«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

نزال العصر بين «كورونا المستجد» والإنسان

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة
TT

«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة

كان مولوداً فيروسياً صغيراً في غرفة الحضانة الرئوية، لم تهنأ به والدته أبدا، كل ما يحدث في الجوار هو هزات قوية من السعال المتواصل الذي كان يضرب أرجاء الرئة في محاولات للتخلص من كل المواليد الجدد. الكحة الأولى أوصلته إلى القصبة الهوائية، الكحة الثانية أوصلته إلى الحنجرة، أما الكحة الثالثة فقد كانت كفيلة بخروجه من الفم محملاً برذاذ الإفرازات التنفسية.
ينطلق سريعاً في التيار الهوائي المضطرب محاولا ركوب أي موجه هوائية تضمن له البقاء عالقاً في الجو ومتشبثاً بالجزيئات الفيروسية الأخرى من حوله، كلهم في ذرة الرذاذ يستنجدون ويترقبون أي إنسان عابر يستنشقهم من جحيم المطبات الهوائية المضطرب إلى نعيم الجيوب الأنفية الرطب.
-- انتصار التيجان
بعد هذه الرحلة، استقرت ذرة الرذاذ المحملة بالفيروسات في الجيب الأنفي رقم ثمانية هناك تحت البطانة الرطبة، نزل الجميع ليطمئنوا أن الهبوط لم يكن على مقبض أحد الأبواب ولكنها كانت غارة ناجحة على جسم جديد، اختبأ الجميع خلف أهداب الغشاء المخاطي واطمأنوا أنهم بخير، فأعادوا ترتيب الصفوف وانقسموا إلى ثلاث مجموعات: في المجموعة الأولى انطلقت «التيجان الذهبية» بقوة واندفاع لتستقر على لسان المزمار ولكنها ذهبت مع البلعوم إلى المعدة لتلقى حتفها في العصارة المعوية.
وفي المجموعة الثانية كانت «التيجان الفضية» أكثر ترتيباً وانتظاماً وانطلقت نحو اللوزتين، حيث السطح الدافئ الرطب، ولكن عطسة لم تكن بالحسبان طردتها من الجسم، أما المجموعة الثالثة فكانت تضم «التيجان النحاسية» الأكثر عدداً والأكثر ترقباً، فقررت الانطلاق مع أول عملية شهيق وشقت طريقها بنجاح إلى الممرات المتفرعة للرئتين لتستقر عميقاً هناك في الحويصلات الهوائية.
تعالوا نروي قصة هذا المولود، فيروس «كورونا» المسمى بالفيروس التاجي لوجود خُطّافات بروتينية على سطحه التي تعطيه شكل التاج وتعمل على تشبثه في خلايا الحويصلات الهوائية، وهو ما يحدث في دورة حياة هذا الفيروس، إذ سرعان ما ترسو ملايين التيجان متشبثة على سطح الخلايا، لتفرغ مادتها الوراثية داخل ملايين الخلايا، ويختطف الفيروس كل الإمكانات المادية في الخلية، ليستخدمها بكل قوة ليتكاثر ويكوّن مئات الملايين من النسخ الفيروسية.
نحن في اليوم الخامس من التقاط العدوى، تتكاثر الفيروسات وتتضاعف ملايين المرات داخل خلايا الرئة، وعندما يصل العدد إلى حد الاكتظاظ لم يعد غشاء الخلية قادراً على تحمل المزيد من الألم، لتنفجر الخلية التنفسية مخلفة دماراً هائلاَ في الجوار، وفي تلك اللحظة تتسرب جزيئات الفيروس الوليدة لتنتشر في المخاط الذي يغطي الأنسجة ثم تغزو مجموعات جديدة من الخلايا لتتضاعف أكثر وأكثر.
-- معركة مناعية
خلّف ذلك الانفجار استثارة التهابية في الجوار كانت على أنواع ثلاثة من الشظايا المناعية (الاستجابة المناعية):
- الشظية الأولى، كانت تحمل تحذيراً لمركز ضبط الحرارة في الدماغ وترفعها، معلنة حالة الطوارئ القصوى في الجسم ومنذرة عن وجود جسم غريب (الحمى أولى علامات المرض).
- الشظية المناعية الثانية لم تسقط بعيداً ولكنها وقعت في الشعيرات الدموية المحيطة بالحويصلات وبدأت تلك الأخيرة بسحب كميات كبيرة من سوائل الدم إلى منطقة الالتهاب، ليرتفع الضغط في المنطقة ويتسبب في انفجار أعداد أخرى من الحويصلات فتتعطل وظيفتها التنفسية ويبدأ السعال الجاف (ثاني الأعراض).
