4 أشهر تهوي بتجربة الريال الإلكتروني بمناطق سيطرة الحوثيين

صعوبة في التعامل... وترجيحات لاستخدامه سلاحاً ضد الحكومة اليمنية

بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
TT

4 أشهر تهوي بتجربة الريال الإلكتروني بمناطق سيطرة الحوثيين

بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)

وصف خبراء اقتصاديون تجربة قرار الحوثيين منع تداول وحيازة العملة المطبوعة الجديدة واستبدال الريال الإلكتروني بها بأنها هوت وفشلت، وأن أربعة أشهر من التداول الضئيل كانت كافية لإثبات ذلك.
كما ذكر الخبراء الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» أن القرار حمل معه تبعات ونتائج سلبية وتسبب بحرمان الموظفين في مناطق الشرعية من رواتبهم التي كانت تدفعها الحكومة الشرعية عبر شركات الصرافة وذلك بعد عجز شركات الصرافة عن تسديد التزاماتها بالطبعة القديمة، إضافة إلى رفع رسوم التحويلات الداخلية، وقرأوا إصرار انقلابيي اليمن على ذلك بأنه سلاح مصوّب نحو الشرعية للضغط عليها أو الحصول على تنازلات.
وبعد نحو أربعة أشهر من القرار الحوثي لا يزال المواطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وحتى من هم في مناطق الشرعية يعانون من تبعات القرار جراء تعميم الحوثيين على وزارة الصناعة والتجارة بصنعاء وعلى جميع المخابز والبقالات والمحال التجارية ووسائل النقل الداخلية حتى بائعي القات، عدم التعامل مع الطبعة الجديدة، وهددت الميليشيات من يخالف تعميمها بغرامات مالية، ما جعل سكان المناطق التي تسيطر عليها الجماعة ترفض العملة النقدية الجديدة.
ويعيش اليمنيون في ظل بؤس ومعاناة ونزوح داخلي جراء حرب تشهدها البلاد منذ خمسة أعوام بسبب انقلاب جماعة الحوثي على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في سبتمبر (أيلول) 2014، الحكومة المعترف بها دولياً.
في 19 ديسمبر (كانون الأول) أصدر البنك المركزي بصنعاء، الخاضع لسيطرة الحوثيين، قراراً يمنع حيازة وتداول الإصدار الجديد من العملة النقدية، التي طبعتها الحكومة الشرعية في سبتمبر 2016 في عهد أول محافظ للبنك المركزي في عدن منصر القعيطي وتسلمتها على عدة دفعات آخرها في عهد حافظ معياد، واستبدال النقد الإلكتروني بها، وهي التجربة التي يعدها خبراء اقتصاديون «فاشلة».
وحددت الجماعة للمواطنين مهلة لتسليم العملة النقدية من الطبعة الجديدة خلال ثلاثين يوماً وفرضت ثلاثة مصارف تجارية تقدم خدمات الريال الإلكتروني لسحب الإصدار الجديد من العملة النقدية، وهي خدمة «موبايل ماني» التي يديرها بنك التسليف والتعاون الزراعي، وخدمة «إم فلوس» ويديرها بنك الكريمي، وخدمة «فلوسك» ويديرها «بنك اليمن والكويت»، متسببةً بذلك في حرب اقتصادية تضاف إلى الحرب التي صعّدتها منذ نقل البنك المركزي من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن.

