المغرب يمدد «الطوارئ» 3 أسابيع... ورفع الحجر بالتدرج

العثماني يعلن عن إعداد موازنة تعديلية في الأيام المقبلة

رئيس الحكومة المغربية كشف عن ظهور 467 بؤرة وبائية منذ تفشي الفيروس (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة المغربية كشف عن ظهور 467 بؤرة وبائية منذ تفشي الفيروس (إ.ب.أ)
TT

المغرب يمدد «الطوارئ» 3 أسابيع... ورفع الحجر بالتدرج

رئيس الحكومة المغربية كشف عن ظهور 467 بؤرة وبائية منذ تفشي الفيروس (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة المغربية كشف عن ظهور 467 بؤرة وبائية منذ تفشي الفيروس (إ.ب.أ)

أعلن سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أمس، أنه تقرر تمديد حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي في المغرب 3 أسابيع أخرى، حتى 10 يونيو (حزيران) المقبل، وأن الحكومة ستصادق في اجتماع سيعقد اليوم على مرسوم تمديد الطوارئ الصحية.
وعزا العثماني هذا القرار إلى أن الوضعية الوبائية في البلاد «مستقرة، ولكنها غير مطمئنة بالكامل»، مشيراً إلى أن معدل تكاثر الفيروس ما زال مرتفعاً، فضلاً عن بروز عدد من البؤر الوبائية، والتراخي في الالتزام بالحجر الصحي.
وأكد العثماني، خلال جلسة عامة مشتركة بين مجلسي البرلمان، خصصت لتدابير ما بعد رفع الحجر الصحي، أن قرار تمديد حالة الطوارئ اتخذ بعد مشاورات مع القطاعات الوزارية والخبراء، وتقرر عدم «المجازفة بالمكتسبات».
وكشف العثماني أن 467 بؤرة وبائية ظهرت منذ تفشي الفيروس، وعدّها أمراً مقلقاً، وقال إن نصف هذه البؤر عائلية، ظهرت في أفراح أو جنائز، وخمسها في بؤر صناعية، وإنه ما زال هناك 29 بؤرة لم تتجاوز مرحلة المراقبة، ما يدل على «جدية الموقف وصعوبته»، ولا سيما مع اقتراب عيد الفطر. وأوضح العثماني أن «الخروج من الحجر أصعب من الدخول فيه، لما فيه من تعقيدات صحية واقتصادية واجتماعية». فالحجر الصحي - يضيف رئيس الحكومة - وإن كان صعباً وفيه مشقة، فقد «مكّن بلادنا من تحقيق مكاسب كبيرة، منها التحكم في وتيرة انتشار الوباء، والحيلولة دون استنزاف القدرات الصحية والطبية».
وذكّر العثماني خلال الجلسة بالإجراءات الاحترازية التي اتخذها المغرب منذ ظهور الوباء، وقال إنها «جنّبت البلاد الأسوأ، إذ ما زلنا في المرحلة الثانية من الوباء، بينما انتقلت بلدان أخرى بسرعة إلى المرحلة الثالثة».
ولفت إلى أن نسبة الفتك والتعافي تعرف تطوراً إيجابياً ملموساً. كما ساهمت الإجراءات الاحترازية من تقليص سرعة انتشار الفيروس بـ80 في المائة، وجنّبت من 300 إلى 500 ألف إصابة جديدة، وما بين 9 آلاف و15 ألف وفاة، أي بمعدل 200 وفاة يومياً، و«هي أرقام يشعر بها من فقدوا ذويهم».
وأشار العثماني إلى أن الحكومة تتعامل مع الوضع الاستثنائي بمقاربة شمولية، ولا سيما أن الجائحة لها تأثيرات اقتصادية وصحية واجتماعية وثقافية، وأنها اعتمدت نظاماً للحكامة والاستباقية والشفافية في التواصل بخصوص الحالة الوبائية والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية، مشيراً إلى أن المغرب تمكن من رفع كفاءة المنظومة الصحية بفضل صندوق مكافحة فيروس كورونا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الكمامات، وفي أدوات التعقيم في أسابيع معدودة، وتصنيع عدد من المعدات الطبية محلياً، فضلاً عن تقوية روح التضامن بين المواطنين.
وقال العثماني إن لدى الحكومة استراتيجية واضحة لتخفيف الحجر الصحي بتدابير قطاعية وعامة مضبوطة، وإن الاستعدادات انطلقت، وسيشرع في تنفيذها بمجرد استقرار الوضعية الوبائية. ولفت إلى أن تقارير الخبراء تشير إلى أن أي تخفيف للحجر الصحي يستلزم توفر 4 شروط، هي أولاً قدرة المنظومة الصحية على استيعاب ارتفاع حالات الإصابات الناتجة عن تخفيف الحجر الصحي، والقدرة على إجراء الاختبارات السريعة والموسعة.
