أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

بين حرية الاقتناء ومخاطر خرق النظام

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»
TT

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

أميركا... الاحتجاج بالسلاح على تدابير «كوفيد ـ 19»

رجال يتمشّون على طرقات خالية من سكّانها، ملثّمين ومدجّجين بالسلاح، على وجوه بعضهم أقنعة قاتمة ونظارات شمسية تخفي معالمهم كلياً.
للوهلة الأولى، يتخيّل للناظر أن المشهد مصوّر في «ساحة حرب»، إذ إن الأسلحة الحربية تتراوح ما بين الرشاشات والبنادق الآلية والقاذفات الصاروخية (آر بي جي). غير أن الحقيقة مختلفة؛ فهؤلاء، من الناحية القانونية، مواطنون أميركيون يمارسون حقّين مشروعين يتصدّران الدستور الأميركي: حقّ التعبير عن الرأي، وحقّ حمل السلاح.
هؤلاء الرجال، وبرفقتهم نسوة لسن أقل تحمساً منهم لمطالبهم، كانوا يحتجّون على إجراءات حظر التجول التي فُرضت في العديد من الولايات الأميركية بهدف الحدّ من انتشار جائحة «كوفيد - 19». ورغم قرارات حكام هذه الولايات بمنع التجمّعات، فإن هؤلاء خرقوا أوامر الحكام وقرّروا التعبير عن رأيهم من خلال مظاهرات منظمة ومسلّحة، وصلت إحداها إلى حدّ اقتحام مبنى كابيتول ولاية ميشيغان (شمال الولايات المتحدة) في عاصمتها، مدينة لانسينغ.
إنه لمشهدٌ غريب أن ترى مسلّحين مقنّعين يتجوّلون في مدن آمنة على طرقات خاوية، لكنه يعكس بشكل كبير الجدل المحيط بحقّ حمل السلاح في الولايات المتحدة.
نعم، حق المواطن بحمل السلاح موجود في التعديل الثاني من وثيقة الحقوق في الدستور الأميركي، وهو ينصّ على التالي: «إن وجود ميليشيا منظّمّة هو أمر ضروري للحفاظ على أمن ولاية حرّة، ولهذا فإنّ حق الأشخاص في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه».
هذه الكلمات أثارت منذ صياغتها في عام 1789 جدلاً كبيراً في الأوساط الأميركية، إذ اعتبر المدافعون عن حق حمل السلاح أنّ تعبير «حق الأشخاص في اقتناء الأسلحة وحملها» يخلق حقاً دستورياً فردياً للأميركيين. وبناء عليه فإن هذه النظرية القاضية بالتركيز على «الحق الفردي» تؤمن بأن الدستور يمنع تدخلّ الدولة بهذا الحق ويعتبر أي تدخلٍ تدبيراً غير قانوني.
أما المعارضون لهذه النظرية، فينظرون إلى لغة التعديل بأعين مختلفة، ويركّزون على الجزء الأول الذي يقول «ميليشيا منظمة». ومن ثم، يعتبرون أن الآباء المؤسّسين أرادوا من خلال هذا التعبير التشديد على أهمية «تنظيم» حمل السلاح من خلال الولايات المختلفة، لكن من دون تدخل الكونغرس كسلطة فيدرالية في حق هذه الولايات للدفاع عن نفسها. وبالتالي، تصبح هذه النظرية بمثابة «نظرية الحقوق الجماعية»، ما يعني أن الولاية ومؤسساتها لديها الحق «بتنظيم» اقتناء الأسلحة وحملها من دون انتهاك حق الأميركيين الدستوري.
وعلى هذا الأساس، يقول داعمو «تنظيم حمل السلاح» إنّ الإحجام عن تنظيمه يعرقل جهود الحكومة في تنفيذ مسؤولياتها، الأمر الذي يهدد أمن المواطنين. وهذا، رأي يخالف وجهة نظر مناصري حمل السلاح، الذين يبرّرون اقتناء الأسلحة بحجة الدفاع عن النفس وممارسة رياضة الصيد، بل ويذهبون أبعد إلى حد القول إن امتلاك المواطنين للسلاح يحول دون ارتكاب جرائم.
