«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

ازدهار التعليم الإلكتروني وتوسع المعارض الافتراضية

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة
TT

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

خمسة أشهر مرت على بداية ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، ليفرض الفيروس خلال تلك الفترة واقعاً جديدا في مختلف المجالات، ويبدو أن هذا الواقع لن يتغير على المدى القريب، بعد أن اختار العالم سيناريو التعايش معه.
وتسببت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها الفيروس، وعدم الوصول إلى لقاح حتى الآن، في انضمام دول عربية عدة إلى هذا التوجه العالمي، الذي سيفرض واقعا جديدا ومختلفا في شتى المجالات، وعلى رأسها مجال الصحة.

قطاع الصحة
وضخت الحكومات العربية المزيد من الأموال في هذا القطاع منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بل وفرضت الأزمة تعديلات جوهرية على موازنات الأعوام القادمة، ليصبح شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الصحة».
وأعلنت أكثر من دولة عربية ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، بعد أن صار التعايش مع الفيروس خيارا حتميا ستلجأ له دول العالم، بعد تقارير تتحدث عن أنه لن يكون هناك لقاح ضد كورونا قبل عام على الأقل. كان وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية في 7 أبريل (نيسان) الماضي، بأن وزارته تلقت «دعما من الدولة منذ بداية الأزمة حتى الآن بقيمة 15 مليار ريال، تم تخصيصها لتأمين الأدوية وتشغيل الأسرة الإضافية وشراء الأجهزة الطبية والمستلزمات الصحية وتأمين الكوادر الطبية من داخل وخارج المملكة». ولفت الربيعة في التصريحات ذاتها، إلى أن وزارته رفعت طلبات إلى نهاية السنة بقيمة 32 مليار ريال فوق المبالغ المخصصة سابقا، وقال بأن الصحة السعودية تلقت الموافقة عليها.
ومنذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، خصصت وزارة المالية المصرية 3.8 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.6 جنيه في المتوسط) بغرض تلبية الاحتياجات الملحة والحتمية من الأدوية والمستلزمات الطبية لتمكين هذا القطاع الحيوي من اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية لفيروس «كورونا المستجد»، وصرف مكافآت تشجيعية للأطقم الطبية، كما ستشهد ميزانية القطاع الصحي للعام المالي 2020 - 2021 الذي سيبدأ في شهر يوليو (تموز) القادم، أكبر زيادة في تاريخها حيث ستصل إلى 95.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 23.4 مليار جنيه، وفق ما أعلن وزير المالية المصري د.محمد معيط في تصريحات صحافية. في مارس الماضي.
وأعلنت وزارة المالية بالمغرب هي الأخرى إن المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا.
ويقول الدكتور محمد خالد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الطب جامعة أسيوط (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة موارد الصحة، تعكس إدراك الحكومات لتبعات إجراءات تخفيف القيود التي تم فرضها منذ بداية الأزمة، واتجاهها للمرحلة الثانية لمواجهة الوباء، وهي التعايش معه.
ورغم تعبير «منظمة الصحة العالمية» عن قلقها من أن يكون مثل هذا القرار متسرعاً، إلا أنها لا تنكر على كل دولة حقها في اتخاذ ما تراه مناسبا لظروفها وقدرتها على تحمل قرارات الإغلاق التام، شريطة أن يكون نظامها الصحي قادرا على استيعاب حالات الإصابة المتوقعة عند تخفيف القيود، كما يجب أن يكون هناك تحديد للمجموعات الأكثر عرضة للخطر، وتجرى فحوصات دائمة لهذه المجموعات وتكثيف التوعية بينها للالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي.
ويوضح خالد، أن «الإجراءات التي تم الإعلان عنها في أكثر من دولة عربية أخيراً تكشف عن إدراكها للتحديات التي تشير إليها هذه الشروط التي حددتها منظمة الصحة العالمية، والتي تظهر ملامحها واضحة في أكثر من دولة خلال الفترة الأخيرة مع تنفيذ بعض إجراءات تخفيف القيود».
وحولت مصر العديد من المدن الجامعية ونزل الشباب إلى مستشفيات عزل لاستقبال حالات الإصابة بالفيروس، كما أعدت وزارة السياحة في السعودية دور ضيافة تشرف عليها وزارة الصحة، لاستخدامها في الحجر الصحي للحالات المشتبه فيها، وفي الإمارات أعلنت شركة أبوظبي للخدمات الصحية في 22 أبريل (نيسان) الماضي عن تجهيز ثلاثة مستشفيات ميدانية في مناطق مختلفة بأبوظبي، كما قررت هيئة الصحة بدبي تحويل مركز التجارة العالمي إلى مستشفى ميداني لمصابي فيروس كورونا، بسعة 3000 سرير، 800 منها مخصصة للعناية المركزة.
لكن بعدا آخر مهما يلفت إليه د. محمد علي عز العرب، مستشار «المركز المصري للحق في الدواء»، والذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يخشى من أن انخراط الأنظمة الصحة في مواجهة كورونا قد ينسيها الأمراض الأخرى، كما أن الخوف من العدوى قد يتسبب في عزوف بعض المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات».
وظهرت هذه المشكلة فب أكثر من دولة ومنها تونس، حيث قال الصحبي بن فرج، النائب السابق في البرلمان التونسي على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن «هناك ارتفاعا غير عادي في حالات الوفاة في أوساط المتقاعدين، خلال الفترة بين 6 و21 أبريل الماضي. وعزا الارتفاع إلى حدوث تدهور في صحة المرضى العاديين من غير المصابين بكورونا بسبب صعوبة التنقل ومراجعة الأطباء وتوقف العمل في العيادات الخارجية والأقسام الطبية لأسابيع طويلة، نظرا لتجنيد المنظومة الصحية بصفة شبه حصرية لمقاومة كورونا.
وأبدت «منظمة الصحة العالمية» مخاوفها من نفس المشكلة، ولكن في قطاع التطعيمات، وحذرت مع بداية الأسبوع العالمي للتطعيمات، والذي يبدأ في الفترة من 24 وينتهى في 30 أبريل من كل عام، من أن إغلاق خدمات التحصين في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا، حيث قد يؤدي إلى عودة ظهور الأمراض التي يمكن منعها باستخدام لقاحات آمنة وفعالة، مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة.
وبالإضافة إلى المخاوف من عودة تلك الفاشيات، يخشى عز العرب من التأثيرات النفسية لمتابعة أعداد الإصابات بالفيروس، وقال «علينا الأخذ بنصائح وإرشادات دراسة أعدتها جامعة أكسفورد البريطانية، وأهمها أخذ استراحة من مشاهدة الأخبار أو الاستماع إليها».
وأدركت أكثر من دولة هذا الواقع النفسي الذي يفرضه الفيروس، وأعلنت أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة المصرية في نهاية الشهر الماضي عن حملة «احمي النفسية»، والتي تم خلالها تنظيم دورة تدريبية عن بعد عبر الإنترنت، لتدريب الأطباء وطواقم التمريض واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، على تقديم الدعم النفسي للمواطنين.

