وإعادة وصلها بالواقع لئلا «تتعالى على التجربة اليومية وتقيِّمها». وبمقتضى ثورات المجتمع التقني ألغيت المسافة ما بين الفنون والنظام اليومي.
في ذلك السياق، تحولت الثقافة إلى قيمة ديموقراطية، في حقل التعليم على وجه الخصوص، حيث تأتت إمكانية الوصول المجاني والمتساوي إلى المعلومة. وبموجب ذلك التحول النوعي، أعيد تقسيم «الرأسمال الثقافي» بتعبير بيير بورديو. إذ صارت آداب السلوك والأفكار متاحة للجميع، بما في ذلك فرصة الحصول على الشهادة، وبالتالي اكتساب «الرأسمال الاجتماعي». بمعنى أن الثروة الثقافية أصبحت ميراثاً مشتركاً. وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام الثقافة استخداماً اجتماعياً بغية الوصول إلى مواقع السلطة. والمفارقة هنا - بتصور بورديو - أن الرأسمال الثقافي تكمن قوته في ندرته، أي في تمركزه عند فئة طبقة، إلى أن تمكنت المجتمعات الحديثة من توزيع تلك الثروة، ففقدت تلك الطبقات قدرتها وتمايزها. بمعنى أن الثقافة صارت ملكة عامة. في كل ميادين الهيمنة الثقافية: الفن، والأدب، والإعلام، والجامعات، وصولاً إلى الشارع الذي فرض ثقافته الشعبية الملتبسة بالسوقية.
عند ذلك المفصل أصبح العالم أمام ثقافة الجماهير بكل تجلياتها وأساطيرها الحديثة. وما تلاها من مظاهر مجتمع الاستهلاك. حيث تولدت في إطار ذلك التحول ثقافة «البوب» المتأتية في الأصل من تصغير كلمة «الشعبي» (Popular)، والمتمدد في كل حقول الفن والأدب كالأغنية واللوحة والموضة، إلى أن تحالفت بشكل تلقائي مع مقتضيات الحقل التجاري، على إيقاع الدعم الهائل من وسائل الاتصال الحديثة والتداخل مع الأنظمة التقنية. وصولاً إلى عولمتها ضمن كرنفال كوكبي. كان بمثابة الإعلان عن ثقافة شعبية مقابل ثقافة النخبة، أو تلك الثقافة المعيارية المنذورة للخلود. ثقافة استهلاكية نيئة مستعجلة زائلة، معاندة لثقافة العقلانية والتأمل والتأوين داخل الزمان والمكان. وإن لم تكن تلك الهبّة الشعبية قد صنّفت تمظهراتها الصاخبة في سياق الثقافة.
وبمجرد أن أطل عصر ما بعد الحداثة تبدت الأشكال الاستهلاكية الجديدة كعنوان لها. حيث تم تفكيك الرأسمال الثقافي، وتدمير ما يُعرف بثقافة «المُثُل» من خلال تصعيد فلسفة الشك والحد من سطوة العقلانية. وبذلك برزت ثقافة الشارع بكل تمظهراتها الفاعلة في الفضاء العمومي كرد مؤجل على ثقافة الصالون بكل معانيه التربوية والتعليمية والآيدلوجية والطبقية. بمعنى أن الثقافة الشعبية في طورها ذاك كانت تمثل حالة تمرد فنية ورمزية بقدر ما هي صورة من صور التمرد الاجتماعي. وهنا يكمن السر في رغبتها لتدمير أصنام النخبة في كل الحقول الإبداعية. وقدرتها على احتلال الفضاء العام وطمس مظاهره بهويتها. فالفنون والكتابات التي كان يُنظر إليها كتيارات أدبية وفنية قاصرة، أو هدامة اجتماعياً تم استدماجها في السياسات الوطنية، وغادرت مواقعها كحركات عنف اجتماعي إلى سياق الجماليات الثقافية. وذلك عبر نظام تهجيني ساوى ما بين الآثار الأدبية الخالدة والثقافة الشعبية بشكلها السوقي.
