بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

المنظمة الدولية أرسلت أكثر من 50 مبعوثا وممثلا ومستشارا ومنسقا إلى مناطق ساخنة.. لكن دون جدوى

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع
TT

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

في الأسبوع الماضي، قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، لتلفزيون «بي بي سي» البريطاني إنه يعتقد أن «ثمة فرصة متاحة لحل الأزمة السورية». وأن وقف إطلاق النار «قد يتحقق بسبب التهديد المشترك الذي يمثله مسلحو تنظيم داعش»، لعدة جهات إقليمية ودولية. وأشار دي مستورا إلى حالة الإرهاق التي بدأت تظهر بين الأطراف من طول النزاع. لكن المبعوث استدرك قائلا: «سيكون الحديث عن خطة سلام حديثا طموحا، ومضللا». هكذا تبدو الأمور على هذه الشاكلة دائما.. حروب ساخنة، قضايا معقدة، واجتهادات أممية طموحة، لكنها مضللة؛ إن لم تكن فاشلة.. عشرات المهام للمبعوثين الدوليين من كل الجنسيات.. يجوبون أركان العالم لنزع فتيل الحروب، في الشرق الأوسط، وأفريقيا وأوروبا.. من رواندا إلى الكونغو والسودان ودارفور والجنوب.. إلى فلسطين والعراق وسوريا.. واليمن وليبيا وأوكرانيا.. وغيرها.. وغيرها.. والمحصلة دائما مخيبة.
في العام الماضي، عقد مركز «بروكينغز» في واشنطن ندوة عن «دبلوماسية الأمم المتحدة»، والمبعوثين الذين يرسلهم الأمين العام للأمم المتحدة، خصوصا إلى سوريا (في ذلك الوقت، كان المبعوث الرابع هو الإبراهيمي). وقد خلصت الندوة إلى مجموعة أفكار تبين أسباب فشل البعثات الدبلوماسية.
قال جيفري فيلتمان، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وسابقا كان سفيرا في الخارجية الأميركية، إنه أحس بأنه «عاري» عندما انتقل من دبلوماسي أميركي إلى دبلوماسي دولي. وذلك لأنه كان يتحدث «باسم القوة الأميركية»، ثم، فجأة، وجد نفسه عاريا «دون قوة». ولهذا، لم ينجح مبعوثو الأمم المتحدة لأنه لا تقف إلى جانبهم «هذه القوة الأميركية».
ستروب تالبوت، رئيس مركز «بروكينغز»، وسابقا كان رئيس تحرير مجلة «تايم»، ونائب وزير الخارجية، قال إنه دون دبلوماسية الأمم المتحدة (المبعوثون) كانت الأمم المتحدة ستعجز عن تحقيق ما حققت. وذلك لأنها لا تقدر على التركيز على العمليات العسكرية (القوات الدولية) لأنها لا تملك قوات مسلحة. وقال ويغار سترومان، سفير النرويج في واشنطن، وسابقا كان مبعوثا للأمم المتحدة إلى البوسنة والصرب، إن نجاح أو فشل المبعوث يعتمد على اتفاق أو عدم اتفاق الدول الكبرى (دول الفيتو في مجلس الأمن). وفي فترة النقاش، جاءت هذه الآراء:
قال أحدهم: «كل شيء يعتمد على مصلحة الغرب. متى نجح مبعوث دولي عندما حاول حل مشكلة بطريقة لا تخدم مصلحة الغرب؟». وقال ثان: «كان ريتشارد هولبروك أنجح مبعوث دولي». وقال ثالث: «كان هولبروك أنجح مبعوث دولي لأنه كان مناكفا. هل يجب أن يكون المبعوث الدولي مناكفا لينجح؟».