معارض افتراضية
لجوء أمانة الصحة النفسية بوزارة الصحة المصرية إلى عقد التدريب عن بعد، ليس اختراعا خاصاً بها، بل سيصبح سمة من سمات عصر التعايش مع كورونا، لا سيما أن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا الفيروس سيستمر مع البشرية لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بقوله «الجائحة أبعد ما تكون عن الانتهاء»، وذلك في مؤتمر صحافي بمقر المنظمة بجينيف يوم 27 أبريل الماضي.
وأدركت الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات هذا الواقع الجديد، ونظم فرعها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤتمرا من خلال تقنية الاجتماعات الافتراضية في 21 أبريل الماضي بعنوان «التحديات والحلول وأثرها على صناعة المعارض ومستقبل العاملين بها»، واتفق 250 مشاركاً من مختلف دول المنطقة، على دعم الأحداث الافتراضية في الفترة الحالية، تمهيداً لاعتمادها كداعم مستقبلي للفعاليات.
ودعا الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة، وعضو الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيف محمد المدفع، خلال مشاركته في المنتدى، إلى إعادة تعريف طريقة إقامة المعارض من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، كما دعا إلى الابتكار في تنظيم المؤتمرات والمعارض عبر إيجاد منصات رقمية ذكية لتنظيم معارض افتراضية خلال المرحلة الراهنة.
وقبل نحو ستة أشهر من معرض القاهرة الدولي للابتكار، والذي يقام في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، استجابت أكاديمية البحث العلمي المصرية، الجهة المنظمة للمؤتمر، لما دعا له الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة.
وقال الدكتور محمود صقر رئيس الأكاديمية في بيان صحافي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، بأن الدورة القادمة للمعرض ستكون افتراضية، وأنهم درسوا الموضوع من كل الجوانب واستمعوا إلى خبراء في المجال من مصر ومن الهند.
ووصف هذا التحدي بأنه عملية تقنية ليست سهلة، لا سيما أنهم يريدون الحفاظ على نفس برامج المعرض عند إقامته افتراضيا، من حيث مشاركة آلاف الابتكارات والاختراعات من مصر والعالم، وتنظيم العديد من ورش العمل والبرامج التدريبية واللقاءات التسويقية وتنظيم محاضرات لكبار الخبراء في مجال إدارة الابتكار والتسويق التكنولوجي والملكية الفكرية والثقافة العلمية، بالإضافة إلى قيام لجان التقييم بالتجول في المعرض للتقييم الفني والاقتصادي للاختراعات ومناقشة المبتكرين في ابتكاراتهم المعروضة، واختيار أفضلها للفوز بجوائز المعرض.
وربما جاء هذا القرار المبكر من أكاديمية البحث العلمي بعد نجاح أول فاعلية أقامتها افتراضيا خلال شهر أبريل الماضي، وكانت «هاكاثون افتراضي لوضع حلول تكنولوجية وصناعية لبعض الأزمات التي أثارها فيروس كورونا. والهاكثون يعني تجمع متخصصي التكنولوجيا على نحو مكثف لوضع حلول لمشكلة ما، ولأن الفيروس فرض إجراءات التباعد الاجتماعي تم عقده افتراضيا، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، بل واعتبر المشاركون بأول هاكثون افتراضي أن التعود على مثل هذا النمط من إقامة الفعاليات، ربما يكون وجها إيجابيا للواقع الجديد الذي يفرضه فيروس كورونا.
ويقول أحمد رضوان، صاحب أحد الأفكار التي عرضت بـ«الهاكثون» لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأخرنا كثيرا في التعود على مثل هذا النمط من الفعاليات، وربما يكون فيروس كورونا دافعا لنا على ذلك».
ويلخص رضوان أبرز مزايا الهاكثون الافتراضي مضيفا: «تركيز أكبر في المهمة، مقارنة بالشكل التقليدي، حيث يضيع التركيز بسبب كثافة الحضور في مكان واحد، استثمار أعلى للوقت، حيث تتأجل بعض أحداث الفعاليات التقليدية لبعض الوقت انتظارا لحضور خبير أو مسؤول، وهذا لا يحدث في الشكل الافتراضي».

