قرار تتويج سلتيك بلقب الدوري الاسكوتلندي منطقي... رغم إلغاء الموسم

أفضل فريق في المسابقة ويتقدم بفارق كبير من النقاط على غريمه التقليدي رينجرز

TT

قرار تتويج سلتيك بلقب الدوري الاسكوتلندي منطقي... رغم إلغاء الموسم

قررت رابطة الدوري الاسكوتلندي الممتاز تتويج سلتيك بطلاً للمسابقة بعد إلغاء الموسم الحالي بسبب تفشي فيروس «كورونا». وفي الحقيقة، كان سلتيك يستحق اللقب تماماً، نظراً لأنه كان أفضل فريق في اسكوتلندا في موسم 2019 - 2020 بشكل واضح للجميع. ومن المؤكد أن عدم استكمال الموسم كان شيئاً محبطاً للمدير الفني لنادي سلتيك، نيل لينون، ولاعبيه، نظراً لأن الفريق كان يقدم مستويات جيدة للغاية وكان في طريقه لحسم لقب الدوري للعام التاسع على التوالي.
على أي حال، فقد حصل الفريق على اللقب، وبات يحق له الآن اختيار الطريقة التي يراها مناسبة للاحتفال. ومن المؤكد أن هناك مشكلات أكثر تعقيداً ينبغي التفكير فيها الآن، لكن فوز الفريق بلقب الدوري بهذا الشكل حرم جمهوره الغفير من الاحتفال بهذا الإنجاز الكبير. لكن من المؤكد أيضاً أن مسؤولي النادي سوف يدرسون الخيارات المتاحة كافة لتعويض الجمهور عن ذلك قدر المستطاع.
وقال الرئيس التنفيذي لسلتيك، بيتر لاويل: «من المعيب، بالطبع، أننا لم نفز باللقب أمام جماهيرنا (في الملعب). ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن ينكر مدى جدارتنا بهذا اللقب». وأضاف: «بينما نحتفل بهذا الإنجاز الرائع والمستحق، يجب أن نأخذ بعض الوقت للنظر في الظروف التي نمر بها جميعاً، وأن نتذكر أولئك الذين ساعدونا خلال هذه الأوقات الفريدة والمليئة بالتحديات، بشجاعة ونكران للذات... نحن نهدي هذا اللقب لكل من اهتمّ بنا ولجميع الذين تأثروا بهذه الأزمة».
وكان سلتيك يتصدر جدول ترتيب الدوري الاسكوتلندي الممتاز هذا الموسم بفارق 13 نقطة كاملة عن غريمه التقليدي رينجرز، مع تبقي ثماني جولات على نهاية الموسم. وكان من الممكن أن يزيد فارق النقاط عندما يستضيف سلتيك رينجرز على ملعبه، خصوصاً أن سلتيك يمتلك الآن أفضل لاعب في البطولة دون منافس وهو المهاجم الفرنسي أودسون إدوارد. ورغم أنه من المفهوم أن تعترض الأندية التي يتقرر هبوطها لدوري الدرجة الأدنى بعد عدم استكمال الموسم نتيجة أي ظروف استثنائية، فإن الأمر يكون «أقل إثارة للخلاف» بين الأندية التي يتقرر تتويجها بالبطولات.
وأصبح بإمكان رابطة المحترفين (إس بي إف إل) مع إنهاء البطولة، الإفراج عن دفعة نهائية من الجوائز المالية للأندية على أساس مركزها في جدول الترتيب. وقال نيل دونكاستر، الرئيس التنفيذي للرابطة: «أعربت أندية الدرجة الممتازة عن رأيها بوضوح وإجماع بأنه لا يوجد احتمال واقعي لاستكمال المباريات المعلقة من موسم 2019 - 2020». وأضاف: «اجتمع مجلس الرابطة، وتماشياً مع الاتفاق الصريح للأندية الأعضاء في أبريل (نيسان)، قرر المجلس إنهاء الموسم». وتابع: «بعد هذا القرار يمكننا الآن دفع نحو 7 ملايين جنيه إسترليني (8,5 مليون دولار) كرسوم لمساعدة الأندية على البقاء واقفة على قدميها خلال هذا الوقت العصيب جداً».
وتجب الإشارة إلى أن «تسعة» هو الرقم السحري في كرة القدم الاسكوتلندية، نظراً لأن فوز سلتيك بلقب الدوري الممتاز للعام التاسع على التوالي يعني أنه قد عادل الرقم القياسي لألقاب الدوري المتتالية في البلاد. وبينما كان سيتليك يغرّد منفرداً في صدارة جدول الترتيب، كان منافسه التقليدي رينجرز خارج المراكز الأربعة الأولى للموسم الرابع على التوالي، قبل أن يتم تجميد الموسم بسبب تفشي فيروس «كورونا».
لكن لا يوجد أي سبب يدعو مشجعي سلتيك للشعور بالقلق، لأنه عندما يرغب أي نادٍ في أن يكون هو الأقوى في كرة القدم في اسكوتلندا، فإن ضعف الفريق المنافس لا يكون بمثابة مشكلة بالنسبة له. وفي الواقع، فقد نجح سلتيك في تحقيق هدفه بجدارة وأصبح الفريق الأقوى في البلاد هذا الموسم وبشكل مريح عن أقرب منافسيه. وخلال الموسم الحالي، تعادل سلتيك في طفلتانمباراتين وخسر في مثلهما، وكان الفارق بين الأهداف التي سجلها والأهداف التي استقبلها قد وصل إلى 70 هدفاً. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن متوسط النقاط التي حصل عليها سلتيك في المباراة بلغ 2.67 نقطة و2.97 هدف في المباراة في المتوسط.