قرابة 393 مليون قطعة سلاح
في أي حال، يُقدّر اليوم عدد قطع السلاح التي يمتلكها أميركيون مدنيّون بنحو 393 مليون قطعة، وهناك قطعة واحدة على الأقل فيما بين 35 في المائة و42 في المائة من المنازل. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تتمتع بأعلى نسبة أسلحة مخصصة لكل فرد، بمعدل يقارب الـ120 قطعة سلاح لكل 100 شخص.
ورغم أن حمل السلاح لم يكن موضوعاً مسيّساً في بداياته، فإنه أصبح سياسياً بامتياز خلال السنوات الأخيرة، فمناصرو الحزب الجمهوري في طليعة الداعمين الشرسين له، في حين يميل معظم الديمقراطيين إلى السعي لتنظيمه عبر سلطات الولايات. ولقد تجلّت الصورة بشكل واضح خلال المظاهرات الأخيرة. ففي ولاية مينيسوتا (شمال البلاد)، وقف المتظاهرون خارج منزل حاكم الولاية الديمقراطي تيم والتز، وهم يحملون يافطات مؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأخرى تقول: «إن لم تحرّرنا صناديق الاقتراع، فالرصاص سيقوم بالمهمة...»، وهذه تصريحات استفزازية يتهم البعض ترمب بالتحريض عليها.
وللعلم، كانت التغريدات التي أطلقها الرئيس صباح الأول من مايو (أيار) الحالي، قد خلّفت أصداء صادمة لكثيرين، وبالأخص مناشداته: «حرّروا مينيسوتا!» و«حرّروا ميشيغان!» و«حرّروا فيرجينيا!... وأنقذوا التعديل الثاني في دستورنا! إنّه تحت الحصار!».
كل هذه كلمات فسّرها كثيرون على أنّها دعوة مفتوحة إلى المتظاهرين من مؤيديه لحمل السلاح والتظاهر في ولايات يحكمها ديمقراطيون معارضون لسياسات ترمب.
أيضاً، وصف الرئيس الأميركي المتظاهرين المسلّحين بأنهم «أشخاص جيدون جداً، لكنّهم غاضبون، ويريدون استعادة حياتهم، بأمان». ورغم أنّ بعض المتظاهرين واجهوا رجال الأمن، ولو من دون استعمال أسلحتهم، فإن البيت الأبيض لم يسحب دعمه لهم، بل شدّدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني على «حق» هؤلاء بالتظاهر، قائلة: «لديهم الحق في التظاهر دستورياً، لكن ضمن أطر القانون». مع ملاحظة أن هذا تصريح عام لم يتطرّق إلى تفاصيل القضية، أي: هل يعطي الدستور الأميركي المواطنين الأميركيين الحق المطلق بحمل السلاح؟
الجواب على هذا السؤال غالباً ما يعود إلى المحكمة العليا التي تنظر إلى كل قضية أمامها على حدة لتبتّ فيها. وفي حين يحق لبعض الولايات تحديد طرق حمل السلاح بشكل عام، فإن المحكمة العليا لم تحسم ما إذا كان هذا الحق مطلقاً. ولكنّ القرار الأهم بهذا الخصوص حصل في عام 2008 في قضية «مقاطعة كولومبيا ضد هيلر». يومذاك أكدت المحكمة العليا، لأول مرّة، أن التعديل الثاني في الدستور يضمن حق الفرد بامتلاك سلاح، بغضّ النظر عن كونه عنصراً في ميليشيا محلية، إضافة إلى حقّه في استعمال السلاح بطرق قانونية أبرزها للدفاع عن النفس في منزله. وبهذا تكون المحكمة (التي يشكل التيار المحافظ المؤيد للجمهوريين، حالياً، غالبية فيها) قد دعمت نظرية «الحق الفردي» وعارضت نظرية «الحق الجماعي» في تلك القضية.