رقمنة الحياة
ولا يقتصر التغيير الذي أحدثه فيروس كورونا على مجرد فاعلية أو مؤتمر تعقد بشكل افتراضي، بل إن هذا التوجه سيصبح نمط معيشة، فيما يمكن أن نسميه بـ«رقمنة الحياة»، فالبيع والشراء والتعليم والسياحة، بل وحتى العلاقات الاجتماعية ستصبح رقمية.
ويقول إيهاب سعيد، رئيس الشعبة العامة لمراكز الاتصالات باتحاد الغرف التجارية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة وإن كان لها تبعات اقتصادية سلبية على عده قطاعات، إلا أن الوجه الإيجابي لها، هو المساهمة في التحول الرقمي بكل مناحي الحياه في أغلب الدول العربية.
وتغيرت الثقافة العامة للمجتمعات العربية بشكل إلزامي نحو البيع والشراء من خلال الإنترنت، حيث سجلت مبيعات التجارة الإلكترونية نموا بمعدل 20 في المائة في الربع الأول من عام 2020. مقارنة بمعدل 12 في المائة من الفترة ذاتها من عام 2019. كما أعلنت الدول عن برامج تعليم عن بعد لتحفيف الأضرار على الطلاب المتضررين من الإغلاق الكلي للمدارس، والذي تقدر منظمة اليونيسكو عددهم بنحو 291 مليون طالب في العالم.
وشدد سعيد، على أن هذا التغيير الذي فرضه فيروس كورونا، ينبغي أن يسايره تطوير في الجهاز الإداري ببعض الدول التي لا تزال تحبو في مجال الرقمنة، وهو ما يقتضي ضرورة تدريب الموظفين على وسائل الاتصال الحديثة.
وتحركت وزارات التعليم في أغلب الدول العربية سريعا في هذا الملف الإداري الذي أشار إليه سعيد، حيث قامت بتدريب معلميها على تقنيات التدريس عن بعد، ونفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات برنامج تدريب تخصصي عن بعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة إلى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، وركز التدريب على تحقيق مجتمعات تعلم افتراضية تعزز من قدرات المعلم على إدارة العملية التعليمية عن بعد، كما قال بيان صحافي للوزارة نقلته وكالة الأنباء الإمارتية يوم 22 مارس (آذار) الماضي.
كما أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية، موقع «بنك المعرفة» على شبكة الإنترنت، لتمكين الطلاب من متابعة المناهج الدراسية والتواصل مع معلميهم عن بعد، وأطلقت وزارة التربية والتعليم في الأردن منصة https://teachers.gov.jo/، لتدريب المعلمين على تقنيات التعلم عن بعد.
السياحة والعلاقات الاجتماعية
وامتد الواقع الافتراضي إلى قطاع السياحة، الذي وجد في التقنيات الافتراضية وسيلة ترويجية هامة تسمح لمستخدمي الإنترنت بالتجول في المناطق الأثرية افتراضيا، لعل ذلك يكون دافعا لهم لزيارة تلك الأماكن الأثرية عند فتحها للجمهور مجددا.
وأطلقت وزارة السياحة والآثار المصرية، مبادرة لزيارة المناطق الأثرية بشكل افتراضي عبر الإنترنت، حيث تقوم الوزارة بتنظيم جولات افتراضية داخل مواقع ومساجد وأديرة أثرية، بعد تأثر قطاع السياحة بسبب إجراءات مواجهة وباء كورونا، التي أدت إلى إغلاق المناطق الأثرية والفنادق.
وكانت خدمات الجولات الافتراضية للعديد من المعالم والمتاحف ومراكز التسوق في دبي متاحة قبل أزمة كورونا، ولكن الأزمة أعطت هذه الخدمات زخما كبيرا، حيث باتت وسيلة الجمهور الأساسية للاطلاع على المعالم السياحية في دبي والعالم.
ومع تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، يشدد الخبراء على أن العودة بنفس السلوكيات القديمة من حيث المصافحة باليد والأحضان، قد يؤدي إلى موجات تالية من الإصابة بالفيروس.
ويتوقع الخبراء أن يفرض هذا الفيروس لحين تمكن العلماء من إنجاز لقاح للتحصين ضده، شكلا جديدا من العلاقات الاجتماعية، تصبح افتراضية مثل كثير من مجالات الحياه.
وقالت شركة الاتصالات السعودية stc في 25 مارس (آذار) الماضي، بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي شهدت نموا بمعدل 73 في المائة، وأفادت شركة أبحاث السوق Kantar إن تطبيق التراسل الفوري واتساب شهد زيادة كبيرة في الاستخدام في ظل التدابير المتخذة في جميع أنحاء العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 25 ألف مستهلك في 30 سوقا خلال المدة من 14 إلى 24 مارس الماضي، فإن تطبيق واتساب شهد زيادة في الاستخدام بنسبة 40 في المائة.

