إدغار موران... نقد {البربرية الرأسمالية} في الغرب

نشر مذكراته الضخمة على مشارف عامه المائة

إدغار موران
إدغار موران
TT

إدغار موران... نقد {البربرية الرأسمالية} في الغرب

إدغار موران
إدغار موران

بداية سوف أقول إن إدغار موران يمثل ظاهرة فريدة من نوعها. فهذا الرجل الذي اخترق القرن العشرين كله منذ ولادته عام 1921 لا يزال حياً يرزق حتى الآن. والشيء المدهش الذي يدعو للإعجاب حقاً هو أنه وصل إلى هذا العمر المتقدم وهو لا يزال في كامل ملكاته العقلية والنقلية. بل إنه يجوهر أكثر فأكثر إلى درجة أنه أصبح حكيم فرنسا والعالم كله في هذه اللحظات بالذات.
بالأمس فقط تحدث عن مشكلة هذا الفيروس المجرم الذي يرعب العالم بأسره، والذي لا أتجرأ على ذكر اسمه مجرد ذكر خوفاً منه وذعراً. وقال إن العالم بعده لن يكون كما كان قبله أو هكذا يأمل ويرجو. ودعا الغرب الرأسمالي المتغطرس إلى تغيير عاداته وأساليب حياته المتطرفة والمسرفة الغارقة في الشهوات والملذات الضرورية وغير الضرورية وعبادة العجل الذهبي. بل ودعا إلى انتهاج سياسة حضارية مختلفة كلياً عما سبق في كتاب مشهور بعنوان: «من أجل سياسة حضارية». وقال إنه لا حضارة من دون نزعة إنسانية تضامنية تحترم كرامة الإنسان وتتعاطف معه وتقيم العلاقات الأخوية بين جميع الأقوام والشعوب.
فنحن جميعاً نعيش على سطح هذا الكوكب الأرضي فإما أن نغرق معاً وإما أن ننجو معاً. وكارثة «كورونا» التي انقضت علينا فجأة أثبتت ذلك بكل وضوح. من أين جاءته كل هذه القوة والحيوية؟ العام المقبل سوف يصبح عمره مائة سنة بالتمام والكمال وهو لا يزال يكتب وينشر، بل ويحاضر في الجامعات والمؤتمرات. لا يزال يتحفنا بإضاءاته وأفكاره أمد الله في عمره. ونحن بأمس الحاجة إليها في الواقع.
سوف ألقي هنا نظرة سريعة على المذكرات الضخمة التي نشرها مؤخراً والتي تتجاوز الـ750 صفحة من القطع الكبير. وقد خلع عليها عنواناً شاعرياً جميلاً حقاً: الذكريات تأتي لملاقاتي... وقد اشتريتها من «مكتبة كليلة ودمنة» الواقعة في قلب العاصمة المغربية: الرباط العامرة. وفرحت بها كثيراً، بل وغطست فيها كلياً وأنا عائد في القطار إلى البيت في القنيطرة.

علاقته بأندريه بريتون
عندما قابل إدغار موران أندريه بريتون لأول مرة فوجئ بقوة شخصيته وجلالته الإمبراطورية. بدا له وكأنه يعتلي عرش السريالية كالملك المبجل. ولم يكن متوتراً غاضباً يوزع الشتائم يميناً وشمالاً كما كان يتوقع ويخشى. ومعلوم أن البيان الثاني للحركة السريالية كان ينضح بذلك. وكان مليئاً بالتهديد والوعد والوعيد. كان بريتون سابقاً يمارس سلطته بكل حزم ويهدد بفصل أي شخص يخرج عن المبادئ العامة للحركة التي غيرت وجه الآداب الفرنسية بل والعالمية بل والعربية. ولكن البركان الثائر هدأ بعد ذلك رويداً رويداً.
ويرى إدغار موران أن الحركة السريالية هي أهم حركة ثقافية ظهرت في القرن العشرين. فقد حررت الكتابة من كل أنواع القمع التي تحيط بها أو تضغط عليها وفتحت لها آفاق الإبداع على مصراعيها.
بل ووصل بها الأمر إلى حد ممارسة الكتابة الأتوماتيكية، أي العفوية الحرة المتحررة من رقابة الوعي الظاهري القمعي والتي تطلق العنان للوعي الباطني كلياً. عندما التقى إدغار موران به كان عمر أندريه بريتون 60 سنة وكان قد خاض كل التجارب الجنونية ووصل إلى مرحلة النضج والثقة الكاملة بالذات. وكان يقول هذه العبارة: لا يوجد أي حل أبداً خارج الحب.

