«الشرق الأوسط» تروي قصة مختبر ووهان المتهم بتصنيع «كورونا»

فرنسي الأصل تأسس في 2004 وبدأ تشغيله في 2018

صورة جوية لمختبر المستوى الرابع التابع لمعهد ووهان
صورة جوية لمختبر المستوى الرابع التابع لمعهد ووهان
TT

«الشرق الأوسط» تروي قصة مختبر ووهان المتهم بتصنيع «كورونا»

صورة جوية لمختبر المستوى الرابع التابع لمعهد ووهان
صورة جوية لمختبر المستوى الرابع التابع لمعهد ووهان

في حديثه الى صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية الخميس الماضي، استخدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبارة غامضة في سياق توجيه انتقادات مغلفة للصين ولطريقة إدارتها لأزمة وباء «كورونا». وإذ لم يصل ماكرون إلى العنف الذي يميز التنديد الأميركي والبريطاني في استهداف القادة الصينيين، إلا أن كلامه استبطن اتهامات ضمنية بقوله: «من الواضح أن أشياء قد حصلت (في الصين) ولا نعرف عنها شيئا»، في تلميح لغياب الشفافية في تعامل بكين مع منظمة الصحة الدولية ودول العالم الأخرى.
وجاء ذلك بعد التسريبات التي شككت بأن يكون مصدر انطلاق الوباء سوق الحيوانات الحية في مدينة يوهان، وفق ما تؤكد بكين، بل كونه «تسرباً» من مختبر بيولوجي متخصص بالفيروسات ويطلق عليه رمز P4 وهو قائم في المدينة نفسها على بعد مئات الأمتار فقط من السوق المذكورة. وإذا كان أهل الاختصاص يشككون برواية البروفيسور الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للطب الذي يؤكد أن فيروس «كورونا» تم «تصنيعه» في المختبر الصيني المذكور، فإن تحقيقات تُجرى في الوقت الراهن، منها ما تقوم به المخابرات الأميركية للتحري عن احتمال حصول «حادث تسرب» غير مقصود نتيجة تعامل خبراء المختبر المتخصص بدراسة الفيروسات المستجدة. وما يزيد من منسوب الشكوك أن السلطات الصينية حالت دون قيام منظمة الصحة الدولية بتحقيق حول هذه الحادثة، كما أنها لم تذع نتائج التحقيقات التي قامت بها مكتفية بنفي الادعاءات الغربية.
هذه الأمور أصبحت معروفة. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن مختبر P4 صناعة فرنسية وجاء نتيجة تعاون بين باريس وبكين. وهذه القصة تستحق أن تروى. ففي العام 2004، كان جاك شيراك رئيسا للجمهورية الفرنسية فيما كان هيو جينتاو رئيسا للصين. وقبل ذلك بعام، ضرب الصين وباء SRAS الذي يصيب الجهاز التنفسي وقد انطلق أيضا من هذا البلد. ونقلت صحيفة «لوفيغاور» أول من أمس عن مسؤول سابق لم تكشف هويته، أن قناعة تنامت في باريس حول ضرورة مساعدة الصين في تلك الفترة والعمل معها بشأن الفيروسات المستجدة وتمكينها من إجراء الدراسات والاختبارات حولها في ظروف جيدة وآمنة والاستعانة بالأجهزة اللازمة، ودون ترك الخبراء الصينيين يتعاملون لوحدهم ومن غير رقابة مع هذه الفيروسات. وبما أن هذه الفيروسات جديدة، فليس لها لقاحات أو أدوية وهو حال «كوفيد - 19» اليوم.
من هذه الزاوية، يرى مراقبون أن هناك مسؤولية ما تقع على كاهل فرنسا. ويفند تحقيق قامت به الإذاعة الفرنسية «راديو فرنس» أن مشروع تزويد الصين بمختبر بالغ الحساسية لم يكن يلقى إجماعا في باريس رغم الدعم الذي وفره رئيسا الجمهورية والحكومة جاك شيراك وجان بيار رافاران وجزء من الجسم الطبي وبينهم برنار كوشنير الذي أصبح لاحقا وزيرا للخارجية. والمعارضة جاءت من خبراء منع انتشار الأسلحة البيولوجية في وزارتي الدفاع والخارجية والأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، فضلا عن أوساط البحث العلمي. والتخوف الأول هو أن يستخدم المختبر المتقدم الذي لا يوجد إلا القليل منه عبر العالم، من أجل تطوير ترسانة أسلحة بيولوجية، علما أنه لا توجد في العالم رقابة على هذا النوع من الأسلحة بعكس حال الرقابة على المواقع النووية أو الكيماوية. ونقلت «لوفيغارو» عن أحد الذين عملوا على هذا المشروع قوله إنه «يتعين أن نأخذ في الاعتبار أن مختبرا من هذا النوع يشابه مصنعا لمعالجة المادة النووية. إنه قنبلة ذرية - بكتريولوجية». ويضيف هذا المصدر إن «الفيروسات الأكثر خطورة يتم التعامل معها مثل فيروس إيبولا أو سارس أو غيرهما، والتدابير الأمنية والمحافظة على السلامة وتجنب العدوى أو التسربات التي يجب أن تحترم بشكل صارم».
