أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

بين حرية الاقتناء ومخاطر خرق النظام

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»
TT

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

رجال يتمشّون على طرقات خالية من سكّانها، ملثّمين ومدجّجين بالسلاح، على وجوه بعضهم أقنعة قاتمة ونظارات شمسية تخفي معالمهم كلياً.
للوهلة الأولى، يتخيّل للناظر أن المشهد مصوّر في «ساحة حرب»، إذ إن الأسلحة الحربية تتراوح ما بين الرشاشات والبنادق الآلية والقاذفات الصاروخية (آر بي جي). غير أن الحقيقة مختلفة؛ فهؤلاء، من الناحية القانونية، مواطنون أميركيون يمارسون حقّين مشروعين يتصدّران الدستور الأميركي: حقّ التعبير عن الرأي، وحقّ حمل السلاح.
هؤلاء الرجال، وبرفقتهم نسوة لسن أقل تحمساً منهم لمطالبهم، كانوا يحتجّون على إجراءات حظر التجول التي فُرضت في العديد من الولايات الأميركية بهدف الحدّ من انتشار جائحة «كوفيد - 19». ورغم قرارات حكام هذه الولايات بمنع التجمّعات، فإن هؤلاء خرقوا أوامر الحكام وقرّروا التعبير عن رأيهم من خلال مظاهرات منظمة ومسلّحة، وصلت إحداها إلى حدّ اقتحام مبنى كابيتول ولاية ميشيغان (شمال الولايات المتحدة) في عاصمتها، مدينة لانسينغ.
إنه لمشهدٌ غريب أن ترى مسلّحين مقنّعين يتجوّلون في مدن آمنة على طرقات خاوية، لكنه يعكس بشكل كبير الجدل المحيط بحقّ حمل السلاح في الولايات المتحدة.
نعم، حق المواطن بحمل السلاح موجود في التعديل الثاني من وثيقة الحقوق في الدستور الأميركي، وهو ينصّ على التالي: «إن وجود ميليشيا منظّمّة هو أمر ضروري للحفاظ على أمن ولاية حرّة، ولهذا فإنّ حق الأشخاص في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه».
هذه الكلمات أثارت منذ صياغتها في عام 1789 جدلاً كبيراً في الأوساط الأميركية، إذ اعتبر المدافعون عن حق حمل السلاح أنّ تعبير «حق الأشخاص في اقتناء الأسلحة وحملها» يخلق حقاً دستورياً فردياً للأميركيين. وبناء عليه فإن هذه النظرية القاضية بالتركيز على «الحق الفردي» تؤمن بأن الدستور يمنع تدخلّ الدولة بهذا الحق ويعتبر أي تدخلٍ تدبيراً غير قانوني.
أما المعارضون لهذه النظرية، فينظرون إلى لغة التعديل بأعين مختلفة، ويركّزون على الجزء الأول الذي يقول «ميليشيا منظمة». ومن ثم، يعتبرون أن الآباء المؤسّسين أرادوا من خلال هذا التعبير التشديد على أهمية «تنظيم» حمل السلاح من خلال الولايات المختلفة، لكن من دون تدخل الكونغرس كسلطة فيدرالية في حق هذه الولايات للدفاع عن نفسها. وبالتالي، تصبح هذه النظرية بمثابة «نظرية الحقوق الجماعية»، ما يعني أن الولاية ومؤسساتها لديها الحق «بتنظيم» اقتناء الأسلحة وحملها من دون انتهاك حق الأميركيين الدستوري.
وعلى هذا الأساس، يقول داعمو «تنظيم حمل السلاح» إنّ الإحجام عن تنظيمه يعرقل جهود الحكومة في تنفيذ مسؤولياتها، الأمر الذي يهدد أمن المواطنين. وهذا، رأي يخالف وجهة نظر مناصري حمل السلاح، الذين يبرّرون اقتناء الأسلحة بحجة الدفاع عن النفس وممارسة رياضة الصيد، بل ويذهبون أبعد إلى حد القول إن امتلاك المواطنين للسلاح يحول دون ارتكاب جرائم.