نبذة تاريخية
في أعقاب اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي ثم شقيقه وزير العدل السابق السيناتور روبرت كينيدي، وكذلك اغتيال الناشطَين في مجال حقوق الإنسان مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ الابن خلال عقد الستينات، مرّر الكونغرس قانون تنظيم حمل السلاح في عام 1967. ولقد نظّم هذا القانون نقل الأسلحة بين الولايات من خلال المصنّعين المرخّص لهم وتجار السلاح والمستوردين. كذلك منع القانون بيع السلاح لمجموعات حُدّدت بالمحظورة.
غير أنه في عام (المدعومة من اليمين والجمهوريين المحافظين) مرّر الكونغرس قانوناً آخر باسم «قانون حماية حاملي السلاح» أبطل مفعول القانون الأول، لكنه منع امتلاك البنادق الآليّة غير المسجّلة.
بعد ذلك، عام 1981 أدت محاولة اغتيال الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى دعوات لتمرير قانون جديد. لكن هذا لم يحصل إلا في عام 1993. عندما وقّع الرئيس الأميركي (حينذاك) بيل كلينتون على قانون «برايدي لمنع عنف السلاح»، وذلك تيمناً بالمتحدث باسم البيت الأبيض جيمس برايدي الذي تعرّض خلال محاولة اغتيال ريغان لإصابة بليغة أدت إلى شلله.
لقد حدّد القانون الجديد أطراً للتحقق من الخلفيات الجنائية للأشخاص الذين يسعون لامتلاك السلاح، كما حال دون شراء المجرمين والقاصرين للأسلحة. وفسّر وارين برغر، رئيس القضاء المتقاعد في المحكمة العليا، خلفيات القانون في مقال داعم له، فقال: «للأميركيين حق الدفاع عن بيوتهم، ولا يجوز تغيير هذا الحق، كما لا يحق لأحد التشكيك في أن الدستور يحمي حق الصيادين باقتناء أسلحة صيد، بالطريقة نفسها التي لا يجوز معها التشكيك بامتلاكهم لصنّارات ومعدات صيد أخرى. إن حق «امتلاك سلاح وحمله» للصيد يُعدّ اليوم نشاطاً ترفيهياً، وليس ضرورة للعيش كما كان الأمر منذ 200 سنة، ولكنّ الأسلحة الثقيلة لا تعتبر ترفيهية، وعليه، فنحن بحاجة لتنظيمها كما ننظم الماكينات السيّارة».
وحقاً، في عام 1994 مرّر الكونغرس قانوناً آخر باسم «الحظر الفيدرالي للأسلحة الهجومية»، وذلك بعدما فتح رجل النار على ملعب مدرسة كليفلاند الابتدائية في ولاية كاليفورنيا عام 1989. ويمنع هذا القانون «تصنيع ونقل الأسلحة الهجومية شبه الآلية ومخازن الذخائر الكبيرة السعة للاستعمال المدني». بيد أن مهلة القانون نفدت في عام 2004، ولم يتمكن الكونغرس من إعادة تفعيله.
وبعد ذلك أدّت سلسلة من جرائم القتل الجماعي إلى محاولات متعددة من الإدارات الأميركية المختلفة إلى تنظيم حمل السلاح بطريقة أو بأخرى.
إدارة أوباما وحمل السلاح
في ديسمبر (كانون الأول) 2012، فتح آدم لانزا (البالغ من العمر 20 سنة) النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية بولاية كونكتيكت (المتاخمة لولاية نيويورك)، فقتل 28 شخصاً جلّهم أطفال في حادثة هزّت الولايات المتحدة، وتحدّت عزيمة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. وفي يناير (كانون الثاني) 2013 أعلن أوباما عن خطة للحد من عنف السلاح مؤلفة من أربعة أجزاء: 1 - تصحيح العيوب في نظام التحقق من الخلفية الجنائية. 2 - حظر الأسلحة الهجومية ومخازن الذخيرة الكبيرة السعة. 3 - الحرص على أمن المدارس. 4 - تسهيل خدمات علاج الصحة العقلية.
