كيف فقدت فرنسا أسلحتها أمام الوباء؟

أوكلت تصنيع الأقنعة وأجهزة الفحص إلى شركات في الخارج

عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
TT

كيف فقدت فرنسا أسلحتها أمام الوباء؟

عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)

عندما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون مراراً «الحرب» على فيروس «كورونا» في مارس (آذار)، تعهد بأن توفر فرنسا الدعم إلى العاملين بمجال الصحة «في الصفوف الأمامية» بـ«الأدوات والحماية».
ومع ذلك، كانت الحقيقة أن فرنسا تقف دون دفاعات تقريبا. وتركت السياسات المتخبطة التي انتهجتها الحكومة تجاه موجات أوبئة سابقة، المخزون الوطني الضخم من أقنعة الوجه مستنفدا تقريباً. إضافة لذلك، وعهد المسؤولون مهمة تصنيع الكمامات إلى جهات إمداد بالخارج، رغم تنامي التحذيرات منذ مطلع الألفية الجديدة بخصوص ارتفاع مخاطر وقوع أوبئة عالمية.
وترك ذلك فرنسا، على عكس ألمانيا منافستها على قيادة أوروبا، معتمدة على مصانع أجنبية وعاجزة عن تعزيز قدرتها المحلية على إنتاج الأقنعة الواقية للوجه ومعدات الاختبار وأجهزة التنفس الصناعي، بل وحتى أجهزة قياس الحرارة وأدوية تخفيف أعراض الحمى التي لا تحتاج لوصفة طبيب لشرائها. اليوم، ومع شروع فرنسا في تخفيف أحد إجراءات الإغلاق الأكثر صرامة على مستوى العالم، تعيد البلاد النظر في تعويلها على سلاسل الإمداد العالمية منخفضة التكلفة وسريعة الإنتاج. وحتى هذه اللحظة، لا تملك فرنسا ضمانات على قدرتها تأمين قدر كاف من الإمدادات خلال الأسابيع المقبلة، لحماية مواطنيها من موجة ثانية من الفيروس.
في هذا الصدد، شرح لوي غوتييه، المدير السابق للأمانة العامة لشؤون الدفاع والأمن الوطني، وهي وحدة قوية داخل مكتب رئيس الوزراء تتولى تنسيق جهود الاستجابة للأزمات الكبرى، خلال مقابلة أجريت معه أنه: «في أوقات الأزمات، لم يعد باستطاعتنا الانتقال من منطقة إنتاجية إلى أخرى للحصول على المنتجات الأساسية لنا. اليوم، أصبح من الضروري إعادة النظر في مسألة المخزونات الاستراتيجية وتأمين الإمدادات. ويتعين إعادة ابتكار نموذج جديد».
جدير بالذكر أن فرنسا أقرت منذ فترة بعيدة أن الأقنعة الواقية أداة لا غنى عنها في جهود مواجهة أي وباء. ومع ذلك، توقفت الحكومة عن تخزين الأقنعة خلال العقد الماضي، لأسباب تتعلق بالميزانية. في الوقت ذاته، انهار الإنتاج الداخلي مع انتقال الصناعة الدوائية الفرنسية إلى الخارج.
في هذا الصدد، قال وزير الصحة أوليفييه فيران، أمام البرلمان في مارس إن فرنسا قرّرت أنه «لم يعد من الضروري الاحتفاظ بمخزونات ضخمة داخل البلاد، بالنظر إلى أن المصانع قادرة على العمل بسرعة كبيرة للغاية، خاصة في الصين»، إلا أن نطاق وسرعة تفشي فيروس «كورونا» شكلا تحدياً لهذا المنطق. وبينما لا تزال تترنح تحت وطأة تفشي الوباء داخل أراضيها، تلقّت الصين، أكبر دولة مصنعة لأقنعة حماية الوجه على مستوى العالم، عددا هائلا من طلبات الشراء. أما الهند، وهي واحدة من كبريات الدول المصدرة للأدوية، ففرضت حظراً مؤقتاً على صادراتها خوفاً من حدوث نقص لديها. ومع انهيار سلسلة الإمداد العالمية، خسر مسؤولو الصحة الفرنسية وقتاً ثميناً بينما تهافتت الحكومة الوطنية ـ وكذلك المدن ـ على شراء الإمدادات مباشرة من الصين وغيرها. ونظّمت الحكومة عمليات نقل جوي لأقنعة قادمة من الصين حظيت بتغطية إعلامية واسعة، الأمر الذي كشف النقاب عن يأسها واعتمادها الشديد على الخارج.
من جهته، قال ماكرون في خطاب ألقاه أخيرا: «سيتعين علينا إعادة بناء استقلال فرنسا الزراعي والصحي والصناعي والتكنولوجي»، ويرى الكثير من النقاد أن وقوف فرنسا دونما دفاع في وجه الفيروس جاء بمثابة نتيجة منطقية لعملية إفراغ القاعدة التصنيعية الفرنسية، في تحول أدى إلى تعميق التفاوتات وإثارة مظاهرات عنيفة، مثل تلك التي قادتها «حركة السترات الصفراء».
