«تركيا إردوغان» تؤجّج الحرب في ليبيا

جسر جوي لنقل الأسلحة تحت ستار مناورات في البحر المتوسط

«تركيا إردوغان» تؤجّج الحرب في ليبيا
TT

«تركيا إردوغان» تؤجّج الحرب في ليبيا

«تركيا إردوغان» تؤجّج الحرب في ليبيا

باتت ليبيا الموضوع الأول المطروح على أجندة الحكومة التركية، برئاسة رجب طيب إردوغان. ووسط انشغال العالم بجائحة «كوفيد - 19» التي استحوذت على الاهتمام، وهبطت بمستوى أداء الحكومات، وجمدت ساحات الحروب، نشطت تركيا في إشعال الحرب الليبية ومواصلة إرسال السلاح والمرتزقة، لدعم رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج وعرقلة تقدم قوات «الجيش الوطني الليبي» باتجاه طرابلس.
وما عادت ليبيا موضوعاً متداولاً فقط في الاجتماعات الاعتيادية لإردوغان مع حكومته واللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، التي ظلت تعقد لأكثر من شهرين عبر الفيديو كونفرنس، بل انتقل الأمر إلى مرحلة أعلى. إذ عقد إردوغان قمة أمنية، مساء الأربعاء الماضي، هي أول اجتماع مباشر مع وزيري الدفاع والخارجية وقادة القوات المسلحة ورئيس جهاز الاستخبارات، وجاءت التطورات الليبية في المقدمة، ومعها التطورات في العراق وسوريا، وخاصة في إدلب.

انعكس حجم الاهتمام الذي توليه تركيا للتطورات في ليبيا، في تصريح للمتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، عمر تشيليك، يوم 5 مايو (أيار) الحالي. وفيه أكد تشيليك أن إردوغان يتابع «شخصياً» التطورات العسكرية في ليبيا، وأن هناك تقدماً كبيراً يتحقق خلال التطورات في ليبيا، بما يتوافق مع الأمن القومي التركي. ولفت المتحدث إلى أن إردوغان شدد على الدعم التركي القوي للتطورات في ليبيا، بما يخدم المصالح القومية، وأن القوات المسلحة التركية تواصل موقفها الحازم بهدف حماية تلك المصالح.
ثم إن إردوغان نفسه ذهب بعيداً جداً، وتحدث قبل ذلك بيوم واحد، عقب اجتماع لحكومته، قائلاً إنه «خلال الأيام المقبلة ستكون هناك أخبار سارة وبشرى لمن يهمه الأمر في ليبيا». وسبقت تصريحات إردوغان بأسبوعين فقط سيطرة قوات «الوفاق» على قاعدة الوطيّة الجوية الاستراتيجية (عقبة بن نافع سابقاً)، التي جرت محاولات كثيرة للسيطرة عليها على مدى الأشهر الماضية، لكنها فشلت، إلى أن دفعت تركيا بأسلحة نوعية عبر جسر جوي. وكشف موقع «إتيمال رادار» المتخصص في رصد حركة الطيران العسكري أن طائرات شحن من طراز «سي 130» حملت أسلحة تركية إلى ليبيا، وأن 12 طائرة «إف 16» تابعة لسلاح الجو التركي قامت بمناورات للتغطية على شحنة الأسلحة، وكاد يقع اشتباك بين المقاتلات اليونانية والتركية مرتين على الأقل، وأن المقاتلات التركية دخلت إلى غرب ليبيا، وشاركت في العمليات العسكرية. ومن جهتها، أصدرت وزارة الدفاع التركية بياناً مختصراً تحدثت فيه عن مناورات جوية وبحرية أجريت يوم 27 مارس (آذار) في التاريخ نفسه الذي أشار فيه الموقع إلى هذه التحركات.

