الهند تتجاوز الصين في عدد الإصابات وتتجه لتمديد الإغلاق

مأساة العمال العالقين بين الولايات تتعمّق مع اقتراب موسم الأمطار

عروسان يعقدان قرانهما في حفل محدود وباحترام تدابير التباعد الاجتماعي في مدينة بونة (أ.ف.ب)
عروسان يعقدان قرانهما في حفل محدود وباحترام تدابير التباعد الاجتماعي في مدينة بونة (أ.ف.ب)
TT

الهند تتجاوز الصين في عدد الإصابات وتتجه لتمديد الإغلاق

عروسان يعقدان قرانهما في حفل محدود وباحترام تدابير التباعد الاجتماعي في مدينة بونة (أ.ف.ب)
عروسان يعقدان قرانهما في حفل محدود وباحترام تدابير التباعد الاجتماعي في مدينة بونة (أ.ف.ب)

تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا في الهند الحالات المسجلة في الصين، حيث أعلنت وزارة الصحة الهندية أمس السبت عن ارتفاع الإصابات المؤكدة إلى 85940. فضلا عن 2752 حالة وفاة.
وسجلت الصين 82941 حالة إصابة و4633 حالة وفاة منذ اكتشاف الفيروس أواخر العام الماضي، في مدينة ووهان.
جاء ذلك في الوقت الذي رجّحت فيه تقارير إخبارية تمديد الهند الإغلاق المفروض على نطاق واسع لمدة أسبوعين آخرين، انطلاقا من اليوم (الأحد) وحتى 31 مايو (أيار)، بينما ستخفّف بعض القيود المفروض على النقل العام والرحلات الداخلية.
وذكرت صحيفة «إيكونوميك تايمز» نقلا عن مسؤولين لم يتم تسميتهم من وزارة الشؤون الداخلية، أن البلاد قد تسمح لأصحاب العربات «ريكشو» والمواقع الإلكترونية الخاصة بالسيارات الأجرة (التاكسي) بالعمل، شريطة الاكتفاء براكبين اثنين كحد أقصى، كما ستسمح بتسيير رحلات جوية داخلية على مسارات مختارة، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرغ.
ومن المتوقّع أن تستند الإرشادات الجديدة إلى ردود فعل من الحكومات المحلية، التي ستُمنح حرية تحديد مناطق الاحتواء على حسب شدة انتشار فيروس كورونا (كوفيد - 19)، بحسب الصحيفة. وإن تأكد التمديد، فإنه سيكون الثالث منذ إعلان رئيس الوزراء ناريندرا مودي الإغلاق أول مرة في 25 مارس (آذار). ويحذّر خبراء الصحة في البلاد من تسجيل الهند ارتفاعا كبيرا في حالات الإصابة بالفيروس بحلول شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، إن لم تُتخذ الاحتياطات الواجبة.
- أعراس «زووم»
تسبب الفيروس في شلّ أوجه الحياة الطبيعية، وألغى أكثر الفعاليات الاجتماعية أهمية لدى ملايين الأسر الهندية، وهي حفلات الزواج بمراسمها التقليدية التي اشتهرت بها الهند، وفتنت بها العالم. ففي عصر انتشار فيروس كورونا، تحولت التجمعات والاحتفاليات العامة إلى محرمات العصر الجديد، وأسفرت في القضاء على آمال الشبان المقبلين على الزواج الذين كانوا يخططون لعقد قرانهم خلال العام الجاري.
تمكنت العروس كيرتي أغراوال وعريسها أفيناش سينغ باغري من الزواج في نيودلهي مؤخرا، في وجود والديهما وعدد قليل للغاية من الأصدقاء الحاضرين، وذلك عبر احتفال افتراضي باستخدام تطبيق «زووم»، وبتسهيل من مبادرة «الزواج من المنزل» تحت إشراف موقع خاص بالتوفيق بين الراغبين في الزواج.