* في انتظار الفشل.. أو النجاح
* هنا قائمة غير حصرية لمبعوثين شخصيين باسم الأمين العام للأمم المتحدة، في وظائفهم الحالية، وفي انتظار نجاحهم أو فشلهم؛ وهم: كريستوفر روس (الولايات المتحدة): الصحراء الغربية. هيلي منكريوس (جنوب أفريقيا): السودان، وجنوب السودان. هيروت سيلاسي (إثيوبيا): الساحل الأفريقي. روبرت فاولر (كندا): النيجر، أغاديز. نيكولاس ميشال (سويسرا): الغابون وغينيا الاستوائية. سعيد جينيت (الجزائر): البحيرات، أفريقيا. مودبو توري (مالي): البحيرات، أفريقيا (موفد ومستشار). روبرت سيري (هولندا): السلطة الفلسطينية. جيمس رولي (الولايات المتحدة): المساعدات الإنسانية، الأراضي الفلسطينية المحتلة. تيرجي لارسين (النرويج): لبنان. جين لوتي (الولايات المتحدة): معسكر «الحرية» الإيراني في العراق. ستيفان دي مستورا (إيطاليا): سوريا. رمزي عز الدين رمزي (مصر): مناوب، سوريا. جمال بنعمر (المغرب): اليمن. نيكولاس كاي (الولايات المتحدة): الصومال. عبد الله المعتوق (الكويت): المشكلات الإنسانية. سجريد كاق (هولندا): أسلحة سوريا الكيماوية. جورج كاربنتر (فنلندا): ليبيا، مساعدات إنسانية. ليلى زروقي (الجزائر): الأطفال في مناطق الحرب. أنتوني بانبيري (بريطانيا): «إيبولا». براسادا جونالاقادا (الهند): الإيدز. جينس كاركلينغ (لاتفيا): الإنترنت. أحمد الهنداوي (الأردن): الشباب. ولأن ميثاق الأمم المتحدة يكلف مجلس الأمن بالمحافظة على الأمن، سواء بمنع الحروب حتى لا تبدأ، أو بوقف الحروب بعد أن تبدأ، فإنه يوجد اختلاف بين 3 مهام: أولا: قوات حفظ السلام، وهي تقوم بإرسال قوات عسكرية بعد نهاية حرب؛ مثلا: في الجولان، وفي سيناء، وفي البوسنة، وفي جنوب السودان. ثانيا: عملية بناء السلام، وهي القيام بجهود دبلوماسية لمنع بداية حرب، أو منع استئنافها؛ مثلا: قرارات وقف إطلاق النار، وتشجيع المفاوضات، وإرسال مبعوثين. ثالثا: عمليات صناعة السلام، هذه جهود بعيدة المدى.. وتتمثل في البرامج الإنسانية، والتعليمية، والصحية، والثقافية. في كل الحالات، يصدر مجلس الأمن القرارات، ويقوم الأمين العام بتنفيذها. وبالنسبة للجهود الدبلوماسية لمنع بداية حرب، أو منع استئنافها، فإنه يوجد هيكل معقد في مكتب الأمين العام.
وهنا أسماء بعض وظائف الذين يقومون بهذه الجهود الدبلوماسية (يبلغ عددهم 50 تقريبا): وهي: مبعوث شخصي، مثل ستيفان دي مستورا، سوريا. ومبعوث خاص، تيري رود لارسين، لبنان. ومستشار خاص، مثل جين لوتي، معسكر «الحرية» في العراق. ومنسق خاص مثل روبرت سيري، عملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وممثل خاص مثل نيكولاس هيسوم، أفغانستان. ومبعوث إنساني، مثل عبد الله المعتوق، الكويت. ومدير بعثة. مثل الجنرال إقبال سنخا، مرتفعات الجولان.
بالإضافة إلى الدبلوماسيين، يقدر الأمين العام للأمم المتحدة على اختيار شخصيات عالمية مشهورة لمساعدته في مهمة وقف الحروب، أو منع الحروب.. مثلا: في عام 1993، اختار سايروس فانس، وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر، مبعوثا خاصا إلى البوسنة، خلال الحرب بين البوسنة المسلمة وصربيا المسيحية الأرثوذكسية. في عام 2000، اختار جيمس بيكر، وزير الخارجية في إدارة الرئيس بوش الأب، مبعوثا خاصا إلى الصحراء الغربية. في عام 2009، اختار الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون مبعوثا خاصا إلى هايتي، وذلك بعد الزلزال الذي دمر أجزاء كبيرة من العاصمة، وبعد فوضي سياسية وعسكرية استدعت إرسال قوات من الأمم المتحدة. في عام 2012، اختار كوفي أنان، الذي كان أمينا للأمم المتحدة، مبعوثا خاصا إلى سوريا. وكان ذلك بتنسيق مع جامعة الدول العربية.
في عام 2012، اختار غوردن براون، رئيس وزراء بريطانيا السابق، مبعوثا خاصا لشؤون التعليم. ومن وقت لآخر، يستحدث الأمين العام للأمم المتحدة مواضيع جديدة، ويعين لها مبعوثين. مثلا: مبعوث خاص للشباب، ومبعوث خاص لمرض الايدز، وأخيرا، مبعوث خاصة لمرض «إيبولا».

