البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

«الديوان الإسبرطي» للجزائري عيساوي الفائز بجائزة بوكر العربية

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ
TT

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

رواية «الديوان الإسبرطي»، للروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي، الصادرة عن دار «ميم» بالجزائر عام 2018، هي بكل المعايير رواية عربية متميزة، استحقت بجدارة المركز الأول في جائزة «بوكر» العربية 2019.
تبدو الرواية في إطارها العام رواية تاريخية عن احتلال الجزائر عام 1830 من قبل الاحتلال الفرنسي، لكنها أكثر من ذلك. فهي رواية عن الجوهر الحي الصلب للحياة والمقاومة في المجتمع الجزائري بصورة عامة، ومدينة الجزائر العاصمة وأحيائها الشعبية بصورة أخص. والتاريخ الذي تدونه الرواية ليس تاريخاً رسمياً أو تقليدياً، بل هو بالأحرى تاريخ بديل ينطلق من المنظور ما بعد الكولونيالي في النظر من رفض «الآخر» الكولونيالي ومقاومته. وهذا التاريخ، من جهة ثانية، هو مدونة سردية يرويها خمسة رواة مشاركون مشتبكون بالحدث الروائي، كلٌ من وجهة نظره الخاصة، مما يجعلها بحق رواية بوليفونية متعددة الأصوات، ربما تذكرنا ببنيتها السردية هذه برواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.
هذه المدونة السردية تلتقي إلى حد كبير مع مفهوم الناقد الفيلسوف الأميركي هايدن وايت الذي ينظر إلى التاريخ بصفته سرداً (History as Narrative) على المستوى التاريخي. فالرواية أقرب ما تكون إلى رواية الروائي الليبي إبراهيم الكوني «جنوب غربي طروادة.. جنوب شرقي قرطاجة» (2011) التي تنطوي على وقائع وأحداث مماثلة تدور بين البحر المتوسط والصحراء الكبرى، ومقاومة الشعب الليبي للمستعمرين والغزاة، كما تقترب في أجوائها إلى حد كبير مع أجواء روايات عربية أخرى مماثلة.
والبنية الروائية للرواية تعتمد على نسق سردي متكرر، يتواتر خمس مرات بانتظام، على عدد أقسام الرواية. فكل قسم ينطوي على خمسة فصول، كل فصل منها مكرس لوجهة نظر إحدى الشخصيات المشاركة في السرد، وعلى الترتيب التالي: 1- ديبون، 2- كافيار، 3- ابن ميّار، 4- حمة السلاوي، 5- دوجة.
وبذا فالرواية تضم خمسة وعشرين فصلاً، وكل خمسة فصول مخصصة لسرد واحد من رواة الرواية الخمسة. لكنني لاحظت أن الرواية لا تكرس مفهوم البطولة الفردية، بالمعنى المألوف، أو بالدلالة السردية، كما وجدنا ذلك في كثير من الروايات البوليفونية التي تزاوج بين الرؤية التعددية الجماعية، والخصوصية الفردية لأبطالها، ذلك أن هذه الشخصيات، وبطولاتها، تذوب داخل النسيج الروائي، وتؤسس لمفهوم البطل الجماعي الملحمي، المتمثل هنا في مدينة الجزائر التي يطلق عليها أحياناً اسم «إسبارطة أفريقيا»، للدلالة على رمزية المقاومة المرتبطة بمدينة (إسبارطة) اليونانية التي استطاعت بمقاتليها الثلاثمائة أن تصد الجيش الفارسي الجرار، وتمنع تقدمه. وتناصها الدلالي والتاريخي مع مدينة الجزائر إنما يهدف للتوكيد على الطاقة البطولية الكامنة لدى الشعب الجزائري لمقاومة الغزاة والمستعمرين، وإن كنت أعترض على ارتباط مفهوم «الديوان الإسبرطي» بشخصية «كافيار»، كما سأعود لذلك لاحقاً.
وما أريد أن أخلص إليه أن النزعة البوليفونية للأصوات السردية الخمسة، وذوبانها داخل الحدث الروائي، يمنح الرواية سمة ملحمية واضحة، تذكرنا ربما بالجوهر الملحمي للسرد في رواية «الحرب والسلام» لتولستوي، كما تذكرنا بروايات عربية ذات جوهر ملحمي، مثل خماسية «مدن الملح»، وثلاثية «أرض السواد» لعبد الرحمن منيف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وغيرها.