- الشظايا المناعية الثالثة اعتقلت مجموعة من الرهائن الفيروسية وانطلقت بها سريعا إلى غرف الاستجواب والتحقيق هناك في الجهاز المناعي، وعندما يصل الأسرى إلى مركز التحكم، يستجيب الجهاز المناعي على الفور بإرسال جنود من قوات الطوارئ العشوائية من كريات الدم البيضاء إلى موقع الالتهاب ويعلن عن بدء معركة مجهرية ضد الفيروس، وعندما ينفضح أمر الفيروس مع وصول الدفعات الأولى من القوات العشوائية، يقوم الفيروس بحيلة ذكية بتجنيد القوات العشوائية في معسكره!
يبادر الفيروس بالهجوم ويغرز في أسطح هؤلاء الجنود أسهماً من بروتيناته فتنقلب المعركة إلى (مناعية - مناعية) بدلاً من (فيروسية - مناعية) ثم تحدث عاصفة من السيتوكينات التي تتسبب بموت الملايين من الخلايا البريئة (هنا تبدأ أعراض الأزمة التنفسية الحادة)، تستمر الفوضى لمدة خمسة أيام من الحمى العنيفة والعطاس المستمر، وسيلان الأنف وصعوبة التنفس والإعياء الشديد والشعور بالألم والسعال الجاف الذي يضرب في كل ناحية.
في تلك الأثناء، تنجح عمليات الاستجواب في الغرف المظلمة من مركز التحكم المناعي ويعترف الفيروس بتسلسله الجيني كاملاً، سرعان ما يقوم الجهاز المناعي بتمزيق الفيروس وتحميل قطع منه على ظهر (الأجسام المضادة)، هذه القطع تعمل كالرادار الموجه الذي يطلق رصاص الأجسام المضادة مباشرة إلى فيروسات كورونا تحديداً ولا يمكن أن يخطئها.
في اليوم الخامس من المرض، يبدأ الجهاز المناعي بتجهيز خطوط إنتاج خمسة لتصنيع الأجسام المضادة وإرسال أعداد غفيرة من هؤلاء الجنود الانتحاريين إلى أرض المعركة هناك في الرئة، وهنا تبدأ مرحلة التعافي بعد عشرة أيام من ذلك الهبوط المشؤوم في الجيوب الأنفية.
-- سلاح مضاد
أهم خطوط الإنتاج في المصانع المناعية هو سلاح الأجسام المضادة IgM وهو الجسم الخماسي الذي يستطيع الالتصاق بخمسة فيروسات في آن واحد ثم يطلق حزامه الناسف ليلقى حتفه مع الفيروسات الخمسة، ويتعرض للالتهام من قبل كريات الدم البيضاء و«البكتريوفيج» (ملتهمات البكتريا). ولأنه أول الأجسام المضادة إنتاجاً فإنه يقاتل في المعركة لمدة خمسة أيام من مرحلة التعافي وعند فحص الدم فإنه في النتائج المخبرية يعطينا الدلالة أن الإصابة بالفيروس حديثة. أما السلاح الثاني فهو الجسم المضاد IgG الثنائي (له رأسان ومحدد التصويب) ويستمر الجسم في تصنيعه لمدة ثلاثة أسابيع ويدل على الإصابة القديمة في الفحوصات المخبرية.
في مئتين من مرضى كورونا المستجد رصد ظهور الأجسام المضادة IgM بعد خمسة أيام وكان ظهور الأجسام المضادة IgG بعد أربعة عشر يوما من بداية ظهور الأعراض، أي أن الجهاز المناعي يتمكن في خمسة أيام من تصنيع الأجسام المضادة، أما في مختبرات الأبحاث فيتطلب الأمر خمسة أشهر من التجارب المضنية للوصول لنموذج مبدئي من اللقاح الذي من الممكن أن يكون واعدا للدخول في التجارب السريرية.
في اليوم الخامس عشر من الإصابة، يعلن الفيروس الاستسلام وتنتهي معركة قاسية مع الفيروس بانتصار ترسانة الدفاعات المناعية على الفيروس الكوروني الدخيل بعد أن خلّف آثارا من سوائل الرئة والصديد والالتهاب الحاد، ويرفع بعد ذلك الجهاز المناعي حالة الطوارئ ويطلق رايات النصر وأهازيج الاحتفال، ويرسل نسخاً من طريقة تصنيع الأجسام المضادة إلى سجل الأمراض المعدية هناك في الذاكرة المناعية، إذ لا ندري فلربما عاود الفيروس الكرّة في المستقبل القريب، حينها سيكون انقضاض الأجسام المضادة عليه في ثوانٍ وليس في أيام.
أخيرا، ما زالت الدراسات قائمة على كورونا المستجد لمعرفة ما إن كانت حماية الأجسام المضادة محدودة بوقت العدوى فقط، أم أنها ستدوم لسنوات، أم أن المناعة ستكون مدى الحياة؟
- باحث سعودي في علم الفيروسات


