مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

منهم من انتحر أو نفي إلى سيبيريا أو أُودع المصحات العقلية

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي
TT

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

بعد انهيار النظام السوفياتي، عام 1991، قامت دور نشر كبيرة بإصدار روايات وأشعار ومجاميع قصصية لكتاب روس لم يستطيعوا نشرها في ظل النظام السابق، وبعضهم دفع حياته ثمناً لها، معلنة حقائق دامغة عن معاناة الكتاب الروس في ظل النظام السابق، خصوصاً الفترة الستالينية!
كتاب الدكتور جودت هوشيار «مأساة الكتاب الروس»، الصادر عن «دار الزمان» عام 2019، يخوض في تفاصيل ذلك، كاشفاً الكثير من الوقائع والحقائق عن معاناة الكثير من الكتاب الروس، حيث أعدم بعضهم، أو انتحر، أو نفي خارج البلاد، وإلى أصقاع سيبيريا، أو أودعوا المصحات العقلية. وكل جريرتهم أنهم عبروا عن صدمتهم من الحياة المنافية للقيم الإنسانية، التي ادعى ثوار أكتوبر أنهم جاءوا من أجلها، ورفضوا أن يكرسوا إبداعهم للدعاية للحزب الشيوعي ولستالين بالذات!
مؤلف الكتاب درس وعاش في الاتحاد السوفياتي السابق منذ الستينات، وقد وجد مصادره من الوثائق، والكتب، وأستاذته ومعارفه الموثوقين!
يتحدث الكتاب كيف أن المثقفين الروس عقدوا آمالاً كبيرة على الثورة الشيوعية، وساندوها! غوركي، مثلاً، تبرع للثوار ببعض أمواله. لكنهم وجدوا أن الشيوعيين ما إن انتصروا حتى تحولوا إلى سلطويين يتنكرون للمثقفين باستثناء كتبتهم الحزبيين، ناظرين إليهم على أنهم لا يمتلكون صلابة العمال وثوريتهم؛ فعاملوهم بإهمال وإذلال!
ذلك جعل المئات من المبدعين يرحلون إلى المنافي! وقد أشرف تروتسكي على تنظيم قوافل طردهم قائلاً إن قتلهم لا يجدي نفعاً، والأفضل الخلاص منهم بموتهم في المنافي، (تروتسكي نفي ثم قتل)!
فرض على المبدعين أن ينتجوا وفق قواعد سميت بالواقعية الاشتراكية أو بالجدانوفية، نسبة إلى أندريه جدانوف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وزير الثقافة آنذاك (يقابل غوبلز في الثقافة النازية)، الذي سعى لتطبيقها بصرامة وقسوة، ما جعل المبدعين محكومين بالتفاؤل الإجباري وتمجيد النظام انتظاراً لجنة الشيوعية!
شارك غوركي، جدانوف، في وضع أسس ومفاهيم الواقعية الاشتراكية، رغم اختلافهما في بعض الأفكار!
يشير الكتاب إلى أن ميخائيل شولوخوف، صاحب رواية «الدون الهادئ» الشهيرة، الحائز على «نوبل للآداب» 1965، كان يساهم في التحقيق مع الكتاب، وإلى أن الآلية التي قام بها الشيوعيون بتدمير الإبداع كانت تعتمد الترهيب والترغيب، فانقسم الكتاب تلقائياً إلى: كتاب امتثلوا لضمائرهم، وكتبوا بصدق وعمق عن الواقع المكتظ بالفساد والقمع، فأعدموا، أو سجنوا طويلاً، أو نفوا إلى سيبريا الثلجية، ليموتوا ببطء، ويعد محظوظاً من اكتفوا بفصله من اتحاد الكتاب، أو من وظيفته، وانتزعوا منه بيته، وتركوه لأرصفة الجوع والتشرد!