يقول باغري عن تلك التجربة: «لقد عشنا متباعدين بمسافة كيلومتر كامل عن بعضنا البعض في غورغاون في ضواحي العاصمة نيودلهي، ولقد جرى عقد قراننا في منزل شقيقتي في غازي آباد. وحضر والدينا، والكاهن، والأصدقاء مراسم الزفاف عبر الفيديو». وبدلا من المصور الفوتوغرافي لمراسم الزفاف، تم التقاط كافة الصور بالهواتف المحمولة، وكاميرات التوجيه والالتقاط.
وكان الموقع الإلكتروني المشار إليه قد توصل إلى طريقة مبتكرة لإجراء حفلات زفاف عن بعد وبلا تواصل مباشر عبر تطبيق «زووم»، الذي أصبح المنصة المفضّلة لدى شركات كثيرة عبر العالم منذ تعميم ظاهرة «العمل من المنزل». وقالت إدارة الموقع في إعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «لا تريد تأجيل ميعاد زفافك؟ لا داعي لذلك الآن! اتصل بنا عبر الرسائل الخاصة بالتفاصيل المطلوبة، وسوف يتواصل معك فريقنا المحترف من أجل تنظيم وإجراء المراسم الخاصة بزفافك المنتظر عبر فعاليات الفيديو».
يقول أدهيش زافيري، مدير التسويق في الموقع: «مع خدمة «الزفاف من المنزل»، يمكن للعروسين الزواج في نفس الميعاد المحدد لديهما بصرف النظر تماما عن حالة الإغلاق العام، والفارق الوحيد أن المراسم تتم بالأسلوب الافتراضي».
كانت حفلات الزفاف، وما تزال، تشكل جانبا كبيرا من الثقافة الوطنية الهندية. ويجري الاحتفال بها تماما مثل المهرجانات، ويعد حفل الزفاف الهندي من الأنشطة التي تساهم إسهاما كبيرا في الاقتصاد الوطني، من خلال توفير فرص العمل لملايين المواطنين في البلاد. ووفقا لتقرير صادر عن مؤسسة «كي بي إم جي» المحاسبية، يُقدر حجم صناعة حفلات الزفاف الهندية بحوالي 50 إلى 60 مليار دولار.
ونظرا للإغلاق العام الراهن، تأثرت صناعة حفلات الزفاف بصورة كبيرة، مع تأجيل أو إلغاء الكثير من المراسم.
ومع ذلك، تجرأ العديد من الشباب المقبلين على الزواج على تحدي الأمر الواقع، وإتمام مراسم الزفاف في ميعادها المحدد. وانطلق كل من سوشين دانغ وعروسه كيرتي نارانغ لتلاوة تعهدات الزواج عبر شبكة الإنترنت. ونقلا مراسم الحفل بالبث المباشر عبر منصة «فيسبوك»، تابعها أكثر من 16 ألف شخص آخرين. وفي ولاية ماديا براديش في وسط البلاد، تبادل العروس والعريس أكاليل الزهور – وهي من الطقوس الرئيسية في مراسم الزفاف الهندوسية – وهما يرتديان الكمامات الواقية، وبمساعدة من عصي الخيزران في حفل بلا تواصل مباشر.
وقامت كريمة الصحافي الهندي ساسي موهان بتلاوة تعهدات الزفاف من المنزل بحضور خمسة أشخاص فقط من أسرتها وأسرة العريس، وكانت المراسم تجري من داخل غرفة المعيشة الخاصة بهم. وقال موهان عن التجربة: «كان من بواعث حزننا أن ولدنا الذي يعمل بعيدا عنا في بنغالور لم يتمكن من حضور حفل زفاف، ولقد تمكن من مباركة الزفاف، رفقة زوجته، عبر مكالمة فيديو، وهي من اللحظات التي اعتززنا بها كثيرا».
وفي دليل على انفراجة بسيطة، أعلنت الحكومة الهندية أخيرا السماح بإقامة حفلات زفاف محدودة، يحضرها 50 ضيفا فقط، مع احترام معايير التباعد الاجتماعي.
الوجه القبيح للإغلاق العام