قرابة 393 مليون قطعة سلاح
في أي حال، يُقدّر اليوم عدد قطع السلاح التي يمتلكها أميركيون مدنيّون بنحو 393 مليون قطعة، وهناك قطعة واحدة على الأقل فيما بين 35 في المائة و42 في المائة من المنازل. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تتمتع بأعلى نسبة أسلحة مخصصة لكل فرد، بمعدل يقارب الـ120 قطعة سلاح لكل 100 شخص.
ورغم أن حمل السلاح لم يكن موضوعاً مسيّساً في بداياته، فإنه أصبح سياسياً بامتياز خلال السنوات الأخيرة، فمناصرو الحزب الجمهوري في طليعة الداعمين الشرسين له، في حين يميل معظم الديمقراطيين إلى السعي لتنظيمه عبر سلطات الولايات. ولقد تجلّت الصورة بشكل واضح خلال المظاهرات الأخيرة. ففي ولاية مينيسوتا (شمال البلاد)، وقف المتظاهرون خارج منزل حاكم الولاية الديمقراطي تيم والتز، وهم يحملون يافطات مؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأخرى تقول: «إن لم تحرّرنا صناديق الاقتراع، فالرصاص سيقوم بالمهمة...»، وهذه تصريحات استفزازية يتهم البعض ترمب بالتحريض عليها.
وللعلم، كانت التغريدات التي أطلقها الرئيس صباح الأول من مايو (أيار) الحالي، قد خلّفت أصداء صادمة لكثيرين، وبالأخص مناشداته: «حرّروا مينيسوتا!» و«حرّروا ميشيغان!» و«حرّروا فيرجينيا!... وأنقذوا التعديل الثاني في دستورنا! إنّه تحت الحصار!».
كل هذه كلمات فسّرها كثيرون على أنّها دعوة مفتوحة إلى المتظاهرين من مؤيديه لحمل السلاح والتظاهر في ولايات يحكمها ديمقراطيون معارضون لسياسات ترمب.
أيضاً، وصف الرئيس الأميركي المتظاهرين المسلّحين بأنهم «أشخاص جيدون جداً، لكنّهم غاضبون، ويريدون استعادة حياتهم، بأمان». ورغم أنّ بعض المتظاهرين واجهوا رجال الأمن، ولو من دون استعمال أسلحتهم، فإن البيت الأبيض لم يسحب دعمه لهم، بل شدّدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني على «حق» هؤلاء بالتظاهر، قائلة: «لديهم الحق في التظاهر دستورياً، لكن ضمن أطر القانون». مع ملاحظة أن هذا تصريح عام لم يتطرّق إلى تفاصيل القضية، أي: هل يعطي الدستور الأميركي المواطنين الأميركيين الحق المطلق بحمل السلاح؟
الجواب على هذا السؤال غالباً ما يعود إلى المحكمة العليا التي تنظر إلى كل قضية أمامها على حدة لتبتّ فيها. وفي حين يحق لبعض الولايات تحديد طرق حمل السلاح بشكل عام، فإن المحكمة العليا لم تحسم ما إذا كان هذا الحق مطلقاً. ولكنّ القرار الأهم بهذا الخصوص حصل في عام 2008 في قضية «مقاطعة كولومبيا ضد هيلر». يومذاك أكدت المحكمة العليا، لأول مرّة، أن التعديل الثاني في الدستور يضمن حق الفرد بامتلاك سلاح، بغضّ النظر عن كونه عنصراً في ميليشيا محلية، إضافة إلى حقّه في استعمال السلاح بطرق قانونية أبرزها للدفاع عن النفس في منزله. وبهذا تكون المحكمة (التي يشكل التيار المحافظ المؤيد للجمهوريين، حالياً، غالبية فيها) قد دعمت نظرية «الحق الفردي» وعارضت نظرية «الحق الجماعي» في تلك القضية.