آخرون، وهم الأكثرية، أرغموا على الخنوع، والكتابة وفق مواصفات الحزب، فلم ينتجوا سوى أدب دعائي رديء! باحثون قالوا إن الأدب الروسي الحقيقي هو ما أنتج في العهد القيصري، أضيف إليه الأدب المستعاد المنتج سراً، وأحتفظ به الكتاب لدى أصدقائهم أو أقاربهم، ولم ينشر سوى بعد موتهم، وسقوط حكم الشيوعيين!
في مثل هذه الظروف، انتحر الشاعر سيرغي يسينين بشنق نفسه في غرفة الفندق في ليننغراد عام 1925 وكان في الثلاثين من العمر، ولم تنقطع التكهنات بضلوع النظام القائم في قتله!
وأودت الخيبة بالشاعر مايكوفسكي الذي غنى للثورة الاشتراكية، بكل جوارحه، إلى كآبة شديدة فأطلق الرصاص على رأسه، محدثاً ذهولاً كبيراً لدى الناس!
ثم توالت مآسي ونكبات الكتاب والمبدعين: الشاعرة المتميزة مارينا تسفيتايفا انتحرت، والشاعر أوسيب مندلشتام اعتقل بسبب قصيدة تعرض فيها لستالين وتوفي في معسكر الاعتقال! الكاتبان المعروفان بوريس بيلنياك وإسحق بابل حكم عليهما بالإعدام، بتهم مدبرة، وأعدما سريعاً، وثمة مئات الكتاب والشعراء الأبرياء أزهقت أرواحهم دون ذنب! والكاتب ميخائيل بولغاكوف، اعتقل، ولُوحق، ومنع نتاجه من التداول لحقب طويلة، حتى بزغ بعد انهيار النظام السوفياتي كأحد أهم كتاب الرواية والمسرح! وكانت حياة الكاتب فاسيلي إكسينوف وحدها رواية مأساوية فظيعة: عندما كان في الخامسة اعتُقلت والدته، وكانت أستاذة جامعية، حكم عليها بالسجن 18 عاماً مع النفي، ثم سجن والده وحكم عليه بالسجن مع النفي أيضاً، وأرسلت السلطات الصبي فاسيلي إلى ملجأ «أطفال أعداء الشعب»، عَمّ يكتب فاسيلي وقد صار كاتباً؟ هل ينسى أو يتجاهل ما عاناه مع والديه؟ راحت السلطات تراقبه وتحاصره وتدقق فيما يكتب حتى اضطر لمغادرة البلاد!
وعن معاناة مكسيم غوركي. يورد الكتاب حدثاً أليماً جداً: فقد ابنه بشكل غير متوقع. ذكروا رسمياً أنه مات بالتهاب رئوي، لكن غوركي وأسرته لم يصدقوا ذلك، وأيقنوا أن موته كان مدبراً، وأن هذا كان عقاباً للكاتب الذي رفض كتابة رواية عن ستالين وسيرته! بعد سنوات مات غوركي في ظروف غامضة، ويقال إن ستالين أمر بقتله طبياً، ثم حمل جنازته على كتفه إلى مثواه الأخير!
تعرض زوشينكو الكاتب الساخر لاضطهاد ومضايقات كثيرة لشكوكهم أنه في نصوصه الفكاهية المرحة يسخر من سياساتهم، رغم أنه كان يهدف لنشر البهجة والمرح بين الناس، لتحمل ظروفهم القاسية. لذا كان في أعماقه حزيناً مكتئباً! يروي الكتاب أن زوشينكو زار عيادة طبيب نفسي لمعاناته من الأرق وفقدان الشهية. فحصه الطبيب ثم نصحه بقراءة القصص الفكاهية، خصوصاً قصص زوشينكو، لأنها أفضل علاج لحالته! تنهد المريض وقال: «دكتور، أنا زوشينكو»! وهذه الواقعة تكشف إلى أي مدى كانت الكآبة وصنوف اليأس تحفر في ضمائر كتاب ذلك العهد. يقف الكتاب عند ما أفرزه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، الذي أطاح بالقبضة الستالينية، حيث خفت موجة قمع الكتاب، وشهدت الحياة الثقافية السوفياتية حركة أدبية وفنية نشطة عرفت بأدب الستينات، برز فيها يفتيشنكو وفوزنينسكي وبيلا أحمدولينا، ولو تواصلت الحياة السياسية وفق ما طرح مبادئها خروشوف، لكانت الحياة الثقافية والعامة قد مضت في طريق آخر، لكنها منيت بنكسة كبرى بعد الإطاحة بخروشوف، وسيطرة بريجنيف وجماعته على السلطة والحزب عام 1964.