ذلك الاضطراب المعياري الذي تدحرجت السجالات حوله من الصروح الأكاديمية إلى الفضاء العام، هو الذي جرأ قُراء وكُتّاب اللحظة على التعامل بخفة مع تلك النصوص التي ظلت لزمن على درجة من الصلابة الأدبية. حيث بدا ذلك على درجة من الوضوح في الهجوم المجاني المتكرر على ديستويفسكي ونجيب محفوظ ودانتي وغيرهم. وهي غارات تبخيسية موثقة في سجل مدونات الجيل الجديد من القراء، ومواقع التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» و«تويتر»، ومنصات القراءة المشهورة مثل «غود ريد»، بما تحتويه من تقويمات قرائية استخفافية برموز أدبية كان من الصعب المس بقيمة منجزها. وذلك على إيقاع اختفاء الناقد كوسيط بين القراء والأعمال الأدبية، وضمن لحظة ديموقراطية فرضت سطوتها على كل مناحي الحياة، بما في ذلك حالة التماس مع الأدب. ومع ظهور جيل محقون بأوهام القدرة ليس على تقويم الآثار الأدبية الكبرى وحسب، بل إنتاج نصوص مستمدة من الخواطر واليوميات المعلبة في مدونات تحتفي بالعادي كاستحقاق فرداني لذات متخففة من الآيدلوجيا والبلاغة والجماليات والرصانة الأدبية. وهو مآل لا يقتصر على ميليشيا الثقافة الشبابية وحسب، بل يشمل طقس اللحظة بشكل عام.
بمقتضى ذلك الأفول التدريجي للأصول الأدبية التأسيسية، لم يعد للمعلقات السبع أي قيمة معيارية في الفضاء العام مقابل نصوص نثرية لشاب يتدرب على الكتابة، فقد صار يُنظر إلى أي شكل من أشكال الكتابة بوصفها أدباً، وذلك من المنظور الرثائي الذي أبداه تيري إيغلتون إزاء تلك التحولات الدراماتيكية. لدرجة أن مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية. وهذا هو ما يفسر تفشي كتابة السرديات متناهية القصر، التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب الفلاشات الشعرية الشذرية، والأفورزمات، والبرقيات، والاستشهاد بعبارات مستلة من الأفلام، وترديد الأقوال السطحية اللاموثقة من مواقع الاقتباسات. إذ لا طاقة لكُتّاب وقراء اللحظة على إنتاج أو استقبال الأعمال الأدبية المعيارية، لولا ذلك الاستثناء القليل، ولا يمكن إعادة الاعتبار لآثار أدبية رفيعة وسط ضجيج الشارع الذي يفرض لغته وأسلوبه وقيمه. حيث يمكن أن يُسجل كل ذلك في سياق انقلاب ديمقراطية الذوق ضد ما عُرف بدكتاتورية الحداثة المفلسة، وإرهاب الأدب الطليعي. بعد تدمير سلطة المتحف والصالون وأرستقراطية الاقتناء، وحتى منطق السوق وضروراته. أي الذهاب إلى تمجيد الزائل وتضئيل قيمة الجليل.
- ناقد سعودي