نبذة تاريخية
في أعقاب اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي ثم شقيقه وزير العدل السابق السيناتور روبرت كينيدي، وكذلك اغتيال الناشطَين في مجال حقوق الإنسان مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ الابن خلال عقد الستينات، مرّر الكونغرس قانون تنظيم حمل السلاح في عام 1967. ولقد نظّم هذا القانون نقل الأسلحة بين الولايات من خلال المصنّعين المرخّص لهم وتجار السلاح والمستوردين. كذلك منع القانون بيع السلاح لمجموعات حُدّدت بالمحظورة.
غير أنه في عام (المدعومة من اليمين والجمهوريين المحافظين) مرّر الكونغرس قانوناً آخر باسم «قانون حماية حاملي السلاح» أبطل مفعول القانون الأول، لكنه منع امتلاك البنادق الآليّة غير المسجّلة.
بعد ذلك، عام 1981 أدت محاولة اغتيال الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى دعوات لتمرير قانون جديد. لكن هذا لم يحصل إلا في عام 1993. عندما وقّع الرئيس الأميركي (حينذاك) بيل كلينتون على قانون «برايدي لمنع عنف السلاح»، وذلك تيمناً بالمتحدث باسم البيت الأبيض جيمس برايدي الذي تعرّض خلال محاولة اغتيال ريغان لإصابة بليغة أدت إلى شلله.
لقد حدّد القانون الجديد أطراً للتحقق من الخلفيات الجنائية للأشخاص الذين يسعون لامتلاك السلاح، كما حال دون شراء المجرمين والقاصرين للأسلحة. وفسّر وارين برغر، رئيس القضاء المتقاعد في المحكمة العليا، خلفيات القانون في مقال داعم له، فقال: «للأميركيين حق الدفاع عن بيوتهم، ولا يجوز تغيير هذا الحق، كما لا يحق لأحد التشكيك في أن الدستور يحمي حق الصيادين باقتناء أسلحة صيد، بالطريقة نفسها التي لا يجوز معها التشكيك بامتلاكهم لصنّارات ومعدات صيد أخرى. إن حق «امتلاك سلاح وحمله» للصيد يُعدّ اليوم نشاطاً ترفيهياً، وليس ضرورة للعيش كما كان الأمر منذ 200 سنة، ولكنّ الأسلحة الثقيلة لا تعتبر ترفيهية، وعليه، فنحن بحاجة لتنظيمها كما ننظم الماكينات السيّارة».
وحقاً، في عام 1994 مرّر الكونغرس قانوناً آخر باسم «الحظر الفيدرالي للأسلحة الهجومية»، وذلك بعدما فتح رجل النار على ملعب مدرسة كليفلاند الابتدائية في ولاية كاليفورنيا عام 1989. ويمنع هذا القانون «تصنيع ونقل الأسلحة الهجومية شبه الآلية ومخازن الذخائر الكبيرة السعة للاستعمال المدني». بيد أن مهلة القانون نفدت في عام 2004، ولم يتمكن الكونغرس من إعادة تفعيله.
وبعد ذلك أدّت سلسلة من جرائم القتل الجماعي إلى محاولات متعددة من الإدارات الأميركية المختلفة إلى تنظيم حمل السلاح بطريقة أو بأخرى.
إدارة أوباما وحمل السلاح
في ديسمبر (كانون الأول) 2012، فتح آدم لانزا (البالغ من العمر 20 سنة) النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية بولاية كونكتيكت (المتاخمة لولاية نيويورك)، فقتل 28 شخصاً جلّهم أطفال في حادثة هزّت الولايات المتحدة، وتحدّت عزيمة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. وفي يناير (كانون الثاني) 2013 أعلن أوباما عن خطة للحد من عنف السلاح مؤلفة من أربعة أجزاء: 1 - تصحيح العيوب في نظام التحقق من الخلفية الجنائية. 2 - حظر الأسلحة الهجومية ومخازن الذخيرة الكبيرة السعة. 3 - الحرص على أمن المدارس. 4 - تسهيل خدمات علاج الصحة العقلية.
