«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

ازدهار التعليم الإلكتروني وتوسع المعارض الافتراضية

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة
TT

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

خمسة أشهر مرت على بداية ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، ليفرض الفيروس خلال تلك الفترة واقعاً جديدا في مختلف المجالات، ويبدو أن هذا الواقع لن يتغير على المدى القريب، بعد أن اختار العالم سيناريو التعايش معه.
وتسببت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها الفيروس، وعدم الوصول إلى لقاح حتى الآن، في انضمام دول عربية عدة إلى هذا التوجه العالمي، الذي سيفرض واقعا جديدا ومختلفا في شتى المجالات، وعلى رأسها مجال الصحة.

قطاع الصحة
وضخت الحكومات العربية المزيد من الأموال في هذا القطاع منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بل وفرضت الأزمة تعديلات جوهرية على موازنات الأعوام القادمة، ليصبح شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الصحة».
وأعلنت أكثر من دولة عربية ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، بعد أن صار التعايش مع الفيروس خيارا حتميا ستلجأ له دول العالم، بعد تقارير تتحدث عن أنه لن يكون هناك لقاح ضد كورونا قبل عام على الأقل. كان وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية في 7 أبريل (نيسان) الماضي، بأن وزارته تلقت «دعما من الدولة منذ بداية الأزمة حتى الآن بقيمة 15 مليار ريال، تم تخصيصها لتأمين الأدوية وتشغيل الأسرة الإضافية وشراء الأجهزة الطبية والمستلزمات الصحية وتأمين الكوادر الطبية من داخل وخارج المملكة». ولفت الربيعة في التصريحات ذاتها، إلى أن وزارته رفعت طلبات إلى نهاية السنة بقيمة 32 مليار ريال فوق المبالغ المخصصة سابقا، وقال بأن الصحة السعودية تلقت الموافقة عليها.
ومنذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، خصصت وزارة المالية المصرية 3.8 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.6 جنيه في المتوسط) بغرض تلبية الاحتياجات الملحة والحتمية من الأدوية والمستلزمات الطبية لتمكين هذا القطاع الحيوي من اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية لفيروس «كورونا المستجد»، وصرف مكافآت تشجيعية للأطقم الطبية، كما ستشهد ميزانية القطاع الصحي للعام المالي 2020 - 2021 الذي سيبدأ في شهر يوليو (تموز) القادم، أكبر زيادة في تاريخها حيث ستصل إلى 95.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 23.4 مليار جنيه، وفق ما أعلن وزير المالية المصري د.محمد معيط في تصريحات صحافية. في مارس الماضي.
وأعلنت وزارة المالية بالمغرب هي الأخرى إن المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا.
ويقول الدكتور محمد خالد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الطب جامعة أسيوط (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة موارد الصحة، تعكس إدراك الحكومات لتبعات إجراءات تخفيف القيود التي تم فرضها منذ بداية الأزمة، واتجاهها للمرحلة الثانية لمواجهة الوباء، وهي التعايش معه.
ورغم تعبير «منظمة الصحة العالمية» عن قلقها من أن يكون مثل هذا القرار متسرعاً، إلا أنها لا تنكر على كل دولة حقها في اتخاذ ما تراه مناسبا لظروفها وقدرتها على تحمل قرارات الإغلاق التام، شريطة أن يكون نظامها الصحي قادرا على استيعاب حالات الإصابة المتوقعة عند تخفيف القيود، كما يجب أن يكون هناك تحديد للمجموعات الأكثر عرضة للخطر، وتجرى فحوصات دائمة لهذه المجموعات وتكثيف التوعية بينها للالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي.
ويوضح خالد، أن «الإجراءات التي تم الإعلان عنها في أكثر من دولة عربية أخيراً تكشف عن إدراكها للتحديات التي تشير إليها هذه الشروط التي حددتها منظمة الصحة العالمية، والتي تظهر ملامحها واضحة في أكثر من دولة خلال الفترة الأخيرة مع تنفيذ بعض إجراءات تخفيف القيود».
وحولت مصر العديد من المدن الجامعية ونزل الشباب إلى مستشفيات عزل لاستقبال حالات الإصابة بالفيروس، كما أعدت وزارة السياحة في السعودية دور ضيافة تشرف عليها وزارة الصحة، لاستخدامها في الحجر الصحي للحالات المشتبه فيها، وفي الإمارات أعلنت شركة أبوظبي للخدمات الصحية في 22 أبريل (نيسان) الماضي عن تجهيز ثلاثة مستشفيات ميدانية في مناطق مختلفة بأبوظبي، كما قررت هيئة الصحة بدبي تحويل مركز التجارة العالمي إلى مستشفى ميداني لمصابي فيروس كورونا، بسعة 3000 سرير، 800 منها مخصصة للعناية المركزة.
لكن بعدا آخر مهما يلفت إليه د. محمد علي عز العرب، مستشار «المركز المصري للحق في الدواء»، والذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يخشى من أن انخراط الأنظمة الصحة في مواجهة كورونا قد ينسيها الأمراض الأخرى، كما أن الخوف من العدوى قد يتسبب في عزوف بعض المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات».
وظهرت هذه المشكلة فب أكثر من دولة ومنها تونس، حيث قال الصحبي بن فرج، النائب السابق في البرلمان التونسي على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن «هناك ارتفاعا غير عادي في حالات الوفاة في أوساط المتقاعدين، خلال الفترة بين 6 و21 أبريل الماضي. وعزا الارتفاع إلى حدوث تدهور في صحة المرضى العاديين من غير المصابين بكورونا بسبب صعوبة التنقل ومراجعة الأطباء وتوقف العمل في العيادات الخارجية والأقسام الطبية لأسابيع طويلة، نظرا لتجنيد المنظومة الصحية بصفة شبه حصرية لمقاومة كورونا.
وأبدت «منظمة الصحة العالمية» مخاوفها من نفس المشكلة، ولكن في قطاع التطعيمات، وحذرت مع بداية الأسبوع العالمي للتطعيمات، والذي يبدأ في الفترة من 24 وينتهى في 30 أبريل من كل عام، من أن إغلاق خدمات التحصين في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا، حيث قد يؤدي إلى عودة ظهور الأمراض التي يمكن منعها باستخدام لقاحات آمنة وفعالة، مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة.
وبالإضافة إلى المخاوف من عودة تلك الفاشيات، يخشى عز العرب من التأثيرات النفسية لمتابعة أعداد الإصابات بالفيروس، وقال «علينا الأخذ بنصائح وإرشادات دراسة أعدتها جامعة أكسفورد البريطانية، وأهمها أخذ استراحة من مشاهدة الأخبار أو الاستماع إليها».
وأدركت أكثر من دولة هذا الواقع النفسي الذي يفرضه الفيروس، وأعلنت أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة المصرية في نهاية الشهر الماضي عن حملة «احمي النفسية»، والتي تم خلالها تنظيم دورة تدريبية عن بعد عبر الإنترنت، لتدريب الأطباء وطواقم التمريض واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، على تقديم الدعم النفسي للمواطنين.

