يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

يرفضون تقديم تنازلات ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)

يدير الشيخ حسن عبد الله، أحد أبناء قبيلة «ورفلة» كثيرة العدد في ليبيا، دكانه تحت اسم «تشاركية السلام»، في ضاحية تطل على ميناء طبرق البحري. وتنعقد في هذه المدينة جلسات البرلمان، ويوجد بالقرب منها مقر قيادة أركان الجيش الجديد. ويستمع عبد الله إلى نشرة الأخبار من مذياع قديم معلق على الجدار. وكانت النشرة تتضمن حديثا عن مساعي الصلح بين ميليشيات المتطرفين التي تقودها جماعة الإخوان في طرابلس، من جانب، وقوات الجيش والبرلمان، من الجانب الآخر. ويقول «يتعاملون مع ليبيا وكأن فيها هذين الطرفين فقط. أين نحن من معادلة المصالحة؟ ما زالوا يتجاهلوننا».
وتعد قبيلة ورفلة، ومركزها الرئيس في مدينة بني وليد، واحدة من قبائل ليبيا التي اتهمها «ثوار 17 فبراير 2011» بموالاة العقيد معمر القذافي أثناء حكمه للبلاد طيلة 42 سنة، مع قبائل أخرى من بينها «القذاذفة» و«المقارحة»، إضافة للآلاف من عائلات وبيوت عدة مدن ترى أنها تعرضت للغبن جراء «الثورة»، مثل مدينة تاورغاء التي جرى تهجير سكانها بالكامل عقب مقتل القذافي. ويضيف الشيخ عبد الله قبل أن يغلق تشاركيته في ذلك المساء أن الجميع يحصر مساعي المصالحة بين حكام «17 فبراير» الذين انقسموا على أنفسهم و«يتقاتلون على السلطة الآن»، بينما هناك الألوف في السجون، ونحو مليون اضطروا للهجرة للدول المجاورة ولا يتحدث عنهم أحد، ويجري اتهامهم بأنهم «من أتباع القذافي».

تتبنى الأمم المتحدة الدعوة إلى الحوار بين الخصوم الليبيين، من خلال مبعوثها الخاص إلى ليبيا، برناردينو ليون، لكن مساعيه ما زالت تقتصر، على ما يبدو، على محاولة جمع رؤوس قيادات «ثورة فبراير»، من خلال «حوار غدامس» بين وفد من البرلمان وعدد من النواب الذين يقاطعون جلساته، في حين تتواصل محاولات أخرى، تبدو أكثر شمولية، تقوم بها الجزائر، للاستماع إلى وجهات نظر جميع الفرقاء، بمن فيهم المحسوبون على نظام القذافي، قبل الدعوة إلى اجتماع موسع للمصالحة، إلا أن مصادر سياسية تقول إن جماعة الإخوان المسلمين التي تقود ميليشيات المتطرفين في البلاد تعرقل مساعي لم الشمل وترفع شعارات متشددة وتقدم نفسها كأنها الوصي على الشعب الليبي، رغم قيامه بإسقاط مرشحيها للبرلمان الصيف الماضي.
وفي أول إجراء عملي لدعوات الحوار والمصالحة التي أطلقها رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، خصص البرلمان لجنة من لجانه سماها «العدل والمصالحة الوطنية». وتسعى اللجنة إلى استلهام تجارب بعض الدول التي شهدت نزاعات مماثلة لما تمر به ليبيا، لوضع أسس لحوار شامل يبني لمرحلة جديدة في البلاد التي تشهد حربا بين المتطرفين، والجيش. ويعد من أكبر هذه الميليشيات ما يسمى بـ«قوة فجر ليبيا» التي يقودها إخوان متشددون ينتمون لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة.
ويقول عضو لجنة «العدل والمصالحة الوطنية»، النائب عن مدينة بنغازي، إبراهيم عميش «نسعى للتعلم من التجارب السابقة للعديد من الدول التي مرت بحروب محلية أو بثورات داخلية، مثل ليبيا». ويوجد إدراك لدى عدد من أعضاء هذه اللجنة لأن الصراع في جوهره «صراع قوى سياسية وكيانات مسلحة على قضية السلطة والديمقراطية والممارسة ومن يحكم وبأي طريقة، والعلاقة بالنظام السابق وغيرها».
