«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

نزال العصر بين «كورونا المستجد» والإنسان

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة
TT

«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة

كان مولوداً فيروسياً صغيراً في غرفة الحضانة الرئوية، لم تهنأ به والدته أبدا، كل ما يحدث في الجوار هو هزات قوية من السعال المتواصل الذي كان يضرب أرجاء الرئة في محاولات للتخلص من كل المواليد الجدد. الكحة الأولى أوصلته إلى القصبة الهوائية، الكحة الثانية أوصلته إلى الحنجرة، أما الكحة الثالثة فقد كانت كفيلة بخروجه من الفم محملاً برذاذ الإفرازات التنفسية.
ينطلق سريعاً في التيار الهوائي المضطرب محاولا ركوب أي موجه هوائية تضمن له البقاء عالقاً في الجو ومتشبثاً بالجزيئات الفيروسية الأخرى من حوله، كلهم في ذرة الرذاذ يستنجدون ويترقبون أي إنسان عابر يستنشقهم من جحيم المطبات الهوائية المضطرب إلى نعيم الجيوب الأنفية الرطب.
-- انتصار التيجان
بعد هذه الرحلة، استقرت ذرة الرذاذ المحملة بالفيروسات في الجيب الأنفي رقم ثمانية هناك تحت البطانة الرطبة، نزل الجميع ليطمئنوا أن الهبوط لم يكن على مقبض أحد الأبواب ولكنها كانت غارة ناجحة على جسم جديد، اختبأ الجميع خلف أهداب الغشاء المخاطي واطمأنوا أنهم بخير، فأعادوا ترتيب الصفوف وانقسموا إلى ثلاث مجموعات: في المجموعة الأولى انطلقت «التيجان الذهبية» بقوة واندفاع لتستقر على لسان المزمار ولكنها ذهبت مع البلعوم إلى المعدة لتلقى حتفها في العصارة المعوية.
وفي المجموعة الثانية كانت «التيجان الفضية» أكثر ترتيباً وانتظاماً وانطلقت نحو اللوزتين، حيث السطح الدافئ الرطب، ولكن عطسة لم تكن بالحسبان طردتها من الجسم، أما المجموعة الثالثة فكانت تضم «التيجان النحاسية» الأكثر عدداً والأكثر ترقباً، فقررت الانطلاق مع أول عملية شهيق وشقت طريقها بنجاح إلى الممرات المتفرعة للرئتين لتستقر عميقاً هناك في الحويصلات الهوائية.
تعالوا نروي قصة هذا المولود، فيروس «كورونا» المسمى بالفيروس التاجي لوجود خُطّافات بروتينية على سطحه التي تعطيه شكل التاج وتعمل على تشبثه في خلايا الحويصلات الهوائية، وهو ما يحدث في دورة حياة هذا الفيروس، إذ سرعان ما ترسو ملايين التيجان متشبثة على سطح الخلايا، لتفرغ مادتها الوراثية داخل ملايين الخلايا، ويختطف الفيروس كل الإمكانات المادية في الخلية، ليستخدمها بكل قوة ليتكاثر ويكوّن مئات الملايين من النسخ الفيروسية.
نحن في اليوم الخامس من التقاط العدوى، تتكاثر الفيروسات وتتضاعف ملايين المرات داخل خلايا الرئة، وعندما يصل العدد إلى حد الاكتظاظ لم يعد غشاء الخلية قادراً على تحمل المزيد من الألم، لتنفجر الخلية التنفسية مخلفة دماراً هائلاَ في الجوار، وفي تلك اللحظة تتسرب جزيئات الفيروس الوليدة لتنتشر في المخاط الذي يغطي الأنسجة ثم تغزو مجموعات جديدة من الخلايا لتتضاعف أكثر وأكثر.
-- معركة مناعية
خلّف ذلك الانفجار استثارة التهابية في الجوار كانت على أنواع ثلاثة من الشظايا المناعية (الاستجابة المناعية):
- الشظية الأولى، كانت تحمل تحذيراً لمركز ضبط الحرارة في الدماغ وترفعها، معلنة حالة الطوارئ القصوى في الجسم ومنذرة عن وجود جسم غريب (الحمى أولى علامات المرض).
- الشظية المناعية الثانية لم تسقط بعيداً ولكنها وقعت في الشعيرات الدموية المحيطة بالحويصلات وبدأت تلك الأخيرة بسحب كميات كبيرة من سوائل الدم إلى منطقة الالتهاب، ليرتفع الضغط في المنطقة ويتسبب في انفجار أعداد أخرى من الحويصلات فتتعطل وظيفتها التنفسية ويبدأ السعال الجاف (ثاني الأعراض).
- الشظايا المناعية الثالثة اعتقلت مجموعة من الرهائن الفيروسية وانطلقت بها سريعا إلى غرف الاستجواب والتحقيق هناك في الجهاز المناعي، وعندما يصل الأسرى إلى مركز التحكم، يستجيب الجهاز المناعي على الفور بإرسال جنود من قوات الطوارئ العشوائية من كريات الدم البيضاء إلى موقع الالتهاب ويعلن عن بدء معركة مجهرية ضد الفيروس، وعندما ينفضح أمر الفيروس مع وصول الدفعات الأولى من القوات العشوائية، يقوم الفيروس بحيلة ذكية بتجنيد القوات العشوائية في معسكره!
يبادر الفيروس بالهجوم ويغرز في أسطح هؤلاء الجنود أسهماً من بروتيناته فتنقلب المعركة إلى (مناعية - مناعية) بدلاً من (فيروسية - مناعية) ثم تحدث عاصفة من السيتوكينات التي تتسبب بموت الملايين من الخلايا البريئة (هنا تبدأ أعراض الأزمة التنفسية الحادة)، تستمر الفوضى لمدة خمسة أيام من الحمى العنيفة والعطاس المستمر، وسيلان الأنف وصعوبة التنفس والإعياء الشديد والشعور بالألم والسعال الجاف الذي يضرب في كل ناحية.
في تلك الأثناء، تنجح عمليات الاستجواب في الغرف المظلمة من مركز التحكم المناعي ويعترف الفيروس بتسلسله الجيني كاملاً، سرعان ما يقوم الجهاز المناعي بتمزيق الفيروس وتحميل قطع منه على ظهر (الأجسام المضادة)، هذه القطع تعمل كالرادار الموجه الذي يطلق رصاص الأجسام المضادة مباشرة إلى فيروسات كورونا تحديداً ولا يمكن أن يخطئها.
في اليوم الخامس من المرض، يبدأ الجهاز المناعي بتجهيز خطوط إنتاج خمسة لتصنيع الأجسام المضادة وإرسال أعداد غفيرة من هؤلاء الجنود الانتحاريين إلى أرض المعركة هناك في الرئة، وهنا تبدأ مرحلة التعافي بعد عشرة أيام من ذلك الهبوط المشؤوم في الجيوب الأنفية.
-- سلاح مضاد
أهم خطوط الإنتاج في المصانع المناعية هو سلاح الأجسام المضادة IgM وهو الجسم الخماسي الذي يستطيع الالتصاق بخمسة فيروسات في آن واحد ثم يطلق حزامه الناسف ليلقى حتفه مع الفيروسات الخمسة، ويتعرض للالتهام من قبل كريات الدم البيضاء و«البكتريوفيج» (ملتهمات البكتريا). ولأنه أول الأجسام المضادة إنتاجاً فإنه يقاتل في المعركة لمدة خمسة أيام من مرحلة التعافي وعند فحص الدم فإنه في النتائج المخبرية يعطينا الدلالة أن الإصابة بالفيروس حديثة. أما السلاح الثاني فهو الجسم المضاد IgG الثنائي (له رأسان ومحدد التصويب) ويستمر الجسم في تصنيعه لمدة ثلاثة أسابيع ويدل على الإصابة القديمة في الفحوصات المخبرية.
في مئتين من مرضى كورونا المستجد رصد ظهور الأجسام المضادة IgM بعد خمسة أيام وكان ظهور الأجسام المضادة IgG بعد أربعة عشر يوما من بداية ظهور الأعراض، أي أن الجهاز المناعي يتمكن في خمسة أيام من تصنيع الأجسام المضادة، أما في مختبرات الأبحاث فيتطلب الأمر خمسة أشهر من التجارب المضنية للوصول لنموذج مبدئي من اللقاح الذي من الممكن أن يكون واعدا للدخول في التجارب السريرية.
في اليوم الخامس عشر من الإصابة، يعلن الفيروس الاستسلام وتنتهي معركة قاسية مع الفيروس بانتصار ترسانة الدفاعات المناعية على الفيروس الكوروني الدخيل بعد أن خلّف آثارا من سوائل الرئة والصديد والالتهاب الحاد، ويرفع بعد ذلك الجهاز المناعي حالة الطوارئ ويطلق رايات النصر وأهازيج الاحتفال، ويرسل نسخاً من طريقة تصنيع الأجسام المضادة إلى سجل الأمراض المعدية هناك في الذاكرة المناعية، إذ لا ندري فلربما عاود الفيروس الكرّة في المستقبل القريب، حينها سيكون انقضاض الأجسام المضادة عليه في ثوانٍ وليس في أيام.
أخيرا، ما زالت الدراسات قائمة على كورونا المستجد لمعرفة ما إن كانت حماية الأجسام المضادة محدودة بوقت العدوى فقط، أم أنها ستدوم لسنوات، أم أن المناعة ستكون مدى الحياة؟
- باحث سعودي في علم الفيروسات


