وزراء مالية «السبع» يبحثون تسريع الاقتصادات وسط حسابات معقدة

تعافٍ بطيء متوقع للأسواق... وتدفقات تلتمس الأمن في أميركا

ترى غالبية المؤسسات الدولية أن حساب التداعيات الاقتصادية لفيروس {كورونا} مسألة غاية في التشابك والتعقيد (أ.ف.ب)
ترى غالبية المؤسسات الدولية أن حساب التداعيات الاقتصادية لفيروس {كورونا} مسألة غاية في التشابك والتعقيد (أ.ف.ب)
TT

وزراء مالية «السبع» يبحثون تسريع الاقتصادات وسط حسابات معقدة

ترى غالبية المؤسسات الدولية أن حساب التداعيات الاقتصادية لفيروس {كورونا} مسألة غاية في التشابك والتعقيد (أ.ف.ب)
ترى غالبية المؤسسات الدولية أن حساب التداعيات الاقتصادية لفيروس {كورونا} مسألة غاية في التشابك والتعقيد (أ.ف.ب)

أجرى وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين اتصالا هاتفيا بوزراء مالية كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والمفوضية الأوروبية ومجموعة اليورو لبحث التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا.
وقالت الخزانة في بيان «ناقش وزراء المالية الإجراءات المحلية والدولية الجارية واستراتيجيات تسريع النشاط الاقتصادي مع الشروع في إعادة فتح اقتصاداتنا، وبما يتماشى مع تدابير الصحة والسلامة الضرورية».
وفي غضون ذلك، دعا المنتدى الاقتصادي العالمي قادة دول العالم إلى بذل المزيد من الجهد من أجل تحقيق تعاف سريع ومستدام للاقتصاد العالمي. وبحسب مسح أجراه المنتدى الموجود مقره في مدينة جنيف السويسرية وشمل نحو 350 خبيرا متخصصا في التعامل مع المخاطر الاقتصادية، قال نحو ثلثي الخبراء إن التراجع المستمر للاقتصاد يمثل أكبر خطر يواجه العالم خلال العام ونصف العام المقبل.
وكانت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) قد سببت أكبر ركود اقتصادي يشهده العالم منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين ودفعت الحكومات إلى إطلاق حزم تحفيز مالي ونقدي ضخمة.
في الوقت نفسه، أشار تقرير المنتدى إلى أن حزم التحفيز المالية والنقدية أدت إلى تراكم ديون الحكومات، وهو ما سيثقل كاهل ميزانيات الدول والشركات خلال السنوات المقبلة. كما أن تراجع الاستهلاك وتغير أنماط الإنتاج والمنافسة يمكن أن يضر بالشركات ويدفع بالاقتصادات الصاعدة إلى أزمة أعمق.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي القول إن ارتفاع معدل البطالة بين الشباب وعدم التقدم نحو خفض الانبعاثات الكربونية وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء من بين النتائج الجانبية للجائحة.
ومع زيادة اعتماد النشاط الاقتصادي في العالم على التكنولوجيا الرقمية والعمل عن بعد، ستصبح مخاطر القرصنة المعلوماتية والاحتيال من التهديدات الرئيسية التي يواجهها العالم.
من ناحيتها، قالت سعدية زاهيدي المدير الإداري للمنتدى الاقتصادي العالمي: «لدينا الآن فرصة فريدة للاستفادة من الأزمة بإنجاز الأمور بطريقة مختلفة وإعادة بناء الاقتصادات بصورة أفضل لتكون أكثر استدامة ومرونة وشمولا... على الزعماء العمل معا ومع كل قطاعات المجتمع لعلاج المخاطر الناشئة وتحقيق مرونة أكبر».