ويعلق عميش قائلا «كل هذه التقاطعات تضع البلاد في حالة من الصراع الذي يمتد إلى أن يصل إلى قضية الصراع المسلح، وتبدأ أعمال القتل والتدمير، وهذا ما نمر به الآن»، مشيرا إلى أن التجارب التي مرت بها العديد من الدول وعلى رأسها جنوب أفريقيا، أكدت على أنه لا بد، في النهاية، من أن يستقيم الأمر، وأن تكون هناك دولة وشعب يريد أن يطمئن على مستقبله في دولة ذات سيادة. ولهذا - كما يقول «لا بد أن تجلس جميع الأطراف على طاولة حوار، وتطرح فيه كل القضايا، ويجري الاتفاق على الحد الأدنى لتحقيق السلم الاجتماعي وتحقيق مراحل بناء الدولة، والتوافق حول الكثير من المسائل الأخرى».
ودعا البرلمان نوابه الذين يقاطعون جلساته للحضور، ولم يستخدم بحقهم اللائحة الداخلية والقوانين التي تعطيه الحق في فصلهم بسبب الانقطاع عن الجلسات. ويبلغ عدد النواب المقاطعين أقل من 25 غالبيتهم من جماعة الإخوان ومدينة مصراتة. ويتحجج هؤلاء النواب بأن البرلمان انعقد في غير المكان الذي ينص عليه الإعلان الدستوري، وهو مدينة بنغازي، ويقول عميش «طبعا البرلمان انعقد في غير مكانه لأسباب كثيرة أمنية، ونملك وثائق وشهادات وتقارير صادرة عن عسكريين ومن الاستخبارات ومن وزير الداخلية، تقول إنه لا يمكن انعقاد المجلس في مدينة بنغازي أو مدينة طرابلس بسبب الأوضاع الأمنية، وبالتالي تم اختيار مدينة طبرق باعتبارها مدينة آمنة ومؤمنة».
ويقول إنه بالإضافة إلى دعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار والبدء في الحوار حول هذا الأمر، كانت الاستجابة من مجلس النواب (البرلمان) بأن وجه الدعوة للنواب الذين امتنعوا عن الحضور والذين هم محسوبون على قوى ما يعرف بـ«فجر ليبيا»، وأيضا بعض الأطراف التي اتخذت موقفا في هذا الخصوص ومنحازة للصراع الموجود في المنطقة الغربية، وقلنا لهم أن يأتوا وأن يحلفوا اليمين وأن يتولوا مهامهم البرلمانية من أجل تحقيق مرحلة بناء الدولة وفتح قضايا الحوار، وهو ما أكد عليه أيضا الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، حين حضر لليبيا أخيرا، إلى جانب استمرار جهود ممثله الخاص، ليون، الذي أشرف على «لقاء غدامس» وجرى الاتفاق فيه على وقف إطلاق النار وإتاحة الفرصة لاستخدام المطارات التي دمرت، وعلاج جرحى المواجهات وإتاحة الفرصة لعودة النازحين.
ويزيد عميش موضحا أنه بدأ بالفعل وضع قواعد لهذا الحوار، لكن العقبة الحقيقية تكمن في أن الذين شاركوا فيه «كانوا من النواب الذين انحازوا للطرف الآخر (الإخوان المتشددين) ولم يحضروا»، مشيرا إلى أن «عددهم قليل، وغيابهم لم يؤثر على الإطلاق في قضية النصاب القانوني لجلسات البرلمان، أو حتى على سير جلسات مجلس النواب نفسه».