وذكر العثماني، في هذا الصدد، أنه سيجري «فتح مختبرات جديدة وفق ضوابط صارمة، حتى نصل إلى 10 آلاف اختبار يومياً».
أما الشرط الثالث - يضيف العثماني - فهو القدرة على تتبع المخالطين بوتيرة سريعة، والتكفل بهم قبل ظهور الأعراض عليهم. لافتاً إلى التطبيق المعلوماتي «وقايتنا» الذي شرع في اعتماده لهذا الغرض. أما الشرط الرابع فيكمن في التوفر على مخزون كافٍ للمعدات الطبية لمواجهة أي طوارئ ممكنة، مشيراً إلى أن الحكومة بصدد توفير كل هذه الشروط. وحذّر من الأحكام التي تصدر عن غير المتخصصين والتشكيك في المؤسسات الصحية، مذكراً بخبرته كطبيب منذ عام 1984.
من جهة أخرى، نبّه العثماني إلى أن رفع الحجر الصحي سيتم بالتدرج، وتبعاً للتباين بين المناطق. وقال إن 4 مناطق تعرف وضعية مقلقة من حيث انتشار الفيروس، وأي تخفيف مستقبلي للحجر لا يعني التنصل من الإجراءات الاحترازية، كما أن استئناف أي نشاط تجاري مشروط باحترام هذه الإجراءات.
وبخصوص الدعم المالي التي تقدمه الحكومة، أعلن العثماني عن إطلاق منصة خاصة لتلقي شكاوى المواطنين الذين لم يتوصلوا إلى هذا الدعم من الدولة، وتعهد بالرد عليها، وقال إن الحكومة ستعمل على الإسراع بتنزيل السجل الاجتماعي الموحد من أجل تطوير آليات الدعم المالي للفقراء.
واستعرض خلال الجلسة أيضاً التدابير التي ستتخذها الحكومة من أجل إنعاش الاقتصاد في المرحلة المقبلة.
على صعيد ذي صلة، أعلن العثماني أنه سيتم في الأيام المقبلة إعداد مشروع قانون مالية (موازنة) تعديلي. وقال إنه «نظراً للمتغيرات المرتبطة بالظرفية الاقتصادية والدولية نتيجة أزمة (كوفيد 19) ولتأثيرها على مختلف الفرضيات التي أطرت إعداد قانون مالية 2020. سنعد في الأيام المقبلة مشروع قانون مالية تعديلياً، سيكون مرتكزاً لتفعيل خطة إنعاش الاقتصاد الوطني».
وأوضح رئيس الحكومة، في هذا السياق، أن قانون المالية التعديلي يستلزم وضوحاً في الفرضيات التي سيبنى عليها عالمياً ووطنياً، ويأخذ بعين الاعتبار توقعات تراجع معدل النمو، إلى جانب آثار الجفاف، وانخفاض الإيرادات الضريبية، مضيفاً أنه من المنتظر أن تحدد توجهاته العامة، قصد عرضها على المجلس الوزاري، قبل أن يعرض المشروع على المجلس الحكومي، ثم يحال على البرلمان. كما ينتظر - يضيف المسؤول الحكومي - أن يكرس هذا المشروع أولويات من قبيل التعليم والبحث العلمي والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية، وأن يركز كذلك على التحول الرقمي بوصفه رافعة للتنمية.
وإدراكاً منها بأهمية الإجراءات الاستباقية لما بعد الأزمة، قال العثماني إن الحكومة تعمل على وضع خطة طموحة لإنعاش الاقتصاد الوطني، وهي خطة ستشكل رافعة مهمة من أجل تسريع استئناف النشاط الاقتصادي المغربي، وتعزيز قدرته على استشراف معالم ما بعد أزمة كورونا التي تلوح في الأفق.
وأبرز العثماني أنه سيكون من بين التحديات الرئيسية، في هذا الصدد، التفكير في الآليات التي سيتم تعبئتها لضمان توفير التمويلات اللازمة للمقاولات، وخصوصاً المقاولات الصغرى والمتوسطة، من أجل استئناف أنشطتها، كما يستوجب الأمر التفكير في كيفية استخدام الطلبيات العمومية كوسيلة لإنعاش الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال مراجعة أساليبها وأولوياتها، من أجل دعم الإنتاج والاستهلاك المحليين.
وأكد العثماني على ضرورة مضاعفة الجهود لحل بعض الإشكاليات الهيكلية التي أكدت الأزمة على أهمية واستعجالية معالجتها، كإشكاليات القطاع غير المهيكل والحماية الاجتماعية.
أما على المستوى الدولي، يضيف رئيس الحكومة، فسيتحتم على المغرب أن يتكيف مع التشكيل الجديد لسلاسل القيمة العالمية، من خلال جذب استثمارات دولية، على نطاق واسع، والتي هي بصدد البحث عن مراكز إنتاج جديدة، بالقرب من الأسواق الأوروبية والأفريقية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.