تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

«الشرق الأوسط» تجول في أسواق دمشق

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
TT

تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)

كشف ظهور رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، حاجة الحكومة السورية الماسّة إلى المال، وأظهر عمق الانهيار الاقتصادي وعجز هذه الحكومة عن إيجاد الحلول، حسب محللين في دمشق. وأشاروا إلى التدهور السريع في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي وإلى موجة ارتفاع قاسية في الأسعار وصلت إلى 200%.
- تفاقم عُقدة الدولار
ومع تفجر التوتر، بداية مايو (أيار) الجاري بين مخلوف (51 عاماً)، الذي كان لعقود يعد أبرز الأعمدة الاقتصادية من جهة والحكومة من جهة ثانية، وظهور الخلاف إلى العلن، بعدما طلبت الأخيرة تسديد نحو 180 مليون دولار كجزء من مستحقات للخزينة، ورفضه الامتثال لطلب الحكومة عبر فيديوهات متتالية لأن «الظلم فاق طاقته» على حد قوله، خسرت الليرة نحو 35% من قيمتها، حيث تراجع سعر صرفها أمام الدولار الأميركي من 1200 إلى 1600 بعدما كان قبل اندلاع الأحداث في سوريا التي دخلت عامها العاشر منتصف مارس (آذار) 2011 ما بين 45 و50 ليرة.
وقال خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة بين الحكومة ومخلوف قائمة بشكل صامت منذ أكثر من عام، لكن الجديد حالياً هو ظهورها إلى العلن بهذا الشكل، و«انفضاح حاجة الحكومة الماسة للدولار وسقوط ورقة التوت عن صمودها»، الأمر الذي يبدو أنه من أبرز أسباب تفجرها بهذه الشكل، ذلك بعد تراجع احتياطي «مصرف سوريا المركزي» من العملات الأجنبية من نحو 20 مليار دولار إلى الصفر خلال سنوات الحرب بسبب العقوبات الاقتصادية، ودمار الجزء الأكبر من القطاعات الاقتصادية الذي أدى إلى تراجع إيرادات الحكومة بنسبة كبيرة، و«توقف حلفاء دمشق (إيران) عن دعمها مالياً مع الضائقة الاقتصادية التي فرضتها عليهم العقوبات الغربية وفاقمتها أزمة (كورونا)».
ويرجّح أحد الخبراء أن يكون مخلوف عمل منذ أوائل عام 2019، عندما كانت الأزمة بينه وبين دمشق لا تزال في إطار الكتمان، على إخراج كميات كبيرة من الدولارات الأميركية إلى خارج سوريا، ويقول: «يشتبه كثيرون بأنه قام بشيء مماثل مؤخراً، ما زاد الطلب على الدولار في الداخل ورفع سعره».
ويوضح خبير آخر لـ«الشرق الأوسط»، أن «اقتصاديين ورجال أعمال توقعوا منذ أواخر عام 2019 الماضي، انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار من 850 ليرة في حينه، إلى 1500 مطلع شهر فبراير (شباط) الفائت، فإن تشديد الحكومة لعقوبة التعامل بالدولار واتباعها الحل الأمني في عملية ضبط سعر الصرف أدى إلى تأجيل القدر المحتوم». ويشير إلى أن ما فاقم أكثر من تدهور سعر الصرف وبشكل متسارع مؤخراً، إضافةً إلى تفجر الأزمة بين مخلوف والحكومة، استعار الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان المجاور، ذلك أنه ورغم إغلاق الحدود بين البلدين في إطار إجراءات كل منهما لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، فإن السحب اللبناني للدولار من الأسواق السورية استمر، عبر عناصر «حزب الله» الذين لم تتأثر حركتهم بين البلدين، بعدما شكّل السحب اللبناني للدولار من أسواق دمشق العامل الرئيسي في الضغط على الليرة السورية في فترة ما بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول) في لبنان.
