البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

«الديوان الإسبرطي» للجزائري عيساوي الفائز بجائزة بوكر العربية

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ
TT

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

رواية «الديوان الإسبرطي»، للروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي، الصادرة عن دار «ميم» بالجزائر عام 2018، هي بكل المعايير رواية عربية متميزة، استحقت بجدارة المركز الأول في جائزة «بوكر» العربية 2019.
تبدو الرواية في إطارها العام رواية تاريخية عن احتلال الجزائر عام 1830 من قبل الاحتلال الفرنسي، لكنها أكثر من ذلك. فهي رواية عن الجوهر الحي الصلب للحياة والمقاومة في المجتمع الجزائري بصورة عامة، ومدينة الجزائر العاصمة وأحيائها الشعبية بصورة أخص. والتاريخ الذي تدونه الرواية ليس تاريخاً رسمياً أو تقليدياً، بل هو بالأحرى تاريخ بديل ينطلق من المنظور ما بعد الكولونيالي في النظر من رفض «الآخر» الكولونيالي ومقاومته. وهذا التاريخ، من جهة ثانية، هو مدونة سردية يرويها خمسة رواة مشاركون مشتبكون بالحدث الروائي، كلٌ من وجهة نظره الخاصة، مما يجعلها بحق رواية بوليفونية متعددة الأصوات، ربما تذكرنا ببنيتها السردية هذه برواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.
هذه المدونة السردية تلتقي إلى حد كبير مع مفهوم الناقد الفيلسوف الأميركي هايدن وايت الذي ينظر إلى التاريخ بصفته سرداً (History as Narrative) على المستوى التاريخي. فالرواية أقرب ما تكون إلى رواية الروائي الليبي إبراهيم الكوني «جنوب غربي طروادة.. جنوب شرقي قرطاجة» (2011) التي تنطوي على وقائع وأحداث مماثلة تدور بين البحر المتوسط والصحراء الكبرى، ومقاومة الشعب الليبي للمستعمرين والغزاة، كما تقترب في أجوائها إلى حد كبير مع أجواء روايات عربية أخرى مماثلة.
والبنية الروائية للرواية تعتمد على نسق سردي متكرر، يتواتر خمس مرات بانتظام، على عدد أقسام الرواية. فكل قسم ينطوي على خمسة فصول، كل فصل منها مكرس لوجهة نظر إحدى الشخصيات المشاركة في السرد، وعلى الترتيب التالي: 1- ديبون، 2- كافيار، 3- ابن ميّار، 4- حمة السلاوي، 5- دوجة.
وبذا فالرواية تضم خمسة وعشرين فصلاً، وكل خمسة فصول مخصصة لسرد واحد من رواة الرواية الخمسة. لكنني لاحظت أن الرواية لا تكرس مفهوم البطولة الفردية، بالمعنى المألوف، أو بالدلالة السردية، كما وجدنا ذلك في كثير من الروايات البوليفونية التي تزاوج بين الرؤية التعددية الجماعية، والخصوصية الفردية لأبطالها، ذلك أن هذه الشخصيات، وبطولاتها، تذوب داخل النسيج الروائي، وتؤسس لمفهوم البطل الجماعي الملحمي، المتمثل هنا في مدينة الجزائر التي يطلق عليها أحياناً اسم «إسبارطة أفريقيا»، للدلالة على رمزية المقاومة المرتبطة بمدينة (إسبارطة) اليونانية التي استطاعت بمقاتليها الثلاثمائة أن تصد الجيش الفارسي الجرار، وتمنع تقدمه. وتناصها الدلالي والتاريخي مع مدينة الجزائر إنما يهدف للتوكيد على الطاقة البطولية الكامنة لدى الشعب الجزائري لمقاومة الغزاة والمستعمرين، وإن كنت أعترض على ارتباط مفهوم «الديوان الإسبرطي» بشخصية «كافيار»، كما سأعود لذلك لاحقاً.
وما أريد أن أخلص إليه أن النزعة البوليفونية للأصوات السردية الخمسة، وذوبانها داخل الحدث الروائي، يمنح الرواية سمة ملحمية واضحة، تذكرنا ربما بالجوهر الملحمي للسرد في رواية «الحرب والسلام» لتولستوي، كما تذكرنا بروايات عربية ذات جوهر ملحمي، مثل خماسية «مدن الملح»، وثلاثية «أرض السواد» لعبد الرحمن منيف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وغيرها.