- تداعيات وإشكالات
لشرح أبعاد القرار الحوثي، يذهب مصطفى نصر وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إلى أن «قرار منع تداول الإصدار النقدي الجديد في تصوري كان إجراءً تعسفياً وغير موفق وكارثياً وسلبياً للغاية وحمل تبعات كبيرة جداً، وكانت له نتائج سلبية كبيرة على حياة الناس وأبرزها ما يتم خصمه الآن من عمولة نقدية عالية في سعر التحويلات (من مناطق الشرعية إلى مناطق الحوثي) تصل إلى 11 و12% في حال التحويل من مناطق إلى أخرى، وهذا أيضاً له تبعات سلبية على صعيد الجانب الإنساني والاقتصادي والسياسي».
وأضاف: «في الحقيقة خلق إشكاليات كبيرة فيما يتعلق بعمولات إضافية: عمولات التحويل، وخصميات على المبالغ المحولة سواء في الجانب الإنساني أو الجانب الاقتصادي، والآن حدث نوع من التهريب للعملة واللجوء إلى الطرق غير الرسمية لانتقال العملة، كل هذه تبعات لهذا القرار».
ويأمل نصر، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «يتراجع الحوثيون عن القرار لأنه لا يمكن الفصل بين العملة الواحدة، فهذا صعب للغاية وخلق صعوبات كبيرة لتعامل المواطنين بالعملة، لا سيما أنه ما زالت العملة موحدة في جميع مناطق اليمن، ومن الصعب فصلها». كما يرى أن «الحل هو الاتفاق على سياسة اقتصادية موحدة على أسس رئيسية للحفاظ على العملة والحفاظ على أداء السياسة المالية بحيث إنه يتم الاتفاق على عدم طباعة عملة جديدة وفي نفس الوقت التعامل بعملة موحدة في إطار سياسة مالية واقتصادية موحدة تحافظ على سعر العملة، ويكون همها بالدرجة الأولى الحفاظ على المواطنين ومعيشتهم».

- صعوبة العلاج
أحمد القدسي، مواطن من أبناء تعز، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قرار منع تداول العملة التي طبعتها الشرعية تسبب لنا بمشكلات كثيرة، فقد أصبحنا بين نارين؛ عملتين في بلد واحد، وقد عانيت من هذه المشكلة بعد ثلاثة أشهر من القرار عندما أردت الذهاب إلى صنعاء لعقد قران ابني وكانت لديّ العملة الجديدة الممنوعة في صنعاء، بل إنه إن وجدها الميليشيات الحوثية في حقيبتي خلال سفري سيقومون بنهبها، وأيضاً لا يمكن أن تقبلها عائلة العروس لأنه ممنوع تداولها في صنعاء». يضيف: «لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل إننا والكثير من أهالي تعز، في المدينة والريف، من يرغب الذهاب إلى صنعاء أو الحديدة أو أي مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين لا يستطيع ذلك وحتى إن أراد الذهاب للعلاج، فهي حقاً مشكلة كبيرة». مشيراً إلى أنه «قبل السفر لا بد أن يتدبر مصاريفه من عملة صنعاء عن طريق السوق السوداء من أجل تبديل الفئات النقدية، وإن تم إرسالها عبر صراف من تعز إلى صنعاء فإنه يخسر كثيراً بسبب ارتفاع عمولة الحوالات».
وقال القدسي: «لم نكن نتوقع أن الميليشيات ستمنع التعامل بالطبعة الجديدة لأن الطبعة القديمة كانت تالفة ولا يتم التعامل بها في المحال التجارية ولا حتى وسائل النقل في تعز وفي مناطق الحُجرية، أكبر ثاني قضاء في تعز، كونها تالفة وكان التعامل كله بالطبعة الجديدة لذلك لم يعد لدينا أي طبعة قديمة من العملة».
ومثل القدسي كثير من المواطنين والتجار في جميع المحافظات اليمنية يعدّون القرار تعسفياً وحرباً اقتصادية تشنها جماعة الحوثي ضد المواطن.