رغم المعارضة الداخلية، قررت السلطة التنفيذية السير بالمشروع، وأسندت للصناعي آلان ميريو وهو أحد أهم الضالعين في تصنيع الأدوية في فرنسا ولنظيره الصيني الدكتور شين زهو الإشراف على المشروع. وقبل ذلك بعام، كانت فرنسا قد وفرت للصين مختبرا أقل تقدما من طراز P3 مباشرة بعد تفشي وباء «سارس» الذي أوقع حوالي عشرة آلاف ضحية. وقد شكا الفرنسيون من ضعف التعاون الصيني، بينما كانت باريس التي نقلت إليها إنتاجها الكثير من شركات تصنيع الأدوية، تسعى لشراكة كاملة. ونقلت شهادات تعكس رغبة الخبراء الصينيين في الاستفراد في تشغيل واستغلال مختبر P3 والتحلل من الرقابة الفرنسية وعدم التزام الشفافية.
إذا كانت الموافقة على إنشاء المختبر تمت في 2004، إلا أن التنفيذ استمر طويلا ولم يتم الانتهاء من الأشغال والتجهيز إلا بداية العام 2015، أما تدشين المختبر والبدء بتشغيله فقد صادف أول زيارة الدولة في شهر يناير(كانون الثاني) عام 2018 التي قام بها الرئيس ماكرون الى الصين. وبانطلاقه، تكون الأوساط الصينية قد حصلت على مختبر متقدم جدا ومتخصص بالأوبئة والفيروسات الجديدة ومنها وباء «كوفيد 19» الذي لم يكن معروفا سابقا. إلا أن الشكوى الفرنسية سبقت الانتهاء من الأشغال. فالجانب الصيني أصر على أن تكون الإنشاءات من اختصاصه بما يخالف الاتفاق بين الطرفين. وتنقل «لوفيغارو» عن أحد الاختصاصيين الضالعين في المشروع أن باريس «ماطلت قبل أن تعطي موافقتها النهائية فيما كانت هناك مشاريع أخرى كبيرة قيد المناقشة مع الصين ومنها مشروع إنشاء مصنع لمعالجة النفايات النووية وآخر لبيع طائرات إيرباص. ويتعين علينا أن نعي أن فرنسا قوة متوسطة وهي غير قادرة، بعكس الولايات المتحدة الأميركية، على وقف العمل بمشروع من شأنه استتباع ضغوط أو عقوبات اقتصادية من جانب الصين».
وبرأي هذا الاختصاصي أن الصينيين «يسعون لتملك تكنولوجياتنا لا بل اللجوء إلى الابتزاز»، فيما يرى ديبلوماسي أن فرنسا تعاملت «بسذاجة» لأنها اعتبرت أنه يمكن «محض الصينيين الثقة، بينما كنا نحصل على تطمينات على الورق ليس إلا».
وهكذا، ووفق تحقيقات متعددة أجريت في الأيام الأهيؤرة، يتبين أن الجانب الصيني لم يحترم بنود الاتفاق الأساسي وكانت النتيجة أن الخبراء الفرنسيين الخمسين الذين كان يفترض أن يعملوا في مختبر يوهان خلال خمس سنوات إلى جانب زملائهم الصينيين، لم يذهب منهم أي أحد إلى الصين بحيث وجد الصينيون بحوزتهم أحدث مختبر في العالم ومن غير رقيب أو حسيب. وتجدر الإشارة إلى أن معلومات أميركية كشفت عنها النقاب مؤخرا صحيفة «واشنطن بوست» أفادت بأن ديبلوماسيين أميركيين أشاروا منذ العام 2018 إلى غياب تدابير السلامة اللازمة في المختبر الجديد ونبهوا سلطات بلادهم بهذا الخصوص.
هل هذه المعلومات يمكن أن تدل على مصدر الوباء؟ هل هو المختبر الحديث أم سوق الحيوانات؟ السؤال مطروح ومن غير الذهاب بعيدا إلى نظرية «المؤامرة» التي تتمتع بمدافعين عنها، فإن شكوكا حقيقية موجودة بشأن «تسرب» الفيروس بفعل الإهمال أو الخطأ عبر أحد العاملين فيه. ولا يمكن تبديد الشكوك إلا بحصول تحقيق محايد وشفاف، وهذا لن يحصل إلا إذا تعاونت الصين وقبلت أن تفتح مختبرها أمام خبراء منظمة الصحة الدولية أو أية جهة محايدة.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.