- هلوسة شعبية
وبينما كان السوريون في مناطق سيطرة الحكومة والذين يقدِّر «البنك الدولي»، أن 87% منهم يعيشون تحت خط الفقر، يعانون من موجة الغلاء التي تسببت بها الإجراءات الحكومية لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، جاء تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف وظهوره إلى العلن ليتسبب لهم بموجة غلاء جديدة أشد وأعتى من السابقة نتيجة تدهور سعر صرف الليرة بشكل غير مسبوق.
وقدّر برنامج الأغذية العالمي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بمعدل 107% خلال عام واحد، على حين يؤكد واقع الأسعار الحالية والمتعاملون مع السوق من مواطنين وباعة مفرق تسبُّب أزمة انتشار وباء «كوفيد - 19» في ارتفاع الأسعار بنسبة أكثر من 100% عما كانت عليه قبل الإجراءات الوقائية لمواجهته، وتضاعفها بالنسبة ذاتها مع تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف، ما يعني أن الأسعار ارتفعت بنسبة 200% خلال أزمتي مخلوف والحكومة و«كوفيد - 19».
وفي هذه الأيام أكثر ما يلفت الانتباه في الأسواق، تأفف معظم المواطنين لدى اطّلاعهم على أسعار المواد الغذائية والخضار، وتحدثهم مع أنفسهم بعد مشاهدتهم المعلن منها، أو سماعهم من الباعة بأسعار المواد التي لا يتم عرضها.
كان سعر لتر الزيت النباتي قبل أزمة «كوفيد - 19» نحو 650 ليرة وارتفع خلالها إلى نحو 1200، ووصل حالياً مع تفجر الأزمة بين الحكومة ومخلوف إلى نحو 2000 ليرة، بينما كان سعر كيلوغرام المسبحة (حمص مطحون) نحو 600 ليرة وارتفع خلالها إلى 1200، وخلال الأزمة الثانية وصل إلى ما بين 1400 و1800 وفق مزاجية أصحاب المحلات.
وأبدى أحد المتسوقين في سوق شعبية وسط دمشق استغرابه لدى إطلاق أحد الباعة صيحات مرتفعة ومتتالية لعبارة «الفريز (فاكهة) بـ800» لجذب الزبائن، ويقول المتسوق بصوت مرتفع: «لماذا يصرخ بهذا الشكل؟ هل هذا يعني أنه رخيص؟»، معرباً عن اعتقاده بأنه لو تم بيع الكيلو بـ200 ليرة، لن يكون مناسباً للمواطن.
ويعرب الرجل خلال تبادل الحديث مع بعض من هم حوله عن انزعاجه وأسفه الكبيرين، لما وصلت إليه أحوال الناس من تردٍّ ويقول: «العائلة كانت تعيش مكرّمة بـ30 ألفاً شهرياً، وحالياً نصف مليون لا يكفيها والراتب 50 ألفاً!».
- الفيول
في خضمّ كل هذا، توقفت وزارة النفط، الأحد، عن تزويد السيارات التي تستهلك كميات أكبر من الوقود، بالبنزين المدعوم، في إجراء تقشفي جديد يعكس تراكم الأزمات وحاجة دمشق لتوفير النفقات والمشتقات النفطية والحلول. وأعلن وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم، إيقاف تزويد السيارات الخاصة ذات سعة المحرك من «2000 سي سي» وما فوق، وكل من يملك أكثر من سيارة، سواء أكان فرداً أو شركة، بالبنزين المدعوم على أن توظّف الإيرادات التي سيتمّ توفيرها في «مشاريع خدمية وتنموية» لم يحدد ماهيتها.
وبات يتوجب على المشمولين بالقرار تأمين الوقود لسياراتهم بالسعر غير المدعوم والمحدد بتسعة آلاف ليرة سورية لصفيحة البنزين (20 لتراً) فيما كانوا يحصلون عليها بخمسة آلاف ليرة فقط وهو سعر الصفيحة المدعوم.