ولا أعني هنا أن رواية «الديوان الإسبرطي» هي ملحمة بالمعنى التقليدي، بل أعني أنها بصفتها رواية حديثة تحمل جذراً ملحمياً، حيث أجمع كثير من الفلاسفة والنقاد على أن الرواية هي الامتداد الطبيعي للملحمة. وكان الفيلسوف الألماني «هيغل» أول من أشار إلى أن الرواية هي «الملحمة البورجوازية الحديثة»، وهي فكرة طورها لاحقاً جورج لوكاش في كتابه «الرواية ملحمة بورجوازية».
وبذا فرواية «الديوان الإسبرطي» ذات ملامح ملحمية، وليست ملحمة بالمعنى التقليدي المعروف، حيث إن الملحمة قد انتهت أو ماتت، وحلت الرواية محلها، ولكن بخصائص جديدة. ومن الخصائص الملحمية في هذه الرواية أنها تعبر عن رؤية شعب بكامله، ولا تقتصر على رؤية فرد أو مجموعة أفراد، وبذا فهي تنطوي على ما يسميه هيغل الرؤية الكلية الشمولية للعالم.
ورواية «الديوان الإسبرطي» بهذا المعنى رواية سردية بوليفونية، متعددة الأصوات والرؤى، ذات ملامح ملحمية، من خلال السرد الذي تشارك فيه شخصيات الرواية الخمس. لكن هذه الأصوات من جهة أخرى «تذوب»، أو «تتوارى» بتعبير هيغل، أمام كلية الرؤية الشمولية، ولا تؤسس لها حضوراً قوياً مستقلاً على حساب هذا المنظور العام.
وتشارك هذه الرواية الجزائرية المتميزة الملحمة في نزعتها البطولية «Heroism»، ذلك أنها تحاول أن تؤسس لمفهوم البطولة الشعبية الجماعية، مقابل هيمنة «الآخر» المتمثل بالاحتلال الفرنسي، والاحتلال العثماني، إذ وجدنا الرواية تجمع بأناة كل العناصر والمقومات التي تشرعن حق المقاومة، من خلال رؤى أربع شخصيات مشاركة، هي: الشاب الجزائري «حمّة السلاوي»، وهو الرمز المباشر للمقاومة الجزائرية المسلحة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، الذي يمتلك أيضاً رؤية رافضة للوجود العثماني، ويؤكد علي حق الجزائريين بحكم أنفسهم. أما «ابن ميّار»، فهو أنموذج للشخصية الجزائرية الوسطية، فهو رجل دين وسياسة، يقف ضد الاحتلال الفرنسي عن طريق ممارسة لون من المقاومة السلمية والفكرية، مثل تقديم المذكرات ورسائل الاحتجاج إلى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس. وتمثل «دوجة» شخصية المرأة في الرواية، وربما هي كناية عن الجزائر المنتهكة المستباحة، وهي تتعاطف بشكل مباشر مع «حمّة السلاوي» الذي أنقذها من استعباد المبغى، وأعاد لها إنسانيتها. أما الصوت الرابع، فيمثله الصحافي الفرنسي «ديبون»، وهو صحافي ليبرالي ذو ميول مسيحية إنسانية، عبّر عن رفضه للاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان يتقاطع مع صديقه الفرنسي «كافيار»، أحد رموز الكولونيالية الفرنسية، حاكم الجزائر العسكري لاحقاً.
ومما يجسد صمود الشعب الجزائري المقاومة التي أبداها الجزائريون في مواجهة نزول قوات الاحتلال الكولونيالي في منطقة «سيدي فرج»، والدور البطولي للفرسان الجزائريين الثلاثمائة الذين يقيمون تناصاً مع فرسان إسبارطة الثلاثمائة، والذين استبسلوا في المقاومة.