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء... مراقبة متقدمة للحمل

الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
TT

أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء... مراقبة متقدمة للحمل

الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى

في خطوة متقدمة للاستفادة الإكلينيكية من تقنية الموجات فوق الصوتية، ومتقدمة أيضاً في متابعة ما قد يهدد الحالة الصحية للأجنة والحمل والأم الحامل، قدم باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو ابتكارهم لصقة ناعمة قابلة للارتداء مزودة بأجهزة تصوير بالموجات فوق الصوتية Wearable Ultrasound Patch، قادرة على مراقبة الجنين باستمرار لساعات متواصلة، حتى مع حركة الجنين والحبل السري المستمرة داخل الرحم.

لصقة مطورة لتصوير الجنين

وتساعد هذه التقنية الواعدة والمتقدمة في إنتاج رقعة الموجات فوق الصوتية اللاصقة والقابلة للارتداء UPatch، الأطباء على اكتشاف المضاعفات مبكراً في حالات الحمل عالية الخطورة عبر المراقبة المستمرة أثناء الحمل.

ونُشرت نتائج دراسة الباحثين في مجلة «نيتشر التكنولوجيا الحيوية» Nature Biotechnology في 26 مايو (أيار)، تحت عنوان «مراقبة الجنين في حالات الحمل عالية الخطورة باستخدام رقعة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء».

وقال الباحثون: «تتمتع تقنية الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء بإمكانية تمكين المراقبة المستمرة للجنين قبل الولادة Prenatal Monitoring، وتحسين نتائج الحمل بطرق لم تكن ممكنة سابقاً».