ويتخذ البرلمان الليبي مواقف مبدئية من أي حوار، قائلا إنه يتمسك بشروط إلقاء السلاح والاعتراف بالمسار الديمقراطي قبل المصالحة.. وبينما تواصل الجزائر الاستماع للفرقاء الليبيين قبل «الحوار الشامل»، اتهم أنصار القذافي جماعة الإخوان بمحاولة إفشال كل محاولات لم الشمل، ويقولون إن الجماعة مثلها مثل رؤساء الميليشيات المسلحة، يرفضون تقديم تنازلات، ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح، وعلى دعم بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي لها قنوات اتصال مع قوى ما يعرف بـ«الإسلام السياسي»، وقادته من «الإخوان» والجماعات الليبية المقاتلة و«أنصار الشريعة» التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وتجري جهود الأمم المتحدة والجزائر بالتزامن مع جهود يقوم بها سياسيون ليبيون، من الداخل والخارج، لوضع حد للفوضى الجارية في البلاد. وأبدى البرلمان مجددا، وكذا عدة أحزاب وشخصيات سياسية، الاستعداد للتحاور وتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة لإنقاذ ليبيا، بشرط ترك السلاح جانبا، والارتضاء بما يقرره الشعب بالوسائل الديمقراطية وبشكل سلمي، ورحبوا باللقاء الذي عقد في «غدامس». لكن ما هي قدرة مثل هذا اللقاء على وقف الاقتتال الداخلي خاصة في المناطق الغربية؟ يجيب نائب بنغازي قائلا «الذين حضروا (حوار غدامس) هم نواب، ولم يستطيعوا أن يلتزموا بأي شيء يمكن أن يفرضوه على الأطراف المسلحة. بل بالعكس.. الأطراف المسلحة أدانتهم واتخذت مواقف ضدهم بهذا الخصوص، بسبب مشاركتهم في الحوار، وهذا طبعا يثبت أن الجماعات المسلحة لا تريد الحوار، وأنها (جماعات إرهابية). مثلا تنظيم ما يعرف بـ(أنصار الشريعة) لا يعترف حتى بقضية الدستور، ولا بكيانات الدولة، ولا يريد قيام جيش وشرطة، و(...).. هذا الأمر مرفوض».
ويقول فرج بوهاشم، الناطق الرسمي باسم البرلمان الليبي، إن عدد النواب المقاطعين لجلسات مجلس النواب يتراوح بين 20 و25 نائبا، وإن من بين هؤلاء من يتردد على المجلس بشكل غير منتظم.. أي أنه يأتي ثم يذهب ويغيب لفترات طويلة، ومنهم من جاء وانقطع عن الحضور، ومنهم من لم يأت منذ البداية، وأغلب هؤلاء المقاطعين محسوبون على التيار المتشدد، وعلى جماعة الإخوان المسلمين. أي أنهم من «الإخوان» ومن مجموعة أخرى تتستر بالدين أو ما يعرف بـ«الإسلام السياسي».
ويتكون البرلمان من 188 نائبا، وليس 200 نائب كما هو مفترض وفقا للإعلان الدستوري، لكن بوهاشم يقول إن هناك دوائر لم تجر فيها الانتخابات من الأساس بسبب الظروف الأمنية، وتشمل 12 مقعدا، وستجرى الانتخابات فيها في حال توافرت الظروف المناسبة، مشيرا إلى أن «هؤلاء لا تستطيع أن تدخلهم في عملية جمع وطرح لإجمالي عدد النواب، كما يحاول البعض أن يفعل، وذلك بأن يضيف عدد الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات على دوائر النواب المقاطعين». وبالنسبة لتقييمه لـ«حوار غدامس» مع عدد من أولئك النواب، يقول بوهاشم إن الأمر الإيجابي هو «الروح التي سادت اللقاء والحوار الذي كان يسير بشكل جيد».
ويبدو الضغط في اتجاه الحوار قويا، رغم اتهام أنصار القذافي وأطراف أخرى لجماعة الإخوان بالعمل على عرقلته، وتهديد الجماعة لبعض دول الجوار بأنها لن تشارك في أي عملية تفاهم من هذا النوع يمكن أن يوجد فيها محسوبون على النظام السابق. ومن مظاهر الضغط من جانب السياسيين المعتدلين لحل الاحتقانات القاتلة بين الأطراف الليبية، وجود لجنة جرى تشكيلها سريعا لتعمل بشكل مؤقت إلى أن تتحول إلى لجنة دائمة للحوار، وهذه اللجنة تعمل أيضا تحت إشراف مجلس النواب، وهي برئاسة محمد شعيب، النائب الأول لرئيس البرلمان، وحضر شعيب الاجتماع الذي عقده «بان كي مون» في طرابلس.