سلاح ومرتزقة

بعدها كشفت تقارير في صحف جنوب أفريقيا، الأسبوع الماضي، عن تصاعد الأصوات المطالبة بتطبيق بريتوريا حظراً كاملاً على بيع الأسلحة إلى تركيا، التي تشحنها بدورها إلى كل من ليبيا وسوريا، ليستخدمها الجيش التركي وميليشيات مسلحة موالية له في كلا البلدين. وتعدّ جنوب أفريقيا إحدى الدول التي تعارض تدخل تركيا في ليبيا، وسبق لرئيسها، سيريل رامافوزا، أن حذّر تركيا من إرسال أسلحة وقوات إلى ليبيا. وكانت تقارير لصحيفة «ديلي مافريك» الجنوب أفريقية كشفت أن كثيراً من طائرات الشحن العسكرية التركية نقلت بعض المعدّات الطبية إلى مدينة كيب تاون، في إطار مكافحة جائحة «كوفيد - 10»، لكنها عادت إلى تركيا تحمل أسلحة وذخائر عسكرية من شركة «راينميتال دينيل مونيتيون»، وذلك على الرغم من أن لوائح الحظر المحلية تسمح فقط بنقل إمدادات الغذاء والدواء. وبموجب التدابير المتخذة في جنوب أفريقيا لمواجهة الجائحة، يُسمح باستخدام النقل الجوي لنقل المواد الضرورية فقط كالإمدادات الطبية والمواد الغذائية، إضافة إلى المواطنين الذين تقطعت بهم السبل خارج البلاد عبر الحدود.
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع التركية عن إرسال طائرة شحن واحدة تحمل مساعدات طبية لجنوب أفريقيا، لكن وسائل إعلام في جنوب أفريقيا ذكرت أن 6 طائرات شحن عسكرية تركية نقلت أسلحة وذخيرة. وتساءل المحلل السياسي شانون إبراهيم، وهو محرّر مجموعة أجنبية لمنصّة وسائل الإعلام المستقلة، في مقال الأحد الماضي: «كيف يمكن السماح لـ6 طائرات شحن عسكرية تركية بدخول البلاد والعودة مليئة بالمعدات العسكرية من جنوب أفريقيا؟»، وقال إن تلك الشحنات أثارت تساؤلات جدّية حول الشفافية في البلاد، وحول أسباب قيام جنوب أفريقيا بمثل هذه المعاملات، بينما تشارك تركيا في عمليات عسكرية في سوريا وليبيا. وحذّر من أن «اللجنة الوطنية لمراقبة الأسلحة التقليدية» في جنوب أفريقيا، فشلت في تفويضها ومهامها بمنع تصدير الأسلحة إلى تركيا، التي من المؤكد أنها تستخدم في مناطق الحرب لأغراض تدميرية.
وإلى جانب السلاح، واصلت تركيا بشكل مكثف خلال الأشهر الأخيرة، عقب توقيع مذكرة التفاهم مع حكومة السراج في مجالي التعاون الأمني والعسكري، وتحديد مناطق النفوذ البحرية، نقل آلاف المرتزقة من مقاتلي الفصائل السورية المسلحة الموالية لها في شمال سوريا إلى ليبيا. يذكر أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، ذكر قبل أيام أن تركيا نقلت ما يقرب من 10 آلاف من المرتزقة السوريين، بينهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، إلى ليبيا للقتال إلى جانب قوات السراج. وأكد إردوغان في فبراير (شباط) الماضي إرسال تركيا مقاتلين سوريين إلى ليبيا قائلاً: «جنودنا موجودون في ليبيا لدعم الحكومة الشرعية» إلى جانب مقاتلين سوريين.
وأفاد «المرصد» أن تركيا بدأت ترسل أيضاً عناصر مرتزقة أجانب غير السوريين، بعد حدوث تذمر عند بعض الفصائل السورية، ورفض مقاتليها الانتقال إلى ليبيا، على الرغم من الإغراءات التركية، سواء المالية أو منح الجنسية التركية لهم ولعائلاتهم.