«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
TT

«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)

بعد خبرة امتدت لأكثر من 18 عاماً في صناعة المحتوى والإنتاج السينمائي، أسَّس المنتج التنفيذي فؤاد الخطيب، بالشراكة مع المخرج والكاتب عبد الله بامجبور، منصة «بوابة الأفلام المحلية»، التي تجمع بيانات الأفلام السعودية وأدوات التخطيط المالي لها. وأُطلقت النسخة التجريبية للمنصة على هامش منتدى الأفلام السعودي الذي اختُتم مؤخراً في الرياض، بالتزامن مع توقيع شراكة استراتيجية مع شركة «قنوات للتوزيع».

يتحدث الخطيب لـ«الشرق الأوسط» عن فكرة تشكَّلت خلال عمله في إنتاج الأفلام السينمائية وتطويرها ودراسة أدائها التجاري في شباك التذاكر السعودي. وخلال هذه التجربة، لاحظ أن صنّاع الأفلام طوروا مهاراتهم الفنية في الكتابة والإخراج والتصوير والإنتاج، بينما برزت الحاجة إلى تعميق فهمهم لميزانيات الأفلام وحجم السوق وسلوك الجمهور والعوائد المالية المتوقعة.

ومن هذا المنطلق، يرى الخطيب أن إنتاج الفيلم المعدّ للعرض في شباك التذاكر يختلف في حساباته عن إنتاج الإعلانات والبرامج والأفلام الوثائقية والمسلسلات والأعمال المعدّة للمنصات الرقمية. ففي هذه المجالات، يستطيع المنتج تحديد هامش الربح ومعرفة مواعيد الدفعات قبل الإنتاج، أما الفيلم السينمائي فتتحدد إيراداته بعد عرضه واستجابة الجمهور له، وتظل المخاطرة مرتبطة بعدد المشاهدين وحجم الإقبال.

حاسبة التعادل السينمائي

فؤاد الخطيب المنتج التنفيذي ومؤسس منصة «بوابة الأفلام المحلية» (الشرق الأوسط)

من أبرز أدوات المنصة «حاسبة التعادل السينمائي»، التي تساعد المنتج أو المستثمر على تقدير الإيرادات وعدد التذاكر اللازم بيعها لاسترداد التكاليف المحتسبة للمشروع. ويختصر الخطيب فكرتها بالسؤال: «كم تذكرة يجب أن أبيع حتى أسترد رأس المال المستثمر؟».

وتشمل مدخلات الحاسبة ميزانية إنتاج الفيلم وتكاليف التسويق، ومتوسط سعر التذكرة، وعمولة الموزع، إلى جانب افتراضات تتعلق بحصة الفيلم من إيرادات شباك التذاكر بعد الاستقطاعات ذات الصلة. وبناءً على هذه المدخلات، تقدّر الحاسبة إجمالي الإيرادات المطلوبة وعدد التذاكر اللازم للوصول إلى نقطة التعادل، أي المرحلة التي يسترد فيها الفيلم التكاليف المحتسبة.

ويقول الخطيب: «أهمية هذه الأداة أنها تنقل النقاش من مجرد الرغبة في إنتاج فيلم ناجح إلى تحديد هدف تجاري واضح وقابل للقياس قبل بدء الإنتاج». ويؤكد أن الحاسبة أداة تقديرية وليست ضماناً للربحية، إذ تختلف النتائج الفعلية حسب العقود وحصص الأطراف والإيرادات والمصروفات الأخرى، لكنها تمنح المنتج والمستثمر نقطة انطلاق مهمة لفهم المخاطر المالية.

بيانات شباك التذاكر

تضم البوابة، إلى جانب الحاسبة، تقارير عن أداء الأفلام السعودية وشباك التذاكر، وقائمة بالأعمال المرتقب عرضها، ودليلاً للإنتاجات السعودية وصنّاعها، وآخر لمزوّدي الخدمات السينمائية. كما تتيح الاطلاع على الأداء التاريخي للأفلام منذ عودة دور السينما إلى المملكة عام 2018، ومقارنة أداء عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية والأسبوع الأول والعوائد التراكمية، فضلاً عن ترتيب الأفلام وفق مبيعات التذاكر والإيرادات.

وعن مصادر البيانات، يؤكد الخطيب أن المنصة تستند إلى البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الأفلام السعودية، ومنها أعداد التذاكر المبيعة وإجمالي الإيرادات. ويشرح أن فريق البوابة ينظم البيانات التاريخية ويجمعها في تقارير تسهّل قراءتها ومقارنتها، بما يتيح متابعة الأداء التجاري للأفلام السعودية عبر السنوات. ويضيف: «هدفنا هو تحويل الأرقام المتاحة إلى معلومات قابلة للاستخدام في التخطيط والإنتاج والتوزيع والتسويق».