وفي الاختبارات، أنتجت اللاصقة قياسات مطابقة تقريباً لتلك التي تُنتجها أجهزة الموجات فوق الصوتية المحمولة القياسية.

وفي هذا العمل الجديد، قيَّم الفريق لصقة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء من خلال دراسة إكلينيكية متعددة المراكز أُجريت في مركز جاكوبس الطبي التابع لجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ومستشفى جون رادكليف التابع لجامعة أكسفورد.

وخلال هذه الدراسة الإكلينيكية، قام الباحثون بجمع بيانات مراقبة مستمرة لساعات في كل مرة عبر 62 حالة حمل، بما في ذلك حالات الحمل الصحية وكذلك حالات الحمل المعقدة بسبب سكري الحمل، وتسمم الحمل، وارتفاع ضغط الدم، ونمو الجنين غير الطبيعي. ويخطط الفريق لاحقاً لدمج الرقعة في نظام إلكتروني صغير الحجم، مما قد يُتيح لها العمل لاسلكياً في نهاية المطاف.

وفي الوقت الحالي، لا توفر معظم فحوصات الموجات فوق الصوتية قبل الولادة سوى لمحات «سريعة ومؤقتة» (خلال فترة الفحص التي لا تتجاوز بضع دقائق) عن صحة الجنين. كما أن إجراءها يتطلب وجود فنيين متخصصين في التصوير بالموجات فوق الصوتية لتشغيل الجهاز. وإضافة إلى ذلك قد يتسبب الضغط أثناء التصوير اليدوي بألم أو إزعاج للمرأة الحامل.

وعلى عكس كل ذلك، فقد صُممت لاصقة الموجات فوق الصوتية الجديدة القابلة للارتداء، لتثبت على سطح جلد بطن الحامل دون أي إزعاج أو ألم لها، ولتقوم بعملية التصوير والنقل الحي لتلك الصور بشكل متواصل، ولتتبع باستمرار تشريح الجنين وتدفق الدم لديه في الوقت الفعلي، دون الحاجة إلى توجيه يدوي لمسبار الموجات فوق الصوتية.

وأضاف الباحثون قائلين: «لمراقبة الأمهات والأطفال بشكل شامل على مدار الفترة الزمنية اللازمة لاكتشاف مضاعفات، مثل تسمم الحمل Preeclampsia، نحتاج إلى نظام يعمل باستمرار وبشكل مستقل إلى حد كبير. ولذلك، فإن عمق الاستشعار والقدرات الوظيفية والاستقلالية لهذه التقنية في مجال الموجات فوق الصوتية، تُعدّ عوامل بالغة الأهمية. وبفضل هذه المراقبة المستمرة، تمكّنا من رصد التقلبات الديناميكية في تدفق الدم التي قد لا تُكتشف باستخدام فحوصات الموجات فوق الصوتية التقليدية».

صورة لرقعة الأشعة الصوتية اللاصقة

رصد الإشارات غير الطبيعية

ويُعدّ تحرّك كلٍّ من الجنين والحبل السري باستمرار أحد أبرز التحديات في المراقبة المستمرة للجنين. وللتغلب على هذه المشكلة، طوّر الباحثون خوارزميات تتبّع ذاتية تُحدّد الحبل السري وتتبّعه تلقائياً أثناء حركته. وهذا يُمكّن الجهاز من الحفاظ على قياسات دقيقة حتى مع تغيير الأم أو الجنين لوضعيتهما.

وفي إحدى الحالات خلال التجارب الإكلينيكية، رصدت اللاصقة إشارات جنينية غير طبيعية مطولة استدعت تدخلاً طبياً عبر ولادة قيصرية مبكرة، التي يقول الباحثون إنها ربما ساهمت في إنقاذ حياة الطفل. كما يمكن لهذه التقنية أن توسِّع نطاق الوصول إلى رعاية ما قبل الولادة في المناطق ذات الموارد المحدودة، حيث غالباً ما يكون توفر فنيي الموجات فوق الصوتية المهرة محدوداً، إضافة إلى مصاعب تقديم المراقبة المستمرة طويلة الأمد.

ويستند هذا المشروع إلى أكثر من 10 سنوات من البحث والتطوير المتواصل في مختبرات جامعة كاليفورنيا بسان دييغو. وقد حظيت الأجهزة القابلة للارتداء في السنوات الأخيرة، باهتمام طبي متزايد في جوانب التشخيص والمعالجة. وبفضل مرونتها وسهولة حملها وتوافقها الممتاز، أصبحت أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء WUS أجهزة طبية تشخيصية ناشئة ذات إمكانات هائلة للتطوير. ومع التطورات المستمرة في المواد والتصميم الهيكلي لمحولات الموجات فوق الصوتية، تحسَّن أداء هذه الأجهزة وتزايد استخدامها في المجال الطبي.

وقد قام فريق الباحثين أيضاً في العمل على تطبيقات إكلينيكية أخرى طالت تطوير تقنية الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء لمجموعة من تطبيقات الرعاية الصحية، بما في ذلك المراقبة غير التدخليّة Non-Invasive لضغط الدم المركزي، بالإضافة إلى مراقبة القلب المتنقلة Mobile Heart Monitoring، وجهود استخدام الإيماءات اليومية Everyday Gestures للتحكم الموثوق في الأجهزة الروبوتية.