- دوافع ونيات
«الميليشيات بقرارها هذا تضغط من أجل الحصول على تنازلات من الحكومة الشرعية فيما يخص آلية استيراد المشتقات النفطية والتي حرم قرار الحكومة بتنظيمها الميليشيات من إيرادات المعونات النفطية الإيرانية، كما أن الموضوع أيضاً يتعلق بمصير البنك المركزي اليمني، والقرار الحوثي يقوّي موقف الوسيط الأممي الذي يسعى لانتقاص القرار الرئاسي بشرعية نقل البنك إلى عدن وفي المقابل يقترح إعطاء بنك صنعاء صلاحيات مستقلة تتعلق بمنح الائتمان لاستيراد السلع وإعادة السويفت الخاص بالتحويلات المالية الخارجية». كان ذلك رأي الخبير الاقتصادي عبد الحميد المساجدي، الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» حول القرار الحوثي.
وحول نجاح التعامل بالريال الإلكتروني يشدد المساجدي تأكيده أن «الريال الإلكتروني ومنذ قرار الميليشيات كان ولا يزال تجربة فاشلة نظراً لضعف شبكة الإنترنت وعدم تغطيتها لمناطق واسعة في البلاد وبالتالي استحالة استخدام الريال الإلكتروني كآلية مدفوعات، إضافةً إلى عدم قبول أغلب محلات التجزئة بالريال الإلكتروني لتسديد التزامات الغير، ناهيك بغياب الوعي اللازم وافتقار الجمهور للثقة في القطاع المصرفي بشكل عام نظراً للانتهاكات الحوثية تجاه القطاع المصرفي وما شهده من أزمات ابتداءً من عجز السيولة وتدهور سعر صرف العملة الوطنية، أضف إلى ذلك أن الناس لا يثقون بالميليشيات الحوثية وبإمكانية تعويضهم عن العملات من الطبعة الجديدة، وبالتالي فقد فضّلوا الاحتفاظ بها على تسليمها للحوثيين».
وأوضح أنه «بعد فشل القرارات السابقة عيّنت الميليشيات محافظاً للبنك المركزي في صنعاء والذي بدوره أصدر قراراً بمنع تداول العملة وإنشاء آلية تعويض وإقرار الريال الإلكتروني».
ونوه إلى أن «الميليشيات حاولت مقايضة الحكومة الشرعية والأمم المتحدة التي تقود عملية تفاوض اقتصادي بين الجانبين، إما بالسماح لها بطباعة مبالغ توازي نفس ما طبعه البنك المركزي في عدن وإما بتوريد نصف ما تمت طباعته من أجل السماح بالتداول بالطبعة الجديدة». مؤكداً أنه «منذ قرار نقل البنك المركزي إلى عدن صعّدت الميليشيات الحوثية من حربها على الاقتصاد اليمني فقامت بمداهمة البنوك والمصارف ومحلات وشركات الصرافة واقتحمت عدداً منها ونهبت مبالغ كبيرة واقتادت قيادات مصرفية إلى السجون وأخذت عليها تعهدات بعدم التعامل مع البنك المركزي في عدن مرة أخرى».
وأشار المساجدي إلى أن جماعة الحوثي «فرضت ضرائب خيالية على البنوك بمزاعم ضريبة أرباح، وطالبتها بأرباح رجعية عن عشرات السنوات الماضية، وكلها حملات ابتزاز حوثية لإرغام البنوك على الانصياع لها، كما شددت من الرقابة الأمنية على عمليات التواصل داخل البنوك وتنصتت على أرقام العاملين في البنوك»، وإلى أن «الميليشيات نهبت، بمزاعم تنفيذ هذا القرار، مبالغ مالية تصل إلى خمسين ملياراً وهو ما يوازي 70% من حجم العملة من الطبعة الجديدة التي دخلت مناطق الحوثيين».


مقالات ذات صلة

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

العالم العربي الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

وسع الحوثيون انتهاكاتهم بريف تعز ولحج بتفجير الطرق والعبّارات، واختطاف سكان، ونهب منازل النازحين، والاعتداء على مياه الشرب؛ مما سبب مخاوف من اتساع موجات النزوح.

وضاح الجليل (عدن)
خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أكد شاو تشنغ أن الصين تتابع التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن من كثب (تصوير: نايف العتيبي)

خاص بكين: مستعدون لفتح تحقيق في وصول مكونات عسكرية للحوثيين بالتعاون مع الحكومة اليمنية

رفض شاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، التقارير التي تتحدث عن وصول معدات ومكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ لدى جماعة الحوثيين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.