كل شيء عابر في هذا العالم
ما عدا لحظة حب
وهذا يعني أنه كان قد تجاوز المراحل الأولى الانفجارية التي تشبه انفجار الزلازل والبراكين. وبدل اللعنات والشتائم انتصر مفهوم الحب بالمعنى الضيق والواسع على عالمه الفكري والأدبي. قبل أن يقابله راح إدغار موران يغطس كلياً في الأدبيات السريالية فقرأ البيان الأول والبيان الثاني للحركة وقرأ أيضاً أعداد مجلة «الثورة السريالية». ويعترف بأنها كانت غنية بالنصوص العبقرية. ثم يقول بأنه كان دائماً معجباً بشعار الحركة السريالية: ينبغي تغيير العالم! ينبغي تغيير الحياة! ويعترف أنه مدين لبريتون بالفكرة التالية التي طورها فيما بعد لحسابه الخاص: وهي أنه يوجد استقطاب ثنائي بين نثر الحياة - وشعر الحياة. بمعنى: هل تعيش الحياة نثرياً أم شعرياً؟ في الواقع أننا نعيشها في كلتا الحالتين، وبالتناوب... لا يمكننا أن نعيش الحياة كلها شعرياً وإلا لغرقنا في الهذيانات الخيالية والجنون وانقطعنا عن حركة الواقع كلياً. اللحظة الشعرية لا معنى لها إن لم تأتِ فجأة بعد لحظات نثرية طويلة، بل ورتيبة مملة. آه ما أجمل الحياة، ما أجمل شاعرية الحياة!

علاقته برولان بارت
لقد كانت علاقة ودية جميلة لا عدائية ولا صراعية على عكس الحال مع سارتر. يقول لنا إدغار موران ما فحواه: «كنا نلتقي كثيراً إبان الخمسينات من القرن الماضي. وفي أثناء الستينات راح ينخرط أكثر فأكثر في الاتجاهات السيميولوجية أو السيميائية. ثم سيطرت عليه الموجة البنيوية كسواه من النقاد الفرنسيين. وبالغوا في هذا الاتجاه وأسرفوا. وراحوا يعاملون الأدب بطريقة تشريحية جافة قتلت روحه وجعلته يبدو عقيماً مملاً. لقد أرادوا تحويل الأدب إلى علم ناشف وصارم وهذا مستحيل لأن روح الأدب ذاتية شاعرية مضادة لمنهجية العلم الحسابية الدقيقة الباردة. ولذلك كانت فرحتي عظيمة عندما تخلى عن البنيوية في سنواته الأخيرة وعاد إلى روح الأدب الحقيقية وراح يكتب مؤلفات من نوع: (متعة النص)». كم أسعدتني هذه الكلمات من طرف إدغار موران! كم أنعشتني! فأنا أيضاً كنت أرى البنيوية هكذا بالضبط. وأتذكر أني عندما وصلت إلى باريس لدراسة النقد الأدبي في أواخر السبعينات فاجأتني هذه المدرسة التكنولوجية ببرودتها الصقيعية وأزعجتني إلى أقصى حد ممكن. وقد كتبت عن ذلك سابقاً وعبرت عن استيائي من الموجة البنيوية التي طغت بكل إمبريالية متعجرفة على الساحة الباريسية أولاً فالساحة العربية ثانياً. البنيوية ليست إلا تطويراً لنظرية عبد القاهر الجرجاني العبقرية عن مفهوم «النظم». ما عدا ذلك لا ينبغي الإسراف فيها ونسيان متعة النص. لا ينبغي القضاء على جماليات النص من خلال هذا الإسراف البنيوي المليء بالشكليات الفارغة والجداول الإحصائية. يضاف إلى ذلك أن المثقفين الفرنسيين آنذاك راحوا يطلعون علينا بصرعات وشعارات من نوع: موت الإنسان، موت المؤلف، إلى آخره. وفي الوقت ذاته كانوا حريصين أشد الحرص على توقيع نصوصهم ومؤلفاتهم بأسمائهم الشخصية. فلماذا لم يطبقوا نظرية موت المؤلف على أنفسهم؟ لماذا كانوا حريصين على وضع أسمائهم الشخصية بحروف ساطعة وفاقعة على كتبهم؟ ما هذا الهراء؟ لحسن الحظ فإن كل ذلك قد انحسر الآن عن الساحة الباريسية وانتهى. «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