ووفقاً لبيانات المنصة حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استقطب 71 فيلماً سعودياً أكثر من 8.45 مليون مشاهد، بإيرادات تجاوزت 381.6 مليون ريال (نحو 101.76 مليون دولار)، منذ عودة دور السينما إلى المملكة. وتعرض البوابة هذه الحصيلة إلى جانب مؤشرات الأداء ومبيعات التذاكر والإيرادات، لتكون متاحة للعاملين في الصناعة والباحثين والإعلاميين وطلاب السينما والجمهور المهتم بالأفلام السعودية.

وتخدم المنصة، وفقاً للخطيب، أطرافاً عدة في صناعة الفيلم؛ إذ يستطيع المنتج الاستفادة من أداء الأعمال السابقة لدراسة حجم السوق وتحديد مستهدفات فيلمه، بينما يستخدم المستثمر الحاسبة لتقدير الإيرادات اللازمة لاسترداد رأس المال، ويستفيد الموزع والمسوق من مؤشرات الأداء التاريخية للأفلام المحلية. كما تتيح البيانات المتاحة مجالاً للباحثين والإعلاميين وطلاب السينما والجمهور المهتم بمتابعة الأفلام السعودية وصنّاعها وأدائها التجاري.

ميزانيات الأفلام

مشهد من الفيلم السعودي «عكس سير» الذي حقق حضوراً لافتاً في شباك التذاكر (الشرق الأوسط)

في ظل محدودية الإفصاح عن ميزانيات الأفلام المحلية، يبرز التساؤل عن كيفية التغلب على صعوبة مقارنة الإيرادات بالتكاليف. ويقرّ الخطيب بأن هذه من أبرز التحديات التي تواجه السوق، موضحاً أن فيلماً قد يحقق إيرادات مرتفعة مقابل تكلفة إنتاج كبيرة، بينما يحقق فيلم آخر إيرادات أقل، لكنه يكون أفضل من الناحية الاستثمارية بسبب انخفاض ميزانيته.

ويتابع: «هنا تأتي أهمية حاسبة التعادل السينمائي، التي تتيح للمنتج أو المستثمر إجراء تحليله المالي بناءً على ميزانيته الفعلية، حتى في ظل غياب الإفصاح عن ميزانيات الأفلام الأخرى». ويضيف أن الخطوة المقبلة في تطور القطاع السينمائي تتمثل في تعزيز ثقافة الشفافية المالية، وقياس الأداء الاقتصادي للأفلام، وفهم العلاقة بين حجم الاستثمار والعائد المحقق.

ويستشهد الخطيب بفيلم «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان، مشيراً إلى أن المعلومات المتاحة عن ميزانيته تقدر بنحو مليار ريال (250 مليون دولار). ويرى أن معرفة ميزانيته وإيراداته، إلى جانب إيرادات أفلام نولان السابقة، تتيح إجراء مقارنات بين أعماله، وهي معلومات تعكس، في رأيه، نضج سوق الإنتاج الأميركي. ويتطلع إلى أن تسهم البوابة في بناء هذا الوعي وإثرائه في القطاع السعودي بما يفيد العاملين فيه.

ويختتم الخطيب حديثه بالقول: «الاستدامة الحقيقية لصناعة السينما تبدأ عندما لا يكون السؤال فقط: (كم حقق الفيلم في شباك التذاكر؟)، بل أيضاً: (كم كلّف إنتاجه وتسويقه؟ وكم عاد على المستثمر؟)».

يُذكر أن فؤاد الخطيب منتج تنفيذي وكاتب سيناريو سعودي حائز على جوائز، وعضو في جمعية السينما، ويتمتع بخبرة تتجاوز 18 عاماً في مجالات الدعاية والإعلان، والبرامج التلفزيونية، والمسلسلات، والأفلام الروائية الطويلة. كما يُعرف بصفته استراتيجياً في شباك التذاكر، ويتمتع بفهم عميق لآليات عمل السينما السعودية. وسبق له قيادة قسم الإنتاج السينمائي في «Muvi Studios (Muvi Cinemas)»، والإشراف بصفته منتجاً تنفيذياً على تطوير وإنتاج وتسليم أعمال سعودية ومصرية إلى شباك التذاكر، من بينها «السنيور: عقدة الخواجة»، و«ليل نهار»، و«فار بسبعة أرواح».