ويقول عميش إن الهدف من لجنة المصالحة والحوار ليس فقط محاولات جمع الخصوم حول مائدة واحدة، ولكن ستتولى قضية العدالة الانتقالية، وتطبيق قضايا العدل، ويشمل ذلك الأطراف الذين في السجون، ويشمل أيضا قضية التعويضات وجبر الضرر والمصالحة، بما يعني إنهاء قضية الصراع واللجوء للقضاء، لتسوية جميع القضايا العالقة سواء خلال فترة الحرب ضد القذافي أو بعدها. كما أنها تنطبق أيضا على فترة القذافي، خاصة قضايا النزاع على الأملاك والأراضي، وغيرها، إلى جانب موضوع المهجَّرين ممن كانوا يحسبون على النظام السابق، ومنهم نازحون خارج ليبيا ونازحون داخل ليبيا، وهذا الأمر يشمل مدنا بالكامل مثل تاورغاء.
ومع ذلك، تبدو فرص الحل في ليبيا شديدة التعقيد، بسبب الخلفيات والقرارات التي اتخذت على عجل من جانب قادة الثورة في الأيام الأخيرة لنظام القذافي. ويقول عميش «في الحقيقة هناك أمر مهم جدا.. وهو أن هذه الحالة التي تمر بها البلاد، منذ بدايتها، كان يمكن ألا تصل إلى هذا الحد. أي منذ المجلس الانتقالي (2011) ثم المؤتمر الوطني (البرلمان السابق 2012 - 2013 حتى منتصف 2014)، كان يمكن أن تمر حالة ليبيا مثلها مثل أي بلد عادي فيه جماعات مسلحة وغيره، أي أن تنتهي الأمور سريعا بالمصالحة الوطنية، لكن الصراعات داخل المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، والأجنحة الأخرى التي أرادت أن تكون لها أذرع عسكرية، أفسدت كل شيء»، مشيرا إلى أن العديد من الأطراف حاولت استغلال الميليشيات المسلحة لصالحها، ليس من جماعة الإخوان والمتطرفين فقط، ولكن من أطراف محسوبة على نظام القذافي أيضا.
ويشير عميش إلى الممارسات السابقة التي تسببت في استفحال مشكلة الميليشيات والمتطرفين الرافضين للحوار والذين لا يعرفون غير لغة السلاح للهيمنة على السلطة بالقوة. ويقول «للأسف أن هناك بعض الكتائب المسلحة السابقة، أيا كانت السلطة أو الوسائط التابعة لها.. كانت تصرف لهم رواتب ضخمة. بعضهم كان يقول إن عدد من معه من عناصر الميليشيا التي يقودها يبلغ 11 ألف عنصر، لكن في الحقيقة لم يكن العدد يزيد على 3 آلاف، ومع ذلك تصرف الرواتب لـ11 ألفا، لدرجة أن البنوك اشتكت وقتها من هذا الأمر. كما تشكلت جماعات أخرى قوية كانت تُدعم بالسلاح والمال من أجل «تحرير مناطق» بعينها (من الخصوم السياسيين) بمقابل مالي يصل أحيانا إلى 20 مليون دينار (الدولار يساوي 1.3 دينار ليبي). وأصبح كل من يملك السلاح يريد أن يتحكم في كل شيء لتحقيق السلطة والمال.
ويعول الكثير من السياسيين الليبيين على المتغيرات التي جرت في مصر وتونس، والتي نتجت عنها خسارة جماعة الإخوان لتعاطف الرأي العام وللانتخابات. وبدأت نتائج هذه المتغيرات تنعكس على الواقع الليبي، من خلال اتجاه بعض المتشددين إلى تعديل في مواقفهم، مما تسبب في خلافات، على سبيل المثال، بين قيادات مدينة مصراتة التي تضم أبرز الداعمين لجماعة الإخوان وعملية «فجر ليبيا»، وتدور هذه الخلافات حول مستقبل ارتباط مصراتة بـ«الإخوان» وباقي التيارات المتشددة، ومنها جماعة «أنصار الشرعية» الموالية لتنظيم القاعدة. ويرى بعض قادة المدينة وأغلبهم من رجال الأعمال والعواقل القبليين، أن «الإسلاميين» يستغلون مصراتة وشبابها وقوتها العسكرية في عمليات ضيقة تسببت في خصومات بين مصراتة والعديد من القبائل والمناطق، خاصة في محيط طرابلس إضافة لمدينتي بني وليد وتاورغاء وغيرهما.