عصر جديد في الطب الحيوي

وضمن عدد أغسطس (آب) 2024 من مجلة الموجات فوق الصوتية Ultrasonics، تم نشر مراجعة علمية بعنوان «أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء: عصر جديد في الطب الحيوي والتطبيق الإكلينيكي». وأفادت أن: «استخدام الأجهزة القابلة للارتداء يتزايد في مرافق تقديم الرعاية الصحية بفضل التقدم في التصميم الإلكتروني، وتحسين الخوارزميات، وتصنيع المكونات. وتُتيح هذه الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء قياس وتسجيل وتقييم المؤشرات الفسيولوجية الأساسية، ما يُمكّن من المراقبة طويلة الأمد، وبالتالي يُهيئ ظروفاً مواتية للتشخيص المبكر للأمراض وتقييم التنبؤات. كما تُتيح الموجات فوق الصوتية مراقبة مجموعة واسعة من المعلومات الفسيولوجية نوعياً وكمياً، بما في ذلك التحديد التشريحي، وبنية الأنسجة، وديناميكا الدم، ونشاط العضلات».

وأضافت: «وبالمقارنة مع تقنيات التصوير الطبي الأخرى، كالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب (CT) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، يُعدّ التصوير بالموجات فوق الصوتية أكثر أماناً وأقل تكلفة وأكثر تنوعاً. والأهم من ذلك، أن الموجات فوق الصوتية الطبية تلعب دوراً علاجياً حاسماً في تعديل النشاط العصبي، وإدارة الألم، وإيصال الأدوية، والتأهيل الطبي».

وأوضحت المراجعة العلمية قائلة: «وقد تغلبت التطورات الحديثة في إنتاج رقع الموجات فوق الصوتية، المرنة والقابلة للارتداء، على عيوب الدوائر والأجهزة الصلبة التقليدية الشائعة للفحص بالأشعة الصوتية. حيث يمكن تثبيت هذه الرُقع بسهولة على الجلد أو وضعها عليه لتتبع مختلف الحالات الفسيولوجية، لمناطق معينة داخل الجسم، باستمرار».

وبفضل تحسين الخوارزميات المتقدمة، يُمكن تحليل الإشارات الفيسيولوجية وتسجيلها تلقائياً، مما يُسهّل مراقبة الحالة الصحية ويُساعد الأطباء على مُتابعة تطور المرض وتقييم مآله. علاوة على ذلك، تشهد أجهزة الموجات فوق الصوتية العلاجية تطوراً سريعاً وتُستخدم على نطاق واسع في مجالات مثل تعديل النشاط العصبي وإيصال الأدوية. ونظراً لصغر حجمها، وسهولة ارتدائها، وتوافقها الحيوي الطبي، تُسهّل هذه الأجهزة تحقيق الطب الدقيق والرقمي، ولها آفاق واسعة للتطبيق.

الفحص بالموجات فوق الصوتية لمتابعة الحمل

يُعد التصوير بالموجات فوق الصوتية للجنين اختبار تصوير آمن وغير توغلي ولا يتضمن أي نوع من الأشعة الضارة. وهو وسيلة تشخيصية تستخدم الموجات الصوتية لإنشاء صور للجنين والمشيمة والسائل الأمنيوسي. وللتأكيد، لا يستخدم هذا الفحص أي إشعاع ضار، بل يستخدمه الأطباء لمراقبة نمو الجنين وتطوره وصحته العامة.

إن تصوير الجنين بالموجات فوق الصوتية أحد العناصر الرئيسية والمهمة في متابعة الحمل وصحة الجنين والتخطيط للولادة. ويقول أطباء «مايو كلينك»: «بقدر ما يكون تصوير الجنين بالموجات فوق الصوتية أمراً مثيراً للآباء والأمهات، إذ يمكّنهم من إلقاء نظرة مبكرة على الجنين. فإنه في الوقت ذاته أداة مهمة يستخدمها فريق الرعاية الصحية لفحص صحة الجنين، بما في ذلك تطوره ونموه. ويُستخدم أيضاً لفحص الجوانب الأخرى من الحمل، مثل كمية السائل السلَوي (الأمنيوسي) وموضع المشيمة. وفي بعض الحالات يمكن استخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية لاكتشاف المشكلات المحتملة أو للمساعدة في تشخيص مشكلة طبية ما».

ويضيفون: «يوضع أثناء التصوير بالموجات فوق الصوتية جهاز يُسمى محوّل الطاقة على بطن الحامل. وقد يوضع في بعض الحالات داخل المهبل أو في المنطقة الواقعة بين المهبل والشرج. وتتحول الموجات الصوتية إلى نمط مكون من مناطق فاتحة وأخرى داكنة تصنع صورة للجنين تظهر على الشاشة».

وثمة أنواع عدة من فحوصات الموجات فوق الصوتية للجنين، وهي ما تشمل:

- الموجات فوق الصوتية ثنائية الأبعاد القياسية: تُنتج صوراً متحركة مسطحة بالأبيض والأسود على الشاشة.

- الموجات فوق الصوتية دوبلر: تُقيّم تدفق الدم في قلب الجنين أو الحبل السري أو المشيمة.

- الموجات فوق الصوتية ثلاثية ورباعية الأبعاد: تُنتج صوراً ثلاثية الأبعاد نابضة بالحياة أو مقاطع فيديو متحركة للجنين، وتُستخدم غالباً لإجراء تقييمات تفصيلية للوجه أو سطح الجسم.

والأوقات الشائعة لإجراء فحوصات الموجات فوق الصوتية هي:

- فحص الثلث الأول من الحمل (الأسابيع 6-13). وذلك لتأكيد الحمل، وتقدير موعد الولادة المتوقع، وفحص نبضات القلب، وتقييم حالات الحمل المتعدد.

- فحص التشريح (الأسابيع 18-22): فحص شامل لدماغ الجنين وقلبه وعموده الفقري وأعضائه للتأكد من سلامته البدنية التطور.