تأثيرات وتداعيات
وإذا كان قطاع الاتصالات قد شهد نموا بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن قطاع الصناعة على النقيض تماما قد تعرض لتأثيرات سلبية قاتلة بسبب توقف حركة الطيران وتأثيرات ذلك على استيراد مكونات الصناعة، وتصدير المنتج النهائي.
وقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حدوث انخفاض قدره 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير (شباط) وحده، بسبب فيروس كورونا، وذلك وفق تقرير نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة» في 4 مارس الماضي، وتشمل الصناعات الأكثر تضرراً من هذا الانخفاض «صناعة الأدوات الدقيقة وصناعة الآلات ومعدات السيارات وصناعة أجهزة الاتصالات».
ويعد قطاع السيارات من أبرز القطاعات المتضررة على مستوى العالم، وتوقع مسح حديث أعدته مؤسسة «Market» للأبحاث السوقية تراجع مبيعات السيارات في العالم بنحو 12 في المائة خلال العام الجاري، وكشف المسح أن مبيعات السيارات حول العالم قد تسجل نحو 8.78 مليون وحدة خلال 2020 بانخفاض نسبته 12 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع هبوط بنسبة 8 في المائة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
ورغم هذه السلبيات القاتلة، يرى الخبير الاقتصادي د. خالد محمدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تخلق واقعا اقتصاديا جديدا، عن طريق الاستفادة من هذه المحنة في تحقيق خطوات ملموسة نحو تعميق المنتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يمكن أن تساعد في اقتحام أسواق جديدة بديلة للدول التي تعاني من موقف وبائي أشد خطورة.
ويبدو حال قطاع الزراعة والغذاء أخف وطأة من الصناعة، فحتى الآن لا تزال التأثيرات في حدها الأدنى، بسبب كفاية الإمدادات الغذائية ووجود مخزون من القمح والمحاصيل الرئيسية الأخرى، ولكن إذا استمرت إجراءات إغلاق الطرق بسبب القيود التي فرضها فيروس كورونا خلال شهر مايو (أيار) الجاري، فقد تحدث اضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، كما يقول نصر الدين حاج الأمين، ممثل منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في مصر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». ويضيف إن إغلاقات طرق النقل قد تتسبب في زيادة مستويات فقد وهدر الغذاء، لا سيما في السلع سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.



العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».