وفي غضون ذلك، خلص مسح لمديري الصناديق أجراه بنك أوف أميركا إلى أن المستثمرين متفائلون حيال الأسهم، وبخاصة الأصول عالية المخاطر، لكنهم يتوقعون تعافيا اقتصاديا أبطأ، إذ ما زال خطر موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا المستجد قائما.
وتعافت الأسهم العالمية بنسبة هائلة بلغت 31 في المائة في غضون أقل من شهرين من موجة بيع في مارس (آذار) الماضي، لتعوض أكثر من نصف خسائرها، إذ يراهن المستثمرون على أن النشاط الاقتصادي سينتعش بشكل فائق السرعة فور تخفيف إجراءات العزل.
لكن مؤشرات على تجدد الإصابات بفيروس كورونا في بعض البلدان قوضت تلك الآمال. وأظهر مسح بنك أوف أميركا أن «موجة ثانية» من الجائحة تعتبر أكبر تهديد للأسواق للشهر الثاني على التوالي.
وفي الوقت الذي تواصل فيه التوقعات الاقتصادية التراجع، أظهر مسح مايو (أيار) أن 75 في المائة من المشاركين يعتقدون أن التعافي سيكون على شكل حرف U أو W، فيما لم يتوقع سوى 10 في المائة من المشاركين في المسح البالغ عددهم 194 تعافيا على شكل حرف V.
والتعافي على شكل حرف V يشير إلى تراجع في النمو متبوع بتعاف على القدر نفسه من الحدة، في حين يحدث التعافي على شكل حرف U عندما يستغرق التعافي أكثر من ربعي سنة، ويشير التعافي على شكل حرف W إلى نزول مزدوج في النمو.
وتجلى تشاؤم المستثمرين بشكل أكبر في مستويات السيولة التي صعدت إلى 5.7 في المائة، وهو ما يزيد كثيرا على نسبة الأربعة في المائة المسجلة في فبراير (شباط) الماضي، ويقل بشكل طفيف عن أبريل (نيسان).
من جهة أخرى، أظهرت بيانات أن صناديق الثروة السيادية اتجهت إلى الأسهم والسندات الأميركية في الربع الأول من العام على حساب الاستثمارات عالية المخاطر مثل أسهم وسندات الأسواق الناشئة في ظل انتشار فيروس كورونا في أنحاء العالم.
وأفادت بيانات من «إيفستمنت» بأن استراتيجيات الأسهم الأميركية التي يديرها مديرو صناديق خارجيون استقطبت صافي تدفقات بقيمة 5.36 مليار دولار من صناديق الثروة السيادية في الربع الأول، إذ اتجهت الغالبية إلى استراتيجيات أسهم ستاندرد آند بورز 500 الخاملة التي شهدت أكبر تدفقات لها في آخر ثلاث سنوات.
وكان هناك طلب أيضا على أدوات الدخل الثابت الأميركية، إذ بلغ صافي التدفقات عليها 341.1 مليون دولار وهو الأعلى أيضا في السنوات الثلاث الأخيرة.
وأشار مايك تشو المحلل لدى إيفستمنت إلى أن التدفقات كانت أكثر قوة بالنسبة لمن يستثمرون في أصول الدخل الثابت منخفضة المخاطر. لكن صناديق الأسهم الخاملة للأسواق الناشئة عانت من نزوح بقيمة 2.12 مليار دولار، وهو أكبر خروج صاف على أساس فصلي منذ أواخر 2017.
ومحا فيروس كورونا وصدمة أسعار النفط 12 تريليون دولار من أسواق الأسهم العالمية في الربع الأول، غير أن الأسهم تعافت بنحو 25 في المائة من أدنى مستوياتها المسجلة في مارس (آذار).
وتشير التدفقات الاستثمارية إلى أن الصناديق السيادية احتفظت بهدوئها في ظل الاضطرابات، إذ ضخت صافي تدفقات على مديري الصناديق الخارجيين في شتى استراتيجيات الأسهم والسندات بقيمة 1.44 مليار دولار على مدار ربع السنة هو أعلى مستوى في عامين.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.