- فحص الثلث الثالث من الحمل: ويُجرى أحياناً لمراقبة نمو الجنين، والتحقق من وضعية الجنين (الرأس للأسفل مقابل المقعدة)، وتقييم مستويات السائل الأمنيوسي.

لصقة مصممة بأجهزة تصوير قادرة على رصد حركة الجنين والحبل السري لساعات

لصقات الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء

يعمل جهاز الموجات فوق الصوتية القابل للارتداء باستخدام لصقات إلكترونية مرنة Flexible Electronic Patches - غالباً ما تكون رقيقة بحجم طابع بريدي - تلتصق بالجلد. وتنقل هذه اللصقات بأمان موجات صوتية عالية التردد وغير ضارة إلى داخل الجسم، وتلتقط أصداءها المرتدة لتوفير تصوير مستمر وفوري للأنسجة والأعضاء الداخلية وتدفق الدم.

وتتضمن كيفية عمل هذه التقنية الأساسية النقاط التالية:

- محولات الطاقة الكهروإجهادية Piezoelectric Transducers: تحتوي اللصقات على مجموعة من العناصر الصوتية الدقيقة المصنوعة من مواد كهروإجهادية. وعند تطبيق تيار كهربائي على هذه المواد، تهتز بترددات أعلى من نطاق السمع البشري، مولدةً موجات صوتية.

- أصداء صوتية Acoustic Echoes: أثناء انتقال هذه الموجات الصوتية عبر الجسم، ترتد عند اصطدامها بتغير في كثافة الأنسجة (مثلاً بين الدم والعضلات، أو حافة صمام القلب).

- معالجة البيانات Data Processing: تلتقط اللصقة هذه الأصداء المرتدة، وتحولها إلى إشارات كهربائية. تُرسل هذه الإشارات إلى وحدة معالجة صغيرة أو هاتف ذكي، حيث تُحوّل البيانات إلى صور أو رسوم بيانية متصلة.

وعلى عكس أجهزة الموجات فوق الصوتية التقليدية الضخمة التي يُشغّلها فنيون مُدرّبون في العيادات، تعتمد الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء على بعض الابتكارات في المواد، ومنها:

- ركائز مرنة Flexible Substrates: تُدمج المجسات الصوتية في مواد مرنة ومتوافقة حيوياً، مثل الهيدروجيل والسيليكون، مما يسمح للرقعة بالتكيف مع الجلد والحفاظ على التلامس حتى أثناء الحركة أو التعرّق أو ممارسة الرياضة.

- دمج الذكاء الاصطناعي AI Integration: تستخدم العديد من هذه الأجهزة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في معالجة البيانات الصوتية الخام وتحويلها إلى تدفقات واضحة وسهلة القراءة دون الحاجة إلى خبير لضبط المجس يدوياً.

ومن التطبيقات الشائعة حالياً لهذه التقنية المتقدمة:

- مراقبة القلب والأوعية الدموية Cardiovascular Monitoring: تتبّع ضغط الدم وتصوير بنية القلب باستمرار أثناء نشاط المستخدم.

- رعاية الحمل Pregnancy Care: توفير مراقبة آمنة ومستمرة لمعدل ضربات قلب الجنين وتدفق الدم في الحبل السري والمشيمة.

- إعادة التأهيل Rehabilitation: توفير تغذية بصرية فورية حول تنشيط العضلات والتئام الأنسجة أثناء العلاج الطبيعي.


تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية
TT

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

يعيش الرجال في مختلف دول العالم في المتوسط أعماراً أقصر من النساء، ويواجهون معدلات أعلى من الوفاة المبكرة بسبب أمراض يمكن الوقاية من جزء كبير منها، أو اكتشافها في مراحل مبكرة. ورغم التقدم الكبير الذي شهدته الرعاية الصحية خلال العقود الأخيرة، لا تزال صحة الرجل تمثل تحدياً صحياً ومجتمعياً يستحق التوقف عنده، ليس بسبب الاختلافات البيولوجية وحدها، بل أيضاً نتيجة أنماط سلوكية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تعامل الرجال مع صحتهم، وطلبهم للرعاية الطبية.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن النساء يعشن في المتوسط فترة أطول من الرجال في جميع دول المنظمة تقريباً، حيث بلغ متوسط الفجوة في العمر المتوقع عام 2023 نحو 5.2 سنوات. ويرى الباحثون أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بالعوامل الوراثية وحدها، بل ترتبط أيضاً بعوامل قابلة للتعديل، مثل التدخين، والسمنة، وضعف النشاط البدني، وتأخر إجراء الفحوصات الوقائية، فضلاً عن التردد في طلب الرعاية الصحية عند ظهور الأعراض الأولى للمرض.

لماذا يعيش الرجال أعماراً أقصر؟ إن الجزء الأكبر من الفجوة الصحية بين الجنسين يرتبط بالسلوك الصحي، ونمط الحياة. فالرجال أكثر عرضة للانخراط في بعض السلوكيات عالية الخطورة، وأقل ميلاً إلى الاستفادة من برامج الوقاية، والفحص المبكر.

وفي كثير من الأحيان لا يُنظر إلى الفحص الدوري باعتباره جزءاً من الرعاية الذاتية، بل يُؤجل إلى حين ظهور أعراض واضحة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن العديد من الأمراض المزمنة تبدأ بصمت، وتستمر سنوات قبل أن تعطي إشارات تحذيرية واضحة. وعندما تظهر الأعراض تكون بعض فرص الوقاية أو العلاج المبكر قد ضاعت بالفعل.

