بايدن يستغل الأزمة الاقتصادية لإنعاش حملته

معسكره يستدعي خطته للتعامل مع الأزمة المالية العالمية ويتجاهل التفاصيل

بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
TT

بايدن يستغل الأزمة الاقتصادية لإنعاش حملته

بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)

كان جو بايدن قد أدى للتو اليمين لتولي منصب نائب الرئيس، وكان كل ما يحتاج إليه هو أن يجد عملاً. خلال حملته الرئاسية عام 2008، أكد باراك أوباما لبايدن أنه سيستشيره في جميع قراراته الرئيسية. لكن المقربين من الرجلين أكدوا أن الكثيرين في فريق الرئيس الجديد ما زالوا متشككين في بايدن، ولم يكن أوباما متأكداً من أن السيناتور السابق المهزوز يملك الانضباط الكافي ليكون شريكًا فعالًا في الحكم.
لذا عرض بايدن خلال مأدبة غداء خاصة في فبراير (شباط) 2009 مذكرة عبر الطاولة على أوباما حدد فيها دوراً ليمحو به تلك الشكوك، يتلخص في تنفيذ خطة تحفيز اقتصادي بلغت 787 مليار دولار مررها الكونغرس على مضض وبضغوط بعد بضعة أيام وسط حالة الركود. ويذكر أن أوباما قال، وهو بالكاد ينظر إلى المذكرة، بحسب شخصين اطلعا على ما جرى: «يبدو ذلك جيداً بالنسبة لي».
وبعد 11 عاماً، وفي موسم الانتخابات الذي شهد تفشي وباء «كورونا» والانهيار الاقتصادي وحزمة الإغاثة الأكبر بكثير، فإن حملة بايدن تتطلع إلى تعزيز زخمها مستلهمة ما جرى عام 2009 بوصفه حافزاً ونقطة تباين مع الرئيس دونالد ترمب، إذ يدفع البيت الأبيض تجاه العودة إلى إشراف الكونغرس على 2.7 تريليون دولار من الإنفاق الجديد، رغم ظهور مجموعة من المشكلات، خصوصاً الفوضى في برنامج القروض التجارية الصغيرة.
وقال ديفيد بلوف، كبير المستشارين السياسيين لأوباما وبديل بايدن، إن «السؤال الأساسي في هذه الانتخابات سيكون من هو الشخص الذي سيخرجنا من مأزق اقتصادي تاريخي؟ لذا فإن قيادته لقانون الإنعاش يجب أن تكون نقطة انطلاقه الأساسية».
وتعطي نظرة فاحصة إلى فترة السنتين الحرجة، استناداً إلى مقابلات مع 30 شخصاً شاركوا في هذا الجهد، لمحة لنقاط قوة بايدن كمدير ولحماسه، مع التركيز على التفاصيل في قيادة فريق من الطراز الأول قام بتحريك الأموال بسرعة وتقليل عمليات الاحتيال. وعلق رون كلاين، رفيق بايدن لفترة طويلة، في مقابلة بأن ذلك كان «اختبار كفاءة كبيراً».
لكن برنامج التحفيز يخبرنا بشأن بايدن كنائب رئيس أكثر مما يخبرنا عن حاله إذا أصبح رئيساً. ويشير مساعدون للرئيس إلى أن بايدن كان المفوض العام في خطة التحفيز وعرض على أوباما نصائح واقتراحات تكتيكية، لكنه لم يتطرق إلى أي من الموضوعات الاستراتيجية الرئيسية المتعلقة بحجم البرنامج وتكوينه. كما أنه لم يضغط بجدية على أوباما، كما يضغط الآن على ترمب، للحصول على حزمة تمويل أكبر، على الرغم من أن المسؤولين السابقين قالوا إنه اعترف بأن التحفيز كان صغيراً للغاية.
ومع ذلك، لم يكن هناك شيء غامض بشأن تأثير التحفيز على حظوظ بايدن السياسية. وقال راي لحود، عضو الكونغرس الجمهوري السابق الذي شغل منصب وزير النقل في عهد أوباما: «لكي أكون صادقا، فقد أفاده ذلك في عيون الشعب نوعاً ما».
ويقول جاريد برنشتاين، كبير المستشارين الاقتصاديين لبايدن خلال فترة رئاسة أوباما: «عندما تتفهم الأمر ستدرك أن المشكلة الكبرى هي أننا نجحنا في جعل الوضع أقل سوءاً، بدلاً من تحقيق الخير للناس، فكيف تقنع الناس بغير ذلك؟».
787 مليار دولار للإنفاق
وُلد برنامج التحفيز في يوم من أيام ديسمبر (كانون الأول) الذي انهمرت فيه الثلوج على مقر أوباما بشيكاغو، بعد أسابيع من انتخابات 2008. وكان هناك حديث سابق عن حزمة أصغر، لكن فريق أوباما الاقتصادي، بقيادة برنشتاين وكريستينا رومر، رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين، قال إن هناك حاجة لمئات المليارات على الفور لمنع حدوث كساد كبير.
