قبطني: خلاف حول «منظمة الصحة» يعرقل قرار وقف النار العالمي

مندوب تونس لدى الأمم المتحدة يؤكد لـ«الشرق الأوسط» التنسيق مع السعودية ويرفض تدخلات إيران

المندوب التونسي الدائم لدى الأمم المتحدة قيس قبطني
المندوب التونسي الدائم لدى الأمم المتحدة قيس قبطني
TT

قبطني: خلاف حول «منظمة الصحة» يعرقل قرار وقف النار العالمي

المندوب التونسي الدائم لدى الأمم المتحدة قيس قبطني
المندوب التونسي الدائم لدى الأمم المتحدة قيس قبطني

أكد المندوب التونسي الدائم لدى الأمم المتحدة قيس قبطني لـ«الشرق الأوسط»، أن مشروع القرار الذي أعدته بلاده، بالتعاون مع فرنسا، للمطالبة بوقف عالمي لإطلاق النار وتعزيز التعاون في مواجهة جائحة «كوفيد - 19» هو الوحيد أمام مجلس الأمن، كاشفاً أن المساعي الدبلوماسية متواصلة ويشارك فيها الرئيس قيس سعيد «شخصياً وبصورة يومية». وإذ شدد على أن بلاده تنسّق «بشكل دائم» مع المجموعة العربية ومع السعودية في قضايا المنطقة، طالب كل الأطراف بالتزام القرارات الدولية ومرجعيات الحل السياسي في اليمن، ومنها بصورة خاصة المبادرة الخليجية، رافضاً في الوقت ذاته «كل أشكال التدخل» من إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية.
وسألت «الشرق الأوسط» المندوب التونسي عن مشروع القرار الذي قدمته بلاده مع فرنسا منذ نحو سبعة أسابيع من أجل الدعوة إلى وقف عالمي لإطلاق النار وتنسيق الجهود الدولية في مواجهة الجائحة، وما تبعه أخيراً من مشروع مختصر قدمته ألمانيا وإستونيا، رد قبطني بالتأكيد على أن «المشروع الوحيد المطروح على الطاولة حالياً هو المشروع التونسي. لا يوجد أي مشروع آخر»، علماً بأن إستونيا وألمانيا «تقدمتا مشكورتين بتصور يختصر المشروع التونسي بفقرتين أو ثلاث فقرات تقتصر على الدعوة إلى وقف اطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية فقط». وشدد على أن «هذا ليس مشروعاً منافساً أو ما شابه»، مضيفاً: «نحن رسمياً نواصل الآن مشاوراتنا مع الدول الأعضاء ومع الولايات المتحدة والصين وروسيا والآخرين. ونحن بصدد تقديم بعض الأفكار التي نتبادلها من أجل توافقات جديدة».
ورداً على سؤال عن التنسيق مع ألمانيا وإستونيا، أوضح «أن الأمر طوي، إذ إنه لم يستغرق إلا بضع ساعات (…) الموضوع ولد ميتاً تقريباً. لا يوجد أي تجاوب مع هذا المقترح»، كاشفاً أن «هناك رغبة لمسناها عند الجميع في أن نواصل العمل على النص التونسي، ولمسنا انفتاحاً على توافقات، خصوصاً من الولايات المتحدة والصين مع الحل النهائي».
وعن النقطة الخلافية الأبرز في الوقت الراهن، قال قبطني إن «المسألة تتعلق بدور منظمة الصحة العالمية، إذ إن هناك من يقول إن مسألة المنظمة ليست في جوهر القرار الذي يتعلق بتداعيات (كوفيد - 19) على الأمن والسلم في العالم، وإن مسألة الصحة يُنظر إليها في منظمة الصحة العالمية أو في الجمعية العامة (…). هناك شق آخر يقول إنه من الناحية المنهجية والمبدئية لا يمكن أن نعتمد هذا القرار التاريخي، وهو الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية، في أكبر وأصعب أزمة تواجه مجلس الأمن والأمم المتحدة بشكل عام، من دون أن نذكر الجهة المتخصصة بمسألة الجوائح والأوبئة؛ وهي منظمة الصحة العالمية».
وعما إذا كان يعتقد أنه في الإمكان إيجاد أرضية مشتركة بين الطرفين، أجاب بأن «ما تواجهه الإنسانية اليوم على درجة من الخطورة يتطلب منا جميعاً أن نتسامى على هذه الخلافات». وكشف أن «المشروع هذا هو قرار الرئيس التونسي قيس سعيد. وهو حريص شخصياً ويتابع يومياً المسألة لأنه يؤمن بأن الوضع الحالي يتطلب رداً منسجماً وقوياً وتضامنياً. نحن لسنا في وضع عادي لنسمح لأنفسنا بهذا النوع من المزايدات»، ولذلك «لا بد لمجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته كاملة». وقال إن «هذه الأزمة هي رجّة لضمير الإنسانية ورجّة للمنظومة الدولية القائمة حالياً. نحن في حاجة إلى أن نعيد التفكير، وأن نضع آليات جديدة ترتقي بالعمل الجماعي لئلا نبقى حبيسين لرغبة هذا أو ذاك. فهذا غير مقبول».