قنوات «الشرق» و«الثقافية» تتيح بثها المباشر عبر تطبيق «ثمانية»

بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
TT

قنوات «الشرق» و«الثقافية» تتيح بثها المباشر عبر تطبيق «ثمانية»

بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)

أعلنت منصة «ثمانية» عن إتاحة خدمة البث المباشر لمجموعة من أبرز القنوات الإخبارية والثقافية والوثائقية عبر تطبيقها الرقمي. وأصبح بإمكان مستخدمي التطبيق الآن متابعة البث الحي لكل من: قنوات «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق الوثائقية»، و«راديو الشرق مع بلومبرغ»، بالإضافة إلى قناة «الثقافية»، وتسعى هذه الخطوة إلى تعزيز المحتوى الرقمي المتاح للمستخدمين وتسهيل الوصول إليه في مكان واحد، حيث تضمن الباقة المضافة تنوعاً فريداً.

وتقدم «الشرق بلومبرغ»، بالشراكة مع «بلومبرغ ميديا»، تغطية للأخبار الاقتصادية والمالية وتحليلات للأسواق والشركات. أما «الشرق ديسكفري»، بالتعاون مع «وارنر براذرز ديسكفري»، فتقدم برامج ووثائقيات عربية وعالمية مدبلجة في مجالات تشمل الطبيعة والحياة البرية والعلوم والمغامرات والسفر والسيارات وأسلوب الحياة.

وتعرض «الشرق الوثائقية» أفلاماً وبرامج وثائقية تتناول قضايا وأحداثاً من المنطقة والعالم في مجالات السياسة والاقتصاد والتاريخ والمجتمع والثقافة. ويقدم «راديو الشرق مع بلومبرغ» الأخبار والتحديثات الاقتصادية وتغطية الأسواق السعودية والعالمية.

وتُعدّ قناة «الثقافية»، التابعة لوزارة الثقافة، منصة إعلامية تُعنى بتقديم محتوى يعكس تنوع المشهد الثقافي في المملكة ويبرز ملامحه العريقة والمعاصرة، من خلال برامج تسلط الضوء على الإبداع السعودي وتعزز حضور الثقافة السعودية محلياً ودولياً. ويعمل فريق «الثقافية» على تقديم محتوى ثقافي متجدد يعكس طموحات المرحلة، ويواكب تطلعات الجمهور، وتُشغَّل ضمن المظلة التشغيلية لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام».

وتُعدّ «ثمانية» شركة إعلامية سعودية تنتج محتوى عربياً متنوعاً، يشمل البرامج الصوتية والأفلام الوثائقية والمحتوى الرقمي. كما تُعدّ «ثمانية» الناقل الحصري لدوري روشن السعودي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب كأس الملك وكأس السوبر السعودي ودوري يلو، حتى موسم 2030-2031


زمن الأشباح... التواصُل الافتراضي يشرّع «الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ

الـ«الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
الـ«الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
TT

زمن الأشباح... التواصُل الافتراضي يشرّع «الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ

الـ«الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
الـ«الغوستينغ» أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)

لم تجد اللغة العربية بعد الكلمة الملائمة لتوصيف ذاك الشخص الذي يتوقّف عن الردّ على الرسائل والاتصالات ويتبخّر بين عشيةٍ وضُحاها. تكتفي بإطلاق عبارة «الاختفاء المفاجئ» على هذه الحالة، التي تذهب اللغة الإنجليزيّة إلى تسميتِها باسمٍ دقيقٍ جداً هو «غوستينغ» Ghosting، نسبةً إلى الشبَح.

منهُم مَن وصلَتْهُ رسالة «واتساب» بدليل أنّ السهمَين تلوّنا بالأزرق، لكنه سمعها أو قرأها ولم يُجِب. ومِنهُم مَن تلاشى اهتمامُه فجأةً فما عادَ يدوس «لايك» على «ستوري» تطبيق «إنستغرام». ومنهُم مَن توقّف عن الردّ على تطبيق المواعَدة وذهب إلى حدّ الحظر أو «البلوك».

