تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

«الشرق الأوسط» تجول في أسواق دمشق

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
TT

تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)

كشف ظهور رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، حاجة الحكومة السورية الماسّة إلى المال، وأظهر عمق الانهيار الاقتصادي وعجز هذه الحكومة عن إيجاد الحلول، حسب محللين في دمشق. وأشاروا إلى التدهور السريع في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي وإلى موجة ارتفاع قاسية في الأسعار وصلت إلى 200%.
- تفاقم عُقدة الدولار
ومع تفجر التوتر، بداية مايو (أيار) الجاري بين مخلوف (51 عاماً)، الذي كان لعقود يعد أبرز الأعمدة الاقتصادية من جهة والحكومة من جهة ثانية، وظهور الخلاف إلى العلن، بعدما طلبت الأخيرة تسديد نحو 180 مليون دولار كجزء من مستحقات للخزينة، ورفضه الامتثال لطلب الحكومة عبر فيديوهات متتالية لأن «الظلم فاق طاقته» على حد قوله، خسرت الليرة نحو 35% من قيمتها، حيث تراجع سعر صرفها أمام الدولار الأميركي من 1200 إلى 1600 بعدما كان قبل اندلاع الأحداث في سوريا التي دخلت عامها العاشر منتصف مارس (آذار) 2011 ما بين 45 و50 ليرة.
وقال خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة بين الحكومة ومخلوف قائمة بشكل صامت منذ أكثر من عام، لكن الجديد حالياً هو ظهورها إلى العلن بهذا الشكل، و«انفضاح حاجة الحكومة الماسة للدولار وسقوط ورقة التوت عن صمودها»، الأمر الذي يبدو أنه من أبرز أسباب تفجرها بهذه الشكل، ذلك بعد تراجع احتياطي «مصرف سوريا المركزي» من العملات الأجنبية من نحو 20 مليار دولار إلى الصفر خلال سنوات الحرب بسبب العقوبات الاقتصادية، ودمار الجزء الأكبر من القطاعات الاقتصادية الذي أدى إلى تراجع إيرادات الحكومة بنسبة كبيرة، و«توقف حلفاء دمشق (إيران) عن دعمها مالياً مع الضائقة الاقتصادية التي فرضتها عليهم العقوبات الغربية وفاقمتها أزمة (كورونا)».
ويرجّح أحد الخبراء أن يكون مخلوف عمل منذ أوائل عام 2019، عندما كانت الأزمة بينه وبين دمشق لا تزال في إطار الكتمان، على إخراج كميات كبيرة من الدولارات الأميركية إلى خارج سوريا، ويقول: «يشتبه كثيرون بأنه قام بشيء مماثل مؤخراً، ما زاد الطلب على الدولار في الداخل ورفع سعره».
ويوضح خبير آخر لـ«الشرق الأوسط»، أن «اقتصاديين ورجال أعمال توقعوا منذ أواخر عام 2019 الماضي، انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار من 850 ليرة في حينه، إلى 1500 مطلع شهر فبراير (شباط) الفائت، فإن تشديد الحكومة لعقوبة التعامل بالدولار واتباعها الحل الأمني في عملية ضبط سعر الصرف أدى إلى تأجيل القدر المحتوم». ويشير إلى أن ما فاقم أكثر من تدهور سعر الصرف وبشكل متسارع مؤخراً، إضافةً إلى تفجر الأزمة بين مخلوف والحكومة، استعار الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان المجاور، ذلك أنه ورغم إغلاق الحدود بين البلدين في إطار إجراءات كل منهما لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، فإن السحب اللبناني للدولار من الأسواق السورية استمر، عبر عناصر «حزب الله» الذين لم تتأثر حركتهم بين البلدين، بعدما شكّل السحب اللبناني للدولار من أسواق دمشق العامل الرئيسي في الضغط على الليرة السورية في فترة ما بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول) في لبنان.