* محاولات الإصلاح
* فشل معظم بعثات السلام دعا مجلس الأمن الدولي في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي لتبني أول قرار يتعلق بعمليات حفظ السلام. وللمرة الأولى خلال 15 عاما، كلف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الحائز على جائزة نوبل للسلام، خوسيه راموس هورتا بإعادة النظر في مفهوم عمليات قوات حفظ السلام التي قتل عشرات من جنودها في مالي وخطف آخرون في هضبة الجولان السورية في الأشهر الماضية، فيما يشهد العالم رقما قياسيا من الأزمات. وأسرع الرئيس السابق لتيمور الشرقية في مباشرة العمل. وسيسعى مع فريق الخبراء الذي يترأسه إلى تحديد سبل تحسين هذه العمليات في سائر أرجاء العالم والحصول على مانحين (بالجنود أو المال) وعلى مزيد من الدعم. وقال خوسيه راموس هورتا من مقر الأمم المتحدة في نيويورك: «وضع عمليات حفظ السلام تغير بمجمله نحو الأسوأ في بعض الجوانب». وأضاف أن فريق الخبراء سيسعى إلى إقناع القوى الناشئة، مثل الصين والبرازيل والهند وتركيا ومصر، بتقديم مساهمة أكبر سواء في ما يتعلق بالوسائل المالية واللوجيستية أو الجنود.
وسينظر أعضاء الفريق الـ15 أيضا في عدم التوازن بين الدول الثرية التي تمول عمليات حفظ السلام (الولايات المتحدة واليابان وفرنسا) والدول الفقيرة التي تساهم بقوات مثل بنغلاديش وباكستان والهند. وهذه السنة سحبت الفلبين قوتها المتمركزة في هضبة الجولان في إطار قوة مراقبة فض الاشتباك بعد تعرض جنودها لهجوم مسلحين معارضين سوريين، واحتجاز جنود فيجيين من «القبعات الزرق» رهائن. وفي شمال مالي، خلفت سلسلة هجمات عنيفة 31 قتيلا في صفوف جنود الأمم المتحدة منذ انتشار البعثة في يوليو (تموز) 2013.
وقد تطور دور «القبعات الزرق» من مراقبة خطوط وقف إطلاق النار إلى دور «المحاربين الحراس للسلام» مما يثير قلق الدول المساهمة بقوات. ويعتزم فريق الخبراء هذا التوجه إلى هذه البلدان للاستماع إلى مطالبها وكذلك إلى المقر العام لحلف شمال الأطلسي في بروكسل للسعي إلى إقناع الحلف بالمساعدة على تعزيز عمليات الأمم المتحدة. وسيبحث أعضاء الفريق أيضا مع الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في كيفية مشاركة الدول الأفريقية في هذه المراجعة لا سيما أن كثيرين من جنودها يفتقرون للتدريب أو يتهمون بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
ورأى هيستر بانيراس، قائد القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور بغرب السودان، أن قرار مجلس الأمن الأخير «يمنحنا مزيدا من هامش المناورة لتلبية بعض حاجاتنا وإحداث فرق على الأرض».
وتساهم نحو 90 دولة في قوات السلام في إطار 13 عملية أممية لحفظ السلام في العالم بمشاركة نحو 12 ألفا و500 شرطي حاليا مقابل 1600 فقط قبل 20 عاما.