ولا أعني هنا أن رواية «الديوان الإسبرطي» هي ملحمة بالمعنى التقليدي، بل أعني أنها بصفتها رواية حديثة تحمل جذراً ملحمياً، حيث أجمع كثير من الفلاسفة والنقاد على أن الرواية هي الامتداد الطبيعي للملحمة. وكان الفيلسوف الألماني «هيغل» أول من أشار إلى أن الرواية هي «الملحمة البورجوازية الحديثة»، وهي فكرة طورها لاحقاً جورج لوكاش في كتابه «الرواية ملحمة بورجوازية».
وبذا فرواية «الديوان الإسبرطي» ذات ملامح ملحمية، وليست ملحمة بالمعنى التقليدي المعروف، حيث إن الملحمة قد انتهت أو ماتت، وحلت الرواية محلها، ولكن بخصائص جديدة. ومن الخصائص الملحمية في هذه الرواية أنها تعبر عن رؤية شعب بكامله، ولا تقتصر على رؤية فرد أو مجموعة أفراد، وبذا فهي تنطوي على ما يسميه هيغل الرؤية الكلية الشمولية للعالم.
ورواية «الديوان الإسبرطي» بهذا المعنى رواية سردية بوليفونية، متعددة الأصوات والرؤى، ذات ملامح ملحمية، من خلال السرد الذي تشارك فيه شخصيات الرواية الخمس. لكن هذه الأصوات من جهة أخرى «تذوب»، أو «تتوارى» بتعبير هيغل، أمام كلية الرؤية الشمولية، ولا تؤسس لها حضوراً قوياً مستقلاً على حساب هذا المنظور العام.
وتشارك هذه الرواية الجزائرية المتميزة الملحمة في نزعتها البطولية «Heroism»، ذلك أنها تحاول أن تؤسس لمفهوم البطولة الشعبية الجماعية، مقابل هيمنة «الآخر» المتمثل بالاحتلال الفرنسي، والاحتلال العثماني، إذ وجدنا الرواية تجمع بأناة كل العناصر والمقومات التي تشرعن حق المقاومة، من خلال رؤى أربع شخصيات مشاركة، هي: الشاب الجزائري «حمّة السلاوي»، وهو الرمز المباشر للمقاومة الجزائرية المسلحة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، الذي يمتلك أيضاً رؤية رافضة للوجود العثماني، ويؤكد علي حق الجزائريين بحكم أنفسهم. أما «ابن ميّار»، فهو أنموذج للشخصية الجزائرية الوسطية، فهو رجل دين وسياسة، يقف ضد الاحتلال الفرنسي عن طريق ممارسة لون من المقاومة السلمية والفكرية، مثل تقديم المذكرات ورسائل الاحتجاج إلى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس. وتمثل «دوجة» شخصية المرأة في الرواية، وربما هي كناية عن الجزائر المنتهكة المستباحة، وهي تتعاطف بشكل مباشر مع «حمّة السلاوي» الذي أنقذها من استعباد المبغى، وأعاد لها إنسانيتها. أما الصوت الرابع، فيمثله الصحافي الفرنسي «ديبون»، وهو صحافي ليبرالي ذو ميول مسيحية إنسانية، عبّر عن رفضه للاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان يتقاطع مع صديقه الفرنسي «كافيار»، أحد رموز الكولونيالية الفرنسية، حاكم الجزائر العسكري لاحقاً.
ومما يجسد صمود الشعب الجزائري المقاومة التي أبداها الجزائريون في مواجهة نزول قوات الاحتلال الكولونيالي في منطقة «سيدي فرج»، والدور البطولي للفرسان الجزائريين الثلاثمائة الذين يقيمون تناصاً مع فرسان إسبارطة الثلاثمائة، والذين استبسلوا في المقاومة.