- هلوسة شعبية
وبينما كان السوريون في مناطق سيطرة الحكومة والذين يقدِّر «البنك الدولي»، أن 87% منهم يعيشون تحت خط الفقر، يعانون من موجة الغلاء التي تسببت بها الإجراءات الحكومية لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، جاء تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف وظهوره إلى العلن ليتسبب لهم بموجة غلاء جديدة أشد وأعتى من السابقة نتيجة تدهور سعر صرف الليرة بشكل غير مسبوق.
وقدّر برنامج الأغذية العالمي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بمعدل 107% خلال عام واحد، على حين يؤكد واقع الأسعار الحالية والمتعاملون مع السوق من مواطنين وباعة مفرق تسبُّب أزمة انتشار وباء «كوفيد - 19» في ارتفاع الأسعار بنسبة أكثر من 100% عما كانت عليه قبل الإجراءات الوقائية لمواجهته، وتضاعفها بالنسبة ذاتها مع تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف، ما يعني أن الأسعار ارتفعت بنسبة 200% خلال أزمتي مخلوف والحكومة و«كوفيد - 19».
وفي هذه الأيام أكثر ما يلفت الانتباه في الأسواق، تأفف معظم المواطنين لدى اطّلاعهم على أسعار المواد الغذائية والخضار، وتحدثهم مع أنفسهم بعد مشاهدتهم المعلن منها، أو سماعهم من الباعة بأسعار المواد التي لا يتم عرضها.
كان سعر لتر الزيت النباتي قبل أزمة «كوفيد - 19» نحو 650 ليرة وارتفع خلالها إلى نحو 1200، ووصل حالياً مع تفجر الأزمة بين الحكومة ومخلوف إلى نحو 2000 ليرة، بينما كان سعر كيلوغرام المسبحة (حمص مطحون) نحو 600 ليرة وارتفع خلالها إلى 1200، وخلال الأزمة الثانية وصل إلى ما بين 1400 و1800 وفق مزاجية أصحاب المحلات.
وأبدى أحد المتسوقين في سوق شعبية وسط دمشق استغرابه لدى إطلاق أحد الباعة صيحات مرتفعة ومتتالية لعبارة «الفريز (فاكهة) بـ800» لجذب الزبائن، ويقول المتسوق بصوت مرتفع: «لماذا يصرخ بهذا الشكل؟ هل هذا يعني أنه رخيص؟»، معرباً عن اعتقاده بأنه لو تم بيع الكيلو بـ200 ليرة، لن يكون مناسباً للمواطن.
ويعرب الرجل خلال تبادل الحديث مع بعض من هم حوله عن انزعاجه وأسفه الكبيرين، لما وصلت إليه أحوال الناس من تردٍّ ويقول: «العائلة كانت تعيش مكرّمة بـ30 ألفاً شهرياً، وحالياً نصف مليون لا يكفيها والراتب 50 ألفاً!».
- الفيول
في خضمّ كل هذا، توقفت وزارة النفط، الأحد، عن تزويد السيارات التي تستهلك كميات أكبر من الوقود، بالبنزين المدعوم، في إجراء تقشفي جديد يعكس تراكم الأزمات وحاجة دمشق لتوفير النفقات والمشتقات النفطية والحلول. وأعلن وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم، إيقاف تزويد السيارات الخاصة ذات سعة المحرك من «2000 سي سي» وما فوق، وكل من يملك أكثر من سيارة، سواء أكان فرداً أو شركة، بالبنزين المدعوم على أن توظّف الإيرادات التي سيتمّ توفيرها في «مشاريع خدمية وتنموية» لم يحدد ماهيتها.
وبات يتوجب على المشمولين بالقرار تأمين الوقود لسياراتهم بالسعر غير المدعوم والمحدد بتسعة آلاف ليرة سورية لصفيحة البنزين (20 لتراً) فيما كانوا يحصلون عليها بخمسة آلاف ليرة فقط وهو سعر الصفيحة المدعوم.