البروفسور صالح بن صالح

رؤية وطنية لتعزيز صحة الرجل

وفي هذا السياق، يؤكد البروفسور الأستاذ الدكتور صالح بن صالح، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لصحة الرجل (SSMH)، أن قضية صحة الرجل لم تعد شأناً طبياً محدوداً، بل أصبحت قضية تنموية ووطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي، ويقول:

«تمثل صحة الرجل في المملكة العربية السعودية تحدياً صحياً وتنموياً في الوقت نفسه؛ فارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، إلى جانب تأخر كثير من الرجال في طلب الرعاية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، كل ذلك يجعلنا أمام قضية لا يمكن التعامل معها باعتبار أنها موضوع طبي محدود، بل أصبحت أولوية وطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي. وفي المقابل، تملك المملكة اليوم فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في صحة الرجل، مستفيدةً من التحول الصحي، والطب الوقائي، والصحة الرقمية، وتنامي الوعي المجتمعي.

ورؤيتنا أن ننتقل من مرحلة علاج المرض بعد ظهوره إلى مرحلة استباقية تقوم على الكشف المبكر، وتكامل الرعاية الأولية، والتخصصية، وتأسيس مسارات واضحة لصحة الرجل تشمل القلب، والسكري، والسمنة، والصحة النفسية، والصحة الجنسية والإنجابية، وسرطانات الرجال.

وفي هذا السياق نرى أن من أهم الحلول الممكنة تبنّي مفهوم عيادات صحة الرجل، واستحداث برامج فحص في أماكن العمل، وربط الصحة الجنسية بالصحة القلبية، والاستقلابية، وإنشاء سجل وطني لمؤشرات صحة الرجل.

إن الاستثمار في صحة الرجل ليس رفاهية طبية، بل إنه استثمار مباشر في الأسرة، والمجتمع، والاقتصاد، وجودة الحياة».

وتؤكد البيانات العلمية أن هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتمثل في مجموعة من الأمراض، والمشكلات الصحية التي لا تزال تحصد أرواح الرجال، أو تؤثر في جودة حياتهم، رغم أن كثيراً منها قابل للوقاية، أو الاكتشاف المبكر.

أمراض شائعة

> أمراض القلب. تظل أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة على مستوى العالم. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنها تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي ما يقارب 32 في المائة من جميع الوفيات العالمية. كما أن 85 في المائة من هذه الوفيات تعود إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

والمثير للقلق أن كثيراً من عوامل الخطر المؤدية إلى أمراض القلب يمكن اكتشافها مبكراً، والسيطرة عليها، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، والتدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من الرجال لا يعلمون بإصابتهم بهذه المشكلات إلا بعد حدوث مضاعفات خطيرة.

> الصحة النفسية: حين يصبح الصمت خطراً. إذا كانت أمراض القلب تمثل القاتل الجسدي الأول، فإن مشكلات الصحة النفسية تمثل أحد أكثر التحديات الصحية صمتاً، وتعقيداً. فالاكتئاب، والقلق، والضغوط النفسية لا تقل خطورة عن الأمراض الجسدية، لكنها غالباً ما تحاط بدرجة أكبر من الصمت، والتردد في طلب المساعدة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، وأن الانتحار يعد ثالث سبب للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً. كما تُظهر البيانات في العديد من الدول أن معدلات الوفاة بالانتحار أعلى بين الرجال مقارنة بالنساء.

ويرى المختصون أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك يتمثل في تأخر طلب الدعم النفسي، أو الامتناع عنه. فبعض الرجال لا يزالون ينظرون إلى التعبير عن الضغوط النفسية أو المشكلات العاطفية على أنه نوع من الضعف، في حين تؤكد العلوم الطبية أن طلب المساعدة النفسية يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة للحفاظ على الصحة العامة، وجودة الحياة.

> السرطان والفحص المبكر. من بين أهم الإنجازات الصحية الحديثة أن كثيراً من أنواع السرطان أصبحت قابلة للكشف المبكر، والعلاج الفعال، إذا تم تشخيصها في الوقت المناسب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك سرطان القولون والمستقيم الذي يعد ثالث أكثر أنواع السرطانات شيوعاً عالمياً.

ووفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، تم تسجيل أكثر من 1.9 مليون حالة جديدة من سرطان القولون والمستقيم عام 2022، كما تسبب المرض في أكثر من 900 ألف وفاة حول العالم. ورغم هذه الأرقام، فإن هذا النوع من السرطان يُعد من أكثر السرطانات التي يمكن الوقاية منها، أو اكتشافها مبكراً من خلال برامج الفحص المنتظمة.

وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) ببدء الفحص المنتظم لمعظم البالغين اعتباراً من عمر 45 عاماً، مع مراعاة عوامل الخطورة، والتاريخ العائلي.

أما سرطان البروستاتا، فيعد من أكثر السرطانات شيوعاً بين الرجال. وتوصي الهيئات العلمية بأن يناقش الرجال، خصوصاً بين سن 55 و69 عاماً، خيارات الفحص مع أطبائهم لاتخاذ القرار الأنسب وفق عوامل الخطورة الفردية. والهدف ليس إجراء الفحوصات بصورة عشوائية، بل الوصول إلى توازن بين فوائد الكشف المبكر وتجنب التدخلات غير الضرورية.

• السمنة والسكري. وهي من أخطر عوامل الخطر على صحة الرجل. وشهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة، وزيادة الوزن على مستوى العالم، وأصبحت هذه الظاهرة أحد أهم العوامل المساهمة في انتشار الأمراض المزمنة. فالسمنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان. وفي المملكة العربية السعودية أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن نسبة السمنة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر بلغت 23.1 في المائة، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 45.1 في المائة. وهي أرقام تعكس حجم التحدي الصحي المرتبط بأنماط الحياة الحديثة.

