مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

منهم من انتحر أو نفي إلى سيبيريا أو أُودع المصحات العقلية

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي
TT

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

بعد انهيار النظام السوفياتي، عام 1991، قامت دور نشر كبيرة بإصدار روايات وأشعار ومجاميع قصصية لكتاب روس لم يستطيعوا نشرها في ظل النظام السابق، وبعضهم دفع حياته ثمناً لها، معلنة حقائق دامغة عن معاناة الكتاب الروس في ظل النظام السابق، خصوصاً الفترة الستالينية!
كتاب الدكتور جودت هوشيار «مأساة الكتاب الروس»، الصادر عن «دار الزمان» عام 2019، يخوض في تفاصيل ذلك، كاشفاً الكثير من الوقائع والحقائق عن معاناة الكثير من الكتاب الروس، حيث أعدم بعضهم، أو انتحر، أو نفي خارج البلاد، وإلى أصقاع سيبيريا، أو أودعوا المصحات العقلية. وكل جريرتهم أنهم عبروا عن صدمتهم من الحياة المنافية للقيم الإنسانية، التي ادعى ثوار أكتوبر أنهم جاءوا من أجلها، ورفضوا أن يكرسوا إبداعهم للدعاية للحزب الشيوعي ولستالين بالذات!
مؤلف الكتاب درس وعاش في الاتحاد السوفياتي السابق منذ الستينات، وقد وجد مصادره من الوثائق، والكتب، وأستاذته ومعارفه الموثوقين!
يتحدث الكتاب كيف أن المثقفين الروس عقدوا آمالاً كبيرة على الثورة الشيوعية، وساندوها! غوركي، مثلاً، تبرع للثوار ببعض أمواله. لكنهم وجدوا أن الشيوعيين ما إن انتصروا حتى تحولوا إلى سلطويين يتنكرون للمثقفين باستثناء كتبتهم الحزبيين، ناظرين إليهم على أنهم لا يمتلكون صلابة العمال وثوريتهم؛ فعاملوهم بإهمال وإذلال!
ذلك جعل المئات من المبدعين يرحلون إلى المنافي! وقد أشرف تروتسكي على تنظيم قوافل طردهم قائلاً إن قتلهم لا يجدي نفعاً، والأفضل الخلاص منهم بموتهم في المنافي، (تروتسكي نفي ثم قتل)!
فرض على المبدعين أن ينتجوا وفق قواعد سميت بالواقعية الاشتراكية أو بالجدانوفية، نسبة إلى أندريه جدانوف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وزير الثقافة آنذاك (يقابل غوبلز في الثقافة النازية)، الذي سعى لتطبيقها بصرامة وقسوة، ما جعل المبدعين محكومين بالتفاؤل الإجباري وتمجيد النظام انتظاراً لجنة الشيوعية!
شارك غوركي، جدانوف، في وضع أسس ومفاهيم الواقعية الاشتراكية، رغم اختلافهما في بعض الأفكار!
يشير الكتاب إلى أن ميخائيل شولوخوف، صاحب رواية «الدون الهادئ» الشهيرة، الحائز على «نوبل للآداب» 1965، كان يساهم في التحقيق مع الكتاب، وإلى أن الآلية التي قام بها الشيوعيون بتدمير الإبداع كانت تعتمد الترهيب والترغيب، فانقسم الكتاب تلقائياً إلى: كتاب امتثلوا لضمائرهم، وكتبوا بصدق وعمق عن الواقع المكتظ بالفساد والقمع، فأعدموا، أو سجنوا طويلاً، أو نفوا إلى سيبريا الثلجية، ليموتوا ببطء، ويعد محظوظاً من اكتفوا بفصله من اتحاد الكتاب، أو من وظيفته، وانتزعوا منه بيته، وتركوه لأرصفة الجوع والتشرد!