على مدار الأسابيع السبعة الماضية، وثّقت تقارير إخبارية جوانب مؤلمة للغاية من حياة العمال المهاجرين وأولئك الذين ينتقلون قسرا بحثا عن فرص العمل في كافة أرجاء البلاد. ونُشرت قصص مؤلمة عن وفاة عمال مهاجرين في طريق عودتهم الصعبة إلى بلداتهم، ومعاناة آخرين وأسرهم يسيرون على الأقدام لمسافات طويلة وهم يحملون أغراضهم المتواضعة على رؤوسهم للعودة إلى منازلهم المعزولة بسبب الوباء. وبمجرّد وصول فوج من العمال إلى حدود مدينة أو قرية ما، يتم إخضاعهم للحجر الصحي فيما يُعرف بـ«مخيمات الإغاثة والملاجئ العامة» التي أُقيمت في عجالة خوفا من انتشار الفيروس إلى القرى والمناطق النائية. ويعيش هؤلاء خلال فترة الحجر في ظروف قاسية، لا تحترم معايير التباعد الاجتماعي المعتمدة في البلاد، كما يعتمدون على الرخيص والهزيل من تبرعات الغذاء والدواء. وفقد العديد من المواطنين حياتهم أثناء محاولاتهم السير إلى منازلهم بسبب حالات الجوع والإرهاق الشديدة، أو بسبب حوادث طرقية.
وفي الآونة الأخيرة، استيقظت البلاد على أنباء حادثة مروعة عندما دهس قطار بضائع سريع أجساد 16 عاملا من العمال المهاجرين أثناء نومهم على قضبان السكة الحديدية، إذ لم يكن أمامهم من مأوى آخر في تلك الليلة المشؤومة. وقال فيرندرا سينغ غوند، 27 عاما، وهو واحد من بين 20 عاملا تمكنوا من الفرار من حادثة القطار المريعة، حيث كان ينام مع ابن أخيه خلف المجموعة التي تعرضت للحادث: «لقد مددت الحكومة الإغلاق العام مرارا وتكرارا في الفترة الأخيرة. ولقد كنا نعمل في مصنع تم إغلاقه. وكان شغلنا الشاغل أنه إذا بقينا عالقين حيث نتواجد حتى بداية موسم هطول الأمطار، فلن نتمكن أبدا من السير للوصول إلى منازلنا. وبالتالي، أردنا الوصول إلى المنزل في وقت مبكر بالمشي المعتاد. ولقد مشينا طوال الليل على خط السكة الحديدية، ثم قررنا أن نأخذ قسطا من الراحة قبل أن نتابع المسير في الصباح».
واستطرد فيرندرا سينغ قائلا إنه عندما سمع صوت نفير القطار، شعر بحدوث ما هو أسوأ: «انطلقت راكضا نحو المجموعة التي سبقتنا بقليل، ولكن الأوان قد فات، لقد مر القطار الثقيل على أجسادهم». كان العمال المنهكون، من ضحايا الحادث الأليم، في سبات عميق للغاية لدرجة أن صوت نفير القطار المرتفع لم يوقظهم من نومهم. ولقي 14 عاملا منهم حتفهم على الفور، وتوفي اثنان آخران تأثرا بالإصابات الشديدة في وقت لاحق. ونجا اثنان كانا نائمين إلى جوار السكة الحديدية، وليس على القضبان مثل الآخرين. وعندما وصل فيرندرا سينغ إلى مكان الحادث، شاهد جثث رفاقه الممزقة، والمقطعة، والمشوهة، في مشهد تعجز الأقلام عن وصفه. وكانوا جميعا شبانا في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم تقريبا. وذاع انتشار صور الحادثة المروعة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي بعد شروق شمس ذلك اليوم. وكانت متعلقات وأغراض وملابس العمال المساكين متناثرة في فوضى عارمة حول قضبان السكة الحديدية.
ومع ذلك، شرعت الحكومة الهندية في تسيير بعض القطارات الخاصة عبر مختلف أرجاء البلاد لجلب العمال المهاجرين بين الولايات المختلفة، ولكنها من المهام العسيرة من حيث التنفيذ حيث يعمل الملايين من هذه الفئة من العمال في جميع أنحاء الولايات الهندية.


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.