ووفقاً لكلاين، رفيق بايدن، كانت الأولوية الأولى لنائب الرئيس السابق هي إنشاء هيكل إداري مركزي يهدف إلى تجنب حدوث نوع من الارتباك الذي أصاب حتى الآن درجة الاستجابة المالية لأزمة فيروس «كورونا» في عهد ترمب. وقام كلاين وفريقه بتقسيم مهمتهم إلى ثلاثة أجزاء: تحديد «المشاريع الجاهزة»، والتقليل من سوء استخدام التمويل، بما في ذلك تعقب المعاملات عبر الإنترنت، ومحاولة حشد حماس عام للمشروع.
ترك بايدن كثيرا من التدقيق الأولي للمشاريع لفريقه، وقضى معظم وقته في الضغط على العمد والمحافظين ومسؤولي مجلس الوزراء لتسريع العمل لخلق وظائف وزخم للإدارة المحاصرة.
وقال إدوارد ديسيف، اختصاصي الرقابة الفيدرالي المخضرم الذي عينه بايدن، إن «صبر بايدن كان قد نفد في البداية. لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لفهم مدى ضخامة المهمة المطلوبة لإدارة قضايا بهذا الحجم».
وأدت الرغبة في السرعة إلى انهيار «سوليندرا»، وهي شركة مصنعة للألواح الشمسية مقرها كاليفورنيا أفلست بعد حصولها على 527 مليون دولار من ضمانات القروض، فيما بات محور جهود الجمهوريين لتشويه سمعة برنامج التحفيز.
وأشار مستشارو بايدن بأصابع اللوم إلى الصين بسبب إغراقها الأسواق بألواح رخيصة. لكن مكتب المساءلة الحكومية غير الحزبي الذي وصف عملية المراجعة المتسرعة بأنها «مقلقة»، خلص إلى أن وزارة الطاقة أعطت الموافقات الأولية على القروض قبل استكمال التقييمات التفصيلية لمشاريع الشركة.
لذلك كانت الحلقة استثناءً على غير المعتاد. وبحلول سبتمبر (أيلول) 2010 خلصت لجنة لرصد مزاعم الاحتيال وإساءة المعاملة إلى أن معدلات الهدر والاحتيال في برنامج التحفيز كانت 0.2 في المائة. ولم يعارض المحققون الجمهوريون في الكونغرس هذه النتيجة بجدية، ولم يجد تحقيق الكونغرس الذي استمر 18 شهراً في «سوليندرا» أي دليل على سوء التصرف أو المحسوبية.
التأثير السياسي المختلط
ومع ذلك، فقد جعل هجوم الجمهوريين المتتالي البرنامج مسؤولية سياسية. وجاء الهجوم الأكثر حدة من أصدقاء الرئيس، ونائب الرئيس السيناتور توم كوبورن والسيناتور جون ماكين، اللذين بدآ في البحث عن المشاريع التي اعتبراها سخيفة أو مسرفة، بما في ذلك دورة رقص عبر الإنترنت ودراسة لآثار الكوكايين على القرود.
وبحلول خريف 2009، بدأ الرأي الخارجي يتحدد، وهو أن برنامج التحفيز له قيمة اقتصادية كبيرة ولكن قيمته السياسية ضعيفة. وفي الوقت نفسه، كان هناك رأي داخلي هو أنه يمكن الوثوق بجو بايدن، على الأقل داخل الحزب. وكتبت السيناتور إليزابيث وارن التي أشارت إلى التحفيز في تأييدها الأخير لبايدن، في رسالة بريد إلكتروني: «لقد قاده جو بنزاهة، في تناقض هائل مع الإدارة الحالية».
ورفض ترمب الذي انهارت خطته للبنية التحتية الوطنية عام 2017 بسبب عدم الانتباه والتخطيط المشوش، ما قام به بايدن في التحفيز، وصرح الشهر الماضي قائلاً: «لم أسمع بأي شيء تم بناؤه».
وتختلف حزمتا الإنقاذ من فيروس «كورونا» عن برنامج التحفيز في أوجه عدة مهمة، أبرزها أنه قد جرى إرسال معظم الأموال مباشرة إلى دافعي الضرائب والشركات. ورغم ذلك، فقد شكل كلاهما دعامة ضد الكارثة الاقتصادية، واحتوى القانون الجديد أحكاماً للمساءلة على غرار قانون عام 2009.
لكن ترمب لم يحرص على الرقابة كما فعلت الإدارة السابقة، كما أنه لم يكلف نائب الرئيس مايك بنس بمهام المراقبة التي قام بها بايدن، تاركاً المهمة لمختلف مسؤولي الإدارة مثل وزير الخزانة ستيفن منوتشين. لكن هذا لم يكن بالحمل الثقيل على بايدن.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».