* الوضع في سوريا
* سؤال لا يزال يحير كثيرا من المراقبين، هل ينجح المبعوث الدولي الخامس إلى سوريا فيما لم ينجح فيه المبعوثون الأربعة قبله؟
كان الأول سودانيا: الفريق محمد أحمد الدابي. قبل أن يصل إلى سوريا، واجه تغطية إعلامية غير مشجعة، ورد فعل من المعارضة السورية غير مشجع أيضا، ولذعات مثل أن اسمه «الدابي» وهو «الثعبان» بالعامية السودانية، وكانت منظمة «هيومان رايتس ووتش» جادة عندما قالت إنه اشترك في «الإبادة» التي نفذتها حكومة الرئيس الفريق عمر البشير في دارفور.
وكان الثاني نرويجيا: الجنرال روبرت مود، الذي عين قائدا لقوات المراقبة الدولية، ثم أخذ نصيبه من الغموض: هل هي قوات مراقبة؟ أم حفظ سلام؟ هل هو قائد عسكري؟ أم مبعوث دبلوماسي أيضا؟ في البداية، طلب زيادة عدد القوات، ثم طلب تجميد طلبه، ثم أعلن تجميد عمل القوات، ثم انسحب. وقال: «ليس سقوط نظام الأسد إلا مسألة وقت»، ثم قال؛ في المؤتمر الصحافي نفسه: «لن يكون سقوط الأسد كافيا لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا».
وكان الثالث المناوب سنغاليا: الجنرال أبو بكر غاي، الذي خلف الجنرال النرويجي، لكنه، لم يكن مبعوثا شخصيا، واكتفى بمنصب ممثل الأمين العام وقائد قوات المراقبة، بعد أن انخفضت من 500 إلى 150 فقط، ثم إلى صفر.
وكان الثالث الرئيسي غانيا؛ كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة. تفاءل، وقدم خطة من 6 نقاط. وبعد 6 أشهر، بدأ يشتكى الدول الكبرى للصحافيين، في مؤتمراته الصحافية. ومما قال: «آن الأوان لتزيد الدول الكبرى الضغط على الأطراف السورية المختلفة.. آن الأوان للتحرك. أكرر: آن الأوان لنتحرك.. الآن»، وحذر من استفحال الأزمة في سوريا، و«احتمال انتشارها إلى الدول المجاورة» (قبل قرابة 3 سنوات من «داعش العراق»). وحذر من أن هناك مائة ألف لاجئ سوري (وصل العدد الآن إلى قرابة 5 ملايين، في الداخل والخارج).
وكان المبعوث الرابع جزائريا: الأخضر الإبراهيمي. ومثل الغاني، راهن على الدول الكبرى، وخيبت أمله. راهن على مؤتمر «جنيف2» في عام 2014 لتطبيق إعلان «جنيف1» في عام 2012. وانهار «جنيف2» بعد جولتين فقط.
وها هو المبعوث الخامس: الإيطالي دي ميستورا. تولى منصبه في يونيو (حزيران) الماضي.
في الأسبوع الماضي، أيضا، نقلت وكالة الأنباء السورية أن الرئيس السوري بشار الأسد قال إنه ينظر في خطة هدنة دولية في حلب، تفصل بين المناطق التي يسيطر عليها الثوار، والتي تسيطر عليها الحكومة.
في الوقت نفسه، قال المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، دانيال روبنشتاين، لـ«الشرق الأوسط» إن التزام بلاده بحل سياسي في سوريا يشترط رحيل الرئيس السوري بشار الأسد. وعن خطة المبعوث، قال روبنشتاين: «لدينا نسبة عالية من الثقة فيه، ولديه سجل جيد في المجتمع الدولي». ثم استدرك روبنشتاين، وقال: «الوقت مبكر لمعرفة التفاصيل التي يفكر فيها، أو التي يمكن الاتفاق عليها من قبل الأطراف المختلفة».
وفي الوقت نفسه، قال وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلم: «سوف نتسلم قريبا جدا صواريخ (إس 300) المضادة للطائرات»، والتي كانت موسكو جمدت تسليمها قبل أكثر من عامين، استجابة لضغوط أميركية وإسرائيلية.
أما في جانب المعارضة السورية، فحدث ولا حرج.. قال قائد قوات «فجر الحرية» وائل الخطيب: «لن نقبل بأي هدنة مع النظام إلا بعد سقوطه». وقال قائد «جيش القصاص»، فراس الخرابة: «ليس للنظام السوري أي ذمة أو عهد». وقال قائد «جيش المجاهدين»، صقر أبو قتيبة: «أصبح مجلس الأمن عاجزا عن إيجاد حل شامل للوضع السوري».