آخرون، وهم الأكثرية، أرغموا على الخنوع، والكتابة وفق مواصفات الحزب، فلم ينتجوا سوى أدب دعائي رديء! باحثون قالوا إن الأدب الروسي الحقيقي هو ما أنتج في العهد القيصري، أضيف إليه الأدب المستعاد المنتج سراً، وأحتفظ به الكتاب لدى أصدقائهم أو أقاربهم، ولم ينشر سوى بعد موتهم، وسقوط حكم الشيوعيين!
في مثل هذه الظروف، انتحر الشاعر سيرغي يسينين بشنق نفسه في غرفة الفندق في ليننغراد عام 1925 وكان في الثلاثين من العمر، ولم تنقطع التكهنات بضلوع النظام القائم في قتله!
وأودت الخيبة بالشاعر مايكوفسكي الذي غنى للثورة الاشتراكية، بكل جوارحه، إلى كآبة شديدة فأطلق الرصاص على رأسه، محدثاً ذهولاً كبيراً لدى الناس!
ثم توالت مآسي ونكبات الكتاب والمبدعين: الشاعرة المتميزة مارينا تسفيتايفا انتحرت، والشاعر أوسيب مندلشتام اعتقل بسبب قصيدة تعرض فيها لستالين وتوفي في معسكر الاعتقال! الكاتبان المعروفان بوريس بيلنياك وإسحق بابل حكم عليهما بالإعدام، بتهم مدبرة، وأعدما سريعاً، وثمة مئات الكتاب والشعراء الأبرياء أزهقت أرواحهم دون ذنب! والكاتب ميخائيل بولغاكوف، اعتقل، ولُوحق، ومنع نتاجه من التداول لحقب طويلة، حتى بزغ بعد انهيار النظام السوفياتي كأحد أهم كتاب الرواية والمسرح! وكانت حياة الكاتب فاسيلي إكسينوف وحدها رواية مأساوية فظيعة: عندما كان في الخامسة اعتُقلت والدته، وكانت أستاذة جامعية، حكم عليها بالسجن 18 عاماً مع النفي، ثم سجن والده وحكم عليه بالسجن مع النفي أيضاً، وأرسلت السلطات الصبي فاسيلي إلى ملجأ «أطفال أعداء الشعب»، عَمّ يكتب فاسيلي وقد صار كاتباً؟ هل ينسى أو يتجاهل ما عاناه مع والديه؟ راحت السلطات تراقبه وتحاصره وتدقق فيما يكتب حتى اضطر لمغادرة البلاد!
وعن معاناة مكسيم غوركي. يورد الكتاب حدثاً أليماً جداً: فقد ابنه بشكل غير متوقع. ذكروا رسمياً أنه مات بالتهاب رئوي، لكن غوركي وأسرته لم يصدقوا ذلك، وأيقنوا أن موته كان مدبراً، وأن هذا كان عقاباً للكاتب الذي رفض كتابة رواية عن ستالين وسيرته! بعد سنوات مات غوركي في ظروف غامضة، ويقال إن ستالين أمر بقتله طبياً، ثم حمل جنازته على كتفه إلى مثواه الأخير!
تعرض زوشينكو الكاتب الساخر لاضطهاد ومضايقات كثيرة لشكوكهم أنه في نصوصه الفكاهية المرحة يسخر من سياساتهم، رغم أنه كان يهدف لنشر البهجة والمرح بين الناس، لتحمل ظروفهم القاسية. لذا كان في أعماقه حزيناً مكتئباً! يروي الكتاب أن زوشينكو زار عيادة طبيب نفسي لمعاناته من الأرق وفقدان الشهية. فحصه الطبيب ثم نصحه بقراءة القصص الفكاهية، خصوصاً قصص زوشينكو، لأنها أفضل علاج لحالته! تنهد المريض وقال: «دكتور، أنا زوشينكو»! وهذه الواقعة تكشف إلى أي مدى كانت الكآبة وصنوف اليأس تحفر في ضمائر كتاب ذلك العهد. يقف الكتاب عند ما أفرزه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، الذي أطاح بالقبضة الستالينية، حيث خفت موجة قمع الكتاب، وشهدت الحياة الثقافية السوفياتية حركة أدبية وفنية نشطة عرفت بأدب الستينات، برز فيها يفتيشنكو وفوزنينسكي وبيلا أحمدولينا، ولو تواصلت الحياة السياسية وفق ما طرح مبادئها خروشوف، لكانت الحياة الثقافية والعامة قد مضت في طريق آخر، لكنها منيت بنكسة كبرى بعد الإطاحة بخروشوف، وسيطرة بريجنيف وجماعته على السلطة والحزب عام 1964.