وبينما تطلبت هذه الخطة موافقة الكونغرس، فإن الأخير لم ينجح في تمرير أي قانون يدعم الخطة بسبب عمق الانقسامات الحزبية ونفوذ «لوبي» السلاح، وبالذات الـ«إن آر آيه».
وبالفعل، أعرب أوباما عن استيائه من ملف السلاح خلال مقابلة مع شبكة «بي بي سي» في عام 2015. قال فيها: «إن ملف تنظيم السلاح هو أكثر ملف أحبطني، فالواقع هو أن الولايات المتحدة هي البلد المتقدم الوحيد على وجه الأرض الذي لا يتمتع بقوانين منطقية لحماية المواطنين من عنف السلاح... حتى في وجه جرائم القتل الجماعي. إذا نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا في هجمات إرهابية منذ اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)، لرأينا أنهم أقل من مائة. أما إذا نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب أحداث مرتبطة بعنف السلاح، فهم عشرات الآلاف. إن عجزنا عن حل هذه القضية يقلقني للغاية».
في عهد إدارة ترمب
في عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب، وتحديداً في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، فتح ستيفن بادوك النار من شرفة غرفته على الحضور في مهرجان موسيقي بمدينة لاس فيغاس في ولاية نيفادا، فقتل 58 شخصاً وجرح 413 آخرين. والأسوأ أن بادوك تمكن من إطلاق أكثر من ألف رصاصة من ذخيرته عبر استعمال 12 بندقية، أي أنه أطلق النار بوتيرة وصلت إلى تسع رصاصات في الثانية. ثم في فبراير (شباط) 2018، تمكن نيكولاس كروز من قتل 17 شخصاً عندما استخدم بندقيته شبه الآلية وفتح النار في مدرسة ستونمان دوغلاس الثانوية في بلدة باركلاند بولاية فلوريدا.
الحادثتان حفّزتا ترمب إلى التفكير بحظر جميع الأجهزة التي تحوّل الأسلحة المشروعة إلى بنادق آلية (أوتوماتيكية)، ومنها الجهاز الذي استعمله مطلق النار في لاس فيغاس. وحقاً، تمكنت وزارة العدل من تطبيق هذا الحظر في عام 2018 عبر أمر تنفيذي من دون السعي لموافقة الكونغرس. وللعلم، مرة تلو المرة، كان أبرز سبب يعرقل تمرير مشاريع من هذا النوع في الكونغرس هو النفوذ الواسع الذي تتمتع به «جمعية البنادق الوطنيّة» في أروقته.
الولايات والسماح بحمل السلاحً
أخيراً، الجدير بالذكر، أنه تختلف قوانين حمل السلاح في الولايات المتحدة من ولاية إلى أخرى. وكمثال على ذلك، هناك خمس ولايات أميركية فقط تمنع حمل المسدسات علناً و32 ولاية تسمح بذلك من دون رخصة مقابل 13 ولاية تتطلب ترخيصاً. أما الولايات التي تمنع حمل المسدسات علناً، فهي: كاليفورنيا، وفلوريدا، وإيلينوي، ونيويورك، وساوث كارولينا، ومقاطعة كولومبيا (أي العاصمة واشنطن). في حين أن الولايات التي تفرض الاستحصال على رخص لحمل المسدسات، فهي: جورجيا، وهاواي، وإنديانا، وآيوا، وماريلاند، وماساتشوستس، ومينيسوتا، ونيوجيرزي، وأوكلاهوما، ورود آيلاند، وتينيسي، وتكساس، ويوتاه.
جمعية البنادق الوطنية... و«لوبي» الأسلحة
> هذه الجمعية التي أسست عام 1871 لترويج امتلاك الأسلحة الفردية، تعد من أكثر المنظمات نفوذاً في الولايات المتحدة. وللعلم، لم تكن هذه الجمعية مسيّسة في بداياتها، إلا أنها في أواخر العام 1970 بدأت بتطوير أنشطتها، لتشمل السياسة وتغدو، من ثم، متناغمة مع الحزب الجمهوري. ثم بعد العام 1977 وسّعت الجمعية عضويتها لتركز بشكل أساسي على القضايا السياسية، وتشكل تحالفات وثيقة مع السياسيين المحافظين.