مقالات ذات صلة

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في «Mass General Brigham» عن أن تناول مشروب محلى بالسكر يومياً قد يرتبط بارتفاع كبير في خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وبعد أخذ عوامل الخطر الأخرى في الاعتبار، وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمن يتناولون أقل من مشروب واحد شهرياً.

وتكتسب النتائج أهمية في ظل الانتشار الواسع لاستهلاك هذه المشروبات، إذ تشير بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن نحو 63 في المائة من البالغين الأميركيين يتناولون المشروبات المحلاة بالسكر مرة واحدة على الأقل يومياً.

وفي حين ربطت دراسات سابقة المشروبات المحلاة بالسكر بارتفاع معدلات الإصابة بسرطانات الكبد والثدي والقولون والمستقيم، ظل تأثيرها المباشر على أنسجة المعدة غير واضح.

وحللت الدراسة الجديدة بيانات أكثر من 100 ألف مشارك ضمن دراستي «Nurses' Health Study» و«Health Professionals Follow-Up Study»، بهدف بحث العلاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وخطر الإصابة بسرطان المعدة.

وتُعد الدراستان من الدراسات الاستباقية طويلة الأمد، وأشرف عليهما باحثون تابعون لجامعة هارفارد، بهدف تحليل العلاقة بين نمط الحياة والنظام الغذائي والأمراض المزمنة لدى العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وقال كبير الباحثين أندرو تي. تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وعلم الأوبئة في معهد «Mass General Brigham» للسرطان في بوسطن، إن النتائج تثير القلق في ظل تسجيل زيادة في سرطانات الجهاز الهضمي، خصوصاً بين الأشخاص دون سن الخمسين.

وأضاف أن تزايد استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والأطعمة فائقة المعالجة «من المرجح أن يسهم في بعض هذه الاتجاهات المتعلقة بالسرطان».

ويرتبط سرطان المعدة بشكل وثيق ببكتيريا «الملوية البوابية» (H. pylori)، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في بطانة المعدة وتُعد من عوامل الخطر الرئيسية للإصابة بالمرض.

لكن الباحثين لم يجدوا، لدى مجموعة فرعية من المشاركين في الدراسة، علاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والإصابة بهذه البكتيريا، ما يدعم فرضية أن السكر، وتحديداً الفركتوز، قد يؤدي دوراً مستقلاً في زيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وحدد الباحثون المشروبات المحلاة بالسكر بأنها تشمل المشروبات الغازية العادية، ومشروبات الفاكهة، والليمونادة، والمشروبات الرياضية، التي يُستخدم فيها الفركتوز مُحلّياً رئيسياً. وارتبط استهلاك كميات أكبر من الفركتوز بارتفاع خطر الإصابة بسرطان المعدة.

في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطاً بين المشروبات المحلاة صناعياً، بما فيها المشروبات الغازية المخصصة للحمية وغيرها من المشروبات الغازية منخفضة السعرات الحرارية، وزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة لدى أكثر من 100 ألف مشارك.

وأشار الباحثون إلى أن الدراسة قائمة على الملاحظة، ما يعني أنها أظهرت ارتباطاً بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة، لكنها لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة.

