فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

مستشارة الأمن القومي المصري اختارها السيسي لتكون أول أنثى تتولى المنصب بعد خلوه 41 عاما

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»
TT

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

رحل مبارك ومن بعده المجلس العسكري ثم جاء السيسي، وبقيت فايزة أبو النجا، أحد أكبر مصادر ثقة الأنظمة السياسية في مصر، لتستحق وعن جدارة لقب «سيدة دولة»، وذلك بعد مشوار سياسي طويل، حصدت خلاله لقب «الأولى» في عدة مناصب مهمة، دشنت خلالها
دخول المرأة المصرية إلى عدد كبير من المواقع
الحساسة في الدولة، كان آخرها
الأسبوع الماضي.
أبو النجا، التي لقبت في مجلس الوزراء بأنها «امرأة بمائة رجل»، وزيرة التعاون الدولي أكثر من 11 عاما قضتها مع 4 حكومات متعاقبة، واشتهرت بمواقفها الحادة تجاه الولايات المتحدة، أعادها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دائرة صنع القرار مجددا، بعد أن خرجت منها خلال حكم الإخوان المسلمين العام الماضي. حين عينها الرئيس المصري مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مستشارة لشؤون الأمن القومي. وهو ما شكل مفاجأة لم يتوقعها مؤيدوها قبل المعارضين، ولتصبح بذلك أول سيدة تتولى هذا المنصب الرفيع، الذي ظل شاغرا نحو 41 عاما، حين تقلده اللواء محمد حافظ إسماعيل، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
دلالات كثيرة وحيثيات متنوعة فجرها قرار تعيين أبو النجا، (63 عاما)، في ذلك المنصب الأمني. فما بين من اعتبره يوما فارقا في تاريخ المرأة المصرية، كونها أول سيدة تتولى هذا المنصب بالغ الحساسية والدقة، وفي ظل ظروف أمنية وسياسية معقدة تعيشها البلاد في أعقاب ثورتين شعبيتين في 25 يناير (كانون الثاني) 2011 و30 يونيو (حزيران) 2014، وأنه اختيار سديد نظرا إلى ما يحمله من بُعد مختلف، فاختيار وزيرة سابقة بدأت حياتها دبلوماسية، لذلك المنصب الأمني بعيدا عن رجال الاستخبارات والعسكريين، يثبت أن رؤية الرئيس السيسي للأمن القومي ليست عسكرية فقط ولكنها تحمل أبعادا أهم من ذلك لتشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى مقتضيات الأمن التقليدية، بجانب أنها تعد خبيرة في أمور الدولة.
أبو النجا التي احتلت المركز الـ19 في قائمة مجلة «فورين بوليسي» لأقوى 25 امرأة في العالم عام 2012، تعد أول سيدة تتولى وزارة التعاون الدولي عام 2001، في حكومة وزارة الدكتور عاطف عبيد، واستمرت في عهد حكومتي الدكتور أحمد نظيف (2004 - 2011) وحتى قيام ثورة 25 يناير.
وبعد الإطاحة بنظام مبارك، كانت السيدة أبو النجا من القليلين من أعضاء الحكومة الذين حافظوا على مناصبهم وتفادت أجواء الثورة والتغيير، حيث استمرت في حكومة الفريق أحمد شفيق، لكن التحدي الأبرز كان استمرارها في حكومة الدكتور عصام شرف التي تشكلت في مارس (آذار) 2011، وأضيفت لها وزارة التخطيط، لتندمج في وزارة واحدة «التخطيط والتعاون الدولي».
بدت أبو النجا أشبه بالقدر مع بقائها في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، التي أصبحت فيها بخلاف وزارتها الجديدة، متحدثة أيضا باسم الحكومة في الفترة من (25 نوفمبر 2011 - 24 يوليو «تموز» 2012)، واستمرت حتى انتخاب الرئيس الإخواني محمد مرسي، حيث خرجت من حكومة الدكتور هشام قنديل.
وتولت أبو النجا الدفاع عن حكومة الجنزوري حتى داخل البرلمان الذي هيمن عليه تيار الإسلام السياسي، وفي وقت كان حزب الأكثرية الإخواني، يقاتل من أجل الإطاحة بها (حكومة الجنزوري). وقد كافأ الجنزوري المرأة الحديدية في حكومته بقبلة شهيرة على جبينها تناقلتها طويلا وسائل الإعلام في اجتماع وداعي، خروجا عن المألوف.