معارض افتراضية
لجوء أمانة الصحة النفسية بوزارة الصحة المصرية إلى عقد التدريب عن بعد، ليس اختراعا خاصاً بها، بل سيصبح سمة من سمات عصر التعايش مع كورونا، لا سيما أن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا الفيروس سيستمر مع البشرية لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بقوله «الجائحة أبعد ما تكون عن الانتهاء»، وذلك في مؤتمر صحافي بمقر المنظمة بجينيف يوم 27 أبريل الماضي.
وأدركت الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات هذا الواقع الجديد، ونظم فرعها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤتمرا من خلال تقنية الاجتماعات الافتراضية في 21 أبريل الماضي بعنوان «التحديات والحلول وأثرها على صناعة المعارض ومستقبل العاملين بها»، واتفق 250 مشاركاً من مختلف دول المنطقة، على دعم الأحداث الافتراضية في الفترة الحالية، تمهيداً لاعتمادها كداعم مستقبلي للفعاليات.
ودعا الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة، وعضو الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيف محمد المدفع، خلال مشاركته في المنتدى، إلى إعادة تعريف طريقة إقامة المعارض من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، كما دعا إلى الابتكار في تنظيم المؤتمرات والمعارض عبر إيجاد منصات رقمية ذكية لتنظيم معارض افتراضية خلال المرحلة الراهنة.
وقبل نحو ستة أشهر من معرض القاهرة الدولي للابتكار، والذي يقام في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، استجابت أكاديمية البحث العلمي المصرية، الجهة المنظمة للمؤتمر، لما دعا له الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة.
وقال الدكتور محمود صقر رئيس الأكاديمية في بيان صحافي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، بأن الدورة القادمة للمعرض ستكون افتراضية، وأنهم درسوا الموضوع من كل الجوانب واستمعوا إلى خبراء في المجال من مصر ومن الهند.
ووصف هذا التحدي بأنه عملية تقنية ليست سهلة، لا سيما أنهم يريدون الحفاظ على نفس برامج المعرض عند إقامته افتراضيا، من حيث مشاركة آلاف الابتكارات والاختراعات من مصر والعالم، وتنظيم العديد من ورش العمل والبرامج التدريبية واللقاءات التسويقية وتنظيم محاضرات لكبار الخبراء في مجال إدارة الابتكار والتسويق التكنولوجي والملكية الفكرية والثقافة العلمية، بالإضافة إلى قيام لجان التقييم بالتجول في المعرض للتقييم الفني والاقتصادي للاختراعات ومناقشة المبتكرين في ابتكاراتهم المعروضة، واختيار أفضلها للفوز بجوائز المعرض.
وربما جاء هذا القرار المبكر من أكاديمية البحث العلمي بعد نجاح أول فاعلية أقامتها افتراضيا خلال شهر أبريل الماضي، وكانت «هاكاثون افتراضي لوضع حلول تكنولوجية وصناعية لبعض الأزمات التي أثارها فيروس كورونا. والهاكثون يعني تجمع متخصصي التكنولوجيا على نحو مكثف لوضع حلول لمشكلة ما، ولأن الفيروس فرض إجراءات التباعد الاجتماعي تم عقده افتراضيا، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، بل واعتبر المشاركون بأول هاكثون افتراضي أن التعود على مثل هذا النمط من إقامة الفعاليات، ربما يكون وجها إيجابيا للواقع الجديد الذي يفرضه فيروس كورونا.
ويقول أحمد رضوان، صاحب أحد الأفكار التي عرضت بـ«الهاكثون» لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأخرنا كثيرا في التعود على مثل هذا النمط من الفعاليات، وربما يكون فيروس كورونا دافعا لنا على ذلك».
ويلخص رضوان أبرز مزايا الهاكثون الافتراضي مضيفا: «تركيز أكبر في المهمة، مقارنة بالشكل التقليدي، حيث يضيع التركيز بسبب كثافة الحضور في مكان واحد، استثمار أعلى للوقت، حيث تتأجل بعض أحداث الفعاليات التقليدية لبعض الوقت انتظارا لحضور خبير أو مسؤول، وهذا لا يحدث في الشكل الافتراضي».