قلب الموازين

بدأت أنقرة تتحدث عن دورها في «قلب الموازين العسكرية في ليبيا» بعد التقدم الذي أحرزته قوات «حكومة الوفاق» أخيراً. وهو السيطرة على مدن الساحل الغربي، وصولاً إلى السيطرة على قاعدة الوطية، وبدء الهجوم على ترهونة. وبدا الأمر وكأنه نوع من التفاخر من جانب المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم وزيرا الدفاع خلوصي أكار والخارجية مولود جاويش أوغلو، اللذان تحثا مراراً خلال الأسبوعين الأخيرين عن «قلب الموازين» العسكرية في ليبيا لصالح «حكومة الوفاق» وضد «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر.
جاويش أوغلو قال صراحة: «لو لم نحقق التوازن لكانت الحرب قد دخلت طرابلس، وكان يمكنها أن تستمر 10 سنوات أخرى على الأقل». وتكرر هجوم جاويش أوغلو على كل من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، بشكل خاص. وزادت حدته بعد اجتماع وزراء خارجية مصر والإمارات وفرنسا وقبرص واليونان، عبر الفيديو كونفرنس، الاثنين الماضي، وإصدار بيان يندد بالتدخل العسكري التركي في ليبيا، و«انتهاكاتها التي زعزعت الاستقرار»، فضلاً عن تحركاتها غير القانونية للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط. لكن أنقرة توقفت عن الهجوم على روسيا، التي تقف في صف الدول الداعمة للمشير حفتر، ما أرجعه مراقبون إلى مخاوف تركيا من إغضاب موسكو التي تنسق معها في ملف إدلب السورية. وحاول إردوغان ترسيخ فكرة أنه هو مَن يقوم بإدارة الميدان في ليبيا عبر الاتصالات الهاتفية المتكررة مع السراج حيث اتصل به هاتفياً مرتين في الأسبوع الماضي، آخرهما عشية السيطرة على قاعدة الوطية، فضلاً عن مناقشة التطورات هاتفياً مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وبعيداً عن مخاطر الانزلاق في مستنقع ليبي، تؤكد المعارضة التركية، أن التدخل العسكري التركي «غير المبرّر» في ليبيا أدى إلى تصعيد التوتر مع مصر والسعودية والإمارات التي تدهورت علاقات تركيا معها خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي.

تحذير أوروبي وأممي

في هذه الأثناء، واصل الاتحاد الأوروبي تحذيراته من تدخل تركيا وقوى أجنبية في الحرب في ليبيا، وقال المنسق الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد، جوزيب بوريل، الثلاثاء الماضي: «أشعر بالقلق جراء الوضع في ليبيا، وليس سراً أو شيئا جديداً القول إن تركيا وقوى أجنبية أخرى تتدخل في القتال في ليبيا... رغم (عملية برلين) لم يوقف إطلاق النار، بل على العكس من ذلك زاد القتال حدة خلال الأسابيع الماضية، وأنا قلق، ليس فقط بسبب دور تركيا، وإنما بسبب القوى الأجنبية الأخرى التي تتدخل في الحرب الليبية». وأضاف الاتحاد الأوروبي أنه يراقب التصعيد المستمر للعنف في ليبيا، وجدّد الدعوة إلى هدنة، مثلما فعلت الأمم المتحدة عشية بداية رمضان، ووقف القتال في جميع أنحاء ليبيا.
أما خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي، فهاجم عملية «إيريني» (السلام باللغة اليونانية) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في 7 مايو (أيار) الحالي لمراقبة ومنع وصول الأسلحة إلى ليبيا، معتبراً أن الهدف منها هو دعم حفتر. وعلى المنوال ذاته، انتقدت حكومة السراج العملية الأوروبية. وردّ بوريل بأن مهمة «إيريني» هي وسيلة للسيطرة عن طريقي البحر والجو على حركة الأسلحة لتنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، بناء على قرار الأمم المتحدة، مشدداً على أن المهمة ليست ضد جهة معينة.
الأمم المتحدة حذّرت بدورها من أن التدفق «الهائل» للأسلحة والمرتزقة سيتسبب في توسيع وإطالة أمد الحرب الدائرة في ليبيا. وقالت ستيفاني ويليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في إحاطة خلال جلسة لمجلس الأمن حول ليبيا عقدت عبر دائرة تلفزيونية، الثلاثاء الماضي، إن «ما نشهده من التدفق الهائل للأسلحة والمعدات والمرتزقة، يجعل الاستنتاج الوحيد الذي يمكننا استخلاصه هو أن هذه الحرب ستشتد وستتسع وستتعمق أكثر».