كما تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن معدل انتشار السكري بين البالغين في المملكة يبلغ نحو 23.1 في المائة، وهو من أعلى المعدلات عالمياً. وتعكس هذه المؤشرات أهمية تعزيز النشاط البدني، وتحسين العادات الغذائية، والحد من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض المزمنة.

• الصحة الجنسية: رسالة مبكرة من الجسم. لا تقتصر صحة الرجل على القلب، أو الوزن، أو الفحوصات الدورية، بل تشمل أيضاً الصحة الجنسية التي تمثل جزءاً مهماً من الصحة العامة، وجودة الحياة. وتشير دراسات عديدة إلى أن بعض المشكلات الجنسية قد لا تكون مجرد مشكلات موضعية، بل قد تمثل أحياناً مؤشراً مبكراً على وجود أمراض كامنة، مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن الأمثلة المعروفة في هذا المجال ضعف الانتصاب الذي قد يكون في بعض الحالات إحدى العلامات المبكرة على وجود اضطرابات وعائية أو استقلابية تحتاج إلى تقييم طبي. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وتشعب جوانبه الطبية، والنفسية، والاجتماعية، فإننا لن نتوسع في مناقشته هنا، على أن نفرد له مقالاً مستقلاً في عدد قادم.

التردد في استشارة الطبيب يؤدي إلى أعمار أقصر وتدني جودة الحياة

التردد في استشارة الطبيب

> لماذا يتأخر الرجال في زيارة الطبيب؟ ربما يكون هذا السؤال هو جوهر الأزمة الصحية الصامتة لدى الرجال. فالدراسات تشير إلى أن النساء أكثر ميلاً إلى استخدام خدمات الرعاية الصحية، والإبلاغ عن المشكلات الصحية مقارنة بالرجال.

وتتداخل في ذلك عوامل متعددة، بعضها ثقافي، وبعضها نفسي، واجتماعي. فهناك من يربط بين القوة والقدرة على تحمل الألم، أو تجاهل الأعراض، بينما يرى آخرون أن الوقت أو الالتزامات المهنية لا تسمح بالاهتمام بالصحة إلا عند الضرورة القصوى.

لكن الواقع الطبي يؤكد أن كثيراً من الأمراض الخطيرة لا تبدأ بأعراض شديدة، بل بمؤشرات بسيطة يمكن التعامل معها بسهولة إذا تم اكتشافها مبكراً. ولذلك فإن تأخير الفحص أو الاستشارة الطبية قد يحوّل مشكلة بسيطة إلى أزمة صحية معقدة.

• الرجولة الصحية تبدأ بالوقاية. في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية، وتتطور فيه وسائل الوقاية، والتشخيص، والعلاج، فإنه لم يعد هناك مبرر أن تبقى كثير من الأمراض الخطيرة مجهولة حتى مراحلها المتقدمة. وصحة الرجل ليست اختباراً للتحمل، وليست دليلاً على القوة، أو الضعف، بل هي مسؤولية شخصية ومجتمعية تتطلب الوعي، والمتابعة، والوقاية.

إن كثيراً من الأمراض التي تحصد أرواح الرجال لا تبدأ بأعراض خطيرة، بل تبدأ بفرصة ضائعة للفحص المبكر، أو زيارة مؤجلة للطبيب. ولذلك فإن حماية صحة الرجل لا تبدأ داخل المستشفى، بل تبدأ بقرار شخصي بالإنصات للجسد قبل أن يضطر إلى إطلاق إنذار متأخر.

ولا تكمن الشجاعة الحقيقية في تجاهل الأعراض، أو تأجيل الفحص، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وربما يكون أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الرجل لنفسه ولأسرته هو أن يمنح صحته ما تستحقه من اهتمام قبل أن تضطره الظروف إلى ذلك. ولنتذكر دائماً أن كثيراً من الرجال لا يموتون بسبب المرض وحده، بل بسبب التأخر في اكتشافه.

*استشاري طب المجتمع


تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية
TT

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

كشف استطلاع للرأي لباحثين من جامعة ميتشيغان University of Michigan بالولايات المتحدة، نُشر أخيراً في شهر يونيو (حزيران) الماضي، عن عدم جدوى تتبع الأبناء رقمياً من خلال تطبيقات الهواتف الذكية، التي توفر معرفة أماكن وجودهم. وقال الباحثون إن هذا التتبع في الأغلب يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة قلق الآباء وشعور الأبناء بفقدان الثقة.

وأظهر الاستطلاع الذي أجري في شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، وشمل ما يزيد على 1500 من الآباء الأميركيين، أن التتبع منتشر بين آباء المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً، أكثر من آباء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و25 عاماً. وتم سؤال الآباء بالتفصيل، عن تطبيقات الهواتف الذكية الخاصة بمشاركة الموقع، وهل يستخدمونها من عدمه؟ وعن الدافع الرئيسي لاستخدام هذه التطبيقات؟ وهل يتم استخدام هذه التطبيقات بموافقة الأبناء؟ وهل ساهمت في طمأنتهم من عدمه؟

تتبع رقمي شائع

أظهرت النتائج، أن تتبع مواقع الأبناء من الأمور الشائعة في أوساط الآباء، خاصة في فترة المراهقة ومشارف البلوغ، حيث بلغت نسبة الآباء الذين قاموا بتتبع موقع أبنائهم 50 في المائة تقريباً، وفي المقابل، كانت هناك نسبة منهم بلغت 25 في المائة، قالوا إن هذا التتبع يثير قلقهم أحياناً أكثر من طمأنتهم، وفي الأغلب تتبع الآباء بناتهم أكثر من أبنائهم.