كما دخل أكثر من خمسين من الأدباء والفنانين والمثقفين في مصراتة على الخط، وأصدروا نداء لرأب الصدع والتصالح والعيش السلمي بين الليبيين، من خلال «رسالة مفتوحة من مثقفي مصراتة لمثقفي الشرق الليبي»، قالوا فيها «من هنا نبدأ.. وهل من مبتدأ أعظم أثرا وأكثر دلالة في مقام الإصلاح ودرء الخصام من النهي عن تقطيع الأرحام ليكون الجواب نعم للسلام والوئام ولا للخصام وتقطيع الأرحام؟». وتضمنت الرسالة كلمات مشجعة للمثقفين والأدباء في شرق ليبيا، وجاء فيها «أساتذتنا وإخواننا وزملاؤنا من المثقفين والفنانين والإعلاميين والمسرحيين، وكل أهل الثقافة والأدب، في شرقنا الحبيب، شرق الإبداع والتألق، منابت الجود والكرم، أشقاء المصير».
وتقول رسالة مثقفي مصراتة لمثقفي شرق ليبيا أيضا «هذا نداء من قلوب تتحرق شوقا إلى التصافي، ليس عن طمع ولا جشع ولا هلع بل عن يقين بأن كل الليبي على الليبي حرام، دمه وماله وعرضه، وأن إطفاء النار في أي مرحلة من اشتعالها خير من انتظارها لتنطفئ بفعل الزمن أو الوهن أو بعد أن تأكل أخضر الوطن ويابسه ثم تأكل بعضها لتسفر عن الهشيم والرماد. ولأنكم أهل الوعي والتوعية، وأهل الصحوة في الفكر كما القول، ندعوكم لنجعل من قاسم الثقافة والأدب والكلمة والصورة واللوحة، علامة على رقي الإحساس بالوطن والمواطن، وأن نستعلي على الحزازات الضيقة المؤقتة الرديئة، عبر رؤى ثقافية وفكرية وفنية، تقدم للبلد أروع ما فيه».
وجاء هذا الموقف الذي يعضد مساعي الحوار والسلام بين أبناء الوطن الواحد، بالتزامن مع حضور العديد من الشخصيات الأوروبية إلى مصراتة خلال الأسابيع الأخيرة في محاولة لتهدئة الموقف بين الأطراف المتشددة فيها (من «الإخوان») وباقي الأطراف خاصة البرلمان والجيش الوطني، وذلك قبل أن ينفذ هذا الجيش تهديداته بالتدخل لطرد ميليشيات «فجر ليبيا» بالقوة من العاصمة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ألوف الأسر عن العاصمة.
وفي المقابل، تحاول الأطراف الدولية الحصول على تنازلات من البرلمان والجيش أيضا، وهي تتعامل، في بياناتها، خاصة تلك التي تصدرها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، على اعتبار أن ليبيا فيها برلمانان وحكومتان وقوتان مسلحتان، وهذا ما يرفضه البرلمان الشرعي الذي انبثقت منه حكومة عبد الله الثني، وأيد عمليات الجيش ضد المتطرفين، حيث يتمسك البرلمان بشرعيته التي اعترفت بها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
ويعلق عميش على بعض البيانات الغربية التي تطالب «جميع» الأطراف الليبية بأن تضع السلاح جانبا وأن تدخل في حوار، وتحاول أن تساوي في التعامل بين الميليشيات والجيش، قائلا «تلك البيانات تتحدث عن كل الأطراف المسلحة التي تستخدم القوة والسلاح والعنف، وتحثها لكي تلجأ إلى الحوار، لكنها لم تذكر اسم الجيش الوطني صراحة.. صحيح أن تلك البيانات الغربية لم تحدد من الذي ينبغي عليه أن ينحي السلاح جانبا، إلا أنه لا يمكن لأي جهة دولية أن توجه نداء مثل هذا (بوضع السلاح جانبا) إلا لقوات غير شرعية تملك السلاح، لكن بالنسبة للجيش الوطني، ومن بعد ترشيح وتعيين اللواء عبد الرازق الناظوري رئيسا للأركان، بدأ الحديث يدور عن عملية محددة تتعلق بعمليات للقوات المسلحة الشرعية ضد المتطرفين».