* نجاحات وسط الظلام
* في عام 1995، نجح مبعوثان نجاحا تاريخيا:
* الأول: مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة (سايروس فانس، وزير الخارجية في إدارة الرئيس كارتر). الثاني: مبعوث الرئيس الأميركي بيل كلينتون (ريتشارد هولبروك، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية). في ذلك العام، وقعت الأطراف المتحاربة في يوغوسلافيا اتفاقية دايتون (ولاية أوهايو) لإنهاء الحرب التي بدأت قبل ذلك بأربع سنوات مع سقوط جمهورية يوغوسلافيا. (ومع سقوط الإمبراطورية السوفياتية، وسقوط الأحزاب الشيوعية في دول شرق أوروبا).
شملت حروب يوغوسلافيا مناطق مثل: البوسنة، والهرسك، وكرواتيا، والجبل الأسود، وسلوفينيا، وكوسوفو. وكانت أكبر الحروب بين المسلمين في البوسنة والمسيحيين الأرثوذكس في صربيا. ورجحت كثيرا كفة المسيحيين، ووقعوا تقتيلا في المسلمين. وبعد تجاهل، وتلكؤ، وتردد استمر 3 سنوات تقريبا، أحست الدول الغربية الكبرى (أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) أن أوروبا تشهد أكبر مذبحة منذ الحرب العالمية الثانية.
في النهاية، ربما عقدة الذنب هي التي جمعت في باريس للتوقيع النهائي على الاتفاقية كلا من: الرئيس الأميركي بيل كلينتون، والرئيس الفرنسي جاك شيراك، ورئيس وزراء بريطانيا جون ميجور، ورئيس وزراء ألمانيا هيلموت كول، ورئيس وزراء روسيا فيكتور تشيرنو ميردين.
لهذا، ولأن الحرب كانت في قلب الغرب، ولأن الغرب (بعد تجاهل، ثم تردد) أجمع على وقفها، وإحلال السلام، نجح المبعوثان: الأممي، والأميركي.

* نجاح أم فشل؟:
* كان نجاح المبعوثين كبيرا، وتاريخيا، وذلك لأكثر من سبب:
* أولا: منعا لما كان قد أعلن عنه الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش (في 1991، مع بداية الحرب): «خلال أسبوع واحد، سوف نزيل سراييفو من الخريطة. وخلال شهر، سوف نزيل المسلمين من البوسنة».
ثانيا: خاصة هولبروك (مبعوث الرئيس كلينتون)، وذلك لتحدي قادة أوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي شيراك الذي عارض تأسيس «دولة إسلامية في قلب أوروبا» ومثل رئيس وزراء بريطانيا ميجور الذي كاد يبكي وهو يتحدث عن «مسيحية أوروبا». في عام 2009، تذكر كلينتون: «لم يرفض الأوروبيون إبادة المسلمين مثلما لم يرفضوا إبادة اليهود».
لكن، حتى اليوم، يظل السؤال: هل نجح المبعوثان حقيقة؟
كان النجاح المثالي هو استمرار يوغوسلافيا دولة مسيحية ومسلمة. لكن، طبعا، لم يكن ذلك ممكنا، وربما لن يكون ممكنا.
في الأسبوع الماضي، عاد إلى الصرب من لاهاي الزعيم الصربي فوغسلاف سيسيلج، بعد أن قضى أكثر من 10 سنوات في السجن (بعد أن حاكمته محكمة الجنايات الدولية على جرائم يوغوسلافيا). واستقبله عشرات الآلاف في مطار بلغراد، وقال إنه غير مقتنع بما حدث (تأسيس دولة البوسنة المسلمة، ثم تأسيس دولة كوسوفو المسلمة)، وصفق له عشرات الآلاف.