أطماع النفط والثروة

تضغط تركيا لتسريع سيطرة قوات «الوفاق» المتهمة بأنها آيديولوجيا قريبة من تنظيم «الإخوان» الذي يهلل للدور التركي في ليبيا، حتى تطلق الشق الآخر من أهدافها من التدخل العسكري لدعم السراج، وهو المتعلق بالنفط والغاز. وكشف وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، فاتح دونماز، عن تقدم شركة النفط الوطنية التركية بطلب إلى حكومة السراج لبدء التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، بموجب مذكرة التفاهم بين الجانبين الموقعة في إسطنبول في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولقد حدد دونماز تاريخ بدء عمليات التنقيب التي ستقوم بها السفينة التركية «فاتح» بيوليو (تموز) المقبل.
هذا، وكان إردوغان أكد عقب توقيع هذه المذكرة أنه لا أحد بعد ذلك سيستطيع التحرك في المنطقة من دون موافقة تركيا، وكرر في تصريحات، يوم الاثنين الماضي، أن أي مشروع سياسي أو اقتصادي بالمنطقة يستبعد تركيا مصيره الفشل، و«أدعو كل من ينهج سياسة دعم معارضي تركيا من سوريا إلى ليبيا لمراجعة سياستهم في أقرب وقت... لا وجود لفرصة نجاح أي مشروع أو خطة أو تجمع اقتصادي وسياسي بالمنطقة والعالم، تستبعد تركيا منه، وتمكن رؤية هذه الحقيقة من البلقان إلى البحر المتوسط ومن شمال أفريقيا إلى جنوبها».
وحقاً، أكد مراقبون أن التفاهمات بين إردوغان والسراج فحواها حصول «حكومة الوفاق» على الدعم السياسي والعسكري التركي، وفي المقابل مساعدة تركيا على تحقيق أهدافها في ملف الطاقة في شرق البحر المتوسط. كذلك تسعى أنقرة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في ليبيا، وبخاصة في قطاع البناء، إذ ستكون مهددة في حال انتصار حفتر.
وللعلم، لدى المقاولين الأتراك مشروعات في ليبيا تصل قيمتها إلى 28.9 مليار دولار، ولعل هذا هو الهدف الحقيقي وراء الدعم التركي الكبير لحكومة فائز السراج، وخلال الأشهر الأخيرة، وصلت المحادثات التركية الليبية بشأن الجوانب الاقتصادية إلى ذروتها، قبل أن تعطلها معركة طرابلس التي أعلنها الجيش الليبي، لاستعادة العاصمة من قبضة حكومة السراج والميليشيات الموالية لها. وفي فبراير الماضي، قبل إعلان الجيش انطلاق معركة تحرير طرابلس، اتفقت مجموعة عمل تركية ليبية لمقاولين على استكمال المشروعات غير المنتهية للشركات التركية في ليبيا.
ويشكل البعدان الاقتصادي والآيديولوجي دافعين أساسيين لحكومة العدالة والتنمية، برئاسة إردوغان، في غالبية تدخلاتها في شؤون الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، وقد يفهم البعض دوافع تركيا للتدخل في سوريا أو العراق، لجهة الحدود المشتركة التي تجمع البلدين، لكن ليبيا التي تبعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي التركية، تؤكد أطماع «تركيا إردوغان» في المنطقة، والتي يرمز إليها بـ«العثمانية الجديدة».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.