وعلى الجانب الآخر، بدأ البرلمان في تقديم بوادر حسن نوايا إضافية تجاه المصالحة الشاملة بطريقة بدا أنها تعطي بعض الطمأنينة للعديد من الأطراف الليبية الفاعلة، ومن بينها تلك القطاعات التي كانت مؤيدة للقذافي، والتي كانت تعارضه أيضا، واضطر معظم قادتها للخروج من البلاد منذ أواخر 2013 حتى الآن، والإقامة في تونس ومصر، بسبب تهديدات المتطرفين لهم. ومن بينهم وزراء ونواب سابقون، ورجال أعمال وفنانون ومثقفون وصحافيون، وغيرهم.
وقرر البرلمان، في خطوة يراها الكثيرون مشجعة لجهود المصالحة والحوار، إدخال تعديلات على قانون العزل السياسي، أو إلغاءه في ما بعد بشكل كامل. وكان هذا القانون قد أصدره المتطرفون أثناء هيمنتهم على البرلمان السابق، وأجبروا باقي النواب على تأييده تحت تهديد السلاح، وهو قانون يمنع كل من عمل مع نظام القذافي، منذ عام 1969 حتى مقتله في 2011، من العمل السياسي أو العمل الرسمي في الدولة، وينطبق هذا القانون حتى على المعارضين الذين كانوا قد انشقوا عن نظام القذافي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وأيضا من انشق عن نظام القذافي والتحق بـ«ثورة فبراير».
ومن جانبه، يقول عقيلة صالح، رئيس البرلمان، إنه يتعهد بعدم إقصاء أي طرف من الأطراف الليبية من الحوار الوطني الذي يسعى إليه مجلس النواب. ويضيف «لن نقصي أحدا، بشرط أن يترك السلاح، وأن يرتضي بالعملية الديمقراطية»، مشيرا إلى أنه يوجد على جدول أعمال مجلس النواب قانون العدالة الانتقالية الذي يهدف إلى رد الحقوق إلى أصحابها، ومعالجة الأوضاع التي وقعت في الماضي، بما فيها تعديلات ستشمل ما يخص الأراضي والمساكن والشركات سواء أجنبية أو محلية.
وبينما يعزز الجيش من مواقعه في حربه على المتطرفين في بنغازي ودرنة، تمكّن أخيرا من الوجود بقوة عبر قواعد عسكرية مهمة في كل من جنوب غربي العاصمة وشمال غربي العاصمة، وقام بتجديد قاعدة «الوطية» العسكرية التي تعد قوة ضاربة يمكنها أن تحدد مصير من يسيطر على طرابلس. ومن جانبها، تسعى حكومة الثني أيضا لترك أبواب الحوار مفتوحة مع من لا يحملون السلاح، ومع من يرتضون بنتائج انتخابات مجلس النواب، ولهذا تواصل ليبيا اتصالاتها مع دول الجوار لمساعدتها في بسط الاستقرار والأمن والخروج من النفق المظلم الذي فرضته عليها الميليشيات المتطرفة.
وتعد تونس من بين دول الجوار المهمة بالنسبة لليبيا رغم وجود حزب النهضة الإخواني وزعيمه راشد الغنوشي في ذلك البلد. لكن رئيس البرلمان الليبي يتعامل بأريحية مع جارته ومع تصريحات الغنوشي الداعية للمصالحة، قائلا «تونس دولة جارة لنا، ولدينا نازحون ليبيون هناك، ولهذا نحن نشكرهم على عنايتهم بالأسر الليبية وعلاج الجرحى الليبيين. حتى بالنسبة لجماعة النهضة، وحسب ما نعلم، هي تؤيد الاستقرار وتؤيد المصالحة في ليبيا. كما أن السيد الغنوشي يدعو للمصالحة، وأذكر حين التقيت بفخامة الرئيس التونسي أكد لي أنه رجل ديمقراطي ويؤيد الشرعية والديمقراطية في ليبيا».
ويدير الشيخ عبد الله ابن قبيلة «ورفلة» رأسه يمينا ويسارا قبل أن أين يقول مجددا «ما زالوا يتجاهلوننا»، ويختفي في شارع الكورنيش المطل على الميناء، ومن هناك بدت أضواء السفن تنعكس على صفحة البحر، وهي تودع يوما استعدادا لاستقبال يوم جديد.

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الخامسة) خريطة ولاءات القبائل في الصراع مع المتطرفين
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.