وفي الحقيقة، يستحق سلتيك الإشادة على رد الفعل القوي الذي أظهره في أعقاب الخسارة أمام رينجرز في التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وكان رينجرز يتخلف بفارق نقطتين عن غريمه التقليدي، وله مباراة مؤجلة. وكانت التوقعات آنذاك –ليس من جانب المدير الفني لرينجرز، ستيفين جيرارد- تشير إلى أن المنافسة ستشتعل من جديد بين قطبي الكرة الاسكوتلندية خلال الفترة المقبلة، لكن سلتيك سرعان ما استعاد قوته وعاد إلى المسار الصحيح، في الوقت الذي تراجع فيه مستوى رينجرز بشكل ملحوظ.
وقد نجح جيرارد في فصل رينجرز عن بقية الأندية ليصبح «القوة الثانية» في الدوري الاسكوتلندي الممتاز، لكن سلتيك ظل يتربع على القمة بفارق كبير عن أقرب منافسيه، ويبدو أن الفريق سيتمكن أيضاً من الفوز بلقب الدوري الاسكوتلندي للمرة العاشرة في تاريخه من دون مقاومة تُذكر من باقي المنافسين.
وتكمن إحدى النقاط الرئيسية في قوة سلتيك في قدرته على تطوير اللاعبين الشباب وبيعهم بعد ذلك بمبالغ مالية كبيرة، والدليل على ذلك أن خزينة النادي انتعشت بـ45 مليون جنيه إسترليني من بيع موسى ديمبيلي وكيران تيرني. وقد تخلى النادي عن هذين النجمين من دون أن يتأثر مستواه على محلياً. وعلاوة على ذلك، تشير تقارير إلى أن المهاجم الفرنسي إدوارد بات محط أنظار العديد من الأندية الإنجليزية والأوروبية، وينطبق نفس الأمر أيضاً على كل من كالوم ماكغريغور وريان كريستي. كما أن تطور مستوى كل من كريستوفر أجر، وكريستوفر جوليان، وجيريمي فريمبونغ، وميكي جونستون قد يساعد النادي على النجاح وخلق حالة من التوازن بين تقديم كرة قدم ممتعة وتحقيق مكاسب مالية في نفس الوقت.
ورغم أنه لا يزال من الصعب إحداث حالة من التوازن وتكوين فريق قادر على تقديم مستويات جيدة على الساحة الأوروبية، فإن سلتيك قد نجح في ذلك بفضل تعاقده مع عدد من اللاعبين الشباب من عدد من الأندية المحلية التي باتت تمثل «المصنع» الذي يورد إليه اللاعبين، مثل أندية روس كاونتي وهاملتون وسانت جونستون. وقد نجح نادي سلتيك في إدارة موارده بذكاء شديد.
وكان لينون هو الذي قاد سلتيك للفوز بأول لقب من الألقاب التسعة المتتالية للدوري الاسكوتلندي الممتاز، كما عاد لتولي قيادة الفريق لتحقيق هذا الإنجاز. ومن الواضح للجميع أن المدير الفني البالغ من العمر 48 عاماً قد أصبح أكثر هدوءاً مما كان عليه خلال ولايته الأولى في سلتيك، ومن حقه أن يفتخر بمعادلة الرقم القياسي لأكبر عدد من الألقاب المتتالية للدوري الاسكوتلندي الممتاز.
وكانت هناك حالة من السخط الشديد عندما عاد لينون لتولي قيادة الفريق خلفاً لبريندان رودجرز، الذي أدخل تغييرات جذرية على تشكيلة سلتيك. كما كان هناك العديد من العقبات في طريق لينون –لعل أبرزها الهزيمة في الدوري الأوروبي أمام كوبنهاغن- لكن لينون عمل بكل هدوء على إعادة التوازن للفريق، كما ساعد العديد من اللاعبين على تطوير مستواهم.
ودائماً ما كانت كرة القدم الاسكوتلندية مغرمة بالمقارنات التاريخية، لكن أعتقد أنه من غير المجدي أن نعقد مقارنة بين الفريق الحالي لسلتيك والفريق الذي حقق نفس الإنجاز بالفوز بتسعة ألقاب متتالية للدوري بدءاً من عام 1966. وبعد ذلك بعام، أصبح سلتيك بطلاً لأوروبا في فترة ذهبية كانت فيها الأندية الاسكوتلندية قادرة على منافسة أقوى أندية العالم. لكن منذ ذلك الحين، حدث الكثير من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والكروية، وتخلفت اسكوتلندا عن الركب وتقدمت عليها دول أخرى.
وحتى فريق رينجرز الذي فاز بلقب الدوري الاسكوتلندي تسع مرات متتالية بداية من عام 1989 لا يمكن مقارنته بالفريق الحالي لسلتيك، نظراً إلى أنه كان قادراً على منافسة عمالقة أوروبا من الناحية المالية آنذاك، على عكس الوضع الحالي مع سلتيك.
وسيكون من السذاجة تجاهل المنافسة المتواضعة التي يواجهها سلتيك حالياً على المستوى المحلي. ولا يمكن لأي شخص –باستثناء أصحاب المصالح الخاصة– أن يزعموا أن السيطرة الكاملة لسلتيك على كرة القدم الاسكوتلندية في الوقت الحالي، أو حتى المنافسة الثنائية بين سلتيك ورينجرز منذ كان أبردين بطلاً لاسكوتلندا عام 1985 تصبّ في مصلحة كرة القدم الاسكوتلندية. ومع ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال التشكيك في أن سلتيك هو القوة العظمى الآن في كرة القدم الاسكوتلندية، وسيكون من الظلم ألا نشيد بالإنجازات التي يحققها الفريق في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.