ويورد الكتاب مأساة الروائي ألكاسندر فادييف، الذي كان لسنوات طويلة رئيساً لاتحاد الكتاب، حين اتضحت له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين، فلم يتحمل الضغط النفسي الشديد، وبات معذب الضمير، فأطلق الرصاص على نفسه!
الكاتب إيليا أهرنبرغ استبشر بمقررات المؤتمر العشرين، وألف رواية صار عنوانها «ذوبان الجليد» مصطلحاً للمرحلة كلها، لكنه مني بخيبة كبيرة بعد التراجع عنها! وظل مقيماً في المنفى، متردداً على بلاده بين فترة وأخرى بحذر، حتى قرر أخيراً العودة؛ فوقع تحت رقابة رجال المخابرات. وعند موته في حديقة منزله، استولوا على جثمانه، وشيعوه على طريقتهم، خشية أن يثير تشييعه اضطرابات شعبية!
ويتطرق الكتاب لما تعرض له الشاعر باسترناك وحبيبته، فعند منحه «جائزة نوبل»، منعوه من الذهاب لاستلامها! وقد دون سولجنستين في رواياته الكبيرة ومقالاته الكثيرة صنوفاً من الاضطهاد الستاليني للكتاب والمثقفين!
يشير الكتاب إلى ما آل إليه الأدب بعد زوال النظام السوفياتي، حيث أضحى أدباً استهلاكياً يلهث وراء متطلبات السوق، ما جعل الكثيرين يعودون إلى رموز الأدب الروسي كتولستوي ودستويفسكي وبوشكين وتشيخوف وغيرهم يحملونهم نزعاتهم واتجاهاتهم الراهنة! الرئيس بوتين صار يتحدث كثيراً عن إعجابه بروايات دستويفسكي، مفسراً رواياته على أنها دعوة للرجوع إلى الدين. ثمة مراقبون يقولون إنه يريد من وراء ذلك دعم توجهاته في الاعتماد على الكنيسة الأرثوذوكسية، لتثبيت أركان حكمه ومنازلة خصومه!
يؤكد الكتاب أن الروس يجلون كتابهم، ويرفعونهم إلى مرتبة الأنبياء والقديسين، ويرونهم أهم من القادة السياسيين والأولى بالطاعة والأخذ بآرائهم ومواقفهم! لذلك هم مولعون بالقراءة يلازمهم الكتاب حيثما يكونون. وهم لا يتحدثون عن آلامهم ومعاناتهم، ويعتبرون جراحات الماضي جزءاً من تضحياتهم في سبيل وطنهم. وحكامهم اليوم استغلوا خصالهم هذه ليمضوا في سياسات تقتضي الكثير من التضحيات بالأرواح كتدخلاتهم في أوكرانيا وسوريا وغيرهما! ويمكن تلمس هذا في كلام أغلب المعلقين على شاشات التلفزيون أو الصحافيين الروس، فهم يعكسون وجهة نظر قادتهم متجاهلين معاناة الناس، وكأنهم ما زالوا في الحقبة السوفياتية!
الكتاب يرد، ودون صخب، على ادعاءات أحزاب سارت في ركب السوفيات، وادعت أنها ساهمت في تطور ثقافة بلدانها، بينما لم يكن دورها يختلف عن دور الشيوعيين السوفيات، سواء في حبس كتابهم في أقفاص آيديولوجية، أو استهلاك طاقتهم في أنشطة حزبية عقيمة، أو تدمير حياتهم في طرق النضال الخاطئة!
- قاص وروائي عراقي



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.