شعرية الضحك و«اللحظات الحميمة»

عبد الحفيظ طايل في ديوانه «عائلة يموت أفرادها فجأة»

شعرية الضحك و«اللحظات الحميمة»
TT

شعرية الضحك و«اللحظات الحميمة»

شعرية الضحك و«اللحظات الحميمة»

تهيمن شعرية «اللحظات الحميمة» على أجواء ديوان «عائلة يموت أفرادها فجأة» للشاعر عبد الحفيظ طايل، حيث يذهب للشعر وكأنه خفقات أجنحة، وجريمة بيضاء تبحث عن شر عاقل يرتكبها بحنكة أكثر بياضاً في فضاء اللغة والحياة. هكذا يطالعنا المعنى في الديوان الصادر حديثاً عن دار «ميريت» بالقاهرة، وهو معنى لا يخلو من مراوغة ملتبسة تعززها لطشة زمنية مباغتة تأتي على سبيل التوكيد المباغت (فجأة)، حول واقعة مفترضة ومتخيلة، تاركة الدلالة تراوح في دورانها فنيّاً بين الواقع والخيال.
يتسع فضاء هذه المراوحة في الديوان بصفحاته الـ88، وفي مشهدية متوترة صاخبة في العمق، هادئة فوق السطح؛ يتنوع إيقاعها بدفق اللحظات الحميمة ملامساً مناخات القرية والمدينة، الأسرة والعائلة والأصدقاء، فيكتب عن «عمتي سميحة» و«ستي خضرة»، وضحكَتَيْ صديقه وأخيه، ويكتب عن الثورة والتمرُّد ومتاهة الواقع.
يتشكل ذلك المزيج الإنساني الحميم من خلال عنوانين رئيسيين ينفتحان على تخوم النهايات والبدايات، كل عنوان بمثابة كتلة شعرية، تنضوي تحتها مجموعة من النصوص، تتراوح ما بين الومضة الخاطفة والنص الطويل نسبيّاً... ويبدو أن الشاعر قصد من خلال هذا البناء الاعتماد على ما يمكن تسميته «مراوحة الأضداد»، التي تتجسد ما بين العنوان الأول «البعوضة الضخمة التي خطفت أكياس المعرفة»، والثاني «الأشياء لم تزل على حالها»، فكلاهما يضمر شكلاً من المراوحة بين الحركة والسكون، تتجسد الحركة في فعل الخطف، والفاعل «البعوضة الضخمة»، بينما تجسّد «أكياس المعرفة» رمزيّاً «المصير الإنساني»، في تشتته بين ما هو كائن بالفعل، وما يجب أن يكون. ويكشف النص عن حالة من العبث تشتبك فيها الفانتازيا بروح المزاح والتهكُّم والسخرية، فيما يبرز الولع بالموسيقي والغناء كمحاولة لإكساب الكائن البشري معنى الخفة والتحليق والأمل... تحت وطأة هذه المفارقات يقول النص:
«يخبئ نطفاً
سرقها من حبال الغسيل
ومن محطات إعادة تدوير المياه
وعويل الريح الذي نسمعه
هو صراخ أجنَّة محرومة من لعب الأطفال
المعروضة في الفتارين».
ثمة أحساس ساخر بالمرارة والحرمان من تحوُّل جوهر الحياة إلى مادة هشة قابلة للسرقة وإعادة التدوير، ويبدو النص وكأنه هو الذي يمارس هذا التلصص على نفسه، من نافذته الخاصة ونافذة الخارج معاً، في محاولة لاستجلاب ضحكة مفتَقَدة ومهزومة تتناثر فوق حواف الذكريات واللحظات الحميمة المنقضية... إنها الضحكة الشارة والعلامة، تتراءى كسؤال عصي عن الإجابة والطرح، لكنه يمشي في طوايا الداخل محمَّلاً بانكسارات الذات وآلامها... يمشي كأغنية شجية أحياناً، وكمرثية لم تنضج بعدُ، أحياناً أخرى... يقول الشاعر في النص الذي وسم العنوان:
«كانوا يضحكون
يلقون النكات ويضحكون
يتوسَّطُهم طبق فاكهة وإبريق شاي
وبينما يضحكون يصعد أحدهم بيسر
كأنما صعد مع أبخرة الشاي
وكان المارة يميزونهم بضحكاتهم
ثمة ضحكة مكتومة
ضحكة للداخل
كزغرودة
ترنّ في فضاء القلب
ضحكة واضحة
ثمة ضحكة بالعين الوسيعة
ملؤها فدان قطن
ولا تصدر صوتاً
وكان المارة كلما مرَّت لحظة صمت
قالوا: إنه يضحك
كانوا كلما غابت ضحكة
عرفوا مَن صَعَد».
يبدو الضحك هنا، وكأنه رحلة صعود فوق حجر الموت، متخففاً من أعباء الحياة وضغوطها، بل من أعباء الضحك نفسه، حين يصبح مجرد صدى للصمت. وتشف اللغة عن تراسلات بصرية لافتة، مسكونة بروح الحكاية، بينما تتواتر حركة الداخل والخارج وكأنها محاولة للإمساك بالزمن في ضحكة، تتناثر في زوايا المشهد، بإيقاع كتوم، لكنه يضفي على فعل الصعود معنى السر، والحقيقة المضطربة الناقصة دوماً، حقيقة العائلة التي لم تعد أبخرة الشاي والضحكات تدل عليها.
لكن... ما الذي يمكن أن يؤنس الروح، وينتشلها من هذه العتمة؟! هنا تؤكد الذات الشاعرة على الخلاص بالموسيقى والغناء، فالأشياء مستقرة في ظلالها، تدور على نفسها ببطء... هكذا تبدو أجواء القسم الثاني من الديوان، وتطل من هذا النص:
«أغني قليلاً قبل دخولي البيت
أرفو نصيحتين ألقاهما صديق
وأغني
ليس للهواء نافذة تطل عليه
ربما سلم طائرة
أغني قليلاً
ربما أوقف حريقاً
سوف ينشب في الطريق إلى البيت
أو أجعل غيمة ترقص
للهواء أغني فربما أصنع نافذة
تطل على غياب
كاختفاء رائحة،
كهيكل عظمي يدندن وحيداً في مقبرة».
تخف وتيرة الدراما في هذا القسم وتتحول إلى ما يشبه الذبذبة الشعرية في النصوص، وعلى عكس القسم الأول تتخلص عناوين القصائد هنا من ثقل ألف التعريف المسكون بإشارات إلى أشياء ودلالات محددة، ويبدو الفصل وكأنه «فصل الخفة»، في مقابل أقدام الزمن والواقع بخطاهما الغليظة... وتغادر شعرية اللحظات الحميمة حجر الضحك، أو على العاقل تضعه في خلفية المشهد، لتصبح القصائد، وكأنها مسامرة للسكون المشمس، تتبدى ثمارها عل شكل: «فوتوغرافيا - أوهام - محبة - ثورة - جنون - حنين - يحدث - يقع - لا شيء».
بروح هذه المسامرة، واللعب على حبائل الاسم والرائحة واللون كمقوم معرفي دال، يصنع الشاعر تناصّاً حميماً من الخفة مع الشاعر عبد المقصود عبد الكريم، أحد شعراء جيل السبعينات في مصر، موجّهاً الخطاب له في نص طويل بعنوان «حنين» يقول فيه:
«لماذا أحنّ إلى قصائد عبد المقصود عبد الكريم؟
هل لأنني أيضاً دلقتُ حليب القبيلة؟
لكن كيف عرف هو؟
كيف عرف أنني العبد اللئيم؟
نتشارك أنا وهو في المقطع الأول من الاسم
عبد
كيف عرف إذن أن لؤماً ما يكمن في اسمي
أنا عبد الحفيظ السيد
وسموني بالعبودية
وحاولوا جاهدين أن يدربوني على حفظ الحليب
(حليب القبيلة)
لتتأكد سيادة أبي
أبي المسكين.
أنا العبد اللئيم:
دائماً كنت أردد بيني وبين نفسي هذه المقولة
ولكن كيف يكون العبد لئيماً؟
كنت (أرعي الغنم وأجتزّ صوفها) وأحلبها
كنتُ خازن القبيلة
كان حليب القبيلة محتفظاً بمكوناته حين اندلق
لكن القبيلة كانت قد تفككت»
يشير هذا النص إلى آلية التناص الشعري، وهي من مناطق الجدارة اللافتة في الديوان، فالذات الشاعرة لا تتعامل مع التناص كمعطى دلالي ورمزي منتَج سلفاً. إنما تتعامل معه كمفتاح للنص، ضمن مفاتيح وأبواب جمة، تشي ضمنيّاً بأن النصّ حمالُ أوجهٍ ومعارف ورؤى، قابلة للأخذ والعطاء، للحذف والإضافة. إنه التناص العابر المقيم، وهذا سر تجدده وحيويته، ومقدرته على أن يصنع نوعاً من الموازاة مع الحياة. وعلى سبيل المثال، يأتي «أثر الفراشة» لمحمود درويش، وتأتي ممازحة بشار ابن برد لخادمته:
«ربابة ربّةُ البيتِ
تصب الخلِّ في الزيت»، ودعبل الخزاعي:
«إني لأفتح عيني حين أفتحها
على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا»، وأيضاً أبو فراس الحمداني:
«أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»... وغيرهم.
وبعد... في غبار هذه الحميمية التي صنعها الديوان بثراء وتنوع ولغة سلسلة موحية، لا يخلو المشهد من بعض الأشياء جانَبَها الصواب، ألفتُ إليها هنا، حتى يصفو النصُّ لنفسه من دون الوقوع في الاستطراد والتكرار... من أبرزها ضرورة إعادة النظر في علاقة التشبيه، وتخليص الصورة الشعرية برتوشها وزخمها من قبضة ثنائية رخوة تنهض على تبعية طرف للآخر، فتصبح الصورة أسراً لعلاقة عير متكافئة، بين المشبَّه والمشبه به، حبذا لو حُذِف أحد طرفي العلاقة أو جرى إخفاؤه والتمويه علية بنسق دلالي آخر، يكسر تراتبيتها. أيضاً هناك بعض الاستطراد والترهُّل في بنية النصوص الطويلة يُفقِد المشهد الانسجام والتماسك الفني، خاصة بين لطشتي البداية والنهاية.
على سبيل المثال نص «سأمضي دون ملاحظة» وهو من النصوص الجيدة، كان يمكن أن تقف لطشة النهاية على عتبة «وجميعهم يرددون نفس المقاطع من خطب الرئيس»، فما عدا ذلك وقع في الاجترار لرذاذ السخرية السياسية، خاصة أنه تم التلميح له بشكل مكثف ومتهكم في الجزء الأول من النص... رغم هذا يبقى أن أؤكد أن هذا الديوان يستحق الاحتفاء والفرح بالشعر.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».