ورداً على سؤال في شأن السقف الزمني الذي تضعه تونس من أجل التوصل إلى التوافق المنشود، أجاب قبطني بأن «المسألة مرهونة برغبة الأطراف التي لديها مشاكل في التوافق أو في عدم التوافق (…) نحن لا نريد أن نضع أحداً في الزاوية»، مشدداً على ضرورة «وحدة مجلس الأمن». ورأى أنه «إذا انتظرنا بعض الشيء، فهذا لن يضر»، مضيفاً أنه «إذا فشلنا في التوافق، فسيكون مجلس الأمن ما قبل كورونا ومجلس الأمن ما بعد كورونا». ولفت إلى أن «الرئيس قيس سعيد يجري اتصالات يومية، وكذلك يفعل وزير الخارجية، مع الأطراف الدولية ومع أعضاء مجلس الأمن لتوفير الغطاء - الحزام السياسي لتيسير مسألة التوافق».
وعن الكلام عن الحاجة إلى قمة لزعماء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بغية إيجاد حلول مرجوة ومنشودة للمشاكل التي يواجهها العالم، ومنها طبعاً مشروع القرار المتعلق بـ«كوفيد - 19»، قال قبطني إن «أي جهد سيكون محموداً. ونحن كحاملي القلم في هذا الملف، نرحب بأي جهد يمكن أن يساعدنا في التوصل إلى اتفاق».
وعن تنسيق تونس مع المجموعتين العربية والأفريقية، حيث يوجد كثير من القضايا على جدول أعمال مجلس الأمن، قال إن «تونس، منذ انتخابها، صرحت بأنها ستكون الصوت العربي والأفريقي داخل مجلس الأمن (…) نقوم بذلك بكل فخر وحماس»، مضيفاً أن بلاده «على تواصل تام ومستمر مع كامل المجموعة العربية، سواء في المسائل التي تهمنا جميعاً أو في بعض المسائل الفردية، وننسق معهم بشكل يومي ومستمر في كل القضايا العربية، وفي مقدمتها بطبيعة الحال القضية الفلسطينية»، محذراً من «خطورة الخطوة الإسرائيلية (ضم أجزاء من الضفة) إن تمت، لأنها تضرب في العمق المبادرة العربية وحل الدولتين، وهي تمثّل خرقاً واضحاً للقانون الدولي».
وعن التنسيق مع المجموعة العربية، خصوصاً المملكة العربية السعودية في ملفات مثل اليمن، قال قبطني: «طبعاً نحن ننسق بشكل دائم مع الأشقاء حول الملف اليمني. وموقفنا معلوم للجميع». وشدد على أن تونس «تدعو إلى الحفاظ على سيادة اليمن ووحدة أراضيه. نحن ندعم كل الجهود الإقليمية والدولية لدفع مسار التسوية السياسية في اليمن من خلال الحوار الذي تشرف عليه الأمم المتحدة»، مطالباً الجميع بـ«التزام المرجعيات المتفق عليها، خصوصاً قرارات مجلس الأمن والمبادرة الخليجية». وأضاف: «نحن نؤيد جهود استعادة الشرعية والحفاظ على مؤسسات الدولة بما يحفظ وحدة اليمن ويكفل أمنه. نحن طبعاً نتابع الوضع في اليمن، ونتألم جداً للوضع الإنساني المأساوي فيه».
أما بالنسبة إلى ملف سوريا، فقال: «هناك مسائل مطروحة في مجلس الأمن، ومنها الآلية الإنسانية التي تنتهي في 10 يوليو (تموز) المقبل، بخصوص إيصال المساعدات الإنسانية من خلال المعابر والخلافات حولها». وأشار إلى أن هناك «أزمة حقيقية» في الشمال السوري، حيث يوجد أربعة ملايين شخص، بينهم 2.7 مليون شخص في الشمال الغربي، معلناً أن بلاده «لا تربط المساعدات لا بجهة معينة ولا ببلد معين». وشدد على أن «إنهاء العمل بالمساعدات عبر الحدود يستدعي مقاربة تدرجية وسلسة».
وفي ملف إيران وجهود الولايات المتحدة لتمديد حظر الأسلحة عليها، قال قبطني إن «موقفنا من مسألة انتشار الأسلحة معروف للجميع»، موضحاً: «إننا نرفض كل ما يؤدي إلى انتشار الأسلحة، سواء الباليستية أو الأسلحة غير التقليدية. هذا موقف مبدئي. وتونس من منطلق سياستها الخارجية لها علاقة بإيران». وشدد على أن «تونس ترفض كل أشكال التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية». وشدد على «أمن واستقرار دول الخليج وعموم المنطقة. ولكن مع ذلك، نحن ندعو طبعاً إلى تغليب مبادئ حسن الجوار والتعايش السلمي بين الدول، واعتماد الحوار والتفاهم لتسوية الخلافات العالقة».


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.