جدير بالذكر في هذا الصدد أنه في مطلع الألفية الجديدة، كانت ألمانيا متفوقة قليلاً على فرنسا في مجال تصنيع وتصدير معدات اختبار تفاعل «البوليمراز» المتسلسل، الأوسع نطاقاً اليوم من حيث الاستخدام في رصد الفيروس ومعدات العلاج بالأكسجين، تبعاً لما تكشفه بيانات صادرة عن الأمم المتحدة. إلا أنه بحلول عام 2018، كان لدى ألمانيا فائض تجاري بقيمة 1.4 مليار دولار فيما يخص أجهزة اختبار تفاعل البوليمراز المتسلسل، بينما واجهت فرنسا عجزاً بقيمة 89 مليون دولار.
وفي الوقت الذي تمكنت ألمانيا من تعبئة صناعتها بسرعة لمحاربة الوباء، أصيبت فرنسا بالشلل. ولم تتمكن فرنسا من إجراء اختبارات على نطاق واسع لافتقارها إلى مسّاحات القطن والكواشف، وهي عناصر منخفضة التكلفة لكنها محورية من حيث أهميتها وجرى تحويل إنتاجها إلى آسيا. في هذا الصدد قال فيليب أغيون، العالم الاقتصادي المدرّس في هارفارد: «تخلّت فرنسا عن تصنيع الكثير للغاية منذ بداية القرن ـ واليوم تدفع ثمن ذلك».
وفي دراسة لم تنشر بعد، توصل أغيون وخبراء اقتصاديون في جامعة بروكسل الحرة إلى أنه بوجه عام، سجّلت الدول التي تملك قدرة تصنيع معدات الاختبار والأدوات المتعلقة بها، مثل ألمانيا والنمسا، عدد وفيات بنسبة أقل أثناء فترة الوباء عن غيرها من الدول. أما فرنسا، فقد واجهت نقصا حتى في السلع الأساسية، ونفدت أجهزة قياس الحرارة من الصيدليات، وتراجعت إمدادات «باراسيتامول»، المسكّن شائع الاستخدام، على نحو خطير لدرجة أجبرت السلطات على فرض قيود على بيعه.
وكان آخر مصنع أوروبي ينتج هذا العقار في فرنسا، قرب مدينة ليون، لكنه أغلق أبوابه عام 2008، تبعاً لما ذكرته الأكاديمية الوطنية الفرنسية للصيدلة. وتحذر الأكاديمية من جانبها منذ فترة طويلة من اعتماد فرنسا المتنامي على شركات إنتاج أدوية أجنبية، مشيرة إلى أن ما بين 60 في المائة إلى 80 في المائة من المكونات الدوائية الفاعلة داخل أوروبا مستوردة من الخارج، مقارنة بـ20 في المائة فقط منذ ثلاثة عقود.
في هذا السياق، قالت ماري كريستين بيليفي، عضو الأكاديمية: «لم تبذل الحكومة أية جهود لوقف هذا الأمر».
وفي الواقع، جرى إطلاق تحذيرات لسنوات. ففي أعقاب تفشي وباء «سارس» في آسيا عام 2003، حلل مسؤولون فرنسيون المخاطر التي تواجهها البلاد عبر سلسلة من التقارير وبنوا مخزوناً وطنياً من أقنعة حماية الوجه ومعدات حمائية أخرى صنّعها موردون محليون، بما يتوافق مع التقليد المتوارث من عهد شارل ديغول القائم على الحفاظ على صناعة دفاعية محلية قوية تصدر أيضاً طائرات «رافال» مقاتلة وغواصات وكاسحات ألغام وفرقاطات إلى العالم.
وفي عام 2006، أوصت خطة حكومية لمواجهة الأوبئة بسلسلة من الإجراءات، منها بناء مخزونات من الأقنعة الواقية. وبعد عام، وقع وزير الصحة الفرنسي على عقد لمدة خمس سنوات لشراء 180 مليون قناع سنوياً، كان من المقرر أن تنتجها شركة «باكو دالوز»، أكبر مصنع للأقنعة في فرنسا آنذاك، داخل مصنع في بلينتل، على بعد 280 ميلاً من باريس. وتكشف تفاصيل العقد، الذي حصلت «ذي نيويورك تايمز» على نسخة منه عن التفكير الاستراتيجي للحكومة آنذاك. وأشار العقد إلى أن الاستعانة بمورد محلي سيعين فرنسا على تجنب «الاعتماد حصرياً على الواردات التي قد تتعرض لتعطيل حال تفشي وباء».
ونص العقد على تجديد الحكومة لمخزوناتها من الأقنعة، مع وصول المخزونات الأقدم لتاريخ انتهاء صلاحيتها، وحال تفشي وباء بمقدور الحكومة الاستحواذ على إنتاج المصنع.
من جانبه، قال جان جاك فوان، المدير السابق للمصنع، إن الحكومة أمرت بـ«احتكار كامل إنتاج مصنع بلينتل». وبحلول عام 2008، أصدرت الحكومة تقريراً يشير للمرة الأولى إلى الأوبئة باعتبارها تهديدا وطنيا محتملا، ووضعها في المرتبة الرابعة بعد الإرهاب والحروب السيبرانية والهجوم بصواريخ بالستية. وحذر التقرير من أنه: «في غضون 15 عاماً، يبدو تفشي الوباء أمراً ممكن الحدوث». وأضاف أن الوباء قد يكون فتاكاً ومعدياً بدرجة هائلة، وقد ينتشر في شكل موجات تمتد لأسابيع أو شهور.
ومع ذلك، سرعان ما شرع سياسيون في انتقاد سياسات تخزين أقنعة للوجه والأدوية باعتبارها إهداراً للأموال. وبعد إنفاق حوالي 383 مليون يورو عام 2009 على شراء 44 مليون جرعة مصل ضد إنفلونزا «إتش1 إن1»، اشتعلت فضيحة سياسية بعدما جرى تطعيم أقل عن 9 في المائة فقط من أبناء الشعب الفرنسي.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.