كما أن المشاركين كانوا في غالبيتهم من العاملين البيض في مجال الرعاية الصحية، ما يستدعي تأكيد النتائج من خلال دراسات تشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

وقال تشان: «لا تستطيع الدراسة إثبات علاقة السبب والنتيجة بشكل فعلي. ما رصدناه هو وجود ارتباط، ونحتاج بالتأكيد إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت العلاقة بين المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة سببية بالفعل».


فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
TT

فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)

مع اقتراب موسم البرد والإنفلونزا، يعود السؤال المعتاد إلى الواجهة: أيهما أكثر فائدة لدعم جهاز المناعة، فيتامين «سي» أم فيتامين «د»؟ وقد يبدو من السهل اختيار أحدهما بوصفه «الأفضل»، إلا أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.

فكلا الفيتامينين يؤدي أدواراً مهمة في الحفاظ على عمل جهاز المناعة بصورة طبيعية، لكن لا يمكن القول إن أحدهما يتفوق على الآخر بشكل مطلق. كما أن الحصول على كميات كافية منهما لا يعني بالضرورة أنك لن تُصاب بالعدوى أو أنك ستتجنب نزلات البرد والإنفلونزا.

وحسب موقع «هيلث»، فإن فهم الدور الحقيقي لكل فيتامين وحدوده يمكن أن يساعد في تكوين صورة أكثر دقة عن العلاقة بين التغذية وصحة المناعة.

فيتامين «سي» يساعد جهاز المناعة على العمل بكفاءة

يؤدي فيتامين «سي» مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم، من بينها دعم جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة بما يكفي لحماية الجسم من الأمراض.

ويدعم هذا الفيتامين الوظائف الخلوية لكل من جهاز المناعة الفطري والمكتسب؛ أي أنه يساهم في عمل الدفاعات المناعية التي يولد الإنسان بها، وكذلك تلك التي يطورها مع مرور الوقت نتيجة التعرض للعدوى أو الحصول على اللقاحات.

كما يعمل فيتامين «سي» بوصفه مضاداً للأكسدة، ويساعد على حماية الخلايا من التلف الناتج عن الجذور الحرة، وهي جزيئات يمكن أن يؤدي تراكمها إلى أضرار في الخلايا، وقد يرتبط ارتفاعها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى.

وقالت الدكتورة كاثرين دي جورج، أخصائية طب الأسرة في أميركا: «فيتامين سي ضروري لوظيفة المناعة الطبيعية».

لكن أهمية فيتامين «سي» لا تعني أنه يشكل درعاً واقياً من الجراثيم أو يمنع الإصابة بالعدوى. ومن المهم فهم حدوده وعدم النظر إليه على أنه وسيلة مضمونة لتجنب المرض.

وقالت دي جورج لمجلة «هيلث»: «في البالغين الأصحاء عموماً، لا يمنع تناول فيتامين سي الإصابة بالمرض. في أفضل الأحوال، إذا بدأت بتناوله في غضون يوم من الشعور بأعراض البرد، فقد يقلل من مدة الأعراض بشكل طفيف، ولكن ليس بشكل كبير».

وتشير الأبحاث إلى أن فيتامين «سي» قد يقلل من حدة نزلات البرد بنحو 15 في المائة مقارنةً بالدواء الوهمي.

فيتامين «سي» يدعم مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم من بينها جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة (بيكسلز)

فيتامين «د» ينظم جهاز المناعة

أما فيتامين «د»، فيؤدي دوراً مختلفاً إلى حد ما، إذ لا يقتصر تأثيره على دعم وظائف المناعة، بل يشارك أيضاً في تنظيم طريقة استجابة الجهاز المناعي.

وأوضح أدريان مارتينو، وهو أستاذ سريري في أمراض الجهاز التنفسي والمناعة في لندن، أن فيتامين «د» يلعب «دوراً تنظيمياً» في جهاز المناعة.

وأشار مارتينو إلى أن فيتامين «د»، من بين وظائف أخرى، يبدو أنه يساعد على التحكم في الالتهابات، كما يساهم في منع جهاز المناعة من مهاجمة أنسجة الجسم السليمة.

وتشير الأدلة أيضاً إلى أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين «د» قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى، وهو ما يدعم أهمية الحصول على مستويات كافية من هذا الفيتامين للحفاظ على صحة جهاز المناعة.