وقال الآباء، إن القلق هو الدافع الرئيسي وراء استخدامهم هذه التطبيقات، ودائماً هناك مخاوف تتعلق بأمن الأبناء مثل، هل وصلوا بسلام؟ هل هم في المكان الذي وعدوا بالوجود فيه؟ وأفادت نسبة من الآباء بلغت 68 في المائة، بأنهم يستخدمون أجهزة التتبع لطمأنة أنفسهم، بينما قال 64 في المائة إنهم يستخدمونها فقط تحسباً لحدوث حالة طوارئ، وذكر 17 في المائة منهم أن ذلك للتأكد من وجود أبنائهم في مكان يعدونه آمناً.

وأشارت نسب أقل إلى استخدام الخاصية للبقاء على اطلاع بما يفعله أطفالهم، أو للتأكد من وجودهم في أماكن يوافق عليها الآباء. والجدير بالذكر أن 11 في المائة من الآباء، الذين تتبعوا موقع أطفالهم، قالوا إنه ليس لديهم سبب محدد للقيام بذلك.

أكد جميع الآباء تقريباً، أن أبناءهم كانوا على علم بالأمر، ومع ذلك، قال أقل من نصفهم إنهم منحوا أبناءهم خيار رفض مشاركة الموقع. من جهتهم قال الآباء الرافضون لاستخدام تطبيقات التتبع، إن التتبع يُعد انتهاكاً لخصوصية الأبناء، وقال نصفهم أيضاً إنه قد يعوق تنمية الاستقلالية، والمسؤولية الشخصية، ويؤدي إلى حدوث خلل في علاقتهم بأبنائهم.

وتم سؤال الآباء عن الوقت المُفعل لمعرفة موقع الأبناء، وأفاد أكثر من ثلثي الآباء الذين يستخدمون هذه الخاصية بأنها مفعلة بشكل دائم، بينما يستخدمها أقل من الثلث في حالات محددة فقط، مثل وجود ابنهم أو ابنتهم خارج المنزل في وقت متأخر من الليل، أو في مكان غير مألوف، أو عند استخدام خدمة مشاركة الركوب أو سيارة أجرة، أو عند قضاء وقت مع شخص غريب.

حذر الباحثون الآباء، من المبالغة في تقدير قدرتهم على توفير الأمان لأبنائهم عن بعد، إذ وعلى الرغم من أن الشعور بالأمان بمعرفة مكان وجود الأبناء قد يكون مطمئناً، فإنه في حقيقة الأمر مجرد شعور زائف بالأمان، لأن مجرد معرفة المكان لا يعني إمكانية التدخل وقت الخطر الحقيقي، وأكد الباحثون أن معرفة المعلومات عن أماكن وجود الأطفال بشكل مستمر تساهم في زيادة الإحساس بالقلق.

الإفراط في الحماية

أوضحت الدراسة، ان أسلوب التربية المفرطة في الحماية، لا يعلم الأطفال الاستقلالية والاعتماد على الذات، ولكن يجعلهم غير قادرين على اتخاذ أي قرارات مهما كانت بسيطة، ويجب عليهم اتخاذ قرارات مسؤولة بأنفسهم، (حتى لو كانت قرارات خاطئة) لأن ذلك هو ما سيجعلهم أكثر أماناً في المستقبل. وعندما لا يتمتع الأطفال الصغار، وخاصة الأكبر عمراً منهم، بالاستقلالية لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم، فقد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقة مع آبائهم ويساهم في خلق شعور بانعدام الثقة.

ويدفع التتبع المستمر للموقع، الآباء إلى التدخل في إدارة حياة أبنائهم اليومية، متسائلين عن سبب غيابهم عن المدرسة أو مواعيد الطبيب أو العمل بعد التخرج، ومع هذا النوع من المراقبة، يفقد المراهق السيطرة على جدوله الزمني والتزاماته، ويقل شعوره بالمسؤولية تجاه بناء حياته كشخص بالغ مستقل.

نصحت الدراسة، بضرورة إجراء حوار بين الآباء والأبناء، حول الطريقة التي تحقق الموازنة بين اطمئنان الآباء على أطفالهم، وفي الوقت نفسه لا تتعارض مع خصوصية الأبناء وفقدان استقلاليتهم، مثل أن يكون التحكم في مشاركة المواقع اختياري بالنسبة للأبناء.

وقال الباحثون إن الأبناء يمكنهم تفعيل خاصية التتبع في وقت إحساسهم بالخطر فقط، أو يمكن الاتفاق على أوقات معينة لتفعيل خاصية التتبع، مثل الأوقات المتأخرة ليلاً فقط، كما يمكن أن يقوم الأبناء بمشاركة موقعهم مع صديق موثوق به، ويجب ألا يكون التتبع هو الإجراء الوحيد المتخذ.

ومن النتائج غير المتوقعة للاستطلاع، أن التتبع غالباً ما يكون متبادلاً، وقال نصف الآباء تقريباً إن أبناءهم المراهقين يتتبعون مواقعهم، وربما يكون ذلك لرغبة الأبناء في الاطمئنان على آبائهم خاصة كبار السن، وقال الباحثون إن الآباء يمكن أن يستفيدوا من هذا التفكير، في شرح الأسباب التي تدعوهم لمتابعة أبنائهم، بسبب الرغبة في الطمأنينة وليس للشك في سلوك الأبناء أو مراقبتهم.

* استشاري طب الأطفال