على غرار الأشباح، يعمد هؤلاء إلى الانسحاب من حياة الآخرين وقطع التواصل معهم من دون شرحٍ ولا سابق إنذار، وكأنّهم لم يظهروا فيها أصلاً. عوامل كثيرة لعبت دوراً في تفاقم تلك الظاهرة خلال السنوات الأخيرة وتَحوّلِها إلى سلوكٍ طبيعيّ، على رأسها سطوة الهواتف الذكية والتواصل الافتراضي. مع العلم بأنّ «الغوستينغ» لا ينحصر بالعلاقات العاطفية، إنما ينسحب على الصداقات والروابط العائلية والمهنية.

يتوقف الناس فجأةً عن الردّ على الاتصالات والرسائل فيتحوّلون أشباحاً افتراضيين (بكسلز)

تعريف «الغوستينغ»

ظهرت كلمة Ghosting في القاموس الأميركي العريق «مريام وبستر» للمرة الأولى عام 2017، مما يؤكّد أنّ الظاهرة حديثة العهد. ووفق تعريف القاموس، فهو «تصرّف يتمثّل في قطع جميع أشكال التواصل مع شخص ما بشكل مفاجئ ومن دون تقديم أي تفسير، وذلك من خلال التوقّف عن استقبال المكالمات الهاتفية منه أو تجاهل الرسائل النصية وغيرها».

أما الأسباب التي تدفع بالمرء إلى أن يختفي فجأةً أو أن يتحوّل شبحاً افتراضياً، فتتنوّع مع تنوّع الحالات. بين هؤلاء مَن يفقد اهتمامه بالعلاقة فيقرر الانسحاب منها بصَمت، خصوصاً إذا كانت العلاقة حديثة العهد. ومنهم مَن يتصرّف كذلك تجنُّباً للمواجهة والجدال. ثمّة فئةٌ أخرى وهُم المُثقلون بأعباء نفسية ولا طاقة لديهم على التمسّك بأي تواصل أو علاقة. وينقسم هؤلاء إلى قسمَين: الأشخاص الميّالون إلى العدوانية المقنّعة والتهرّب من المسؤوليات، والأشخاص ذوو نمط الارتباط القلِق الذين يصعب عليهم الاستمرار في علاقة.

تتعدّد الأسباب التي تدفع بالشخص إلى الاختفاء الافتراضي المفاجئ (بكسلز)

كيف تحوّل «الغوستينغ» إلى سلوك رائج؟

* العالم الافتراضي.. شبح خلف شاشة

أليسَ ذاك الجالس خلف شاشة هاتفه أو حاسوبه أشبَه بالشبَح؟ يقول ما يشاء، يصمت متى يشاء، ويظهر ثم يختفي عندما يشاء. لقد جرّدت وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المُراسَلة مثل «واتساب» و«تلغرام»، ومنصّات المواعَدة كـ«تندِر» و«بامبل»، الناس من مقدارٍ كبير من كيانهم الإنساني.

الجزء الأكبر من التواصل في أيامنا هذه، يجري بشكلٍ افتراضي، وهذا يجعل النظر إلى الطرف الآخر باعتباره مجرّد رقم أو صورة، بدلاً من التعامل معه على أنه إنسان حقيقي لديه مشاعر.

لقد سهّل العالم الرقمي تجاهل الآخرين. فالسلوك عبر الإنترنت حطّم جزءاً كبيراً من أخلاقيات التعامل مع الآخر وسهّل كسر القيود التي لا يمكن تحطيمها وجهاً لوجه. أن تواجه شخصاً بكلمة جارحة عبر رسالة نصية أسهل بكثير من قولها في وجهه.

التواصُل الافتراضي يحوّل الطرف الآخر إلى رقم أو صورة (بكسلز)

* وهم الخيارات اللامتناهية

تُنَمّي تطبيقات المواعدة والتواصل الاجتماعي عقليّةً استهلاكيّة لدى مستخدِميها، فيميلون إلى التعامل مع العلاقات البشريّة والعاطفية وكأنها أشياء يمكن التخلّص منها. وما يسهّل ذلك هو الاعتقاد بأنّ العثور على شريك آخر لا يتطلّب أكثر من تمرير إصبع على الشاشة.