وبناءً على هذه العلاقة، قد يبدو منطقياً الاعتقاد بأن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يساعد على الوقاية من الأمراض، وخصوصاً لدى الأشخاص الذين تكون مستويات الفيتامين لديهم منخفضة. لكن نتائج الدراسات في هذا المجال ليست بهذه البساطة.

فقد وجدت بعض الدراسات أن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين.

لكن في عام 2025، راجع مارتينو وزملاؤه أكثر من 40 دراسة منشورة سابقاً حول هذه المسألة. وعند تحليل مجمل الأدلة المتاحة، وجد الباحثون أن «فيتامين د لم يكن أفضل من الدواء الوهمي في تقليل خطر الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة»، وفقاً لما صرّح به مارتينو.

إذاً، أيهما أفضل للمناعة؟

لا توجد إجابة بسيطة تقوم على اختيار فيتامين «سي» أو فيتامين «د» بوصفه الأفضل للمناعة. فكلاهما ضروري للحفاظ على عمل جهاز المناعة بكفاءة، ولكل منهما وظائف مختلفة ومهمة في الجسم.

وفي الوقت نفسه، لا يُعد أي من الفيتامينين حلاً سحرياً للوقاية من الأمراض الشائعة أو علاجها. لذلك، فإن الحصول على كميات كافية منهما مهم، لكن الاعتماد على المكملات الغذائية وحدها ليس استراتيجية كافية للحفاظ على الصحة خلال موسم البرد والإنفلونزا.

والنهج الأفضل هو الحفاظ على نظام غذائي متوازن وتجنب نقص أي من الفيتامينين، بدلاً من التركيز على أحدهما وإهمال الآخر.

وتلخص دي جورج الأمر بوضوح قائلة: «الأمر لا يتعلق بأيهما أكثر أهمية، بل بتجنب نقص أي منهما».


15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
TT

15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)

في ظل تسارع إيقاع الحياة وكثرة مصادر التشتيت، قد يصبح إيجاد الوقت لإنجاز المهام والمشاريع المؤجلة تحدياً يومياً. لكن تخصيص 15 دقيقة فقط يومياً لمهمة واحدة قد يكون كافياً لإحراز تقدم ملموس بمرور الوقت.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، تقوم الفكرة على تحديد مجموعة صغيرة من الأهداف أو المشاريع التي يرغب الشخص في إنجازها، ثم تخصيص 15 دقيقة من التركيز الكامل لكل منها يومياً، بعيداً عن البريد الإلكتروني والرسائل والهاتف وغيرها من مصادر التشتيت.

وتستند هذه الطريقة إلى فكرة مشابهة لـ«تقنية بومودورو» التي ابتكرها الإيطالي فرانشيسكو سيريلو في ثمانينات القرن الماضي. وتعتمد التقنية الأصلية على العمل بتركيز لمدة 25 دقيقة، تليها استراحة لمدة خمس دقائق، ثم أخذ استراحة أطول بعد إتمام أربع جولات.

لكن تقليص المدة إلى 15 دقيقة قد يجعل تطبيقها أكثر سهولة ومرونة، خصوصاً مع تغير جداول العمل وكثرة المقاطعات اليومية. ويمكن تخصيص هذه الفترة في الصباح، أو خلال استراحة الغداء، أو قبل النوم.

ويمكن استثمار هذه الدقائق في القراءة أو الكتابة أو ترتيب الملفات القديمة أو التواصل مع الأصدقاء والعائلة، أو في أي مشروع طويل الأمد يصعب إيجاد وقت كافٍ له دفعة واحدة.

وتكمن الفكرة الأساسية في التركيز على مهمة واحدة خلال هذه الفترة. فالانتقال المستمر بين المهام يستنزف الانتباه ويقلل الكفاءة، بينما يساعد حجب مصادر التشتيت والتركيز على نشاط واحد في الاستفادة بشكل أفضل من الوقت.

وقد تبدو 15 دقيقة فترة قصيرة، لكن الاستمرار عليها يومياً يعني تخصيص أكثر من 90 ساعة خلال عام كامل لمهمة واحدة.

وبالتالي، لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم، بل قد يبدأ باستثمار الفترات القصيرة المتاحة وتحويلها إلى عادة منتظمة تسمح بتحقيق تقدم تدريجي ومتراكم.