رقمنة الحياة
ولا يقتصر التغيير الذي أحدثه فيروس كورونا على مجرد فاعلية أو مؤتمر تعقد بشكل افتراضي، بل إن هذا التوجه سيصبح نمط معيشة، فيما يمكن أن نسميه بـ«رقمنة الحياة»، فالبيع والشراء والتعليم والسياحة، بل وحتى العلاقات الاجتماعية ستصبح رقمية.
ويقول إيهاب سعيد، رئيس الشعبة العامة لمراكز الاتصالات باتحاد الغرف التجارية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة وإن كان لها تبعات اقتصادية سلبية على عده قطاعات، إلا أن الوجه الإيجابي لها، هو المساهمة في التحول الرقمي بكل مناحي الحياه في أغلب الدول العربية.
وتغيرت الثقافة العامة للمجتمعات العربية بشكل إلزامي نحو البيع والشراء من خلال الإنترنت، حيث سجلت مبيعات التجارة الإلكترونية نموا بمعدل 20 في المائة في الربع الأول من عام 2020. مقارنة بمعدل 12 في المائة من الفترة ذاتها من عام 2019. كما أعلنت الدول عن برامج تعليم عن بعد لتحفيف الأضرار على الطلاب المتضررين من الإغلاق الكلي للمدارس، والذي تقدر منظمة اليونيسكو عددهم بنحو 291 مليون طالب في العالم.
وشدد سعيد، على أن هذا التغيير الذي فرضه فيروس كورونا، ينبغي أن يسايره تطوير في الجهاز الإداري ببعض الدول التي لا تزال تحبو في مجال الرقمنة، وهو ما يقتضي ضرورة تدريب الموظفين على وسائل الاتصال الحديثة.
وتحركت وزارات التعليم في أغلب الدول العربية سريعا في هذا الملف الإداري الذي أشار إليه سعيد، حيث قامت بتدريب معلميها على تقنيات التدريس عن بعد، ونفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات برنامج تدريب تخصصي عن بعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة إلى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، وركز التدريب على تحقيق مجتمعات تعلم افتراضية تعزز من قدرات المعلم على إدارة العملية التعليمية عن بعد، كما قال بيان صحافي للوزارة نقلته وكالة الأنباء الإمارتية يوم 22 مارس (آذار) الماضي.
كما أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية، موقع «بنك المعرفة» على شبكة الإنترنت، لتمكين الطلاب من متابعة المناهج الدراسية والتواصل مع معلميهم عن بعد، وأطلقت وزارة التربية والتعليم في الأردن منصة https://teachers.gov.jo/، لتدريب المعلمين على تقنيات التعلم عن بعد.
السياحة والعلاقات الاجتماعية
وامتد الواقع الافتراضي إلى قطاع السياحة، الذي وجد في التقنيات الافتراضية وسيلة ترويجية هامة تسمح لمستخدمي الإنترنت بالتجول في المناطق الأثرية افتراضيا، لعل ذلك يكون دافعا لهم لزيارة تلك الأماكن الأثرية عند فتحها للجمهور مجددا.
وأطلقت وزارة السياحة والآثار المصرية، مبادرة لزيارة المناطق الأثرية بشكل افتراضي عبر الإنترنت، حيث تقوم الوزارة بتنظيم جولات افتراضية داخل مواقع ومساجد وأديرة أثرية، بعد تأثر قطاع السياحة بسبب إجراءات مواجهة وباء كورونا، التي أدت إلى إغلاق المناطق الأثرية والفنادق.
وكانت خدمات الجولات الافتراضية للعديد من المعالم والمتاحف ومراكز التسوق في دبي متاحة قبل أزمة كورونا، ولكن الأزمة أعطت هذه الخدمات زخما كبيرا، حيث باتت وسيلة الجمهور الأساسية للاطلاع على المعالم السياحية في دبي والعالم.
ومع تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، يشدد الخبراء على أن العودة بنفس السلوكيات القديمة من حيث المصافحة باليد والأحضان، قد يؤدي إلى موجات تالية من الإصابة بالفيروس.
ويتوقع الخبراء أن يفرض هذا الفيروس لحين تمكن العلماء من إنجاز لقاح للتحصين ضده، شكلا جديدا من العلاقات الاجتماعية، تصبح افتراضية مثل كثير من مجالات الحياه.
وقالت شركة الاتصالات السعودية stc في 25 مارس (آذار) الماضي، بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي شهدت نموا بمعدل 73 في المائة، وأفادت شركة أبحاث السوق Kantar إن تطبيق التراسل الفوري واتساب شهد زيادة كبيرة في الاستخدام في ظل التدابير المتخذة في جميع أنحاء العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 25 ألف مستهلك في 30 سوقا خلال المدة من 14 إلى 24 مارس الماضي، فإن تطبيق واتساب شهد زيادة في الاستخدام بنسبة 40 في المائة.