وبينما تطلبت هذه الخطة موافقة الكونغرس، فإن الأخير لم ينجح في تمرير أي قانون يدعم الخطة بسبب عمق الانقسامات الحزبية ونفوذ «لوبي» السلاح، وبالذات الـ«إن آر آيه».
وبالفعل، أعرب أوباما عن استيائه من ملف السلاح خلال مقابلة مع شبكة «بي بي سي» في عام 2015. قال فيها: «إن ملف تنظيم السلاح هو أكثر ملف أحبطني، فالواقع هو أن الولايات المتحدة هي البلد المتقدم الوحيد على وجه الأرض الذي لا يتمتع بقوانين منطقية لحماية المواطنين من عنف السلاح... حتى في وجه جرائم القتل الجماعي. إذا نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا في هجمات إرهابية منذ اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)، لرأينا أنهم أقل من مائة. أما إذا نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب أحداث مرتبطة بعنف السلاح، فهم عشرات الآلاف. إن عجزنا عن حل هذه القضية يقلقني للغاية».
في عهد إدارة ترمب
في عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب، وتحديداً في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، فتح ستيفن بادوك النار من شرفة غرفته على الحضور في مهرجان موسيقي بمدينة لاس فيغاس في ولاية نيفادا، فقتل 58 شخصاً وجرح 413 آخرين. والأسوأ أن بادوك تمكن من إطلاق أكثر من ألف رصاصة من ذخيرته عبر استعمال 12 بندقية، أي أنه أطلق النار بوتيرة وصلت إلى تسع رصاصات في الثانية. ثم في فبراير (شباط) 2018، تمكن نيكولاس كروز من قتل 17 شخصاً عندما استخدم بندقيته شبه الآلية وفتح النار في مدرسة ستونمان دوغلاس الثانوية في بلدة باركلاند بولاية فلوريدا.
الحادثتان حفّزتا ترمب إلى التفكير بحظر جميع الأجهزة التي تحوّل الأسلحة المشروعة إلى بنادق آلية (أوتوماتيكية)، ومنها الجهاز الذي استعمله مطلق النار في لاس فيغاس. وحقاً، تمكنت وزارة العدل من تطبيق هذا الحظر في عام 2018 عبر أمر تنفيذي من دون السعي لموافقة الكونغرس. وللعلم، مرة تلو المرة، كان أبرز سبب يعرقل تمرير مشاريع من هذا النوع في الكونغرس هو النفوذ الواسع الذي تتمتع به «جمعية البنادق الوطنيّة» في أروقته.
الولايات والسماح بحمل السلاحً
أخيراً، الجدير بالذكر، أنه تختلف قوانين حمل السلاح في الولايات المتحدة من ولاية إلى أخرى. وكمثال على ذلك، هناك خمس ولايات أميركية فقط تمنع حمل المسدسات علناً و32 ولاية تسمح بذلك من دون رخصة مقابل 13 ولاية تتطلب ترخيصاً. أما الولايات التي تمنع حمل المسدسات علناً، فهي: كاليفورنيا، وفلوريدا، وإيلينوي، ونيويورك، وساوث كارولينا، ومقاطعة كولومبيا (أي العاصمة واشنطن). في حين أن الولايات التي تفرض الاستحصال على رخص لحمل المسدسات، فهي: جورجيا، وهاواي، وإنديانا، وآيوا، وماريلاند، وماساتشوستس، ومينيسوتا، ونيوجيرزي، وأوكلاهوما، ورود آيلاند، وتينيسي، وتكساس، ويوتاه.
جمعية البنادق الوطنية... و«لوبي» الأسلحة
> هذه الجمعية التي أسست عام 1871 لترويج امتلاك الأسلحة الفردية، تعد من أكثر المنظمات نفوذاً في الولايات المتحدة. وللعلم، لم تكن هذه الجمعية مسيّسة في بداياتها، إلا أنها في أواخر العام 1970 بدأت بتطوير أنشطتها، لتشمل السياسة وتغدو، من ثم، متناغمة مع الحزب الجمهوري. ثم بعد العام 1977 وسّعت الجمعية عضويتها لتركز بشكل أساسي على القضايا السياسية، وتشكل تحالفات وثيقة مع السياسيين المحافظين.