يقول عنها الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية الحالي: «خلال الشهور الأربعة التي كنت فيها وزيرا للخارجية إثر ثورة 25 يناير تزاملت مع فايزة في مجلس الوزراء، وشاهدت بنفسي الدور المحوري الذي كانت تباشره.. واعتماد رؤساء الوزراء عليها في أهم الموضوعات، كما كان تحليلها الأحداث وشجاعتها في التعبير عن آرائها مثار إعجاب وتقدير من جميع الوزراء، حتى إن المستشار محمد عبد العزيز الجندي وزير العدل الأسبق، قال عنها عن حق إنها امرأة بـ100 رجل».
ويضيف، في مقال نشره بمناسبة تعيين أبو النجا في موقعها الجديد، «أثق تماما بأن اختيار رئيس الجمهورية لها لتولى المنصب يصب في مصلحة الوطن، فذلك منصب يتطلب تنسيقا وتعاونا وثيقين مع مختلف جهات الدولة، وعلى وجه الخصوص مع وزارة الخارجية».
الأمر الأبرز في تداعيات قرار تعيين أبو النجا مستشارة للأمن القومي، ذلك الذي يتعلق بالقلق الذي أثارته عودتها للحياة السياسية من جديد، لدى منظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، المحلية والأجنبية على حد سواء، التي لديها خشية من مرحلة جديدة يتم فيها التضييق على عملها الحقوقي، بالنظر إلى المواقف السابقة للمسؤولة الجديدة.
وقادت أبو النجا حملة ضارية ضد جمعيات المجتمع المدني في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، بلغت ذروتها مع توجيه التهم لـ43 موظفا في ثلاث منظمات أميركية غير حكومية تعمل في مجال دعم الديمقراطية، وهي (المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الديمقراطي الوطني، وفريدوم هاوس)، منهم 19 أميركيا منعوا من مغادرة مصر، بما في ذلك المديرون القُطريون.
وقد أثارت الحملة آنذاك أزمة دبلوماسية بين القاهرة وواشنطن، كادت تنهي المعونة السنوية التي تمنحها أميركا لمصر منذ التوقيع على اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب والبالغة 1.3 مليار دولار.
وخلال تلك الفترة، داهمت قوات الشرطة المصرية مكاتب تلك المنظمات بالقاهرة وصادرت أجهزة الكومبيوتر والوثائق وفرضت حظر سفر على موظفيها، بما في ذلك سام لحود، نجل وزير النقل الأميركي راي لحود، حيث وجهت النيابة العامة اتهامات بالعمل دون تراخيص وتلقي تمويل غير مصرح به من الخارج، وتهما تتعلق بتمويل أعمال العنف في الشارع. ووفقا لمصادر في تلك الفترة، أبلغت أبو النجا النيابة العامة في جلسة مغلقة أن الولايات المتحدة ضخت أموالا إلى المنظمات غير الهادفة للربح، الممولة من الحكومة الفيدرالية، في مسعى لنشر الفوضى، وإحباط نمو مصر كدولة قوية وديمقراطية، وتحويل الثورة لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
تقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، التي وصفت قرار تعيين أبو النجا مستشارة للأمن القومي المصري بـ«تصعيد السيدة المعادية لواشنطن»، إن «الوزيرة السابقة أثارت واحدة من كبرى الأزمات خلال 35 عاما من تحالف واشنطن والقاهرة، وأجبرت نجل وزير النقل الأميركي على الاختباء داخل السفارة الأميركية في القاهرة طيلة أسابيع خوفا من الاعتقال». وأمام الإصرار المصري، اضطرت واشنطن إلى دفع كفالة قدرها 4.6 مليون دولار من أجل سماح السلطات المصرية بخروج موظفيها المطلوبين قضائيا، وفقا لما ذكرته وزارة الخارجية الأميركية، حيث خرجوا «سرا» على متن طائرة مستأجرة إلى قبرص، رغم قرار حظر السفر عليهم قضائيا.
وقالت مصادر سياسية حينها، إن قائد الجيش المصري المشير محمد حسين طنطاوي، الذي كان يتولى إدارة البلاد في ذلك الوقت خلفا للرئيس الأسبق حسني مبارك، طالب أبو النجا بانتهاج «لهجة معتدلة مع واشنطن»، رغم رفضها.