وأثار القرار انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع، بينما يلقي مسؤولون حكوميون بشكل مستمر المسؤولية في أزمة الوقود على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول عدة عربية وغربية، ما يَحول دون وصول ناقلات النفط.
وفاقمت العقوبات الأميركية على طهران، أبرز داعمي دمشق، أزمة المحروقات في سوريا التي تعتمد على خط ائتماني يربطها بإيران لتأمينها. وقال غانم قبل أيام إن بلاده تحتاج 146 ألف برميل نفط خام يومياً، بينما المنتج حالياً هو 24 ألف برميل، أي أن الفجوة اليومية هي 122 ألف برميل.
وبلغ إنتاج سوريا من النفط قبل اندلاع الحرب عام 2011 نحو 380 ألف برميل يومياً. لكن القطاع مُني بخسائر كبرى، ولا تزال غالبية حقول النفط والغاز تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، المدعومة أميركياً، في شمال وشرق البلاد. وقوبل قرار الحكومة بانتقادات واسعة من موالين للنظام ومعارضين.
- متفرج
في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية وضبط سعر صرف الليرة، اتخذت الحكومة و«مصرف سوريا المركزي» موقف المتفرج خلال أحدث وأكبر وأسرع موجة تدهور في قيمة الليرة من دون أن يقْدما على أي إجراء.
ويقول خبير اقتصادي: «هكذا أزمات تواجَه بإغراق السوق بالدولار، لكن حكومتنا ليس لديها وهي بالكاد تتدبر أمرها لجلب القمح والسكر والأرز، فكيف ستغرق السوق بالدولار الذي تتقصد أميركا تجفيفه في المنطقة في إطار العقوبات التي تفرضها على سوريا ودول وكيانات أخرى؟»، ويضيف: «ما لم تقْدم الحكومة على إبداء مرونة كبيرة في الصراع الدولي الحاصل حول الملف السوري فإن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تتجه إلى مزيد من التدهور خصوصاً أن العمل بـ(قانون قيصر) الأميركي سيبدأ الشهر المقبل».
وإن كان الموقف الحكومي حيال مسألة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مختلفاً نوعاً ما عن الموقف من تدهور سعر صرف الليرة، فإنه لم ينعكس إيجاباً على المواطن بسبب غياب هيبة السلطة في مناطق سيطرة الحكومة، حيث عمدت الأخيرة إلى تنظيم أعداد كبيرة من المخالفات بحق باعة بسبب بيعهم بسعر زائد أو بيعهم مواد منتهية الصلاحية، وأغلقت الكثير من المحال، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي انخفاض في الأسعار التي واصل معظمهما الارتفاع.
وحسب الخبراء، فإن الحكومة مطالَبة بإنعاش الاقتصاد الذي تلقى صدمة جديدة جراء إجراءات الإغلاق التي تم فرضها للتعامل مع وباء «كوفيد - 19»، تضاف إلى ما يعانيه هذا القطاع من تراجع هائل سبّبته سنوات من الحرب والإدارة الاقتصادية الارتجالية، وتحويل مزيد من العمليات الاقتصادية إلى «اقتصاد حرب» و«اقتصاد ظل». وقال أحدهم إنه لا بد من مغازلة التجار ورجال الأعمال وتخفيف القبضة الأمنية على الأعمال التجارية، وإلا سيؤدي المزيج المتشكل من تداعيات الحرب الكارثية إلى وضع اقتصادي لا يطاق، وسيترافق مع تراجع الداعمَين الروسي والإيراني لدمشق، وازدياد معاناة اقتصاديات دول المنطقة وخصوصاً العراق ولبنان اللذين شكّلا سابقاً رئتا سوريا الاقتصاديتين ومصادر تمويلها بالدولار والالتفاف على العقوبات الغربية.



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».