بحلول العام 1998، أصبحت الجمعية إحدى أبرز وأسخى المنظمات التي تموّل الانتخابات التشريعية. وعلى سبيل المثال، أنفقت الـ«إن آر آيه» قرابة مبلغ 11 مليون دولار في انتخابات عام 2012، ونحو 14 مليون في انتخابات عام 2014.
أيضاً، أخذت الجمعية على عاتقها الترويج للسياسات الداعمة لاقتناء السلاح وحمله، من خلال السعي جاهدة لفصل حق حمل السلاح عن سوء استخدامه في حوادث إطلاق النار. مع الإشارة إلى أنها تعرّضت لانتقادات واسعة عندما أخذت تروّج لفكرتي وجود عناصر أمنية داخل المدارس وتسليح المدرسين، بدلاً من تنظيم حمل السلاح. لكن اللافت، أن الجمعية لم تخسر أي معركة تشريعية منذ قانون العام 1994. وفي هذا دليل أكثر من كافٍ على نفوذها الواسع في الكونغرس.
وفي هذا السياق، تعطي الجمعية علامات مختلفة لأعضاء الكونغرس، فعلامة «أ+» تُعطى للنائب أو السيناتور الذي لديه «سجل تصويت ممتاز (لصالحها) في كل المسائل المتعلقة بالجمعية في الكونغرس، وبذل جهوداً فائقة للترويج للتعديل الثاني من الدستور والدفاع عنه». أما المشرعون الذين يحصلون على علامة «ف»؛ فهم «أعداء حقيقيون لحق حمل السلاح»، بحسب وصف الجمعية.
من جانب متصل، تظهر الأرقام أن 88 في المائة من الساسة الجمهوريين و11 في المائة من الديمقراطيين تلقوا مساهمات من الجمعيّة إبّان فترة عملهم السياسي، كما حصل أكثر من 50 في المائة من أعضاء الكونغرس على تبرعات منها.
وعلى صعيد معارك الرئاسة، أعلنت «إن آر آيه» لأول مرة عن تأييدها لمرشح رئاسي عام 1980. عندما دعمت المرشح (الرئيس) الجمهوري رونالد ريغان ضد منافسه الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر. أنفقت 40 مليون دولار في انتخابات عام 2008 منها عشرة ملايين ضد حملة أوباما الانتخابية. وفي مايو 2016، أعلنت الجمعية تأييدها لترمب في الانتخابات، وتبرّعت بأكثر من 30 مليون دولار لحملته الانتخابية.

أبرز حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة
1 - 1991: مقهى لوبي في تكساس - 23 قتيلاً و27 جريحاً
2 - 1999: مدرسة كولومباين الثانوية في كولورادو - 13 قتيلاً و24 جريحاً
3 - 2007: جامعة فيرجينيا تك في فيرجينيا - 32 قتيلاً و23 جريحاً
4 - 2009: قاعدة فورت هود العسكرية في تكساس - 13 قتيلاً و32 جريحاً
5 - 2012: مدرسة ساندي هوك الابتدائية في كونكتيكت - 27 قتيلاً منهم 20 بين السادسة والسابعة من العمر، وجريحان
6 - 2013: القاعدة البحرية في واشنطن - 12 قتيلاً و8 جرحى
7 - 2015: سان برناندينو في كاليفورنيا - 14 قتيلاً و24 جريحاً
8 - 2016: حادثة الملهى الليلي في أورلاندو بولاية فلوريدا - 49 قتيلاً و53 جريحاً
9 - 2017: حادثة لاس فيغاس بنيفادا - 58 قتيلاً و413 جريحاً
10- 2018: مدرسة ستونمان دوغلاس الثانوية في فلوريدا - 17 قتيلاً و17 جريحاً
11 - 2019: متجر وولمرت في آل باسو بولاية تكساس - 23 قتيلاً و23 جريحاً



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».