ولا شك أن هذه الواقعة، وتواترها في رواية «الديوان الإسبرطي» تمثل لوناً من التناص المكاني والتاريخي الذي يحمل دلالاته وحمولاته الفكرية والسيميائية والتاريخية العميقة، والذي يرتبط بمدينة «إسبارطة» الإغريقية، وبعنوان الرواية «الديوان الإسبرطي». لكن المؤلف عبد الوهاب عيساوي لم يكن موفقاً عندما قرن مصطلح «الديوان الإسبرطي» بسرد «كافيار»، الممثل الشرس للسياسة الكولونيالية الفرنسية، وكان حرياً بالروائي أن يختار إحدى الشخصيات الجزائرية، وبشكل خاص «ابن ميّار» أو «حمّة السلاوي»، أو حتى الصحافي «ديبون» الذي كان يتعاطف إلى حد كبير مع الشعب الجزائري وتطلعاته.
وكان مصطلح «الديوان الإسبرطي» قد ظهر لأول مرة عندما لاحظ الصحافي «ديبون» أن زميله الذي يشاركه في غرفته على ظهر السفينة المتوجهة لاحتلال الجزائر عام 1830 كان يقرأ في كتاب يحمل اسم «الديوان الإسبرطي» (ص 148)، واكتشفنا لاحقاً أن هذا المرافق هو «كافيار» الذي سيصبح حاكماً للجزائر.
أما من الناحية السردية لبناء الرواية، فقد لاحظت لوناً من النسقية الرتيبة في تقديم الأحداث الروائية؛ ذلك أن الروائي يكرس كل فصل من فصول الرواية الخمسة للتعبير عن وجهات نظر الشخصيات الخمس المشاركة في السرد، حول حدث مركزي واحد، وكأننا أمام كاميرا سينمائية تلتقط صوراً لأوجه مبنى خماسي الأضلاع، إذ نجد الشي الكثير من التكرار، وكأن الزمن يتوقف لاستعادة وصف حدث معين من خلال الإصغاء إلى وجهات نظر الشخصيات الخمس. ولست أعترض على الإفادة من هذه التقنية بصورة جزئية لأنها تقدم زوايا جديدة تستكمل المنظور العام للحدث، لكن هذا لم يتحقق إلا بدرجة محدودة، مما ترك الباب مفتوحاً أمام التكرار الرتيب أحياناً.
أما النسق الزمني في الرواية فهو ارتدادي غير خطي، مما يمنح الرواية صفة الرواية الدائرية (Circular Novel)، ذلك أنها تبدأ في القسم الأول، وعبر سرد رواتها الخمسة عام 1833، أي بعد ثلاث سنوات من احتلال الجزائر، وتركز على ما آلت إليه أوضاع مدينة الجزائر التي تلقب بالمحروسة تارة، وبإسبارطة أفريقيا تارة أخرى. أما الأقسام الثلاثة التالية، أي الثاني والثالث والرابع، فتعود إلى عام 1830، وهو عام احتلال الجزائر، ويسلط الضوء فيها، من خلال وجهات نظر الشخصيات المشاركة الخمس، على الجوانب العسكرية واللوجيستية والسياسية من عملية احتلال الجزائر، وردود أفعال الجزائريين ومقاومتهم. ثم تختتم الرواية زمنياً في فصلها الخامس بالعام 1833، الذي بدأت به الرواية، لتستكمل نسق الدائرة الزمنية للرواية ولحركة الأحداث. وقد لمسنا في هذا الفصل تصاعد نضال الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، من خلال أشكال مختلفة للمقاومة، وربما يمثل «حمّة السلاوي» وجه المقاومة المسلحة من خلال نشاطه المعادي للاحتلال.
وهذا التصعيد المتمثل في التحاق «حمّة السلاوي» بالمقاومة المسلحة، وانتظار «دوجة» اللحظة التي يعود فيها «حمة السلاوي» لكي تلتحق به، يجعل الرواية مفتوحة النهاية على تأويلات واحتمالات كثيرة، تتيح الفرصة للقارئ للتأمل والتأويل والتفكير والتعاطف مع قضية الشعب الجزائري الذي قرر أن يؤسس لمقاومة مفتوحة للهيمنة الكولونيالية، وأن تظل الجزائر صنواً لمدينة «إسبارطة» الإغريقية، بصفتها «إسبارطة أفريقيا»، وتحمل دائماً بشارة المقاومة المستمرة، ووعداً بأمل الخلاص من ربقة الاحتلال الكولونيالي الغاشم.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.