وأثار القرار انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع، بينما يلقي مسؤولون حكوميون بشكل مستمر المسؤولية في أزمة الوقود على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول عدة عربية وغربية، ما يَحول دون وصول ناقلات النفط.
وفاقمت العقوبات الأميركية على طهران، أبرز داعمي دمشق، أزمة المحروقات في سوريا التي تعتمد على خط ائتماني يربطها بإيران لتأمينها. وقال غانم قبل أيام إن بلاده تحتاج 146 ألف برميل نفط خام يومياً، بينما المنتج حالياً هو 24 ألف برميل، أي أن الفجوة اليومية هي 122 ألف برميل.
وبلغ إنتاج سوريا من النفط قبل اندلاع الحرب عام 2011 نحو 380 ألف برميل يومياً. لكن القطاع مُني بخسائر كبرى، ولا تزال غالبية حقول النفط والغاز تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، المدعومة أميركياً، في شمال وشرق البلاد. وقوبل قرار الحكومة بانتقادات واسعة من موالين للنظام ومعارضين.
- متفرج
في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية وضبط سعر صرف الليرة، اتخذت الحكومة و«مصرف سوريا المركزي» موقف المتفرج خلال أحدث وأكبر وأسرع موجة تدهور في قيمة الليرة من دون أن يقْدما على أي إجراء.
ويقول خبير اقتصادي: «هكذا أزمات تواجَه بإغراق السوق بالدولار، لكن حكومتنا ليس لديها وهي بالكاد تتدبر أمرها لجلب القمح والسكر والأرز، فكيف ستغرق السوق بالدولار الذي تتقصد أميركا تجفيفه في المنطقة في إطار العقوبات التي تفرضها على سوريا ودول وكيانات أخرى؟»، ويضيف: «ما لم تقْدم الحكومة على إبداء مرونة كبيرة في الصراع الدولي الحاصل حول الملف السوري فإن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تتجه إلى مزيد من التدهور خصوصاً أن العمل بـ(قانون قيصر) الأميركي سيبدأ الشهر المقبل».
وإن كان الموقف الحكومي حيال مسألة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مختلفاً نوعاً ما عن الموقف من تدهور سعر صرف الليرة، فإنه لم ينعكس إيجاباً على المواطن بسبب غياب هيبة السلطة في مناطق سيطرة الحكومة، حيث عمدت الأخيرة إلى تنظيم أعداد كبيرة من المخالفات بحق باعة بسبب بيعهم بسعر زائد أو بيعهم مواد منتهية الصلاحية، وأغلقت الكثير من المحال، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي انخفاض في الأسعار التي واصل معظمهما الارتفاع.
وحسب الخبراء، فإن الحكومة مطالَبة بإنعاش الاقتصاد الذي تلقى صدمة جديدة جراء إجراءات الإغلاق التي تم فرضها للتعامل مع وباء «كوفيد - 19»، تضاف إلى ما يعانيه هذا القطاع من تراجع هائل سبّبته سنوات من الحرب والإدارة الاقتصادية الارتجالية، وتحويل مزيد من العمليات الاقتصادية إلى «اقتصاد حرب» و«اقتصاد ظل». وقال أحدهم إنه لا بد من مغازلة التجار ورجال الأعمال وتخفيف القبضة الأمنية على الأعمال التجارية، وإلا سيؤدي المزيج المتشكل من تداعيات الحرب الكارثية إلى وضع اقتصادي لا يطاق، وسيترافق مع تراجع الداعمَين الروسي والإيراني لدمشق، وازدياد معاناة اقتصاديات دول المنطقة وخصوصاً العراق ولبنان اللذين شكّلا سابقاً رئتا سوريا الاقتصاديتين ومصادر تمويلها بالدولار والالتفاف على العقوبات الغربية.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».