ويورد الكتاب مأساة الروائي ألكاسندر فادييف، الذي كان لسنوات طويلة رئيساً لاتحاد الكتاب، حين اتضحت له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين، فلم يتحمل الضغط النفسي الشديد، وبات معذب الضمير، فأطلق الرصاص على نفسه!
الكاتب إيليا أهرنبرغ استبشر بمقررات المؤتمر العشرين، وألف رواية صار عنوانها «ذوبان الجليد» مصطلحاً للمرحلة كلها، لكنه مني بخيبة كبيرة بعد التراجع عنها! وظل مقيماً في المنفى، متردداً على بلاده بين فترة وأخرى بحذر، حتى قرر أخيراً العودة؛ فوقع تحت رقابة رجال المخابرات. وعند موته في حديقة منزله، استولوا على جثمانه، وشيعوه على طريقتهم، خشية أن يثير تشييعه اضطرابات شعبية!
ويتطرق الكتاب لما تعرض له الشاعر باسترناك وحبيبته، فعند منحه «جائزة نوبل»، منعوه من الذهاب لاستلامها! وقد دون سولجنستين في رواياته الكبيرة ومقالاته الكثيرة صنوفاً من الاضطهاد الستاليني للكتاب والمثقفين!
يشير الكتاب إلى ما آل إليه الأدب بعد زوال النظام السوفياتي، حيث أضحى أدباً استهلاكياً يلهث وراء متطلبات السوق، ما جعل الكثيرين يعودون إلى رموز الأدب الروسي كتولستوي ودستويفسكي وبوشكين وتشيخوف وغيرهم يحملونهم نزعاتهم واتجاهاتهم الراهنة! الرئيس بوتين صار يتحدث كثيراً عن إعجابه بروايات دستويفسكي، مفسراً رواياته على أنها دعوة للرجوع إلى الدين. ثمة مراقبون يقولون إنه يريد من وراء ذلك دعم توجهاته في الاعتماد على الكنيسة الأرثوذوكسية، لتثبيت أركان حكمه ومنازلة خصومه!
يؤكد الكتاب أن الروس يجلون كتابهم، ويرفعونهم إلى مرتبة الأنبياء والقديسين، ويرونهم أهم من القادة السياسيين والأولى بالطاعة والأخذ بآرائهم ومواقفهم! لذلك هم مولعون بالقراءة يلازمهم الكتاب حيثما يكونون. وهم لا يتحدثون عن آلامهم ومعاناتهم، ويعتبرون جراحات الماضي جزءاً من تضحياتهم في سبيل وطنهم. وحكامهم اليوم استغلوا خصالهم هذه ليمضوا في سياسات تقتضي الكثير من التضحيات بالأرواح كتدخلاتهم في أوكرانيا وسوريا وغيرهما! ويمكن تلمس هذا في كلام أغلب المعلقين على شاشات التلفزيون أو الصحافيين الروس، فهم يعكسون وجهة نظر قادتهم متجاهلين معاناة الناس، وكأنهم ما زالوا في الحقبة السوفياتية!
الكتاب يرد، ودون صخب، على ادعاءات أحزاب سارت في ركب السوفيات، وادعت أنها ساهمت في تطور ثقافة بلدانها، بينما لم يكن دورها يختلف عن دور الشيوعيين السوفيات، سواء في حبس كتابهم في أقفاص آيديولوجية، أو استهلاك طاقتهم في أنشطة حزبية عقيمة، أو تدمير حياتهم في طرق النضال الخاطئة!
- قاص وروائي عراقي



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».