تأثيرات وتداعيات
وإذا كان قطاع الاتصالات قد شهد نموا بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن قطاع الصناعة على النقيض تماما قد تعرض لتأثيرات سلبية قاتلة بسبب توقف حركة الطيران وتأثيرات ذلك على استيراد مكونات الصناعة، وتصدير المنتج النهائي.
وقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حدوث انخفاض قدره 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير (شباط) وحده، بسبب فيروس كورونا، وذلك وفق تقرير نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة» في 4 مارس الماضي، وتشمل الصناعات الأكثر تضرراً من هذا الانخفاض «صناعة الأدوات الدقيقة وصناعة الآلات ومعدات السيارات وصناعة أجهزة الاتصالات».
ويعد قطاع السيارات من أبرز القطاعات المتضررة على مستوى العالم، وتوقع مسح حديث أعدته مؤسسة «Market» للأبحاث السوقية تراجع مبيعات السيارات في العالم بنحو 12 في المائة خلال العام الجاري، وكشف المسح أن مبيعات السيارات حول العالم قد تسجل نحو 8.78 مليون وحدة خلال 2020 بانخفاض نسبته 12 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع هبوط بنسبة 8 في المائة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
ورغم هذه السلبيات القاتلة، يرى الخبير الاقتصادي د. خالد محمدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تخلق واقعا اقتصاديا جديدا، عن طريق الاستفادة من هذه المحنة في تحقيق خطوات ملموسة نحو تعميق المنتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يمكن أن تساعد في اقتحام أسواق جديدة بديلة للدول التي تعاني من موقف وبائي أشد خطورة.
ويبدو حال قطاع الزراعة والغذاء أخف وطأة من الصناعة، فحتى الآن لا تزال التأثيرات في حدها الأدنى، بسبب كفاية الإمدادات الغذائية ووجود مخزون من القمح والمحاصيل الرئيسية الأخرى، ولكن إذا استمرت إجراءات إغلاق الطرق بسبب القيود التي فرضها فيروس كورونا خلال شهر مايو (أيار) الجاري، فقد تحدث اضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، كما يقول نصر الدين حاج الأمين، ممثل منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في مصر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». ويضيف إن إغلاقات طرق النقل قد تتسبب في زيادة مستويات فقد وهدر الغذاء، لا سيما في السلع سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.



عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.