* عدوى الجيل «زد»

الجيل «زد» هو الأكثر ممارسةً لسلوك «الغوستينغ» والأكثر تضرُّراً منه، يليه جيل الألفيّة. في دراسة حديثة أجراها مركز Thriving Center of Psychology، أفاد 84 في المائة من أبناء الجيل «زد» وجيل الألفيّة بأنهم كانوا ضحية اختفاء مفاجئ أو Ghosting، مما ترك لديهم مشاعر سلبيّة متراوحة ما بين الحزن والخيبة والانزعاج.

إلّا أنّ الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ، إذ غالباً ما يلجأ الأشخاص الذين تعرضوا لهذا الموقف إلى ممارسته بدورهم مع الآخرين، ما يحوّل الظاهرة إلى حلقة مفرغة. فبمجرّد أن يختبر المرء الانزعاج الناتج عمّا تعرّض له من اختفاء مفاجئ، قد يتبنّى السلوك ذاته كآليّة دفاع عن النفس.

الجيل «زد» هو الأكثر ممارسةً لسلوك «الغوستينغ» (بكسلز)

«كورونا» عزّزت «الغوستينغ»

وفق استطلاع أجرته مجلة «كوزموبوليتان» قبل سنوات قليلة، فإنّ 80 في المائة من المستطلَعين تعرّضوا لمزيد من الـ«غوستينغ» خلال فترة جائحة «كورونا».

وتُعدّ الجائحة أحد أبرز العوامل المحفّزة لهذا السلوك البشريّ المستجدّ، لا سيما أنها بدّلت أولويات التعامل الاجتماعي وقدرة التحمّل في التواصل بين البشر. تركت العزلة الطويلة والمخاوف الصحية الناس في حالةٍ من الهشاشة العاطفية والانكفاء الاجتماعي، فلجأ كثيرون إلى التقوقع على الذات والتوقّف عن الردّ. صارت الأولويّة بعد صدمة «كورونا» لتجنُّبِ كل ما هو غير مُريح، فحتى المُحادثات الصادقة باتت تبدو صعبة.

أما أبرز ما شرّع حرية الاختفاء المفاجئ من على شاشة الآخرين ومن حياتهم خلال الجائحة، فكانت القيود المفروضة في تلك الآونة؛ من الحَجر المنزلي والامتناع عن اللقاءات الاجتماعية، وصولاً إلى التواصل والعمل عن بُعد. هذا الغياب لأي وجود ملموس في العالم الواقعي جعل من السهل للغاية الاختفاء تماماً من حياة شخصٍ ما.

القيود المفروضة خلال جائحة «كورونا» عززت ظاهرة «الغوستينغ» (بكسلز)

أشباح في الصداقة والعمل والعائلة

لا يقتصر الاختفاء المفاجئ على ذاك المعجب الذي ضاع أثرُه بعد أوّل مواعدة. إذ يَحدث أن يتوقّف الأصدقاء، سواء كانوا قدامى أم عابرين، فجأةً عن الردّ على الرسائل أو يغادرون مجموعات «واتساب» من دون إنذار. وقد يعود السبب في ذلك إلى شعور عام بالإرهاق الاجتماعي أو رغبة ضمنيّة في إنهاء العلاقة من طرف واحد.

تمتدّ ظاهرة «الغوستينغ» إلى داخل العائلات إذ يَحدث أن يقطع أفراد العائلة علاقاتهم بصَمت، متجاهلين المكالمات أو الدعوات في الأعياد من دون مناقشة الأسباب الكامنة وراء ذلك.

أما أماكن العمل والعلاقات بين الموظّفين ومُديريهم فلم تَنجُ هي الأخرى من حالات الاختفاء، وما ضاعف ذلك انتشار تقنية العمل عن بُعد في معظم الشركات، لا سيما بعد جائحة «كورونا».