* لعنة العراق:
* وهناك المبعوث البرازيلي سيرجيو ميلو. نجح مرات كثيرة، ثم وقعت عليه لعنة العراق.
عام 1999، أرسله الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا خاصا إلى جزيرة تيمور الشرقية للإشراف على انفصالها عن إندونيسيا، وتأسيسها بصفتها دولة مستقلة. وكان سبب نجاحه هو تأييد الدول الغربية له، تحت ضغوط من كنائس عالمية، ومن دولتين مهمتين: أستراليا (المجاورة)، والبرتغال (المستعمرة السابقة). ولم يكن صعبا عليه فصل إقليم مسيحي في جزيرة صغيرة عن دولة مسلمة تتكون من 18.307 جزيرة.
كان مرشحا ليكون أمينا عاما للأمم المتحدة، وذلك لأنه قضى كل حياته العملية في الأمم المتحدة، ونال ماجستير في الفلسفة الأخلاقية من جامعة البرازيل، ودكتوراه في الأنظمة الدولية من جامعة السوربون، وكان يتكلم 5 لغات، وكان نجح في مهام أخرى، غير تيمور الشرقية، منها: اتفاقية السلام في السودان (1972)، اتفاقية نهاية حرب بنغلاديش (1973)، غزو تركيا لجزيرة قبرص (1974).
لكن، فشل البرازيلي في مهمة أخرى: في العراق، حتى قبل أن يبدأ مهمته الرئيسية.. قتلته حرب العراق، عندما انفجر مبنى الأمم المتحدة في بغداد، وقتلت معه 20 من موظفي مكتبه. كان ذلك عام 2003 (بعد أشهر قليلة من غزو العراق). أرسله الأمين العام مبعوثا خاصا ليرسي قواعد السلام في العراق.

* «الأميركي غير الهادئ»:
* في عام 1995 عين الرئيس كلينتون الدبلوماسي المناكف ريتشارد هولبروك مساعدا لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية. وصار مهندس اتفاقية دايتون (ولاية أوهايو) التي أنهت حرب البوسنة، وصار لقبه «كيسنجر البلقان».
لم يكن مبعوثا باسم الأمين العام للأمم المتحدة، لكنه كان يتفاوض بتفويض منه، واعتمدت الأمم المتحدة الاتفاقية، ثم أرسلت قواتها إلى هناك لتنفيذها، ولفترة من الزمن، تعاون مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة: سايروس فانس (وزير خارجية أميركا في إدارة الرئيس جيمي كارتر). عكس فانس العاقل الهادئ، كان هولبروك مناكفا، وعندما استقال فانس «بسبب تعنت الأطراف المتحاربة»، أقسم هولبروك على أن يستمر «بسبب تعنت الأطراف المتحاربة».
وقبل الوصول إلى الاتفاق، الذي يعتبر حتى اليوم، من أكبر نجاحات الدبلوماسية الأميركية، لم يتردد هولبروك في استعمال لهجة قوية مع الذين فاوضهم، خاصة سلوبودان ميلوسيفيتش رئيس الصرب السابق (مرة قال له في وجهه أمام صحافيين: «أنت كذاب محترف»).
بعد البوسنة، أرسل إلى أفغانستان، ومع الرئيس الأفغاني حميد كرزاي كانت له مواجهات ساخنة، لكن، كانت مهمته الأخيرة هذه هي الأصعب التي كلف بها. وتوفي فجأة، بعد أن عاد من زيارة أخرى إلى هناك.
لكن:
أولا: هذا «الأميركي غير الهادئ» (اسم كتاب عنه، إشارة إلى كتاب صدر قبل 50 سنة هو «الأميركي الهادئ»)، لم ينجح في البلقان إلا لأن القوة الأميركية (والأمم المتحدة) كانت معه. ولم ينجح في أفغانستان لأن القوة الأميركية (والأمم المتحدة) بدأت تضعف هناك.
ثانيا: لم يكن مناكفا فقط مع الأجانب الذين فاوضهم، بل أيضا مع زملائه الأميركيين. ناكف هيلاري كلينتون لأنه كان يرى أنه أحق منها وزيرا للخارجية. ويقال إن أوباما وعده بأن يخلفها.. لكنه توفي قبل عامين من استقالتها. وناكف زوجاته الثلاث؛ واحدة بعد الأخرى، مع أخبار بأنه كان «زير نساء».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.