ولا شك أن هذه الواقعة، وتواترها في رواية «الديوان الإسبرطي» تمثل لوناً من التناص المكاني والتاريخي الذي يحمل دلالاته وحمولاته الفكرية والسيميائية والتاريخية العميقة، والذي يرتبط بمدينة «إسبارطة» الإغريقية، وبعنوان الرواية «الديوان الإسبرطي». لكن المؤلف عبد الوهاب عيساوي لم يكن موفقاً عندما قرن مصطلح «الديوان الإسبرطي» بسرد «كافيار»، الممثل الشرس للسياسة الكولونيالية الفرنسية، وكان حرياً بالروائي أن يختار إحدى الشخصيات الجزائرية، وبشكل خاص «ابن ميّار» أو «حمّة السلاوي»، أو حتى الصحافي «ديبون» الذي كان يتعاطف إلى حد كبير مع الشعب الجزائري وتطلعاته.
وكان مصطلح «الديوان الإسبرطي» قد ظهر لأول مرة عندما لاحظ الصحافي «ديبون» أن زميله الذي يشاركه في غرفته على ظهر السفينة المتوجهة لاحتلال الجزائر عام 1830 كان يقرأ في كتاب يحمل اسم «الديوان الإسبرطي» (ص 148)، واكتشفنا لاحقاً أن هذا المرافق هو «كافيار» الذي سيصبح حاكماً للجزائر.
أما من الناحية السردية لبناء الرواية، فقد لاحظت لوناً من النسقية الرتيبة في تقديم الأحداث الروائية؛ ذلك أن الروائي يكرس كل فصل من فصول الرواية الخمسة للتعبير عن وجهات نظر الشخصيات الخمس المشاركة في السرد، حول حدث مركزي واحد، وكأننا أمام كاميرا سينمائية تلتقط صوراً لأوجه مبنى خماسي الأضلاع، إذ نجد الشي الكثير من التكرار، وكأن الزمن يتوقف لاستعادة وصف حدث معين من خلال الإصغاء إلى وجهات نظر الشخصيات الخمس. ولست أعترض على الإفادة من هذه التقنية بصورة جزئية لأنها تقدم زوايا جديدة تستكمل المنظور العام للحدث، لكن هذا لم يتحقق إلا بدرجة محدودة، مما ترك الباب مفتوحاً أمام التكرار الرتيب أحياناً.
أما النسق الزمني في الرواية فهو ارتدادي غير خطي، مما يمنح الرواية صفة الرواية الدائرية (Circular Novel)، ذلك أنها تبدأ في القسم الأول، وعبر سرد رواتها الخمسة عام 1833، أي بعد ثلاث سنوات من احتلال الجزائر، وتركز على ما آلت إليه أوضاع مدينة الجزائر التي تلقب بالمحروسة تارة، وبإسبارطة أفريقيا تارة أخرى. أما الأقسام الثلاثة التالية، أي الثاني والثالث والرابع، فتعود إلى عام 1830، وهو عام احتلال الجزائر، ويسلط الضوء فيها، من خلال وجهات نظر الشخصيات المشاركة الخمس، على الجوانب العسكرية واللوجيستية والسياسية من عملية احتلال الجزائر، وردود أفعال الجزائريين ومقاومتهم. ثم تختتم الرواية زمنياً في فصلها الخامس بالعام 1833، الذي بدأت به الرواية، لتستكمل نسق الدائرة الزمنية للرواية ولحركة الأحداث. وقد لمسنا في هذا الفصل تصاعد نضال الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، من خلال أشكال مختلفة للمقاومة، وربما يمثل «حمّة السلاوي» وجه المقاومة المسلحة من خلال نشاطه المعادي للاحتلال.
وهذا التصعيد المتمثل في التحاق «حمّة السلاوي» بالمقاومة المسلحة، وانتظار «دوجة» اللحظة التي يعود فيها «حمة السلاوي» لكي تلتحق به، يجعل الرواية مفتوحة النهاية على تأويلات واحتمالات كثيرة، تتيح الفرصة للقارئ للتأمل والتأويل والتفكير والتعاطف مع قضية الشعب الجزائري الذي قرر أن يؤسس لمقاومة مفتوحة للهيمنة الكولونيالية، وأن تظل الجزائر صنواً لمدينة «إسبارطة» الإغريقية، بصفتها «إسبارطة أفريقيا»، وتحمل دائماً بشارة المقاومة المستمرة، ووعداً بأمل الخلاص من ربقة الاحتلال الكولونيالي الغاشم.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.