وفي جلسة لمجلس الشعب السابق (البرلمان) في مارس 2012، وقفت أبو النجا، وقتها للتحدث عن علاقتها بقضية «التمويل الأجنبي»، قائلة: «ما تم اتخاذه من إجراءات كان في الاتجاه الصحيح، الأمة المصرية ترفض أن تكون سلعة عديمة القيمة تتداولها أيادي الأقوياء».
وأضافت أنها «اعترضت على الأسلوب السافر المتحدي للسيادة المصرية الذي اتبعته الإدارة الأميركية، وإنها تفتخر كمواطنة مصرية بأنها تعمل على حماية استقلال الوطن». كما صرحت قائلة: «كل بلد لديه أوراق ضغط في المجال السياسي، ومصر ليست استثناء». واعتبر محللون أميركيون عودة أبو النجا «تعني تجاهل السيسي المستمر تحالفه مع واشنطن، فضلا عن القلق حيال وضع منظمات المجتمع المدني». ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مايكل حنا، الباحث بمؤسسة سينشري فاونديشن، بنيويورك قوله: «تعيين أبو النجا يمثل صفعة واضحة في وجه الولايات المتحدة، لكنه يتماشى مع الطريقة التي تتعامل بها حكومة السيسي مع العلاقة الثنائية بين البلدين».
وفسر مراقبون عودة أبو النجا إلى المشهد الرسمي بأنه علامة جديدة على أن السلطات المصرية الحالية تعتزم اتخاذ إجراءات صارمة ضد منظمات المجتمع المدني، حيث سبق أن أعلنت الحكومة مهلة انتهت يوم 10 نوفمبر الحالي لامتثال هذه المنظمات لقانون جديد ينظم عملها وتوفيق أوضاعها.
لكن الدكتور أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس المصري السابق عدلي منصور، علق على تعيين فايزة أبو النجا، قائلا إن «مستشارة الرئيس الجديدة تصغر هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) بـ7 سنوات.. وأكثر كفاءة من مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس، لذلك من الطبيعي أن تشن الصحف الغربية حملة عليها».
في المقابل، وجهت عدة قوى معارضة، بينها تيارات إسلامية، انتقادات لاختيار أبو النجا، مدعين أنها وجه من وجوه النظام القديم. يقول الدكتور حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: «أبو النجا قررت الصعود السياسي عبر الحزب (الوطني) الذي ثار عليه المصريون، وتم حله بحكم محكمة». وأضاف: «نحن إذ نعلن رفضنا أبو النجا، فإننا لا نحاسب حساباتها، ولا نحاسبها هي على هذه الحسابات، فهي حرة فيها.. نحن فقط نقول إن عليها أن تشقى بشر هذه الحسابات كما نعمت من قبل بخيرها، لأنها في كل الأحوال كانت حسابات تتناقض مع ما نحسبها تكون حسابات المستقبل الذي لا مكان فيه لأي ارتباط سياسي برجل ثار عليه المصريون».
يمكن وصف أبو النجا بأنها وبحق «ابنة» الدولة المصرية ونظامها العريق، فهي منذ تخرجها في كلية التجارة بجامعة القاهرة عام 1973، حظيت بثقة أنظمة الدولة على مدار ما يقرب من 40 عاما.
تعد أبو النجا دبلوماسية من طراز رفيع، حيث بدأت مشوارها المهني بالانضمام إلى السلك الدبلوماسي عام 1975، وذلك عندما التحقت بالعمل في وزارة الخارجية المصرية. وكانت أولى مهامها في الخارج عضوية البعثة الدائمة لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، حيث مثلت مصر في اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، وكذلك في اللجنة الثالثة المعنية بموضوعات الحقوق الاجتماعية وحقوق الإنسان.
وفي عام 1987، انضمت أبو النجا إلى فريق الدفاع المصري برئاسة السفير نبيل العربي في لجنة هيئة تحكيم «طابا» في جنيف، التي أصدرت حكمها لمصلحة مصر بعد جلسات استماع قانونية ودبلوماسية طويلة وشاقة، مما أدى إلى استعادة مصر شبه جزيرة سيناء بالكامل.