بحلول العام 1998، أصبحت الجمعية إحدى أبرز وأسخى المنظمات التي تموّل الانتخابات التشريعية. وعلى سبيل المثال، أنفقت الـ«إن آر آيه» قرابة مبلغ 11 مليون دولار في انتخابات عام 2012، ونحو 14 مليون في انتخابات عام 2014.
أيضاً، أخذت الجمعية على عاتقها الترويج للسياسات الداعمة لاقتناء السلاح وحمله، من خلال السعي جاهدة لفصل حق حمل السلاح عن سوء استخدامه في حوادث إطلاق النار. مع الإشارة إلى أنها تعرّضت لانتقادات واسعة عندما أخذت تروّج لفكرتي وجود عناصر أمنية داخل المدارس وتسليح المدرسين، بدلاً من تنظيم حمل السلاح. لكن اللافت، أن الجمعية لم تخسر أي معركة تشريعية منذ قانون العام 1994. وفي هذا دليل أكثر من كافٍ على نفوذها الواسع في الكونغرس.
وفي هذا السياق، تعطي الجمعية علامات مختلفة لأعضاء الكونغرس، فعلامة «أ+» تُعطى للنائب أو السيناتور الذي لديه «سجل تصويت ممتاز (لصالحها) في كل المسائل المتعلقة بالجمعية في الكونغرس، وبذل جهوداً فائقة للترويج للتعديل الثاني من الدستور والدفاع عنه». أما المشرعون الذين يحصلون على علامة «ف»؛ فهم «أعداء حقيقيون لحق حمل السلاح»، بحسب وصف الجمعية.
من جانب متصل، تظهر الأرقام أن 88 في المائة من الساسة الجمهوريين و11 في المائة من الديمقراطيين تلقوا مساهمات من الجمعيّة إبّان فترة عملهم السياسي، كما حصل أكثر من 50 في المائة من أعضاء الكونغرس على تبرعات منها.
وعلى صعيد معارك الرئاسة، أعلنت «إن آر آيه» لأول مرة عن تأييدها لمرشح رئاسي عام 1980. عندما دعمت المرشح (الرئيس) الجمهوري رونالد ريغان ضد منافسه الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر. أنفقت 40 مليون دولار في انتخابات عام 2008 منها عشرة ملايين ضد حملة أوباما الانتخابية. وفي مايو 2016، أعلنت الجمعية تأييدها لترمب في الانتخابات، وتبرّعت بأكثر من 30 مليون دولار لحملته الانتخابية.

أبرز حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة
1 - 1991: مقهى لوبي في تكساس - 23 قتيلاً و27 جريحاً
2 - 1999: مدرسة كولومباين الثانوية في كولورادو - 13 قتيلاً و24 جريحاً
3 - 2007: جامعة فيرجينيا تك في فيرجينيا - 32 قتيلاً و23 جريحاً
4 - 2009: قاعدة فورت هود العسكرية في تكساس - 13 قتيلاً و32 جريحاً
5 - 2012: مدرسة ساندي هوك الابتدائية في كونكتيكت - 27 قتيلاً منهم 20 بين السادسة والسابعة من العمر، وجريحان
6 - 2013: القاعدة البحرية في واشنطن - 12 قتيلاً و8 جرحى
7 - 2015: سان برناندينو في كاليفورنيا - 14 قتيلاً و24 جريحاً
8 - 2016: حادثة الملهى الليلي في أورلاندو بولاية فلوريدا - 49 قتيلاً و53 جريحاً
9 - 2017: حادثة لاس فيغاس بنيفادا - 58 قتيلاً و413 جريحاً
10- 2018: مدرسة ستونمان دوغلاس الثانوية في فلوريدا - 17 قتيلاً و17 جريحاً
11 - 2019: متجر وولمرت في آل باسو بولاية تكساس - 23 قتيلاً و23 جريحاً



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