إدغار موران والحضارة الغربية
كنا نعتقد أن العالم الشرقي هو وحده المريض ولكننا اكتشفنا أن الغرب هو أيضاً مريض وإن بشكل آخر مختلف كلياً. فنحن نعاني من التطرف والإكراه في الدين والغيبيات والطائفيات التي تمزقنا تمزيقاً وتجعل وحدتنا الوطنية حلماً بعيد المنال. وهو يعاني من التطرف المعاكس الغارق في الإباحيات والماديات والركض المسعور وراء الشهوات والخروج كلياً على المثل العليا والروحانيات. تطرف وتطرف مضاد. تعددت الأسباب والموت واحد! يقول لنا إدغار موران ما معناه: صحيح أن المجتمعات الغربية تجاوزت مرحلة الأصولية الدينية بعد المرور بالمرحلة التنويرية ولكنها ولدت أصولية جديدة غير السابقة. صحيح أنها تجاوزت الطائفية والمذهبية ولم تعد تذبح على الهوية. ولكنها ولدت بربرية جديدة يمكن أن ندعوها بالبربرية الرأسمالية الصقيعية، أي بربرية الحسابات الباردة، والربح والفائدة، والتقنيات التكنولوجية. قل لي كم تملك في البنك أقل لك من أنت. لم تعد هناك قيمة أخرى تتعالى على الماديات والحسابات والملكيات. الإنسان أصبح مختزلاً إلى رقم حساب في البنك. فإذا كان كبيراً كان من أعظم الناس حتى ولو كان شخصاً حقيراً تافهاً لا يساوي «قشرة بصلة» من الناحية الأخلاقية والإنسانية. وإذا كان حسابه البنكي صغيراً فلا قيمة له في مجتمعات الغرب حتى ولو كان من أشرف الناس! صحيح أن الحضارة الحديثة حققت لمجتمعات الغرب المتقدمة إنجازات ضخمة ما كان يحلم بها آباؤنا وأجدادنا مجرد حلم: كالرفاهية المادية، ورغد العيش، والطب المزدهر المتفوق، والمستشفيات الرائعة، والضمان الصحي، والضمان الاجتماعي، والحكم الديمقراطي، وحرية التفكير والتعبير حتى في مجال المقدسات والشؤون الدينية. إلخ. وكلها أشياء عظيمة لا تقدر بثمن ولا يعرف قيمتها إلا من هو محروم منها (انظر عالمنا العربي والإسلامي عموماً). ولكننا اكتشفنا أن هذه الرفاهية المادية لا تجلب السعادة بالضرورة. لقد دفعنا ثمنها باهظاً من إرهاق نفسي عام، وكرب، وإسراف في الشراب والمخدرات، وفراغ داخلي، أو خواء داخلي عميق. هذا هو الإنسان الغربي.
وتنتج عن ذلك كل أنواع اليأس والعدمية بل وحتى الانتحار. وبالتالي فعلى المستوى الشخصي لا يزال الغربيون أنانيين، بل وبرابرة وإن من نوع آخر. والسؤال المطروح هو التالي: لماذا نجد أن البربرية مستعدة للانبثاق في أعماق الإنسان الحضاري الذي تجاوز مرحلة الأصوليات والظلاميات والقرون الوسطى المعتمات؟ لماذا يحصل ذلك في أرقى المجتمعات الغربية وأكثرها تقدماً من الناحية العمرانية والصناعية والمادية والتكنولوجية والحضارية؟ وجواب الفيلسوف الكبير إذا كنت قد فهمته جيداً هو التالي: لأن رسالة التعاطف الكونية، وفكرة الأخوة الإنسانية، وكل القيم المثالية العليا، لم تستطع الانتصار على النواة الصلبة للبربرية الداخلية الرابضة في أعماق الإنسان. شكراً إدغار موران!



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».