ونظرا إلى علاقات العمل الممتدة مع الدكتور بطرس بطرس غالي، عندما كان وزيرا للدولة للشؤون الخارجية، تم اختيار أبو النجا، بصفتها الدبلوماسية المصرية الوحيدة للعمل معه مستشارا خاصا عندما تم انتخابه أمينا عاما للأمم المتحدة عام 1992.
يقول بطرس غالي عن تعيين أبو النجا في منصبها الجديد: «تلميذتي.. عملت معها في الأمم المتحدة 5 سنوات، وهي خبيرة في الشؤون الدولية والداخلية، تمتلك نضجا سياسيا».
ويرصد الدكتور نبيل العربي تلك الفترة التي عايش فيها السيدة أبو النجا من قرب، قائلا: «تعرفت إلى فايزة عندما انضمت إلى الوفد الدائم لمصر في نيويورك عام 1979 وكان الراحل الدكتور عصمت عبد المجيد مندوبا دائما وكنت مندوبا مناوبا، وعلى الرغم من صغر سنها آنذاك فإنها أظهرت كفاءة عالية مقرونة بإخلاص وتفان تام للعمل».
ويتابع: «تزوجت بالسفير المتميز هشام الزميتي، الذي عين عضوا في الوفد الدائم في جنيف، وصاحبته كزوجة في مهمته، وتوافق ذلك مع فترة الإعداد لتحكيم طابا، ونظرا إلى أن إعداد الأسانيد والدفوع المطلوب تضمينها في مذكرات الدفاع المصرية لتقديمها إلى هيئة التحكيم الدولية، كان يتطلب تغطية شاملة لفترة عصبة الأمم، فقد طلبت من فايزة تولي هذا الجانب المهم، وتمكنت بفضل دقتها ومثابرتها من موافاة الإدارة القانونية في وزارة الخارجية المصرية بخرائط ووثائق دعمت وجهة نظر مصر».
ويضيف: «حينما انتخب بطرس غالي سكرتيرا عاما للأمم المتحدة وقع اختياره على فايزة لتعمل مستشارا ومساعدا خاصا له، وقد عملت بمنتهى الإخلاص والتفاني، ثم قررت الاعتذار لخلفه كوفي أنان عن الاستمرار في ذات المنصب المهم والحساس.. رغم سعيه لإقناعها بالاستمرار في منصبها».
خلال الفترة من 1997 حتى 1999، شغلت أبو النجا منصب نائب مساعد وزير الخارجية للعلاقات الأفريقية الثنائية، في عهد وزير الخارجية آنذاك عمرو موسى حيث لعبت دورا بارزا في تحسين علاقات التعاون بين مصر والدول الأفريقية. واعترافا بإسهاماتها الكثيرة لصالح أفريقيا، تم التنويه عنها في كتاب الدكتور شارون فريمان «حوار مع قيادات نسائية أفريقية قوية: الإلهام، والدافع، والاستراتيجية»، باعتبارها واحدة من القيادات النسائية الـ11 الأكثر قوة في أفريقيا.
شغلت أبو النجا قبل انضمامها إلى مجلس الوزراء، في الفترة من 1999 حتى نهاية 2001 منصب مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف وكل المنظمات الدولية في المدينة السويسرية. كما شغلت منصب مندوب مصر الدائم لدى منظمة التجارة العالمية، ومؤتمر نزع السلاح، وهكذا ومرة أخرى تصبح أول سيدة في مصر تشغل أيا من هذه المناصب.
وقد لعبت أبو النجا من خلال هذه المناصب دورا مؤثرا عبر مشاركتها في الكثير من المؤتمرات الدولية المهمة، التي كان من أهمها المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية في كل من سياتل 1999 والدوحة 2001، ومؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك 2000، ومؤتمر الأمم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية في بانكوك 2000.
يربط البعض بين مواقف أبو النجا الخاصة برفض الانصياع أو الخضوع للقوى الغربية، وولادتها في بورسعيد (شمال شرقي البلاد)، في 12 نوفمبر 1951، حيث ترعرعت في ظل مقاومة شعبية لأبناء المدينة الباسلة ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وخلال حربي 1967 وحرب 1973 ضد إسرائيل. وقد انتخبت عام 2010 عضوا بمجلس الشعب عن مدينة بورسعيد، حيث فازت بأحد المقعدين المخصصين للنساء عن المحافظة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».